
رواية ظننتك قلبي لكن بعض الظن إثم الفصل العشرون 20 بقلم رشا روميه
« عيون مشتاقة ...»
( الجزء الثاني )
أنت الأول والأخير لا يضاهي وجودك شئ ، سلام على كل عابر بقلوبنا فلا أحد يمكنه ملأ فراغك مهما حاول ، يقتلني شوقي إليك فبقلبي حنين صامت يتتوق لرؤياك ، فهل يصلك رسالة صمتي أم أنني بالإشتياق وحيد ...
عطارة النجار ...
بتحفز شديد لهذا الزائر الغامض إنتظر "فريد" لبعض الوقت حتى لاح طيف شاب طويل ذو وجه محدب وشعر مموج ، شاب يتمتع بعينين بنيتين لامعة يدلان على المكر والدهاء ...
تقدم "حامد" تجاه مكتب "فخري" الذى إحتله "فريد" اليوم بغياب والده وأخيه ..
إنها الفرصة التى لا تأتي إلا مرة واحدة بالعمر ، فهذا الشاب قادر على إختلاق المال من العدم ، محظوظ كما يقولون ومن جاور السعيد سيسعَدُ ...
هلل "فريد" مرحبًا بـ"حامد" قائلًا ...
- أهلًا أهلًا ... نورت يا أستاذ "حامد" ...
لم يكن "فريد" بالغريب عن "حامد" بل هو يعرفه حق المعرفة لهذا كان رد فعله مناسبًا لشخص بهذا الغباء والمحدودية ليرد التحية ببعض الإستعلاء لإدراكه لحاجته له ...
- أهلًا ...
أشار "فريد" تجاه المقعد بإبتسامة سعيدة ..
- إتفضل أقعد ... إتفضل إتفضل ...
جلس "حامد" وهو يضرب بعيناه المتجولتان لداخل الوكالة ليقيس مدى ثراء هذه العائلة ليحدد ما يمكنه كسبه من ورائهم ...
- خير يا "فريد" .... "حنين" كلمتني عشان شغل ...؟!! إيه الشغل ده ...؟!!
زاغت عينا "فريد" بإضطراب متخوفًا من أن يلاحظ أحدهم حديثه ليجيبه بنبرة خفيضة قلقة للغاية ...
- أى حاجة ... أنا معاك فى أى حاجة زى ما "حنين" قالت لك .. إللي تقدر عليه نعمله تبع شغل الوكالة ...
لم يكن بالأمر المجهد أو المعقد عليه ليدرك مقصده بالعمل الغير مشروع سريع الربح ، وبتجارة كالعطارة وما شابهها هي وسيلة رائعة لهذا الأمر لكنه كان بالدهاء بألا يظهر رغبته المُلحة بالعمل معه ليردف بلا إكتراث ...
- مفهوم .. مفهوم ..
بقلة صبر على فهم الأمر وما يتطلب منه أسرع "فريد" مستوضحًا ...
- يعني حنعمل إيه ... وإمتى ...؟؟!
- مستعجل ...؟!!
حماسه النابع من كل ملامحه كانت إجابته قبل أن يتفوه بها بالكلمات ...
- أوى ...
لن يضيع "حامد" الأمر من بين يديه ليجيبه ببعض التوضيح ..
- إحنا حنبدأ نجيب شوية بضاعة داخل شحنات الإستيراد بتاعتكم ... وفيه ناس فى مكتب إستيراد حتساعدنا فى القصة دي متقلقش ... بس تديني معلومات الشحنات وأنا حتصرف .. وعمولتك محفوظة ... وبعد كدة لو معاك راس مال ممكن تدخل فى نسبة من ثمن البضاعة ... بس مش دلوقتِ ... ركز بس تجيب لي مواعيد وتفاصيل الشحنات إللي بتيجي بإسمكم ...
- معاك أنا ... كله حيبقى تمام ...
بتفهم أومأ "حامد" لينهض منهيًا هذا اللقاء قائلًا بتحذير ...
- المرة دى بس أنا جيت هنا ... بعد كدة تجيلي مكتبي ... ده العنوان .. عشان منثيرش أى شكوك حوالينا ...
