
رواية ظننتك قلبي لكن بعض الظن إثم الفصل الثاني والعشرون 22 ج2 بقلم رشا روميه
« اليوم المنتظر ..»
أن أكون ذات قيمة لهو أسمى المشاعر التى يمكن الشعور بها ، بينما المُخزى أن يكون لي ثمن ، فشتان بين القيمة والثمن فلست سلعة تباع وتشترى ، لست أبدًا بهذا الرخص ..
أزمة صحية معتادة لكن زادها حِدة مقابلتها مع "رشيد" التى أثارت تخوفها وزعزعة ثبات نفسها ، بعد أن هدأت نفسها وإنتظم تنفسها تحت أنظار أعين أختها القلقة والتى تساءلت عما حدث بلقائها بهذا المتطفل بالأمس ، كانت إجابة "غدير" تحمل أكثر من معنى لمن لا يدرك الأمر وبدايته ...
- قالي وحشتيني ... وأنه غلطان إنه بعد عني ... وندمان ... ومش مهم إني إتجوزت ... مش فارق معاه موضوع جوازي من "عيسى" ... عايزنا نرجع ...
رواية بقلم قوت القلوب رشا روميه
بجمود تام وأعين مصدومة غير مصدقًا بالمرة إتسعت عينا "عيسى" هاتفًا بذهول ...
- ليه ...؟؟! ليه كدة ...!!!!!!
فور خروج "عيسى" من مكتبه متجهًا للبيت للإطمئنان أولًا على صحة "غدير" توقف فجأة ليتذكر الملف الذى كان وضعه فوق المكتب فهو لم يعيده لموضعه حفاظًا على أهمية الأوراق التى به خاصة الورق الذى أحضره اليوم وبه إثبات براءة موكله ...
عاد أدراجه بعجالة مرة أخرى إلى المكتب ليفاجئ بـ"سندس" تقف خلف مكتبه تتطلع نحو الملف وتقلب به لتقرأ فحواه ...
نظرة مندهشة علت عينا "عيسى" ينهر بحدة إسلوب "سندس" المتعدى لحدودها قائلًا بنبرة غاضبة ...
- إنتِ بتعملي إيه عندِك ..؟!! ليه كدة ... هي دي الأمانة إللي أنا مستأمنك عليها ...؟!!
إضطربت "سندس" بقوة لتستقيم بوقفتها تبتلع ريقها الجاف من مفاجئة "عيسى" لها بعودته مرة أخرى لتجيبه بحشرجة ..
- أنا ... ااا ... أنا ... أصل اااا ...
عقص وجهه بقوة ليردف بذات الحدة والإنفعال فقد طفح الكيل من تطفلها طيلة الوقت ...
- أصل إيه يا شيخة ... دي بقت حاجة تقرف ... إنتِ متفهميش أى حاجة عن الأمانة ... !!!!
إرتجف جسدها تحاول الدفاع عن نفسها من جانب مهني وبالطبع من إحساسها المغرم به فهي لا تود إشعال غضبه منها ...
- والله يا أستاذ "عيسى" هو الفضول بس .. كان نفسي أعرف عملت إيه ...
تقدم "عيسى" تجاه المكتب يغلق الملف بحركة منفعلة ليحمله معه معنفًا إياها ...
- وفضولك ده مسيره في يوم يقتلك ... لولا إنك كدة من يوم ما خطيتي المكتب ده لكنت قولت عنك كلام تاني ... لكن أنا بحذرك يا أستاذه "سندس" لو الأمر ده إتكرر تاني مش حصبر أكتر من كدة وحيكون آخر يوم ليكِ فى المكتب عندي ... فاهمه ...
إرتجف قلبها قبل جسدها فهي لا تريد ذلك ، هي كالسمك يعيش ببحوره التى يغرق بها لا يمكنها أن تعيش خارج أمواجه ومياهه ، لن تقدر على الحياة بدون "عيسى" لتومئ بقوة توافق على ذلك فقط حتى لا يبعدها عنه ...
حدجها "عيسى" بنظرة مشمئزة قاسية قبل أن يترك المكتب حاملًا للملف الذى بحوذته فسيتركه بالبيت كأمان له حتى موعد الجلسة بعد شهر كامل ....
