رواية وريث العنقاء رمح الثأر الفصل الاول 1 بقلم عاصم زاهر خليل

رواية وريث العنقاء رمح الثأر الفصل الاول 1 بقلم عاصم زاهر خليل


 🩸 "قطرة الدم والوشاح الأبيض"

، في أحضان قرية ريفية يمنية يكسوها الجمال، ومع بزوغ خيوط الفجر الأولى، كان هناك طفلٌ في التاسعة من عمره يجلس عند عتبة منزله المتواضع والمتهدم بعض الشيء. كان الطفل يشاهد ولادة الشمس، سارحاً بفكره في سحر الشروق، حتى صدح في الأرجاء صوتٌ حنونٌ يفيض دفئاً: «عاصم! هيا لتناول الفطور يا بني».

التفت الطفل قائلاً ببهجة: «سأشاهد شروق الشمس وآتي فوراً يا أمي، إنه منظر جميل جداً!»

ردت الأم مبتسمة: «هيا يا بني سيبرد الطعام، أنت تشاهد الشمس كل يوم ولا تملّ منها أبداً! ادخل وأيقظ أخويك حتى أجهز الصحون».

«حسناً يا أمي، سأوقظهما الآن».

​ركض عاصم إلى الغرفة الملحقة بالمنزل، اقترب من شاب يناهز الثامنة عشرة من عمره وقال: «هيا يا آسر، لقد جُهّز الطعام»، ثم التفت إلى طفل آخر في الثالثة من عمره وتابع: «وأنت يا أسعد، هيا استيقظا».

خرج عاصم يركض مسرعاً نحو أمه، وعندما وصل، وجد المائدة ممدودة على الأرض، وكانت أخته إسراء ذات السبع سنوات جالسة تأكل بوجوم وسرعة فائقة، وكأنها في معركة طاحنة مع الطعام!

قال عاصم بحنق طفولي: «أختي إسراء، لِمَ لا تنتظرين إخوتي؟ هذا ليس عدلاً!»

توقفت إسراء عن الأكل فجأة، رفعت رأسها ونظرت إليه، وكانت في عينيها لمعة غامضة وغريبة وهي تقول بنبرة باردة: «لأنه بعد نصف ساعة.. لن يكون لنا وجود!»

تعجب عاصم وقال: «لماذا تقولين هذا يا أختي؟ أنتِ دائماً تتحدثين بكلام غريب لا أفهمه!»

نظرت إليه بعمق وتابعت: «اليوم، وبعد نصف ساعة، ستتغير حياتك رأساً على عقب، وستمضي في هذه الدنيا وحيداً، وحينها ستفهم كل شيء يا أخي.. ستعرف معنى كل كلمة قلتها لك ولم تستوعبها».

«ولكن يا أختي...»

​قاطع حديثهما وصول أخويه وجلوسهما معاً. اجتمعت العائلة كلها حول المائدة في جو لطيف وجميل، يتبادلون النكات والضحكات. كانت لحظات دافئة تسلب القلوب، ولكن هيهات أن تستمر اللحظات الجميلة في هذه الغابة الملعونة.

قال عاصم: «لقد شبعت، سأذهب لأغسل يدي».

وما إن دخل الحمام، حتى اهتز البيت بأكمله إثر ارتطام عنيف بالباب الرئيسي، وكأن فيلاً ضخماً اصطدم به!

​تقوقع عاصم في مكانه برعب شديد، لا يدري ما يدور في الخارج، لكن أصوات والدته وإخوته تداخلت مع صرخات رجال غرباء خشنة. حشر الصغير نفسه في زاوية الحمام الضيقة، ولم يجرؤ حتى على رفع رأسه. اشتد الصراخ في الخارج، وتمايز صوت أخيه الأكبر "آسر" وهو يشتم الغرباء ويلقيهم بكلمات بذيئة دفاعاً عن شرفه، لكن الطامة كبرى وقعت عندما سمع عاصم وبوضوح صوت رجل يبدو أنه قائد هؤلاء الغزاة يصيح: «أسكتوهم في الحال! لا أريد سماع أي صوت.. إلا هذا الشاب (آسر)، نحتاجه لينضم إلى الجيش، أما الباقون فلا حاجة لنا بهم!»