مد "حامد" يده بأحد البطاقات المدونة عليها إسم الشركة وعنوانها وأرقام الهواتف الخاصة به ليقرأه "فريد" بعينيه وقد لمعت ببريق طامع فأخيرًا ستحقق أحلامهم ...
رواية بقلم قوت القلوب رشا روميه
❈-❈-❈
شقة مودة ...
طرقات صاخبة صاحبت حضورها المميز الذى يمحو كل ضيق وحزن بقلبها ، إبتسمت "مودة" وهي تستمتع بحضور أختها الصاخب فعليها النظر لنصف الكوب الممتلئ فهي الآن بوظيفة رائعة وإلى جوار من تتنفس هواه ...
لم تنتظر "غدير" أن تفتح لها "مودة" الباب لتفتحه هي بمفتاحها الخاص فقد تذكرته أخيرًا وأحضرته معها ...
لم تكاد تخطو خطوة واحدة داخل الشقة لتنحني بحماس شديد تهنئ "مودة" بعملها الجديد ...
- مسا مسا على الأيدى العاملة ... يا كاشاتِك يا فلوسِك يا "دوداااااااااا" ....
تجاوبت معها "مودة" بجنون مماثل لجنون أختها نصف قمرها الغالي ...
- ويا فلوسك يا هولنداااااااا ...
إحتضنتا بعضهما البعض وتعالت ضحكاتهم الرنانة حتى قبضت "غدير" ذراعيها المحيطتان بأختها لتقفزا سويًا بسعادة شديدة تتمنى كل منهما أن تبقى بحالة الإنتشاء هذه للأبد ...
دارتا لبعض الوقت حول بعضهما البعض قبل أن تتوقفا بصدر ناهج وقد وضعت "غدير" يدها فوق صدرها بتألم رغم ضحكتها المتسعة ...
- اه ... بس بس ... أحسن الأزمة تيجي ... نهدا بقى شوية ... ماليش مزاج أتعب النهاردة ...
بقلق سحبتها "مودة" نحو الداخل قائله ...
- طب تعالي أقعدي إرتاحي ... بلاش تنطيط ...
جلست "غدير" تلتمس بعض الراحة حتى لا تزيد من حالتها سوءًا وتصاب بأزمة تنفسية جديدة ...
بأنفاس متقطعة إستطردت "غدير" ...
- إحكي لي ... بقى ... إيه إللي حصل النهاردة ... بالتفصيل الملل ....
أوسعت "مودة" حدقتيها بطرافة قائله ..
- الظاهر إني خربتها على الآخر النهاردة ...
- ليه ...؟؟؟
حاولت "مودة" ألا تظهر إحساسها ومشاعرها تجاه "رؤوف" لتقص الأمر بوصف فقير للغاية على أختها ...
- شكل وجودي عمل مشكلة بين "رؤوف" و "نيره" ...
برد فعل تهكمي حين رفعت "غدير" عينيها للأعلى محركة رأسها بهزة ساخرة ...
- وهم من إمتى مفيش بينهم مشاكل ... دول بتوع المشاكل كلها ... إحكي يا بنتي إحكي ...
لم تطل "مودة" الأمر كثيرًا حتى لا يظهر منها ما تود إخفائه أو شعورها بأنها لا أهمية لها لدى "رؤوف" وتشعر بوخز قلبها مرة أخرى ...
- خلاص بقى ... خلينا نتكلم فى حاجة تانية ... ( لتبدل الموضوع تمامًا حين سألتها بشقاوة) .... تاكلي بطاطا ...؟!!
إمتعاض شديد حل بوجه "غدير" متسائله ببعض التفاجئ ...
- بطاطا ...؟؟؟ إنتِ من إمتى بتاكلي بطاطا ... ؟؟؟ عمرك ما حبتيها ...!!!
عقصت "مودة" وجهها قليلًا ثم أجابتها ...
- طنط "سوسن" مرات خالو "منير" بعتاهالي إمبارح ... تقريبًا صينية البطاطا مظبطتش معاها قامت بعتتهالي ...
ضحكت "غدير" من تصرف زوجة خالها فهي إمراة بخيلة لا تهدي أحد إبرة حياكة فبالطبع لم تكن لتهدي "مودة" طعام إلا لأنها أفسدته لا أكثر ...
- لا كتر خيرها ... أنا بقول نطلب بيتزا أحسن بلاش حكاية البطاطا دي ... أنا أصلًا بطني بتوجعني ...
وافقت "مودة" على إقتراح "غدير" فقد قرصها الجوع بالفعل ولم تحضر أى طعام اليوم وبالتأكيد لن تساعدها "غدير" بهذا الأمر فهي طاهية فاشلة مثلها ...
❈-❈-❈
حل المساء لينتهي يوم عمل معتاد بحي النعماني ، مساء محير لتلك العقول الهادئة بأحوال لم تكن بالحسبان ...
رواية بقلم قوت القلوب رشا روميه
خلعت "شجن" معطفها الأبيض لتنهي بهذا عملها البسيط بالمستوصف لكن طلب "أيوب" الغريب مازال له وقع بنفسها فهي بالفعل تود مساعدته بوحدته لكنها لن تقدر على ترك عائلتها الصغيرة والسفر معه ، فأمها وأختها لا تُحسنان التصرف بدونها فهما تحملان قلبًا مرهفًا للغاية لا يمكنهما من التصرف بتعقل وهذا ما يجعلها دومًا قلقة عليهن ...
تحركت بخطواتها البسيطة تجاه المكتبة للمرور بـ"نغم" لترافقها إلى البيت بطريق عودتهم المعتاد ...
في الموعد المحدد خرجت "نغم" تهرول بخطواتها المتعجلة لخارج المكتبة فقد حان موعد مجئ "شجن" ...
- واقفه بقالك كتير ...؟؟! إتأخرت عليكِ ...؟؟؟
رفعت "شجن" كتفيها بخفة ثم أهدلتهما ...
- لا خالص ... لسه بدري أوى ...
زفرت "نغم" براحة فقد ظنت أنها تأخرت عليها لتهتف بها ...
- طيب الحمد لله ... يلا بينا ...
تعلقت بذراع أختها كالعادة إستعدادًا لإتخاذ طريق العودة ، لكن لم يتحركا خطوة واحدة حتى سمعتا صوت هادئ رجولي ينادي بإسم "نغم" ....
- "نغم" ... "نغم" ...
إستدارتا نحو مصدر الصوت لتفاجئ "نغم" بـ"بحر" يقف من خلفهما متحدثًا إليها بصدر ناهج وأعين هائمة ...
- إستني يا "نغم" ... نسيتي شنطتك ...
إنتهبت "نغم" لحقيبتها ، ولها فقط دون أن تتفهم تلك النظرات العاشقة التى يتطلع بها إليها لتردف بإمتنان ...
- إيه ده ...!!! ده أنا الظاهر مش مركزة خالص ... شكرًا بجد ...
كمن وقع بينهم حجاب يحجز مشاعره التى يراها الكفيف عنها بينما كانت هي منشغلة بإحساس آخر بعيدًا عن هذا المتيم ، إبتسم "بحر" بجاذبية ...
- معلش حصل خير ... أنا قلت ألحقك قبل ما تمشوا ...
علقت "نغم" حقيبتها بكتفها وهي تجيبه بإمتنان مرة أخرى ...
- كتر خيرك يا أستاذ "بحر" ... أنا كل حاجة ليا بحطها فى الشنطة .. كويس إنك لحقتنا ...
أومئ بخفة حين إنتبه أخيرًا لـ"شجن" التى كانت تتفرسه بقوة ...
- إزيك يا أستاذه ... مش "شجن" برضه ...؟؟؟
أسرعت "نغم" تجيبه بتلقائية ...
- أيوة هي "شجن" أختي إللي جات لك عشان تشغلني فى المكتبة ... إنت نسيتها ولا إيه ...؟؟؟
- لأ طبعًا فاكرها ...
فراستها وذكائها إستطاعت به "شجن" إدراك ماهية هذا العاشق المتيم بأختها ، نظراته الولهة وحديثه اللطيف لا ينم إلا عن محب يتتوق باحثًا عن لحظة تجمعه بمن يهواه ...
لحظات قليلة قبل أن تتخذا طريقهن للعودة إلى البيت ليظل "بحر" متابعًا لهما حتى غابتا عن مرآه ، لتسأل "شجن" أختها سؤالًا ذكيًا تحاول به التأكد مما فهمته ...