هوت "سندس" جالسة بعد مغادرة "عيسى" فقد كادت أعصابها المنهكة أن تتحطم من هول فجعتها بعودة "عيسى" دون أن تنتبه لها ...
رواية بقلم قوت القلوب رشا روميه
بهذا الوقت هدأت "غدير" تمامًا فما كانت تحتاج لأكثر من قلب حنون كقلب قمرها "مودة" التى بقيت معها تهدئ من روعها حتى عودة "عيسى" ، الذى لم يخيب ظن "غدير" به حين إستمعت لصوت مفتاحه يفتح الباب ليدلف نحو الداخل بتلهف وقلق على قطعة الشيكولاته خاصته ...
- "دورا" ... عامله إيه دلوقتِ حبيبتي .. ؟!
تطلعت نحوه بعيون مشتاقة وربما ممتنة لوجوده بحياتها فكيف تستبدل هذا الغالي الذى لا يقدر بثمن بهذا الرخيص الذى ظهر لها من العدم بعد أن كادت على نسيانه ، فقيمة "عيسى" وقلبه لا يمكنها أن تقارن بشئ آخر فمكانة "عيسى" بقلبها بموضع لا يمكن لغيره المساس به بينما الجميع فى مكان آخر بعيدًا عنه للغاية ، فقد تفوق على الجميع وملك قلبها كاملًا دون منازع ...
أجابته بهمس متعب ...
- الحمد لله ...
ترك كل ما بحوذته بعيدًا ليدنو من مالكة قلبه ليجلس إلي جوارها متحولًا لـ"عيسى" آخر يملك حنان الكون كله ساحبًا رأسها الصغير بلطف ليسكنه فوق صدره محيطًا بذراعه إياه قبل أن يقبل رأسها القابع فوق قلبه حيث تتربع عرشه ...
- سلامتك يا شيكولاته ...
إبتسمت "غدير" براحة لم يتمكن "عيسى" رؤيتها فملامحها إختبأت بين أحضانه فهذه اللحظة لا يمكنها أن تبدل بما هو أدنى ، إنها الفائزة الوحيدة به وبقلبه ولن تترك ما حصلت عليه مهما حدث ، لن تنساق خلف أوهام تخسرها حبيبها "عيسى" ، إنها تتبع قلبها لليقين الوحيد بحياتها ولن تدع الظن يتمكن منها لتخسر عشق لن يُكرر إذا خسرته ، ستحارب لحبه وقربه حتى لو ستحارب نفسها ...
ما كان من "مودة" إلا الإنسحاب بتلك اللحظة فقد وصل مُطمئنها الذى لن يعادله أحد الآن ، غبطة تمنت لو تحظى بمثيلتها يومًا مع من ملك قلبها ، لكن ذلك أمر مستحيل فلا داعى لأن تترك الظنون تهيئ لها ذلك ، عليها هي أيضًا أن تحيا بالواقع وليس بالخيال فـ"رؤوف" ليس لها ولا حق لها به ، عادت لبيتها لتكمل يومها بوحدتها المعتادة متفكره بأحداث اليوم كاملة ....
رواية بقلم قوت القلوب رشا روميه
❈-❈-❈
بيت عائلة الأسمر ...
(عتاب) ...
بعد حثها لأخيها بالصعود لـ"وعد" وإنهاء تلك الحالة من الترقب والإنتظار لموافقتها على الزواج من "محب" ، حاولت أن تستمع لحديثهم لكنها كانت تشعر بالغيظ فأصواتهم الهامسة كانت خفيضة للغاية ولم تستطع إدراك عما يتحدثون ...
بعد مرور بعض الوقت هبط "محب" الدرج بخفة حتى ظهر أمامها بطوله الفارع الذى تمتاز به تلك العائلة ليستكمل طريقه متوقفًا بالنهاية أمامها دون التفوه حتى بسؤال عن سبب وجودها خارج الشقة ..
لكنها بادرت بسؤاله بفضول شديد ...
- هاااا ... عملت إيه ...؟؟! كلمتها ...؟؟؟
طال النظر إليها لبضع لحظات قبل أن يردف بهدوئه القاتل ...
- وافقت ..
سحبت "عتاب" نفسًا طويلًا لتهلل بسعادة بالغة ...