​هنا، انفجرت أصوات العائلة بصراخ مرعب، وتبعتها أصوات ضرب مبرح وشديد. أغلق عاصم أذنيه بيديه الصغيرتين بكل قوته، ساعياً ألا يسمع صرخات الموت الصادرة من عائلته.. وفجأة، انقطع الصراخ تماماً! ساد صمتٌ قاتل لم يمزقه إلا صوت أخيه الأكبر وهو يصرخ بوجع ويبكي بحرقة وهم يجرونه بعيداً.

​لم يعد عاصم يتحمل، وفي تلك اللحظة السوداء، ومضت في عقله كلمات أخته إسراء التي قالتها قبل قليل: بأنه سيبقى وحيداً في هذا العالم، وسيفهم معنى كلامها. انفتح جرح الحقيقة المرة في رأسه، وأدرك لِمَ انقطعت أصوات عائلته فجأة.. وعام عقله في الظلام، فأغمي عليه في الحال.

​مرّ اليوم بأكمله وعاصم غائب عن الوعي، ولم يستيقظ إلا مع حلول عتمة الليل. عندما فتح عينيه ووجد نفسه في الحمام، داهمه شريط الأحداث المرعبة.. فاستجمع شجاعته وفتح الباب بخطوات وئيدة، وقلبه يقرع صدره كطبل حرب. خطا خطوته الأولى لداخل المنزل، فهاله ما رأى! لم يصرخ ولم تبكِ عيناه، بل تجمدت ملامحه كصخر الجبل.

​نظر إلى أمه.. ورأسها لم يعد يربطه بجسدها إلا القليل! وأخوه الصغير "أسعد" قابعٌ في حضنها وقد التوت رقبته بزاوية مرعبة غابت معها فقراتها. كتم عاصم أنفاسه، وشعر بأن روحه غادرت جسده ولم يبقَ منه سوى هيكل باهت. تقدم ليخرج من البيت فاراً من هذا الجحيم، ولكن عند العتبة، صُدم بمشهد أخته إسراء.. كانت مرمية على الأرض بلا ستر، يغطي جسدها الكدمات والدماء، ورأسها مفصول عنها بالكامل!

​بدأ الانهيار يشق طريقه إلى جسده؛ إنه طفل في التاسعة، كيف لقلب طفل أن يتحمل كل هذا الخراب؟! انهار على ركبتيه، وبدأت عيناه تحمرّان بشدة، ومن بين جفونه المشتعلة، لم تخرج دموع.. بل خرجت قطرة دم واحدة، قطرة دم نقية مسحها بقوة عن وجهه، ثم نهض بصلابة مرعبة، وضرب صدره بقوة وقال بصوت حازم: «لن تبكي هذه العين بعد اليوم.. ولن ينبض هذا القلب بضعف!»

​انحنى إلى الأرض، وأخذ وشاحاً أبيض يخص أمه كان ملطخاً بدمائها الزكية، وتلثم به مغطياً وجهه بالكامل، وأقسم: «ولن يرى أحدٌ أبداً هذا الوجه.. حتى آخذ بثأركم جميعاً! أعدكم بهذا».

​خرج من منزله، ليفاجأ بأن القرية بأكملها قد أُبيدت، وأن كل المنازل شهدت نفس المجزرة التي حلت بعائلته. لم يلقِ بالاً لأحد، وسار بلا هوادة، يدفعه غضبٌ صامت. مشى حتى وصل إلى أطراف القرية، وصعد الجبل الشاهق الذي يفصل موطنه عن القرى الأخرى. وقف فوق القمة، ونظر إلى الأسفل مودعاً: «وداعاً يا أمي.. لن أعود إلى هذه القرية التي شهدت موتكِ ما حييت، سأسير حتى أصبح أقوى مقاتل في اليمن، بل في العالم بأسره! أعدكِ بهذا، وحينها لن يجرؤ كائن أن يقف في طريق انتقامي!»

​وغادر الطفل عاصم قريته.. ولكنه لم يعد ذلك الطفل الذي يعشق بزوغ الشمس؛ الآن هو شخص مختلف تماماً، لقد نضج قبل أوانه. مشاهد عائلته الممزقة وأصواتهم قبل الموت جعلته رجلاً في ليلة وضحاها. غادر قريته التي ترعرع فيها، والتي كان يراها أجمل قرية في اليمن، غادرها وهو يحمل نفساً أخرى.