- إلا قوليلي ... هو أستاذ "بحر" ده مرتبط ... ؟؟!!
لتجيبها تلك الغائبة عن الواقع دون إدراك لمشاعره الواضحة ...
- تقريبًا لأ ... بس أظن إنه بيحب بنت هي مش حاسه بيه ... شكله حب من طرف واحد ...
عقبت "شجن" بإندهاش ساخرة من غباء أختها ...
- ومتعرفيش مين بقى سعيدة الحظ دي ...؟؟؟
تلقائية "نغم" وفهمها المحدود للمشاعر و إدراك تصرفات من يحيطون بها كان جليًا على ملامحها البريئة ...
- لأ خالص ... بس قلت له لو عاوز مساعدتي إني أقولها أنا معنديش مشكلة ...
فغرت "شجن" فاها بأختها المغيبة التى لم تدرك كم يعشقها هذا الرجل لتردف بتهكم ...
- و ربنا ...!!! إنتِ عايزة تساعديه ..؟؟! ومش عارفه هي مين ...!!!
- اه والله وأنا يعني حكدب عليكِ ... بس هو مش راضي ... مش عارفه ليه ... ؟؟!!
توجهت "شجن" نحو السماء بضجر من بلادة إحساس أختها ...
- الرحمة يا رب ... إمشى من قدامي ... ده أنا مشفتش غباء كدة ...
تطلعت بها "نغم" بإستياء وعدم فهم لم تنعتها بالغبية دون أن تتصرف بذلك ...
- فيه إيه يا "شجن" ... الله ...!!!!
لوت "شجن" فمها بإمتعاض قائله ...
- مفيش يا أذكى إخواتك ... يلا نروح ...
رفعت "نغم" كتفيها وأهدلتهما بدون فهم مقصد "شجن" من حديثها المبهم ليستكملا طريقهم بينما أخذت "شجن" تخبرها بعرض "أيوب" لمرافقته بالسفر معه لبلدته ورعايتها له هناك لتكون تعقيبها بالرفض تمامًا كما رفضت "شجن" فهي لا تتخيل حياة "شجن" غائبة عنهم بها ...
❈-❈-❈
تدلى الليل بسواد أستاره وتبدأ ليلة لم تهنأ بها الجفون براحة وسكينة معتادة ، شعور بالغربة يخيم على القلوب ، فالغربة هي ضياع قلب كنت تملك مفتاحه ..
الإشياق ينبع أولًا من العيون ، لهيب الشوق يتناسى الجميع ويرى فقط الحبيب الذى تلهف القلب لرؤياه ...
بجلسة معتادة بعد نهاية يوم عمل بالمطعم كان "رشيد" برفقة أصدقائه يبدأ سهرته بالمقهي ...
رواية بقلم قوت القلوب رشا روميه
إندمج اصدقائه بلعب (الدومينو) بينما لاحت عيناه تتابع المارة هنا وهناك مع قلتهم بهذا الوقت فالأغلبية عادوا لمنازلهم يلتمسوا بعض الدفء بهذه الأمسية الباردة ...
غطت بعض السحب المتقطعة السماء لتحجب ضوء القمر ، أجواء كئيبة بعض الشئ لكن ذلك لم يشعر به "رشيد" مطلقًا فقد ظن أن الطقس رائع وصحو للغاية ، بل شعر بأن القمر قد ترك موضعه بالسماء ليهبط أرضًا يحمل قلبه بين يديه ...
تشدقت عيناه بتفاجئ حينما تأكد أنه لا يحلم ، إنها هي بذاتها ، هي من يحلم بها ليل نهار ظهرت أخيرًا أمام عيناه ...
فرصة لرؤيتها بعد غياب طويل فكم إشتاقت عيناه لرؤيتها ، بتلهف شديد وقف "رشيد" مبتعدًا عن رفاقه ليتجه صوب حبيبته التى تمنى رؤيتها ...
تسارعت دقات قلبه بقوة وهو يخطو بخطوات متعجلة فقد فاز بلقاء بعد طول حرمان ....
لم تنتبه له حين إقترب منها لكنها إلتفتت حين سمعت نداء أحدهم بإسمها ...
- "غدير" ...
نظرت نحو صاحب النداء لوهلة قبل أن تتسع عيناها المشرقتان بنظرات متفاجئة مضطربة لتهمس بوجه متجهم على غير عادتها ...
- "رشيد" ...!!!!
وصل للوقوف قبالتها بأنفاس متهدجه وعيون عاشقة ليردد بوله ..
- وحشتيني أوى يا "غدير" ...
صمتت لوهلة تتمنى لو أنها تحلم وأن وقوفه أمامها ليس بواقع لكن حديثه الذى إخترق أذنيها لا يؤكد ذلك بل هي فى واقع وليس حلمًا ...
إنتهى صمتها وقد بهتت تمامًا حتى أن ملامح وجهها المرحة تلاشت بالفعل كما لو أنها تحولت لإنسانة أخرى ، بحثت عن كلماتها الضائعة لتردف بالنهاية ...
- إنت عاوز منى إيه ...!!!
عيون متلهفة وقلب عاشق وهمس مشتاق هكذا وقف "رشيد" متأملًا بزرقاوتيه من سرقت قلبه دون منازع ، كتلة الحياة التى تدب بالأرض وقد أعادت له روحه للتو برؤيته لها ، همس "رشيد" قائلًا ..
- عاوز إيه ...؟!! بقى بعد كل الغياب ده تقوليلي عاوز إيه ...!! وحشتيني أوى يا "غدير" ...
تسارعت أنفاسها لإنفعالها وتضاربت دقات قلبها ليس عشقًا تلك المرة بل إضطراب وتوتر لتهتف بحدة ...
- وحشتيني إيه وهباب إيه ... "رشيد" إبعد عن طريقي الساعة دي ... أنا واحدة متجوزه وبحب جوزي ... إبعد عن طريقي وشوف لك سكة تانية ...
زاغت عينا "رشيد" برفض ليعقب بتألم ...
- لأ طبعًا ... أنا ما صدقت شفتك ... أنا كل يوم قاعد هنا قصاد بيتكم .. نفسي أشوفك ولو مرة ... نفسي أقولك سامحيني ... أنا غلطان ... أنا بحبك ... بحبك أوى يا "غدير" ...
مالت "غدير" برأسها للأمام بإستنكار لما يقوله لتردد ضاغطة على كل حروف كلماتها ...
- إبعد عني ...
قالتها وحاولت الإبتعاد حين إعترض "رشيد" طريقها مترجيًا إياها ...
- أرجوكِ يا "غدير" ... سامحيني ... أنا إتسرعت ...
دارت بجسدها بقوة لا تصدق وقاحته لتهتف به ربما يفهم هذه المرة ...
- وأنا ... إتجوزت ...( نفضت كفيها بعضهم ببعض مستكملة ) خلاص ... خلصت ... يبقى تبعد عني وتسيبني فى حالي ...
إتخذت خطوتها للمغادرة حين أمسك بمرفقها بقوة يمنعها من الرحيل ...
- إستني ...
رمقت كفه القابض بمرفقها بإزدراء قبل أن ترفع رأسها بنفس النظرة تجاهه تحدجه بتقزز ثم دفعت يده عن يدها وهي تنهره بحدة ...
- إنت إتجننت ... شكل دماغك ضربت ... بقولك إيه ... والله لو إتعرضت لي تاني ولا كلمتني ... حقول لجوزي وإخواته يجرجروك على القسم ... إنت تنسى إنك فى يوم من الأيام كنت تعرفني زى ما أنا خلاص نسيتك ...
تهدلت ملامحه بقوة فقد غرست نصلًا حادًا بقلبه ليحاول محاولته الأخيرة ...
- "غدير" ... إنتِ بتقولي إيه ؟!! نسيتي "رشيد" !!! نسيتي الحب إللي كان بينا ...؟؟!!!!! أنا فهمت وعرفت ... وعايز نرجع زى زمان ... جوازك ده بعتبره مش موجود ... سيبيه وتعالى نرجع تاني ... إنتِ أكيد زعلانة من إللي حصل بينا ... بس أنا بوعدك .. خلاص ... أنا من دلوقتِ "رشيد" جديد ... وحعوضك كل إللي فات ... بس إرجعيلي ...
شهقت "غدير" بتعجب من تماديه بهذا القدر لتستنكر حديثه مردفة بنبرة مستهجنه ...
- حيلك .. حيلك ... دي دماغك إتمسحت خالص ... خدها مني بقى و يا ريت تفهم ... أنا مبحبكش ... أنا بحب جوزي وبس ... ولو لفيت الدنيا كلها مش حعوض ظفره ... فإحترم نفسك وخليك بعيد عني ... ودي آخر مرة حقولها لك ...
أنهت حديثها تاركة إياه يصارع رفضها له بينما شعرت بالقلق والإضطراب أن يكون أحدهم لاحظ توقفها معه أو ربما "عيسى" يكون قد مر بها أثناء عودته ويراهما معًا ، لتتنفس الصعداء لأن الأمر تم دون إنتباه أحد لتسرع عائدة إلى بيتها وزوجها مع إضطراب تنفسها لبدء أزمة تنفسية جديدة كانت تراوغها منذ الصباح ...
❈-❈-❈
وقت لا ينتهى فاوجاعه كُثر ، وقفت "عهد" بشرفة شقتها الصامتة تلفح وجهها نسمات الرياح الباردة التى حاوطتها ، لم تكن بمقدار البرودة كما كانت بسويسرا لكنها تشعر الآن أنها أشد إيلامًا ، كيف تغيرت حياتها ورؤيتها للكون من حولها بمجرد أيام ، فسلام على من أتى ليغير حياتها ثم رحل ...
كمطرقة دارت برأسها متخبطة بالأفكار فماذا ستفعل الآن بعد كل ما حدث ...
نظرت باحثة عن القمر الذى توارى خلف السحب متسائله بهمهمه ..
- يعنى خلاص ... كل حاجة خلصت كدة ...؟!! كان وهم فى خيالي وإنتهى ..!! كنت وسيلة عشان ينجح فى مهمته ...
تنهدت بقوة ثم أكملت تحفز نفسها على البقاء قوية شامخة ...
- كفاية تعملي في نفسك كدة ... لا هو داري بيكِ ولا حيحس باللي جواكِ ... يبقى لازم تكوني قوية وميهمكيش ...
ثم تذكرت أختها وأمها وخالتها لتردف بتحذير ..
- ولا عايزة تبقى شبهم ...!! إنتِ مش ضعيفة زيهم ... لازم تكوني نفسك ... لازم تكوني قوية ...
ثم تذكرت أمرًا سينهى ذلك من أساسه ...
- وبعدين ما خلاص ... أنا حرجع الإدارة فى الجهاز ... وهو أكيد حيتولى مهمة جديدة ويسافر أى بلد ... يعنى الوشوش مش حتتقابل تانى ...
رغم أنها قالتها لتنهى تفكيرها به وأنها منذ هذه اللحظة لن تراه مرة أخرى ، إلا أنها حزنت لذلك ..
- يعنى خلاص ... مفيش أمل نتقابل تانى ...؟!!.
وبين جذب وشد وأفكار متخبطة قضت ليلة حزينة أخرى بإنتظار مجئ الصباح وبدأ دوامة العمل التى ستنسيها كل شئ ...
❈-❈-❈
كل السواد والظلام المحيط حولك يدفع نفسك إليه دون إدراك أنه ربما أنت النور الذى يقشع الظلام ...
بنهاية يوم وبداية آخر ربما تتسع به النفوس التى ضاقت وربما ستقع بظلام غياهبها ...
بنشاط معتاد بدأ "معتصم" يومه كضابط قوي ملتزم بشكل غير معتاد لما كان عليه بسويسرا ، فالصباح وقت هام وعليه الإلتزام بميعاد عمله وربما أبكر من رفاقه ...
كان أول من دلف إلى مبني المخابرات (الجهاز) كما يطلقون عليه ، مهابة وقوة وحزم يتوهج بهم أثناء عبوره للردهة المتجهة إلى مكتبه ...
خلع نظارته الشمسية واضعًا إياها فوق سطح المكتب قبل أن يجلس بزاوية حافته يسحب أحد الأوراق إليه ليقرأ فحواها بهدوء قاتل ...
- المجموعة التابعة لقيادة الرائد "معتصم دويدار" ... تمام ...
قرأ بعينيه أسماء الضباط اللذين إختارهم للعمل تحت قيادته بالمهمات القادمة حيث وضع إسم "عهد" ببداية القائمة يليها إسم "طه" ...
تحرك نحو الخارج ومازال حاملًا للورقة بين كفه متجهًا لمكتب رئيسه بالعمل ، "السيد نظمي" ليُسلم له القائمة التى طلبها منه ...
بوقت قليل للغاية كان "معتصم" يقف قبالة مكتب "نظمي" يطرق بابه ليدلف نحو الداخل مباشرة ...
- صباح الخير يا فندم ...
رفع "نظمي" وجهه تجاه "معتصم" يستقبله بحفاوة ...
- "معتصم" ... إتفضل طبعًا ...
مد يده بالقائمة بعملية شديدة قائلًا برزانة ...
- دى قايمة الضباط إللي حيشتغلوا معايا ... أنا خلصتها إمبارح بعد ما "عمر سالم" قالي إنه مستعجل على الشغل ...
إنبهر "نظمي" بجديته ودقته بالعمل ليشيد به ...
- حقيقي إحنا محظوظين بوجود ظابط زيك معانا ...
ألقى نظرة سريعة على الأسماء المدونة ودون إبداء أى ملاحظات وقع "نظمى" بقبول هذه المجموعة وإلزامهم بالعمل تحت قيادة "معتصم" من الآن فصاعدا ...
توقيعه كان ناقوس لرسم بسمة سعيدة على ثغر "معتصم" فكم يود أن يرى وجه "عهد" عندما تعلم أنها ستعمل تحت إمرته منذ هذه اللحظة ...
رواية بقلم قوت القلوب رشا روميه
❈-❈-❈
شقة عهد ...
هل تعود الأيام إلى الوراء أم أنها لم تتغير مطلقًا ، بموعد إستيقاظها المحدد وروتين حياتها الرتيب بدأت "عهد" يومها ...
أنهت صلاتها مرتدية حُلتها السوداء القاتمة إستعدادًا للخروج ...
سحبت شعرها الأسود الحريري بقوة للخلف لتعقصة بشدة ثم توجهت بخطواتها السريعة نحو الخارج مغادرة البناية متجهه لمبنى المخابرات العامة ...
ما أن وصلت (الجهاز) إتجهت نحو مكتبها بوجه مقتضب وعيون خاوية ...
لكنها لم يتسنى لها الإنتظار حين طلبها السيد "نظمي" بمكتبه على الفور ، إتجهت "عهد" التى لم يختلف ثباتها وحدتها السابقة لمقابلة رئيسها ..
وقف "نظمي" متفاخرًا بنفسه أولًا قبل أن يثني على دورها بالمهمة ...
- "عهد" ... حمد الله على السلامة ... كنت متأكد إن إنتِ المناسبة تمام للمهمة دي ...
تطلعت نحوه بذات النظرة الخاوية لكن بداخلها بركان ثائر مما دفعها به دون إيضاح ، ساخطة ناقمة على الزج بها ككبش فداء دون أبسط حق لها بالمعرفة لكنها آثرت بقاء ذلك داخل نفسها ليكون ردها بإقتضاب ...
- شكرًا ...
عاد "نظمي" لمقعدة بأريحية وغرور ...
- وإنتِ بقى من النهاردة إنضميتي لأكبر فريق بالجهاز ... عايزك ترفعي رأسي بقى ...
بإيمائة ضعيفة أجابته ..
- تمام يا فندم ...
كما ظن تمامًا فهى لا تعترض على أى مهمة تكلف بها ليستكمل بخيلاء ...
- دى تفاصيل المجموعة ... إتفضلي روحي للقائد بتاعك عشان تبدأي شغلك معاه ...
سحبت "عهد" نفسًا مطولًا وهي تلتقط من هذا المتعجرف القائمة التى دون بها إسمها كعضو للمجموعة ...
حدقت بالورقة بقوة فبالتأكيد ما تراه عيناها ليس حقيقيًا ، بصدمة تامة وغير متوقعة رفعت عيناها المتستعتان بذهول وقد لاح بهما إمارات الغضب فكيف ستقبل هذا الأمر ، كيف ستكمل هذا العمل الذى كلفت به ، كيف ستتحمل قربه مرة أخرى لتستعد لإطلاق لسانها الحاد لتجيب هذا المحدق بها ...
يتبع ..