- أخويا بصحيح ... جدع ... وحددت معاها معاد ولا لسه ...؟؟!
أجابها بذات الهدوء الذى يصل لدرجة البرود ...
- الخميس ... بعد بكره ...
نظرت نحو الفراغ كما لو كانت تحدث نفسها بينما كانت تستكمل حديثها معه ...
- حلو أوى .. أهو كدة نبدأ الشغل على أصوله ... خصوصًا إننا ملقيناش أى ورق بملكية الواد لأملاكنا ... يعنى هي أكيد معاها ومخبياهم ... بس مش حنسيب حقنا أبدًا لها ولإبنها المفعوص ... ( ثم وجهت نظراتها نحو "محب" الهادئ قائله ) ... مش كدة ولا إيه ...؟؟؟
- مظبوط .. مظبوط ...( ثم إلتف نحو الدرج ليتحرك مغادرًا منهيًا حديثها معه ) ... أنا رايح المعرض ... سلام ...
ودعته وهي تستكمل حديثها لنفسها ...
- سلام يا أخويا ... كدة تبقى إترسمت صح ... لما أدخل لماما أقولها ....
دلفت لداخل الشقة لتعبر الردهة الطويلة تاركة بناتها الثلاث يلعبون بغرفة المعيشة لتتجه لغرفة والديها أو بمعنى أدق الغرفة التى تستلقي بها والدتها بالوقت الحالي ..
لم يكن مرورها بها للإطمئنان على وضعها الصحي بل كان لأمر آخر ..
توقفت "عتاب" بمقدمة التخت تناظر والدتها بنظرات قاسية متجبرة لم تحمل أى نوع من الشفقة والحنان كما كانت مع والدها من قبل ، كيف نُزعت الرحمة من قلبها لتصبح بهذا الجفاء ، أم أن هذا بالتأكيد نتيجة لتنشئة قاسية تفرق بين معاملة والديها بينها وبين أخويها الذكور خاصة "عاطف" ...
رفعت رأسها الطويل لتطالع والدتها بأعين فارغة دون أي إحساس قائله بنبرة جافة للغاية ...
- "محب" كلها كام يوم وينفذ إللي قلت له عليه ويتجوز "وعد" .. وبعدها هي وإبنها يبقوا زي العجينة في إيدي زي "محب" بالضبط ... أنا يا "قسمت" بقيت صاحبة الأمر هنا ... الدنيا دي ماشيه بإشارة مني ... أنا الملكة ... ( ثم ضحكت بسخرية من وضع والدتها تتشفى بمرضها وعدم قدرتها على الحركة ) ... ده مكانك ... مشلولة ولا بتتكلمي ولا بتتحركي ... أنا إللي حمشي الدنيا دي وأخد كل حاجة ... أنا البنت إللي دايمًا كنتوا ترموا لها الفتافيت ... وكل تفكيركم فى رضا "عاطف" و"محب" ... أهو واحد مات ... والتاني ضعيف تحت طوعي ميقدرش يقول لي لأ ... شوفتي بقى إن أنا إللي كسبت في الآخر ...
ألقت بكلماتها السامة تاركة "قسمت" تصارع القهر المكتوم بقلبها لتخرج وقد تعالت ضحكاتها المتفاخرة بفوزها بأول خطوة بإسترجاع المال والإستحواذ عليه ...
خرجت لتجد إحدى السيدات تنتظرها بالخارج ، إنها الممرضة المرافقة التى إتفقت معها على رعاية والدتها فهي لا طاقة لها بتلك الأعمال فهي الملكة الآمرة صاحبة التملك و قريبًا جدًا الأملاك ...
رواية بقلم قوت القلوب رشا روميه
❈-❈-❈
الليل رغم تجليه بالسواد إلا أن هناك قمر يتخلله ليبث بعض النور تمامًا كجرح القلوب فبعضها ينفذ النور من خلاله ليضئ عتمة ليل القلب المفطور فيشعر بدقات و وخزات توقظه من غفلته ..
بيت عائلة دويدار (شقة عيسى) ...
إنه وقت راحة الأبدان حين إستلقى "عيسى" ليرتاح من عناء يوم عمل طويل ليستغرق بالنوم على الفور لشدة إنهاكه ، بينما جلست "غدير" إلى جواره يجفو عيونها النوم لتنظر بدقة لتقاسيم "عيسى" الهادئة المستسلمة للراحة لتتنهد طويلًا بحزن أشبه بإنكسار وتحسر ...
غابت ضحكاتها عنها اليوم فهذا اليوم حزين للغاية بقلبها المتوجس ...
همست بصوت لا يسمعه سواها تُحدث هذا النائم الغافل عما يتنازع بداخلها ...
- قلبي خايف أوي لا في يوم تبعد عني ... حاسة إن اليوم ده قريب ... أصل السعادة إللي أنا عايشه فيها دي أنا مش واخده عليها ... أنا عارفة إن في يوم من الأيام حتتمنى طفل ولو مكنتش إنت حيبقى أهلك ، أكيد نفسهم يشوفوا حفيدهم ، وعندهم حق ( تنهدت بقوة لتستكمل محدثه نفسها ) ، لو ربنا يمن عليا وأحمل نفسى فى بيبي منك (رفعت نظرها للأعلى بتمنى وإبتهال) ، يا رب إرزقني بطفل أفرح بيه ويفرح بيا "عيسى" و أفرح قلبه ويقوى حياتنا بوجودة أحسن ما يتدخل واحد زي "رشيد" ده ويخربها لي ... يا رب ...
همهم "عيسى" بأعين ناعسة يغلبها النوم بقوة ...
- بتقولي حاجة يا "دورا" ...؟؟؟
إنتبهت له "غدير" بتوجس خشية من أن يكون قد سمعها ...
- لأ لأ .. مفيش حاجة ... أنا حنام أهو ... تصبح على خير ...
رواية بقلم قوت القلوب رشا روميه
أسرعت "غدير" بالإستلقاء مدعية النوم لكن مازال قلبها الخاشع يدعو بما تتمناه نفسها حتى لا تخسر قلب محب كـ"عيسى" ....
❈-❈-❈
بيت النجار (شجن) ...
يوم يبدأ مبكرًا وينتهي مبكرًا أيضًا لتبقى "شجن" بغرفتها المشتركة مع "نغم" مستيقظة لإنشغال فِكرها بهذا الرجل المقعد الذى لا يتمكن من مساعدة نفسه وإضطراره للرحيل ، تنهدت بضيق قائله بإستياء ...
- بس أنا مكنش ينفع أروح معاه ... وأسيب ماما و"نغم" لمين ...!!! هم ليهم حد غيري .. كمان موضوع "نغم" ده لازم أشوف له حل ... "مأمون" مينفعش نهائي ... وهي ساذجة وخايبة أوى ...
ثم عادت أفكارها لهذا الرجل الوحيد ...
- والله صعبان عليا يا عم "أيوب" ... بس غصب عني والله ... يا رب حد ياخد باله منه ... ده راجل طيب وشكله غلبان وعايش لوحده ... ملهوش حد ....
نظرت تجاه "نغم" التى زادت برائتها حينما إستغرقت بالنوم لتشعر بكم هائل من الضغط والمسؤولية تجاه تلك الساذجة حتى لا تلقي بنفسها بمشاكل هي بغنى عنها ....
رواية بقلم قوت القلوب رشا روميه
❈-❈-❈
لم تقتصر أفكار تلك الليلة على هؤلاء الحائرات بل شاركهم هذا العاشق الذى ربما يتجدد وصاله بمحبوبته بعد غياب ، خاصة بهذا الليل الساتر على أفكارنا وظنوننا ليبقى متيقظًا يحلم بلقاء جديد ...
تمدد "رشيد" هائمًا بملامح "غدير" التى إشتاق إليها كثيرًا متذكرًا لقائهم الأخير ، كم كان متلهفًا على لقائها وإشباع روحه لحرمانه من وجودها بحياته ، حدث نفسه قائلًا ...
- أنا غلطت إني سبتك وعرفت غلطي ... أنا كنت فاكر إني مش بحبك وإنك زي أى واحدة عرفتها في حياتي .. لكن لما غبتي عني فهمت وعرفت إني مقدرش أستغنى عنك أبدًا وإني كنت غبي لما قلت لك إحنا مينفعش نكمل مع بعض .. بس بسيطة ... طالما رجعت يبقى لازم ألاقى طريقة عشان ترجعيلي تاني ... أنا بحبك يا "غدير" ... بحبك أوى ...
❈-❈-❈
لمرور الأيام سرعة لا يمكننا حسابها فهي كغمضة عين ، حتى لو ظننا أن الأيام ثقال تهلك القلوب لكن الزمن رغمًا عن حزننا وفرحنا يمر ...
يومان مرا بأحداثهم الهادئة لنصل ليوم جديد ، يوم مرتقب ... إنه يوم الخميس ...
بدأ اليوم بشروق جديد رغم الأجواء الشتوية الباردة ، ومع حلول الموعد الثابت لإستيقاظ "عهد" فهي تعيش بروتينية لا تود مطلقًا تغييرها بل تبحث دومًا عن إستقرار جمود حياتها دون تغيير ...
إستيقظت بالصباح بإستعداد تام ليوم عمل بالمجموعة الجديدة ومهمة جديدة عليها أدائها حتى لو كانت كارهة لذلك ...
دق هاتفها بمكالمة صباحية لتتنهد بضيق قبل أن تجيبها بنفس مقتضبة ...
- ألو ... أيوة يا "وعد" ...
تلقت "وعد" صوتها بهدوئها الحالم وحنوها المعتاد ...
- صباح الخير يا حبيبتي ...
لملمت "عهد" شفاهها التى كادت تنفلت منها كلماتها وسؤالها الذى يشغل بالها عن أحوالها بين جحر الثعابين لكنها إلتزمت الصمت بينما أكملت "وعد" بتساؤل ...
- النهاردة الخميس يا "عهد" .. مش حتيجي برضة كتب كتابي على "محب" ...؟!!
إنفلتت أعصابها التى بالكاد تحملت تماسكها ...
- مش حقدر أشوفك بتقعي قدام عيني و أقف أتفرج ... مش حقدر يا "وعد" ... لو إنتِ راضية ترمي نفسك في النار ... أنا ميهونش عليا أشوفك بتولعيها بإيدك ...
زفرت "وعد" مطولًا تتمنى بأن يكون تخوف "عهد" ما هو إلا هواجس وأن لحياتها القادمة سعادة مخفية بين قلب "محب" وقلبها لتردف بنيتها الطيبة ...
- يمكن "محب" يكون غيرهم ... ويكون هو العوض ... بلاش تشاؤم يا "عهد" .... أنا لسه مشفتش منه حاجة وحشة ....
بطبعها المتوجس القلق طيلة الوقت عارضتها "عهد" ...
- أنا غيرك ... أنا مبعرفش أطمن لحد على طول كدة ... لازم أشك فيه وفي نواياه ناحيتي ... محدش بقى يتضمن الأيام دي ... أنا مش ساذجة يتضحك عليا بسهولة ...
تفاخرت "وعد" بأختها متمنية أن تكون يومًا مثلها ...
- إنتِ مفيش زيك بجد ... يا ريتني شبهك ... بس أنا وإنتِ مختلفين في كل حاجة ... لكن قلبنا واحد ...
صدقت تلك النقية بحديثها فقلوبهن هشة للغاية لا تتحمل لوعة فراق أو عذاب محب ، قلوب عانت الحرمان وتتوقت للحنان والصدق ليخلق نقيضين إحداهما لينة الطباع سهلة المعشر وأخرى قاسية متحجرة لكن يتشاطران القلوب الصافية معًا ...
بعد جمود و صمت دام للحظات وجدت "عهد" نفسها تنطقها بصعوبة لكنها بالنهاية أخرجت الكلمة من بين شفتيها التى لا تخرج سوى كلماتها اللاذعة ...
- مهما كان ... خدي بالك من نفسك .. ( لين لم تعتاده جعلها تنهي المكالمة سريعًا ) .. أنا حقفل ورايا شغل مهم ومش عايزة أتأخر ...
عقبت "وعد" بتفهم ...
- ربنا معاكِ حبيبتي ... أشوفك على خير .. إنتِ كمان خدي بالك من نفسك ...
أومأت بخفة لم تراها "وعد" بالطبع كما لو أنها كانت تنتظر تلك الكلمة الحانية بقلب متلهف أيضًا ...
بعد أن أنهت المكالمة عادت لغرفتها لتؤدي فريضتها قبل أن تنتهي من إرتداء ملابسها الرسمية السوداء وتغادر متجهة لـ(لجهاز) لبدء معركة جديدة مع هذا المتغطرس قائدها المغوار (معتصم) ...
❈-❈-❈
بيت محفوظ الأسمر (وعد) ...
مكالمة كانت تستمد منها طاقة قد نفذت منها لتحاول البدء من جديدة ، يقال أن للنهايات صعوبات فكيف هي صعوبة البداية التى تشعر بها الآن فمنذ اليوم سيعلنها زوجة لـ"محب" الذى لم تكن لتتخيل ذلك من قبل ...
بسمة غريبة علت ثغرها الرقيق وهي تتذكر كلماته المحبة و حنوه الغير معتاد عليها لتشعر بأن ربما تلك البداية هي طريق جديد لحياة هانئة سوف تزج بها ....
رواية بقلم قوت القلوب رشا روميه
❈-❈-❈
بيت النجار ( شقة زكيه) ...
الصادقون يوفون بالوعود ، لا يقتصر الوفاء على من يشعر بالراحة بل هناك متعبين مجهدين للغاية هم أسرع وفاءً من غيرهم ...
قطعت "زكيه" ورقة أخرى من روزنامة الحائط المعلقة تتأمل هذا الرقم الذى إنتظرته ليال طويلة وأيام قاسية ، إنه اليوم المنتظر ...
إستدارت تجاه بناتها اللاتى يتناولن فطورهن خلفها قائله بنبرة يملؤها الأمل ...
- أخيرًا يا بنات النهاردة أول الشهر ... ياااه ده أنا حاسه إنه بقاله كتير أوى لحد ما جه ...
رغم توتر قلبها من تصريح "بحر" لها إلا أنها أكملت بالعمل بالمكتبة لأجل هذا اليوم ، يوم قبض راتبها الذى تعلق عليه كل آمالها بسداد ديون والدتها ، ساعدها أيضًا على بقائها بالعمل أن "بحر" تجنبها بشكل ملحوظ وإلتزم الصمت تمامًا رغم أن نظراته نحوها لا تؤكد ذلك لكنها تصنعت عدم الإنتباه له ...
هتفت "نغم" براحة ...
- أول الشهر ... ده إحنا مستنيينه بقالنا سنة ... إن شاء الله نقبض النهاردة ونجيب لك الفلوس عشان نسد دين طنط "خيرية" ...
مصمصت "زكيه" شفاهها بإشفاق ...
- اه والله ... حتى أشوفها وأقعد معاها .. غلبانة ووحدانيه ملهاش حد ... وأنا لما بستلف منها الفلوس بتكسف أوى أروح لها من غير ما أسد إللي عليا ...
ببسمتها المعتادة عقبت "شجن" ببعض التفاؤل ...
- وأهو خلاص يا ست الكل إن شاء الله نقبض النهاردة وتروحي تديها فلوسها وميبقاش علينا حاجة ...
بنظرة متحسرة وتنهيدة طويلة أجابت "زكيه" ...
- معلش يا بنات ... أول قبض ليكم حاخده منكم عشان نسد السلف ... ياما كان نفسي أسيبهولكم تفرحوا بيه .. بس أنا وعدت ... ووعد الحر دين عليه ...
رواية بقلم قوت القلوب رشا روميه
قفزت الفتاتان يحيطان والدتها بحنان يماثل ما تغدقهما به ..
- ولا يهمك يا ماما ... المهم تبقى دايما راسنا مرفوعة .. ومحدش ليه عندنا حاجة ...
ربتت "زكيه" بكفيها على إبنتيها المعلقتان بأحضانها فربما لم تمتلك المال لكنها إمتلكت فتاتان لا يثقلان بالذهب فهم أغلى ما رأت عيناها ...
❈-❈-❈
(شقة فخري النجار ) ....
شياطين الإنس يجب الحذر منهم أكثر من شياطين الجن ، فمن تأمنه ربما يكون هو الحقد والشر بحد ذاته ، ربما يخدعوننا بمظهر ليس لهم وربما لا نظن أن الضغينة قد طغت بقلوبهم لتصبح بهذا السواد ، نفوس مظلمة تحرق بروحها قبل الآخرين ...
جلست "صباح" تقضم شفاها بغيظ فقد مر عدة أيام ولم ترى أثر لتلك الأسحار التى حضرها الشيخ "كرامه" بعد ...
لم تجد ضالتها سوى بإبنتها لتفرغ بها ضيقها لتصرخ بندائها بصوتها الخشن ...
- إنتِ يا إللي تنشكِ ... يا بقرة سايبة ملهاش حاكم ...
دبت خطوات "راويه" المنفعلة تتقدم نحو والدتها بإنفعال ...
- إيه .. جرى إيه ... ؟! مالك على الصبح .. حد كلمك ولا هو جر شكل وخلاص ...!!!
توسطت "صباح" خصرها بكفيها بسخرية ...
- ليه ... هو أنا قلت غير الحقيقة ... هو إنتِ وراكِ غير الأكل والوقفة فى البلكونة ...
رفعت "راويه" عيناها بسخط نحو الأعلى قائله بفراغ صبر ...
- أستغفر الله العظيم ...
أشارت "صباح" نحو المطبخ تلقى بتعليماتها الصباحية ...
- روحي على المطبخ حضري الفطار لأبوكِ قبل ما ينزل ... أهو تعملي حاجة ليها فايدة ...
عادت "راويه" للمطبخ وهى تغمغم بضيق ...
- طيب ما أنا كنت في المطبخ ... ولا هو أى حاجة عايزة تطلعي فيها غلك فيا وخلاص ...
عقبت "صباح" بصوت خافت للغاية لا يكاد يخرج من شفتيها الغليظتان ...
- غل ... ده أنا مغلولة ... لحد دلوقتِ محصلش حاجة من إللي قال عليها الشيخ ... ولا هم ولا زعل ولا مرض ولا فراق ولا أى حاجة ... هو إيه .. ضحك عليا ... !!!
لتتوعد لهذا الرجل الذى يبدو أنه خدعها قائله ..
- طب والله لو ما شفت منه حاجة النهاردة لأروح له بكرة وأمرمط بكرامته الأرض سي "كرامة" ده ...
سمعها "فخري" دون إستيضاح ما تقول فقد إستيقظ للتو ...
- بتقولي إيه ...؟!!
إعتدلت "صباح" وهي ترقق من صوتها مصطنعة بعض اللين فربما تجذبه تجاهها فهو دائم النفور منها ..
- أبدًا يا أخويا ... دي البت "راويه" معكساني شويه ...
هز رأسه بلا إهتمام ليتجه نحو غرفة المعيشة لينتظر إنتهاء "راويه" من تحضير الإفطار ، بينما إمتعضت "صباح" من معاملة "فخري" التى لن تتبدل مهما حاولت ، لكن يكفيها أنه إلى جوارها حتى الآن رغم إحساسها بكرهه لمعيشته معها ...
رواية بقلم قوت القلوب رشا روميه
❈-❈-❈
المخابرات العامة (الجهاز) ...
لم تكاد تضع موطئ قدمها بالممر الأرضي لمبني الجهاز حتى وجدت "معتصم" يقف بمواجهتها كما لو كان ينتظرها من قبل ...
أهي مجرد صدفة أم أنه يقصد ذلك بالفعل ؟!!
هكذا تساءلت بداخلها وهي تنظر نحوه بأعين مقتضبة تريد فهم ماذا يريد منها بتكرار مناوشاته معها ...
وصل "معتصم" الجهاز قبلها متعمدًا فقد علم مدى إلتزامها بمواعيد العمل فقرر الحضور مبكرًا لتنفيذ رغبة بداخله لبدأ مهمته الجديدة برفقتها ...
إنتظر قدومها بأحد المكاتب بالطابق الأرضي والذي سيسهل عليه رؤيتها عند حضورها للعمل ...
رؤيتها تتقدم بالممر كنخلة شامخة مرفوعة الرأس قوية لها مهابة برغم من كونها أنثى ، إنها سارقة قلبه ولن يتواني حتى يستعيده بطريقته الخاصة بالطبع ، هب على الفور يقف بمجابهتها كمن جاء من العدم ليتفرس بملامح وجهها المتجهمة يملئ عيناه المشتاقة لها قبل أن يهتف بلهجة آمره قوية مغايرة لهذا النابض بين ضلوعه معلنة إشتياق قلبه لمتوحشته ...
- ما لسه بدري ...!!! إتفضلي معايا يا حضرة الضابط ...
أشار بكفه نحو الخارج منتظرًا أن تنصاع لأمره ، لكنها خالفت ذلك ببقائها على نفس وضعها دون أن تهتز منها شعره واحدة ، بل عقدت ذراعيها أمام صدرها بتحدي وهي ترفع حاجبها الأيمن بإستنكار لتجيبه بتساؤل ممتعض ...
- أتفضل معاك فين ...؟؟! إنت عاوز إيه ...؟!!
كاد يطيح بغرورها أرضًا ويعنفها صارخًا لم أنتِ غاضبة مني إلى هذا الحد ؟؟ لكنه أجاب بحدة دون إيضاح ...
- تعالي معايا على الفيلا .. بسرعة مش عاوز دلع أنا ....
كلمة إستفز بها القوة الكامنة بداخلها فلن تدع "معتصم" أو غيره يقلل من قدرتها ومساواتها لزملائها الذكور لتستدير تاركة إياه متجهة نحو الخارج دون معرفة وجهتها أو ما هي هذه الفيلا وما شأنها بها وأين هي ...
إبتسم "معتصم" لاحقًا بها فكم أحب رؤية شراستها وهجومها الدائم حين يستفزها ...
بخطوات سريعة توقفت "عهد" أمام درج البناية تنتظر أن تلمح بجانب عينيها أين سيذهب لترافقه لتجده إتجه نحو إحدى السيارات المصفوفة بجانب الفناء ليستقلها لتتخذ خطواتها نحو السيارة وبدون إستئذان ركبت بالمقعد الخلفي ناظرة من النافذة دون أن تحيد بعيناها عن الطريق ...
رغم إمتعاضة لتصرفها إلا أنه أدار محرك السيارة لينطلق بها نحو طريق بعيد قليل المارة لتبدأ بشعورها بالتوجس ، إنتظرت قليلًا حتى دلف لمجمع هادئ للغاية من الفيلات المتشابهة متوزعة على الجانبين لا يفرق بينهم سوى أرقام لكل بناية مستقلة عن الأخرى ...
دارت بعيناها بالجانبين ليثير هذا الهدوء القاتل غريزة غريبة بداخلها وهي التخوف فيبدو أن لا أحد سواهما هنا ...
توقف "معتصم" بالسيارة بهذا المكان المقلق لتستدير نحوه "عهد" بأعين حادة ..
- إنت وقفت هنا ليه ...؟!!
بإستمتاع شديد إلتف نحوها "معتصم" ليدنو منها بوجهه قليلًا يتلذذ بتلك النبرة المهاجمة رغم التخوف الذي إستشعره بداخلها ...
- إيه .. خايفه مني .. ده إحنا حتى كنا عايشين فى كوخ واحد ومخوفتيش زى دلوقتِ ..!!!
تهدج صدرها بقلق من طريقته الغريبة وتلميحه المفزع لكنها أعلت من رأسها بإعتزاز متحلية بقوة ...
- أنا مش بخاف من أى حاجة .. أنا بسأل إحنا فين وبنعمل إيه هنا ...
ببسمة جانبية تتسم بالغرور أجابها ...
- رايحين الفيلا دي .. إنزلي ..
تطلعت "عهد" نحو الفيلا المجاورة لهم بإستغراب لهذا الهدوء القاتل الذي يدب الرجفة من داخلها لكن عنادها جعلها تفتح الباب بلا إكتراث لتخوفها لتثبت له مدى قوتها ...
رواية بقلم قوت القلوب رشا روميه
ترجلت من السيارة وإتجهت نحو الداخل فيما لحق بها "معتصم" يعبث بأعصابها وثباتها ..
- نورتي الفيلا يا حاج "فتحي" ...
تطلعت بعيون متوجسة من سبب إصطحابه لها إلى هنا ، تلاقت قاتمتاه بعينيها الناعسة فلم التشبث بالعناد بين كلًا منهما ، حتى فتح الباب لتتسع عيناها ذهولًا مما وقع عيناها عليه بالداخل ....