​في قرية بعيدة نسبياً، وداخل صالة تحت الأرض مخصصة لاجتماعات نخبوية، كان هناك جمعٌ من قادة الفرسان. الصالة كانت مكاناً لتدريبهم، ويبدو أن شجاراً عنيفاً قد نشب بينهم.

كان هناك رجلٌ شديد البنية، طويل القامة، وعلامات الانفعال الشديد تكسو وجهه، فصرخ فيهم بصوت هز الجدران: «أحذركم! إن لم تكفوا عن قتل الأبرياء والأطفال.. ستندمون ندماً شديداً!»

رد عليه أحد القادة الموجودين باستهزاء وتحقر، والكره يملأ عينيه: «وماذا سيحدث إن لم نتوقف عن القتل يا هذا؟»

استل الرجل هيبته وصاح: «حينها سأقف لكم أنا "زاهر" بنفسي.. وسأقتلكم بيدي هاتين!»

​ألقى كلماته النارية وخرج من الصالة قابضاً على قبضتيه بقوة تكاد تفجر عروقه. عند المخرج، واجهه شخصٌ ذو رتبة أعلى، ونظر إليه قائلاً: «زاهر، ما بك؟»

أجاب زاهر محاولاً كبح غضبه: «لا شيء.. ولكن أريد العودة إلى قريتي لأرتاح هذين اليومين، فإني مرهق جداً».

هز المسؤول رأسه وقال: «حسناً، عد وارتح جيداً، وعندما أحتاجك سأستدعيك فوراً. وخذ حصاني معك، إنه الأقوى بين الأحصنة وسينفعك بالتأكيد في طريقك».

شكره زاهر، واعتلى صهوة الحصان الأقوى، وبدأ طريقه نحو قريته.. غير عالمٍ بما يخبئه له القدر.

​نهاية الفصل الأول

​توقعاتكم:

​ماذا سيفعل عاصم ليصبح أقوى مقاتل؟

​وما هو دور الفارس زاهر في مستقبله؟

أرجوا التفاعل معي لأنشر الفصل الثاني وأكيد رح تنصدموا بالأحداث.

.. وصف الرواية...

حيثُ يمتزجُ نصلُ الدمِ بهمسِ الأساطير.. وحيثُ يُكتبُ القدرُ بمدادِ المسندِ العتيق.

في بقعةٍ من الأرضِ لا تعترفُ بالرحمة، وحيثُ لا ينجو إلا من طوعَ الحديدَ لإرادته، ينهضُ "عاصم" -الفتى الذي نبتَ من رحمِ المجزرة- ليعيدَ إحياءَ إرثٍ ظنّ العالمُ أنه فنيَ للأبد. ليس مجرد طفلٍ هارب، بل هو حاملُ القلادةِ التي تُحاكي الجان، ووريثُ الرمحِ الذي نُقشت عليه أسرارُ الممالكِ المنسية.

​هل هي صدفةٌ أن يختارَ الموتُ أن يتركَه حياً؟ أم أن النارَ التي تُحرقُ الشعابية هي ذاتُها التي ستصهرُ روحَ "وريث العنقاء" ليصبحَ الشعلةَ التي تُحرقُ عروشَ الخونة؟

بين أطلالِ القصورِ المظلمةِ وصمتِ الغاباتِ المسكونةِ بالخبايا، تبدأُ الحربُ التي لن تنتهي إلا بدمٍ طاهر.. أو رمادٍ أبدي.

​⚔️ رسالةٌ من صُنّاعِ الملحمة:

إنَّ ما ينتظركم بين السطور ليس مجرد كلمات، بل هو نداءٌ للدمِ المسفوكِ والسيوفِ العطشى. لقد استغرقت صياغةُ هذه الملحمةِ ثلاثةَ أيامٍ من الانغماسِ الكاملِ في عالمِ الأسرار، والآن، حان دورُكم لتكونوا شهوداً على الحقيقة. خليلٌ هارب، والظلالُ تتجمع.. فهل أنتم مستعدون لحملِ الرمح؟



                      الفصل الثاني من هنا

           لقراءة جميع فصول الرواية من هنا

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة