رواية الماسة المكسورة 2 الفصل الثامن والثلاثون 38 بقلم ليله عادل


رواية الماسة المكسورة 2 الفصل الثامن والثلاثون 38 
بقلم ليله عادل


{ الماضي لا يموت... بل ينتظر، وكل ظلم تظنه انتهى، يعود يوما في صورة ثمن تدفعه من أغلى ما تملك، فالانتقام الحقيقي ليس دائما دما... أحيانا يكون حقيقة تُكشف، وقناعا يسقط، وشخصا أحبك يوما يتركك بعدما عرف من أنت، لهذا؛ لا تستهن بأي وجع زرعته في قلب غيرك، فلكل فعل ثمن، ولكل ظلم حساب، وما تزرعه اليوم... ستدفع ثمنه غدا.}
ليلةعادل✍️ 🌹 
            الفصل الثامن والثلاثون❤️🤫

               [بعنوان: ثمن ما زرعته]

همس بصوت خرج كالفحيح: أنت...!

في اللحظة نفسها، شعر تمساح بتجمد الدم في عروقه، وفجأة صاح سليم بكل ما في صدره من غضب ببحه رجولية جهورة اهتزت لها أرجاء المكان: يا ابن الكلب!

لم يمهله ثانية واحدة، وانقض عليه، يمسكه من رقبته، ثم ألقاه أرضا بحركة عنيفة، وأنهال عليه باللكمات بلا رحمة: عملت كده ليه؟! ليه؟! 

خرج كل سؤال يرافقه لكمة أقوى من التي قبلها.

وفجأة أخرج مسدسه، وأمسك يد تمساح بعنف وهو يصرخ بعينين غامت بسواد خطر: مش هي دي الإيد إللي طعنت مراتي؟! مش دي الأيد إللي بسببها بنتي ماتت..

وفجأة وفي لمح البصر، ضغط على الزناد، فانطلقت رصاصة استقرت في كفه.

صرخ تمساح، واتسعت عينا مكي بصدمة، بينما ظل الجميع يحدقون فيهم بعدم فهم لما يفعله.

كانت أنفاس تتعالى بعنف، وقد غرقت عيناه في سواد مخيف، رفع المسدس بيده المرتجفة وصوبه نحو رأسه، وكأنه على وشك أن يطلق الرصاصة التالية، لينهي كل شيء.

صرخ تمساح، واتسعت عينا مكي، وهو يقول بفزع خاشيا أن يفعل شي يندم عليه: سليم...!

بينما شد سليم على أسنانه بقوة، حتى برز فكه، محاولا أن يتمسك بآخر خيط من عقله، بذلك الوعد الذي قطعه لماسة أمس بألا يلطخ يديه بالدماء، ظلت تتعالى بعنف، وغرقت عيناه في سواد مخيف، وكأنه على وشك أن يترك رصاصة تستقر في رأسه في أي لحظة، بينما ظل الجميع يحدق فيه بترقب.

ومن شدت الغضب وعدم استطاعته قتله، أطلق صرخة رجولية جهورية هزت أرجاء المخزن، ثم رفع المسدس إلى أعلى، وضغط على الزناد فانطلقت الرصاصة لتستقر في سقف المخزن، فتردد صداها في المكان، بينما ارتجفت القلوب من هول غضبه.

تنهد مكي بارتياح خافت، فقد خشى أن يستسلم سليم لغضبه، ويقتله ويضيع معهم آخر خيط قد يقودهم إلى الحقيقة.

ابتعد سليم بضع خطوات، وأخذ عدة أنفاس متلاحقة، يحاول أن يستعيد هدوءه، كان يعلم أن الغضب لن يعيد له حقه، وأن عليه ارتداء ثوب الهدوء مهما اشتعلت النيران داخله، حتى ينتزع الحقيقة بنفسه.

بينما، كان تمساح يصرخ من الألم، ممسكا بكفه التي اخترقتها الرصاصة، بينما ارتجف جسده من الخوف وهو ينظر إلى سليم، وكأنه يرى الموت واقفا أمامه.

اقترب مكي منه وحاول فهم سبب غضبه: مالك يا سليم؟ إيه إللى حصل؟! مين ده؟ 

لكنه لم يرد فقط مرر يده على وجهه بعنف، محاولا محو غضبه، ثم التفت صوب تمساح وقال بأمر حاد: وقفوه عدل.

أسرع الحراس، وأمسكوا بتمساح من ذراعيه، وأوقفوه بالقوة حتى أصبح واقفا أمام سليم مباشرة.

اقترب منه ببطء، حتى لم يعد يفصل بينهما سوى خطوات قليلة، ثم قال بهدوء خطر: أنا لو قتلتك دلوقتي هبقى ريحتك، لكن ليه أريحك؟ 

كان تمساح يتلوى من شدة الألم، والدموع تنهمر من عينيه دون إرادة..

نظر إليه سليم بإمالة خفيفة من رأسه، وتابع بصوت هادئ أثار الرعب: وجعك؟ أحسن، أنا مستمتع بصرخاتك وألمك...

ثم ارتسمت على شفتيه الابتسامة نفسها التي كان تمساح قد سخر بها منه من قبل، وأضاف: فاكر الابتسامة دي؟ النهاردة جاي أردهالك...

وفجأة أمسك بيده المصابة وضغط عليها بعنف، فتعالت صرخة تمساح الرجولية تهز أرجاء المكان.

سليم بابتسامة تشفي: اصرخ، أصرخ أكتر، صوتك مستفز، بس النهارده عاجبني...

أخذ يحرك رأسه ببطء، وعلى شفتيه ابتسامة باردة، وكأنه يستمتع بتلك الصرخات، كأنها معزوفة جميلة تطرب أذنيه، ثم همس بهدوء مخيف: جميلة، جميلة جدا، بس خلاص زهقت.

وفجأة تبدلت ملامحه، وأشار برأسه إشارة صغيرة، تبعتها حركة حاسمة من يده، وكأنها أمر صامت لا يحتاج إلى كلمات، فتقدم أحد الحراس ليكمم فم تمساح.

وما إن وضع الحارس يده على فم تمساح، حتى عاد سليم يتحدث بذلك الهدوء المرعب، وعيناه السوداوان لا تعرفان الرحمة: أسمع بقى، أنت كده كده ميت، فتحب تتدفن لوحدك، ولا تاخد عيلتك كلها معاك؟

ساد صمت ثقيل.

ثم أكمل بنبرة باردة: يعني أجيب الست الحاجة والحاج، ومراتك وعيالك، وإخواتك، بمرتاتهم وعيالهم، وسلسال عيلتك كلها، اوقفهم واحد واحد قدامك وأضرب كل واحد رصاصة في نص دماغه، أو يمكن أدبحهم بالسكينة، إيه المشكلة؟

اقترب أكثر حتى أصبح صوته يكاد يلامس أذنه: بنتك ياسمينا مثلا! نجيبها وندبحها!؛ إيه المشكلة؟ ما إنت موت بنتي؟! وطعنت مراتي في بطنها وإنت بتضحكلي بتشفي وكأني قتلتلك قتيل..

رمشت عينا تمساح بضعف ودموع وخوف، بينما واصل سليم دون أن يرفع عينيه عنه: مش كنت بتسألني يا مكي مين ده؟ ده إللي طعن ماسة في بطنها! طعنتين وهو بيتلذذ ..

اتسعت عينا مكي بإدراك، واشتعلت النيران في صدره هو الآخر، وتمنى لو ينقض عليه الآن ويطبق أصابعه حول عنقه، وينتزع منه الحقيقة قبل أن ينتزع روحه.

كان تمساح يتمتم من أسفل يد الحارس الذي يكتم أنفاسه، لكن سليم لو يهتم لتمتمته ونظر إليه ببرود، وهو يقول بصوت خرج كالفحيح: بص بقى عندي ليك عرض كومبو ميترفضش، لو عايز مراتك وعيالك وإخواتك يعيشوا هتقول كل إللي عندك، إنما لو فضلت ساكت هخليها مدفنة جماعية، ونخلص من نسلكم النجس ده، أصل إللي يعمل كده في ست حامل يبقى أكيد نسله نجس..

كان تمساح يبكي وقد أنهار تماما من الرعب، ثم حرك وجهه بصعوبة، يشير أنه يريد أن يتكلم، أومأ سليم للحارس، فرفع يده عن فمه فورا.

انهارت دموع تمساح وهو يلهث، ثم هتف بارتجاف: والله، والله ما أعرف أنت بتتكلم عن إيه.

وجه له سليم لكمة استقرت في بطنه، جعلته ينحني وهو يلهث من شدة الألم، جذبه سليم من خصلاته وهو يهتف: أنا هنا مش بديك اختيار، أنطق! مين إللي وراك؟ وعملتوا كده ليه؟ بدل والله العظيم هجيبهم دلوقتي حالا ساعتها مش هتلحق حتى تندم.

لكنه لم يجب... ظل يلهث فقط، وعيناه تتحركان في ذعر.

شهق عدة مرات، ثم قال بصعوبة: عماد هو إللي اتفق معايا، عشان اقتل أخوك.

انفرجت شفتا سليم عن ضحكة جانبية خالية من المرح: معلومة قديمة...

وفجأة اختفت الابتسامة من وجهه تماما، وانقلبت ملامحه إلى قسوة مخيفة.

انحنى نحوه، وقبض على ياقة قميصه بعنف، وصاح: أنا عايز أعرف حوار الحادث.

صاح مكي وقد نفد صبره: سيبهولي يا سليم، وأنا هنطقه.

ولم ينتظر ردا، بل أندفع نحوه كالإعصار، وإنهال عليه بلكماته بعنف شديد، لم تكن ضربات رجل غاضب فحسب، بل كانت ضربات صديق رأى أخاه يرقد 4 أشهر كاملة بين الحياة والموت، وابنة قتلت لجريمة لم ترتكبها قط.

كان يلكمه ويصرخ في وجهه: أنطق! مين إللي وراك؟! أنطق يا ابن الـ...!

تهاوى تمساح أرضا تحت وطأة الضربات، يحاول حماية وجهه دون جدوى، بينما أستمر مكي ينهال عليه، وقد فقد السيطرة على نفسه تماما.

وبعد لحظات، أمسكه سليم من كتفه وجذبه بقوة إلى الخلف: خلاص يا مكي... استنى.

كان مكي يلهث بعنف، وعيناه تقدحان شررا، بينما يحاول الإفلات من قبضة سليم.

أردف سليم وهو يثبت نظره على تمساح: ينطق الأول وبعدها أعمل فيه إللي أنت عايزه.

اقترب من تمساح الذي بدا وكأن كل ما يملكه من قوة يذوب أمام تلك النظرة السوداء التي يرمقه بها سليم، ابتلع ريقه بصعوبة، وقال بلهاث: اسمه دسوقي، الناس كلها كانت بتناديه المعلم، كان بيغير أماكنه كل شوية، ومحدش كان يعرفله عنوان ثابت.

ظل سليم صامتا، يراقبه دون أن يرمش، فتابع تمساح بسرعة، وكأنه يخشى أن يتوقف فيقتله: كنا بنتقابل معاه في مخزن قديم أو قهوة، كل مرة مكان غير التاني، الفلوس كانت بتتسلم كاش، ومكنش بيسيب وراه أي أثر.

سأله سليم ببرود: شكله؟

أغمض تمساح عينيه يحاول التذكر: في الخمسينات... طويل، وعنده دقن خفيفة فيها شعر أبيض، وإيده الشمال فيها حرق قديم وكان دايما لابس خاتم فضة كبير.

ألتفت سليم إلى عرفان: سجل كل كلمة.

أومأ عارف في صمت، بينما عاد سليم ببصره إلى تمساح: كمل.

ارتجف تمساح وهو يقول: والله ده كل إللي أعرفه، أقسم بالله، إحنا مجرد منفذين، عمره ما قال مين إللي بيدفع ولا لمين بيشتغل..

ساد الصمت لثواني.

ثم انحنى سليم نحوه، وتساءل بهدوء خطر: آخر مرة شوفته إمتى؟

أجابه بنبرة محشرجة: قبل العملية بيومين، بس هو اتقتل ياباشا بعد العملية بيوم..

لم يتفاجأ سليم، بل سأل: اتقتل إزاي؟

هز تمساح رأسه بعجز: معرفش، سمعنا بعدها إنه اتصفى، وكل واحد فينا خاف واستخبى.

ظل سليم يحدق فيه طويلا، ثم سأله: يعني إللي وصلكم مات، وإللي فوقه محدش يعرفه؟

أسرع تمساح يهز رأسه: والله العظيم لو كنت أعرف كنت قولت، أنا مليش مصلحة أخبي، بعدين يا باشا أنت شواف وعارف إن أحنا بيترميلنا فتافيت المعلومات، بس اللي اعرفه، إن كل إللي كان بيفكر يفتح بوقه بيتصفى، زي دغمش لما حب يقولك على الحادثة.

نظر إليه مكي باحتقار، ثم قال ببرود: تعرف دغمش منين؟

ارتجف تمساح، وانهمرت دموعه وهو يهز رأسه بسرعة: صاحبي، هو إللي كان سايق العربية! والله العظيم ده كل إللي أعرفه، وحياة حبيبك النبي يا باشا سيبني، أنا مليش دعوة ورحمة بنتك، سيب مراتي وعيالي، هما مالهمش ذنب، أرحمني.

سليم بصوت بارد خالي من أي شفقة: أرحمك؟ وأنت مرحمتنيش ليه؟ 

صرخ تمساح متوسلا: عيالي ملهمش ذنب والنبي يا باشا سامحني.

ظل تمساح يبكي ويتوسل، لكن سليم لم يتغير وجهه.

استدار نحو الرجال وقال بهدوء مخيف: أنا كده أخدت إللي عايزه... 

ثم أشار إلى تمساح، وتابع ببرود قاسي متحدث الحراس: اعتبروه من دلوقتي بتاعكم، أعملوا فيه إللي إنتوا عايزينه، لحد ما أبلغكم بالأوامر الجديده.

قال كلماته وتحرك مبتعدا بخطوات ثابتة، دون أن يلتفت خلفه.

وما إن غادر، حتى التف حوله الحراس جميعا بنظرات مليئة بالغضب، ثم انقضوا عليه دفعة واحدة، بالأقدام واللكمات بلا رحمة، وكأن كل منهم يفرغ غضب سنوات، وينتقم ممن كان سببا في عذاب رئيسهم وكل ما مر به.

بينما ارتفعت صرخات تمساح في أرجاء المكان.

في الخارج.

قال مكي وهو يسير بجواره: لو كان عندنا 1% شك إن عماد له يد في الجزء التاني من الحادثة، كدة اتأكدنا..

أومأ سليم برأسه، وعيناه تشتعلان بعزم بارد: باقي خطوة واحدة بس، نعرف عماد كان متفق مع مين من المافيا؟! وساعتها هوريهم مين هو سليم الراوي.

توقف لثانية، ثم أكمل بصوت منخفض لكنه يحمل 
وعيدا واضحا: ومش هرحم حد.

اومأ له مكي بهدوء: بس بالعقل يا سليم.

أجابه بثقة قاتمة: أكيد... بالعقل.
❤️____________بقلمي_ليلة_عادل.

في أحد المستشفيات الحكومية،2ظ

جلس مصطفى داخل مكتب المدير، يتبادلان الحديث حول ترتيبات العمل خلال الفترة المقبلة، وبعد أن انتهيا، نهض المدير يصافحه.

المدير: خلاص تمام يا دكتور، إن شاء الله من أول الأسبوع الجاي تبدأ شغلك.

ابتسم مصطفى وهو يصافحه: إن شاء الله.

وقبل أن يغادر، قال المدير: فيه مؤتمر طبي مهم جدا يوم الخميس في الساحل، إيه رأيك تحضره؟ هيفيدك كتير

توقف مصطفى يفكر لثوني: هشوف كده، وإن شاء الله أرد عليك.

أومأ المدير: تمام، لو أكدت حضورك بلغني عشان أسجل اسمك، وكمان تقدر تاخد معاك اتنين أو تلاتة مرافقين.

مصطفى: تمام.

ودعه ثم غادر المستشفى.

وصل إلى سيارته، وكاد يفتح الباب، لكن انتبه إلي بائع يقف بالقرب من البوابة، يعرض أساور وإكسسوارات بسيطة ومن بينها ... لمحت عيناه سوارا بسيطا يتوسطه خرزة زرقاء، توقفت يده في الهواء، وسرح لثواني، وعادت به الذاكرة...

فلاش باك

كانت آلاء تجلس معه في حديقة الفيلا، بينما كان يشرح لها أحد الدروس كالعادة.

وفجأة، وهي تجاوب بحماس وتشير بيدها، أنقطع السوار الذي كانت ترتديه.

نظرت إليه بحسرة: أوف

إنحنى يساعدها في جمع الخرزات المتناثرة.

كان سوار بسيطا جدا، مجرد خيط رفيع تتوسطه خرزتان زرقاوان على شكل عين.

ابتسم وهو يجمع القطع: معلش فداكي.

تنهدت بحزن: أنا بحب الإسورة دي أوي.

رفع رأسه إليها: هجيبلك أحسن منها.

ابتسمت بخفة: لو ماما عرفت هتقوللي ده فال وحش وهيحصلك حاجة وكلام قد كدة.

ضحك: للدرجة دي؟

هزت رأسها مفسرة: ماما هي إللي عملاها بإيديها، هي دايما بتقول إن أكتر حد بيحبك ممكن يحسدك من غير قصد، ويصيبك بالعين، فعلشان كده عملتهولي.

ثم ابتسمت وهي تنظر إليه: أنا أصلا مش مقتنعة بالكلام ده، بس بلبسه علشان مزعلهاش.

ظل ينظر إليها بإعجاب: حاجه حلوه جدا إنك تعملي حاجة أنتِ مش مقتنعة بيها، علشان تفرحي حد بتحبيه.

ابتسمت بخجل: دي أمي، مينفعش أزعلها، وبعدين شكله حلو، المهم أوعى تجيب سيره قدامها.

ضحك: خلاص نعملك غيره سهلة، يلا نكمل مذاكرة. 

عودة للحاضر...

ابتسم دون أن يشعر، وأتجه إلى البائع: بكام الإسورة دي؟

اشترى السوار، ووضعه داخل علبته الصغيرة، ثم ركب سيارته وأتجه إلى الفيلا.

هبط من سيارته ودخل يبحث عنها، فلمحها تجلس وحدها أسفل البرجولة في الحديقة.

كانت تمسك كتابا، تذاكر منه بضيق، وهي تزفر كل بضع دقائق.

ابتسم دون أن يشعر، وظل للحظات يراقبها من بعيد وهي عابثة، حتى ضحك في سره.

ثم توجه نحوها: عاملة إيه في المذاكره؟ شايفك بتتخانقي مع الكتاب!!

رفعت رأسها إليه، ثم زفرت باختناق: بجد المادة دي تحرق الدم، مش عايزه تخلص.

جلس على المقعد المقابل لها: هي طويله فعلا، بس أنتِ قدها وهتقدري تلميها، لسه معاكي وقت.

اومأت له بابتسامه: إن شاء الله.
ثم تسألت: عملت إيه في المستشفى؟

أجابها: الحمد لله، خلصت كل حاجة، وإن شاء الله أستلم من أول الأسبوع الجاي.
ثم أضاف: وعندي مؤتمر في إسكندرية كمان، تيجي معايا؟

اتسعت عينيها: مؤتمر إيه؟! أنا عندي مذاكرة قد كده أروح فين؟ أنا بضيع.

ضحك: لا هتيجي، هقول لعائشه كمان تيجي، علشان تغيروا جو شوية.

ثم أشار باصبعه أمامها بحزم: وده قرار مش بخيرك.

ابتسمت باستسلام، لكنها لم تعلق.

حينها أخرج العلبة الصغيرة من جيبه، ومدها إليها: اتفضلي.

نظرت إليه باستغراب: إيه ده؟

ابتسم: هدية.

فتحت العلبة ببطء وما إن رأت السوار والخرزة الزرقاء، حتى اتسعت عيناها بدهشة.

نظر إليها مبتسما: مدام الإسورة إللي كانت فيها العين الزرقا اتقطعت، قولت أجيبلك واحدة جديدة.

رفعت عينيها إليه، وقد غمرتها الدهشة: بجد؟ دي  علشاني أنا؟

غمز لها وتابع: أه، علشان تحميكي من عين الناس إللي بتحبك وممكن تحسدك من غير قصد.

ضحكت بخجل: أنا اتفاجئت بصراحة، شكرا لحضرتك، كلفت نفسك

ابتسم وهو يهز رأسه: إحنا مش كنا تخطينا "حضرتك" دي خلاص.

ضحكت: أيوة، بس بجد شكرا.

مد يده إليها: تعالي ألبسهولك.

مدت يدها بخجل فأمسك السوار برفق، وأغلقه حول معصمها.

ظلت تتأمله بإعجاب: حلو أوي...

ثم رفعت رأسها إليه: بجد شكرا إنك افتكرت.

ابتسم بهدوء: مفيش شكرا.

ثم أشار إلى وجهها: يكفيني إني خليتك تضحكي، وشوفت ضحكتك، أنا من ساعة مادخلت، وأنتِ قاعدة مكشرة ومخنوقة.

ضحكت وهي تنظر إلى السوار: خلاص، مفيش تكشيرة تاني.

نهض يقول: طب أنا هطلع أغير هدومي، وأنزل نكمل مذاكرة، اتفقنا؟

أومأت بابتسامة واسعة: اتفقنا.

وقبل أن يتحرك، قالت بسرعة: على فكرة.

التفت إليها، فرفعت معصمها الذي يزينه السوار الجديد: مش هقلعه أبدا.

اتسعت ابتسامته دون أن يجيب، ثم استدار واتجه إلى الداخل، بينما ظلت آلاء تنظر إلى أثره بابتسامه، ثم خفضت بصرها إلى السوار، وأخذت تمرر أصابعها عليه برقة، وقلبها يمتلئ بسعادة لم تستطع إخفاءها.
❤️_____________بقلمي_ليلة_عادل. 

قصر الراوي،2ظ

دخل عشري إلى الردهة يتبعه أثنان من الرجال، ثم أوقف إحدى الخادمات: صافيناز هانم فين؟

أجابت بسرعة: في أوضتها.

سألها: فيه حد هنا؟!

أجابت: مفيش حد غير ياسين بيه ولوجين هانم.

أومأ برأسه، ثم صعد الدرج حتى وقف أمام الباب.
طرقه طرقات خفيفة، ثم فتحه ببطء.

كانت صافيناز تجلس على حافة السرير، تنظر إلى الفراغ أمامها، بعينين شاردتين، وكأنها لا تشعر بمن حولها.

اقترب منها عشري، وقال بهدوء: صافيناز هانم اتفضلي معايا.

رفعت رأسها إليه ببطء، وظلت تنظر إليه لثواني دون أي رد.

مد يده إليها، فتأملت كفه باضطراب، ثم وضعت يدها في يده دون مقاومة.

ساعدها على الوقوف، فنهضت وخرجت معه من الغرفة بخطوات بطيئة، بينما كان الرجلان يسيران خلفهما في صمت.
مروا بالممرات، ثم نزلوا الدرج، وغادروا القصر دون أن تبدي صافيناز أي اعتراض، أو حتى تسأل إلى أين يأخذونها، كانت تمشي كجسد بلا روح، تستجيب لمن يمسك يدها، ليس أكثر.

بعد دقائق...

توقفت السيارة أمام أحد الأماكن، نزل عشري أولا، ثم فتح الباب الخلفي، وقال برفق: اتفضلي يا هانم...

ظلت جالسة مكانها، تنظر أمامها بشرود، وكأنها لم تسمعه.

تنهد عشري، ثم مد يده إليها: تعالي معايا.

أمسكت يده بهدوء، فانزلها من السيارة برفق، وظل ممسكا بكفها يقودها إلى الداخل.

كانت تسير خلفه بلا أي مقاومة، كجسد تحركه خيوط خفية، لا إرادة له.

خطواتها كانت بطيئة ومنتظمة، وعيناها شاردتان في الفراغ، لا تلتفت يمينا ولا يسارا، وكأنها منفصلة تماما عما يدور حولها، لا تسمع، ولا ترى، ولا تدرك إلى أين تُقاد.

فتح أحد الرجال باب غرفة كانت مجهزة مسبقا، فأدخلها عشري إلى الداخل برفق، ثم أجلسها على الأريكة.

جلست في هدوء تام، وأسندت ظهرها إلى المقعد، وعادت تحدق في نقطة ثابتة أمامها، بينما بقيت ملامحها جامدة، خالية من أي تعبير، وكأن روحها غادرت جسدها، بينما خرج عشري من الغرفة، وأغلق الباب خلفه بالمفتاح.

اقترب منه أحد الرجال، وسأله: نبلغ الباشا إننا جبناها؟

هز عشري رأسه بالنفي: لا هبلغ مكي.

سيارة سليم

انهي مكي المكالمه، ثم التفت إلى سليم: عشري جاب صافيناز، ومي خرجت من المستشفي، هما قاعدين عند أبوها من إمبارح.

ظل سليم ينظر أمامه بشرود: أنا عايز أقول لمي كل حاجة النهاردة، بس هننزل رشدي إزاي؟

فكر مكي لثواني، ثم قال: طب بقولك إيه، ممكن أقعدلك واحد من الرجالة قدام عمارة أبوها، وأول ما رشدي ينزل يكلمني، وساعتها تطلعلها.

هز سليم رأسه نفيا: وإحنا هنعرف منين أصلا رشدي هينزل إمتى؟ وممكن يرجع في أي لحظة؟! 

أشرق وجه مكي فجأة: طب ماتقول لياسين ينزله.

التفت اليه: حلوة الفكرة دي.

وفي الحال أخرج هاتفه وأجرى اتصالا: ياسين، إنت فين؟

جاءه صوت ياسين: في القصر.

سليم بسرعة: طب أسمعني كويس، أنا عايزك تنزلي رشدي وتعطله شويه لحد ما ارن عليك، قوله إنك عايزه في موضوع مهم، ألف أي حوار المهم تخليه يقعد معاك أطول وقت ممكن، فاهم؟

ساد الصمت لثواني، قبل أن يسأل ياسين باستغراب: ليه كل ده؟

أجابه بنبرة حازمة: مش مهم تعرف ليه؟! المهم تعمل اللى بقولك عليه، لو مش عايز تساعدني قول واشوف غيرك.

تنهد ياسين بتردد: حاضر يا سليم، هشوف بس الموضوع مش هيكون سهل، مي لسه خارجة امبارح، وممكن رشدي ميرضاش يسيبها.

اشتدت ملامح سليم، وقال بصرامة: لا، أنا مش عايز أسمع كلمة "صعب" اتصرف يا ياسين، وبعد شوية تكلمني وتقولي إن رشدي نزل يقابلك، فاهم؟

ياسين باستسلام: حاضر يا سليم.

أنهى سليم المكالمة، فنظر إليه مكي وقال: خلينا نستنى مكالمة ياسين.

أومأ سليم بصمت.

ثم سأله مكي: طب، أنت محضر هتقولها إيه؟

ظل سليم صامتا للحظات، ثم زفر ببطء: لا، بس هوريها كل حاجة، وهي تختار بعدها.
❤️_____________بقلمي_ليلة_عادل. 

شقة حاتم،3عصرا.

كان رشدي واقفا في الشرفة، شاردا وهو ينظر إلى الطريق.

اقتربت منه مي، وأسندت رأسها علي كتفه، وقالت بمشاكسة: إيه يا رشروش، واقف لوحدك بتعمل إيه؟

التفت إليها بابتسامة خفيفة: كنت بعمل مكالمة.

عقدت حاجبيها باستغراب: مكالمة إيه؟

تنهد، وقال: أنا مضطر أسيبك شوية، وهروح لجنة.

رفعت رأسها سريعا: تروح لجنة ليه؟

أجابها وهو يتجنب النظر إليها: هسفرها النهاردة، وإحنا نبقى نروحلها بعدين.

عقدت حاجبيها بعدم فهم: وليه منسافرش كلنا مع بعض؟

هز رأسه بتوتر: مينفعش حد يشوفها معانا.

زفرت مي بضيق: يخربيت خوفك من عيلتك! مش عارفة إيه التوتر إللي عايش فيه ده.

أمسك يدها برفق: مي، عشان خاطري سيبيني أعمل إللي أنا شايفه صح.

نظرت إليه للحظات، فهي تتفهم خوفه ولا تريد أن تثقل عليه، فتندهت وسألت بقلق: طب مين هياخد باله منها؟

أجابها بهدوء: شوقي هيسافر معاها، وهناك فيه خدامه هتبقي معاها، مش هتكون لوحدها.

عضت على شفتيها: طب لو اتأخرنا عليها؟

ابتسم محاولا طمأنتها: مش هنتأخر، الموضوع كله هيخلص بسرعه، بإذن الله.

ظلت تنظر إليه في صمت، ثم قالت بخوفت: يعني هي هتسافر النهاردة؟

أجابها بهدوء: أيوه، هلبس وأروح أوصلها وأطمن عليها، وأرجعلك علطول مش هتأخر.

نظرت إليه بتردد، ثم قالت: طب هاجي معاك، أطمن عليها وأودعها.

هز رأسه وقال برفق: مينفعش، أنتِ لسة تعبانة والمفروض ترتاحي، خليكي أنتِ هنا وحاولي تمهدي الموضوع لأبوكي علي ما أجي.

قالت برجاء: علشان خاطري يا رشدي، عايزه اجي معاك أطمن عليها، دى وحشتني أوى.

ابتسم وربت على خدها بحنان: هطمنك عليها أنا، وبعدين مهي خلاص هتبقي معانا علطول بعد كده.

أمسك يدها وضغط عليها برفق، وأضاف مبتسما: أسمعي الكلام بقي، ومتتعبيش نفسك أكتر من كده إنتِ لسة خارجة من المستشفى.

اومأت باستسلام: طب خليني أكلمها لما توصل.

اومأ: حاضر 

وبالفعل بدل ملابسه وغادر.

سيارة رشدي.

كان يقود سيارته متجها إلى جنة، وعيناه تتابعان الطريق في تركيز.

وفجأة، رن هاتفه.

نظر إلى الشاشة، ثم ضغط زر الرد: ياسو، عامل إيه؟

جاءه صوته مبتسما: الحمد لله، أنت أخبارك إيه؟ ومي عاملة إيه دلوقتي؟ حمد لله على سلامتها.

ابتسم رشدي بخفة: الله يسلمك، هي الحمد لله بقت أحسن دلوقتي.

تنحنح ياسين، وقال بجدية: طب أنا كنت عايزك في موضوع مهم جدا، ومينفعش يتأجل.

عقد رشدي حاجبيه: موضوع إيه؟

أجابه: مينفعش في التليفون، لازم نتقابل.

ثم سأله: أنت فين دلوقتي؟

أجابه رشدي وهو يواصل القيادة: عندي مشوار مهم.

ياسين بسرعة: خلاص خلص مشوارك، ونتقابل في الأريزونا، ماشي؟

ازداد استغراب رشدي: طب فهمني طيب إيه الموضوع؟

ياسين بسرعه: لما تيجي هتعرف، مستنيك.

قال كلماته بسرعه ثم أنهي المكالمه، فمد رشدي شفتيه بتعجب، وأعاد تركيزه علي الطريق مره أخري

عند ياسين 

عقب إنهاء مكالمته مع رشدي، اجري اتصالا بسليم.

في ذلك الوقت، كان سليم ومكي يجلسان في مطعم خال من الزبائن ينتظران مكالمه ياسين، بينما انتشر أفراد الحراسة حولهم في المكان.

وفجأه رن هاتف ياسين، فأجاب مسرعا: إيه يا ياسين؟ كل ده؟

ياسين: كنت بفكر في حوار أقولهوله عشان يوافق يقابلني، المهم إنه وافق، هو بره دلوقتي في مشوار، ولما يخلص هيجيلي.

ساد الصمت للحظة، قبل أن يتسأل سليم: متأكد إنه دلوقتي مش عندها؟

تردد ياسين وهو يقول: أيوه، بس أنت ناوي تعمل إيه ياسليم؟

أجابه ببرود: زي ماقولتلك طول معاه على قد ما تقدر، وأول ما تخلص كلمني، ومتسألش كتير.

ياسين بقلق: حاضر يا سليم.

أنهى سليم المكالمة وبدأ بكتابه شيء في هاتفه، فنظر إليه مكي وتساءل: طب وأفرض مجتش بعد الرسالة إللي هتبعتها؟

ارتسمت على شفتي سليم ابتسامة واسعة، وهو يدون الرساله، ثم قال بثقة: هتيجي.

رفع عينيه إليه وأضاف بهدوء: أول ما تعرف إن الموضوع له علاقة برشدي، هتيجي.

توقف لحظة، ثم أكمل بنبرة حملت إصرارا واضحا: ولو مجتش...

أغلق الهاتف بعد أن أرسل الرسالة: هروحلها أنا.

عند مي.

كانت في الصالة تشاهد التلفاز، وتضحك بخفوت علي أحد المشاهد، حتى أضاء هاتفها معلنا وصول رسالة.

التقطته بابتسامه، ظنا منه أنه رشدي، ولكن اختفت ابتسامتها تدريجيا عندما قرأت " مي... أنا سليم،
لو سمحتي عايز أقابلك، فيه موضوع مهم جدا بخصوص رشدي وميستحملش أي تأخير، صدقيني الموضوع حياة أو موت، وأرجوكي متقوليش لرشدي إنك جاية تقابليني، ولا حتى إنك نازلة من البيت. هبعتلك اللوكيشن، أرجوكي متتأخريش."

اتسعت عيناها بصدمة، وأخذت تقرأ الرسالة مرة ثانية وثالثة، وقلبها يخفق بعنف، لم تفكر كثيرا، وضغطت على اسمه واتصلت به فور.

كان سليم يجلس أمام مكي، وعيناه معلقتان بالهاتف.
وفجأة أضاءت الشاشة باسم " مي " 

نظر إلى مكي بابتسامه منتصره: شوفت!

ثم ضغط زر الرد، فجاءه صوتها القلق: موضوع إيه يا سليم؟ ماله رشدي؟

أجابها بهدوء: اهدي، متقلقيش.

أرتفع صوتها بتوتر: يعني إيه مقلقش؟! تبعتلي رسالة تقول فيها "حياة أو موت" وتقولي متقلقيش؟! فيه إيه؟

سليم بنبرة ثابتة: لما تيجي هتعرفي كل حاجة.
ثم أردف بجدية: بس لو سمحتي بلاش رشدي ولا أي حد يعرف إنك جايه تقابليني.

صمت لحظة، ثم أكمل: أنا عارف إنك واخدة عني فكرة وحشة وحقك، لكن فيه حاجات كتير إنتِ متعرفيهاش، ولازم تعرفيها بنفسك.

ابتلعت ريقها بصعوبة: هو... هو رشدي حصله حاجة؟

سليم بسرعة: لا رشدي كويس.

ثم أضاف: بس لازم أشوفك قبل مايرجع.

ضيقت عينيها باستغراب: أنت عرفت منين إن رشدي مش موجود؟

ساد الصمت لثواني، ثم قال بهدوء: متتأخريش يا مي، أنا مستنيكي.

وأنهى المكالمة مباشرة.

عند مي.

ظلت تحدق في الهاتف، وعشرات الأسئلة تدور في رأسها، دون أن تجد إجابة لأي منها.
لكنها لم تستطع الانتظار وارادت الاطمئنان عليه، فاجرت اتصال حتي أتاه صوته مداعبا: إيه يا ميوشي لحقت اوحشك؟ 

تنهدت بارتياح، وتسألت بتوتر: أنت كويس؟ 

استغرب سؤالها وقال: آه كويس، مالك في ايه؟ 

زفرت بهدوء: مفيش يا حبيبي، كنت بشوفك وصلت ولا لسه.

أجابها بابتسامه: لا لسه، بس خلاص اهو قربت.

تمتمت بخفوف: توصل بالسلامه، خلي بالك من نفسك.

ابتسم باتساع عندما أدرك خوفها عليه: حاضر، أنتِ كمان خلي بالك من نفسك علي ما أجي، مش هتأخر عليكي.

أنهت المكالمه، وأغلقت عينيها تزفر ببطء، ثم أعادت خصلات شعرها إلى الخلف بعصبية، وهي تتذكر رسالة سليم " موضوع حياة أو موت..."

ظلت الكلمات عالقة في ذهنها، لم تكن تعرف ماذا تفعل، ولا أي قرار عليها اتخاذه.

فهي لا تثق في سليم، وتحمل داخلها كثيرا من الغضب تجاهه، لكن لماذا سيطلب مقابلتها سرا؟ ولماذا أصر على ألا تخبر رشدي؟

عضت شفتها في حيرة، ثم همست لنفسها: أكيد فيه حاجة مهمة، وإلا عمره ما كان كلمني بالطريقة دي.

أخذت نفسا عميقا، ثم حسمت أمرها أخيرا، واتجهت إلى الغرفة لتبدل ملابسها استعدادا للخروج، والقلق يعتصر قلبها مع كل خطوة.

منزل إسعاد،4ع.

كانت جنة ترتدي ملابس الخروج، وشعرها مصفف بعناية بتسريحة مميزة، جلست على الأرض ترتدي حذاءها الرياضي بحماس واضح.

رفعت رأسها نحو إسعاد تسألها بفضول حماسي: هو رشدي قالك إيه يا تيتة؟

ابتسمت إسعاد بحزن: قالي لبسي جنة علشان هنسافر دلوقت.

سألتها بسرعة: طيب ورحمة فين؟

رمشت بعينيها وقالت بمراوغة: رحمة هتيجيلنا بعدين..

نظرت لها وطالت النظرة ثم قالت: تعالي يا جنة.

نهضت وتوقفت أمامها، فأمسكت إسعاد وجهها بين يديها بحنان، ثم مررت يدها على خدها وهي تقول بتأثر: هتوحشيني وتقطعي بيا والله، بس أعمل إيه مش بإيدي.

ادمعت عيناها رغما عنها، فرفعت الصغيره يديها تمسح دموعها ببراءة وهي تقول: بتعيطي ليه يا تيتة؟ رشدي قالي المكان إللي هتنسافرله حلو خالص، وفيه ألعاب وبيت حلو.

وأضافت بحماس طفولي بريء: وبعدين ماما وبابا هييجولنا هناك.

تبسمت اسعاد: مش بعيط يا حبيبتي، أنا مبسوطة إن إحنا مسافرين. 

عقدت الصغيرة حاجبيها: طب فين شنطتك يا تيتة؟ ليه محضرتيهاش؟

ابتسمت بتوتر: هعملها، مستنية رحمة تيجي تساعدني.

جذبتها جنه بحماس: يلا أنا هساعدك.

وفي اللحظه نفسها طُرق الباب فقفزت جنة بسعادة وركضت نحو الباب وهي تردد: رشدي جه! رشدي جه!

ذهبت وفتحت الباب بسرعة، وما إن رأته حتى تهللت ملامحها: رشدي!

إنحنى وحملها بين ذراعيه: عاملة إيه يا حبيبتي؟

ضحكت بحماس: أنا مبسوطة خالص عشان هنسافر بعيد!

ثم نظرت خلفه بإستغراب: فين مي وماسة؟ ومين عمو ده؟

رمق شوقي بنظرة سريعة ثم أغلق الباب ودخل بها، جلس على الأريكة وأوقفها أمامه، ثم نظر إلى إسعاد: حضرتي شنطتها؟

اومأت بتاييد: آه، كل حاجة جاهزة.

عاد ينظر إلى جنة بإبتسامة حاول أن يجعلها طبيعية: طب يلا يا جنة، علشان منتأخرش.

لكنها ظلت تنظر حولها بحيرة: مش هنستنى مي وماسة ورحمة؟ وتيتة كمان لسه معملتش شنطتها.

صمت لحظة، ثم حك ذقنه بتوتر: لا هما مش هييجوا معانا، إحنا هنسافر لوحدنا.

اختفت ابتسامتها فورا: لا أنا مش عايزة أسافر لوحدنا، أنا عايزة أسافر معاهم.

اومأ بهدوء: مش هينفع يا جنة، هما بعدين هييجوا.

عقدت حاجبيها أكثر: ليه بعدين؟ أنت قولتلي كلنا هنسافر سوا، وبعدين فين شنطتك؟

تنهد محاولا التماسك: بصي أنتِ هتسافري الأول مع عمو اللى بره ده، وبعدها أنا وتيتة ورحمة ومي هنخلص شغلنا ونحصلك.

هزت رأسها وهي تتراجع للخلف بدموع وخوف: لا، أنت بتكدب عليا! أنت هتخليني أسافر الجزيرة البعيدة إللي بيقعدوا فيها العيال لوحدهم!

نظر لها بدهشة: جزيرة إيه؟

بدأت تبكي بخوف حقيقي: تيتة قالتلي إن العيال إللي بيعملوا شقاوة بيروحوا جزيرة لوحدهم ويقعدوا فيها، أنا مش هعمل شقاوة تاني والله! والله هسكت خالص، بس متودنيش هناك لوحدي يا رشدي، وحياتي عندك والنبي!

نهض بسرعة واقترب منها: يا حببتي مفيش الكلام ده، أنتِ مش هتروحي أي جزيرة، أنتِ هتروحي مدرسة حلوة فيها جنينة وألعاب زي ما وريتهالك..

أبتعدت بظهرها وهي تبكي بخوف: لا، أنت بتكدب عليا! هتوديني الجزيرة عشان أنا بعمل شقاوة، كلكم زعلانين مني علشان بعمل شقاوة،  والله ما هعمل شقاوة تاني، والنبي مش توديني هناك يارشدي،  أنا حتى مش هكلمك كتير في التليفون، وهسمع كلام تيتة، هي قالتلي إنك بتضايق لما بكلمك كتير…

شهقت وهي تبكي أكثر: بس أنا بحب أكلمك عشان بحبك يا رشدي، إنت ومي بالنسبالي زي بابا وماما، علشان أنا أصلا مش بكلمهم.

تأثر من حالتها وحاول تهدئتها: جنة أسمعيني طيب..

انفجرت في البكاء وهي تتشبث بملابس إسعاد بخوف طفولي موجع: والنبي يا رشدي متاخدنيش هناك، يا تيتة متخلوهش ياخدني بعيد، والله ما هعمل شقاوة تاني!

كانت كلماتها تخرج متقطعة وسط شهقاتها وهي تواصل: هسمع الكلام، وهاكل الكوسة، وهشرب اللبن، وهاكل البيضة والعسل، وهعمل واجبي أول ما أرجع من الحضانة، وأنام بدري، ومش هتفرج على التليفزيون كتير، هعمل كل حاجة بتحبوها، بس سبوني اعيش معاكم..

إنهارت إسعاد أكثر وهي تستمع لها، وهبطت دموعها دون أن تشعر، فاقتربت من رشدي ترجوه بصوت مرتعش: سيبها يا رشدي، وأنا والله هاخد بالي منها، أنا عارفة إني ست كبيرة وبقصر ساعات، بس هحاول، أو هات حد يساعدني بدل رحمة…

شدت جنة على يد جدتها وهي تبكي: قوليله يا تيتة.

أغمض رشدي عينيه للحظة ثم قال بصوت حاول جعله حازما: مش هينفع يا جنة، أسمعي الكلام علشان مزعلش منك، قولتلك إنتِ هتسافري مكان حلو، وبعد شوية هجيلك أنا ومي، لإن مي تعبانة مش إنتِ عارفة إن عندها واوا؟ أول ما تكون كويسة هنجيلك والله، ومفيش جزيرة، تيته كانت بتهزر معاكي.

إسعاد  بتأيد رغم حزنها: آه كنت بضحك عليكي علشان تسمعي كلامي

اقترب منها وجلس علي ركبتيه امامها، واحاط كتفيها بيديه، وقال بحنو: مش أنتِ بتثقي فيا؟ أنا هكذب عليكي يعني؟ والله مي بس تخف وهجيلك أنا وهي علطول. 

هزت رأسها بعنف: أنت بتكدب عليا زي بابا وماما! كل شوية تقولولي هييجوا ومبييجوش! حتي بطلوا يكلموني، هما مبقوش يحبوني ليه..؟

نظرت له بعينين مليئتين بالخذلان: إنتم كمان مبقتوش تحبوني زيهم؟ طب ليه مش بقيتوا تحبوني؟ أنا بحبكم أوي، ونفسي أعيش معاكم كلكم، وبقعد أرسمكم..

أخذت تبكي بإنهيار وهي ترجوه بصوت موجوع: والنبي يا رشدي متودينيش بعيد، علشان خاطري.

ادمعت عيناه رغما عنه، ولم يحتمل رؤيتها بهذه الحالة، فجذبها الي احضانه، وقال بصوت مبحوحة: هوديكي مدرسة حلوة أحلى من إللي بتروحيها، فيها بيت كبير وشجر وألعاب زي مابتحبي وفيها مطعم بيلف..

بكت أكثر: أنا مش عايزة شجر ولا بيت حلو ولا مدرسة حلوة، أنا عايزة أقعد معاك انت ومي وتيتة ورحمة، وكل أصحابي إللي هنا والميس بتاعتي.

تشبثت بملابسه وهي ترجوه بدموع موجوعة: متودينيش بعيد يا رشدي وحياتي عندك، أنا بحبك والله وهسمع الكلام، ومش هعمل شقاوة، ولا حتى هكلمك في التليفون أنت ومي، هستنى إنتم تكلموني..

لان قلبه لدموعها وتوسلاتها الخائفه، بينما اشتعل في داخله ضجيجا، بين قلب يصرخ به أن يبقيها وترحل مع، وعقل أشد قسوة يدق ناقوس خطر ويجبره علي إبعادها.

ظل غارقا في صراع ثقيل ينهش روحه، وكأنه يقف بين قلبه وعقله في معركة لا تهدأ، كان القرار يكسر شيئا بداخله، لكن دموعها وتوسلاتها جعلت الصراع أكثر قسوة، وكأنها تنتزع منه آخر ما تبقى من تردده.

أخذ نفسا عميقا، ورفع عينيه إلى الأعلى طويلا، كأنه يبحث عن حل لا إجابة له، وفجأة، جالت في خاطره فكرة...

ألا يذهبا إلى المطار سويا، بل يلتقيا داخل الطائرة فقط، ربما بدت الفكرة ساذجة، لكنها قد تكون الحل الوحيد في الوقت الحالي، أو على الأقل تمنحه بعض الوقت حتى يجد حلا أفضل.

تبسم وقال وهو يربت علي خصلاتها المندسه داخل صدره: خلاص يا حببتي، بطلي عياط مش هتسافري لوحدك.

رفعت وجهها عن صدره بلهفة وسط دموعها: يعني مش هتوديني بعيد؟

اومأ بابتسامة: لا هستنى مي تخف ونروح كلنا مع بعض.

شهقت بسعادة وارتمت في حضنه بقوة: أنا بحبك خالص يا رشدي.

بادلها العناق هو الآخر، وكأنه يحاول طمأنة قلبه قبل طمئنتها، بينما كانت هي متشبثة به بكل قوتها.

اقتربت إسعاد منهما، وربتت على كتفه بحنان: زين العقل يا ابني.

ثم أكملت بتأثر: متخافش عليها والله، أنا هاخد بالي منها على قد ما أقدر.

ظل صامتا للحظات، قبل أن يهز رأسه بإرهاق واستسلام، بينما ابتعدت عنه جنه تقول بابتسامه واسعه: أنا مبسوطه أوي إني مش هسافر لوحدي، وهسمع الكلام والله ومش هعمل شقاوة ولا هكلمك أنت ومي كتير، هستني أنتم تتصلوا، بس كلمني علطول، مش تقعد يوم ويوم 

رفعت يديها الصغيرتين أمام وجهه وهي تقول بتذمر طفولي: وكل دول متكلمنيش!

ابتسم رغم توتره وربت على شعرها: لا هكلمك كل يوم، وهخلي مي تكلمك كمان..

ثم وقف وقال: يلا روحي غيري هدومك، عشان أجيب أكل ونلعب سوا.

هزت رأسها بحماس: ماشي!

ركضت للداخل، بينما ألتفت نحو إسعاد وسألها: هي رحمة كانت عارفة؟

هزت رأسها بسرعة: لا يا ابني، أنا اتفاجات لما كلمتني، جنة كانت عمالة تقولنا إنك عايز تسفرها لما جيتلها آخر مرة، وإحنا افتكرناها بتتخيل.

تنهدت بحزن: أكمنها يعني ساعات تيجي تقول بابا وماما قعدوا يتكلموا معايا بالليل، وساعات تقول رشدي ومي جم قعدوا معايا، وإحنا خدنا على خيالها يعني.

ثم نظرت له بقلق حقيقي: بس لما كلمتني النهاردة وقولتلي إنك هتسفرها، فهمت إنها كانت بتقول بجد، والله قلبي اتخلع..

اقتربت منه أكثر وقالت برجاء صادق: سيبهالي يا رشدي بيه، أنا بحبها، دي عوض ربنا ليا عن علي ابني إللي راح، أنا بعتبرها حفيدتي بجد، مش بنت يتيمة بربيها.

خفض عينيه للحظات، ثم قال بهدوء متعب: أنا عارف والله، بس أنا مسافر ومي وعايزها تبقي معانا، وبعدين أنا بس أظبط أموري هناك وهبعتلك تيجي تعيشي معانا..

وفي تلك اللحظة خرجت جنة بعد أن بدلت ملابسها، تبتسم بحماس: يلا يا رشدي! أطلب أكل حلو ونرسم سوا!

رتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة رغم كل ما يثقله: تحبي نطلب إيه 

ردت بحماس: بيتزا.

اومأ بإبتسامة: ماشي نطلب أحلى بيتزا، بس ناكل ونرسم بسرعة؛ علشان مش هعرف اتأخر على مي.

❤️____________بقلمي_ليلة_عادل.

في المطعم 3م

كان سليم لا يزال جالسا في المطعم، ينتظر وصول مي، أمامه لابتوب مفتوح، وعدة ملفات وأوراق وصور، وهاتفه موضوع بجوارها، وكأنه أعد كل ما يمكن أن يثبت الحقيقة التي جاء ليكشفها.

جلس  مكي إلى جواره، يتابع الباب بين الحين والآخر.. وبعد دقائق...دخلت مي.

بدت ملامحها متوترة، وعيناها تبحثان عن سليم حتى وقعتا عليه.

وقف سليم فورا لاستقبالها: حمد لله على السلامة يا مي.

اقتربت منه بخطوات سريعة، وقالت بلهفة: في إيه؟ إيه إللي حصل؟ ممكن تفهمني بقى إيه الرسالة دي؟

أشار إلى المقعد المقابل له: أقعدي الأول وأهدي.

حدقت فيه بإنفعال: أهدى؟! أهدى إزاي؟

أجاب بهدوء:  لازم تهدي لإننا بالطريقة دي مش هنعرف نتكلم.

زفرت باختناق، ثم جلست وهي لا تزال تنظر إليه بقلق: اتفضل... قول.

نظر مكي إلى سليم، ثم قال: أنا هستناك هناك.

أبتعد، تاركا لهما بعض الخصوصية.

جلس سليم أمامها، ثم تشابكت أصابعه فوق الطاولة، وقال بهدوء جاد:  بصي يا مي، أنا هدخل في الموضوع على طول، مش هلعب بيكي، ولا هلف وأدور، مع إني كان يحقلي أعمل كده!  لكن أنا مش هحاسبك على حاجة إنتِ مالكيش ذنب فيها.

نظرت إليه بتعجب أكمل: إنتِ وقفتي جنب ماسة في أوقات كتير، وكنتي بتدافعي عنها، علشان كدة مستحيل أتلاعب بيكي..

عقدت حاجبيها بعدم فهم، أنا مش فاهمة إنت بتتكلم عن إيه؟!

نظرت من حولها متسائلة: وبعدين هو المكان فاضي كده ليه؟!

تنهد موضحا: عشان نعرف نتكلم براحتنا؟!

ردت بضجر: ويا ترى عايز تتكلم معايا في إيه؟! وإيه هو الموضوع الخطير إللي فيه حياة أو موت؟!

تنهد ببطء وقال: الموضوع باختصار، كل إللي إنتِ شوفتيه بيني وبين ماسة الفترة إللي فاتت كان تمثيل.

عقدت حاجبيها تحاول أن تستوعب، بينما ظل هو يراقب ملامحها للحظات، ثم مال بجسده قليلا إلى الأمام واصل مفسرا بنبرة باردة: يعني أنا ولا كنت بضرب ماسة، ولا كان بينا المشاكل إللي إنتِ شوفتيها، كل ده كان تمثيل، ومكياج اتفاق.

سألته بتعجب: وتعملوا ليه كدة مش فهمه؟!

أجابها بتوضيح: أنا وماسة كنا متفقين على كل حاجة، كنا عاملين المسرحية دي كلها قدام العيلة، عشان يصدقوا إننا بقينا ضد بعض، ونعرف نوصل للحقيقة من غير مايشكوا فينا..

هزت رأسها بعدم استيعاب قالت بحدة:. أنا مش فاهمة حاجة؟! تمثيل إيه؟! وحقيقة إيه؟! وأنا دخلي إيه في الموضوع ده عشان تجيبني وتقول لي فيه مصيبة! ماتدخل في الموضوع على طول زي مابتقول.

ارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة، قائلا مرارة: الموضوع أكبر بكتير مما تتخيلي، وبدأ من يوم ما اخترت أتجوز ماسة وهي مجرد بنت خدامة وأهلها ناس على قد حالهم، كنت فاكر أسوأ حاجة ممكن تحصل، الحاجات إللي حصلت يوم فرحنا، لما الهانم  اتفقت مع مأجورين عشان يقتلوا ماسة، ولما سبت كل حاجة وبعدت عن العيلة، لكن إللي حصل بعد كده كان أسوأ بكتيييير، برغم ذكائي وقوتي ماتوقعتش إن عيلتي إخواتي وأبويا وأمي يعملوا كده؟!

صمت لثوانٍ، ثم تابع بمرارة تخرج من عينه قبل لسانه: أنا دفعت تمن الاختيار ده... وماسة دفعت معايا..

ابتلع غصته حاول أن يبدو متماسكا لا يضعف وأن يحافظ على هيمته وقوته تابع: بصي يا مي... كل إللي إنتِ شايفاه قدامك، من ورق، ولاب توب، وصور... كل حاجة فيهم، ليها حكاية وجواها دليل 

عقدت حاجبيها تحاول أن تستوعب ماذا يقول؟! فهي تشعر أن هناك شيئا كبيرا لكنها ما زالت لم تفهم ما علاقة رشدي بكل هذا

 قالت بنبرة محشرجة قليلا: حكاية إيه؟ ودليل ايه؟! ايه دخل رشدي بكل ده؟!

ثبت عينيه عليها، وقال بصوت هادئ: حكاية
ماحصلتش حتى في المسلسلات،أنا دلوقتي لو رميت قدامك الأدلة مرة واحدة،  مش هتصدقي،  اما رشدي دخلة إيه؟!
مد وجهه بمرارة واصل: تحبي نبتدي منين؟! من خيانته ليكي ليلة حفلة العزوبية؟ ولا أحكيلك من البداية، لما رشدي هدد ماسة بأهلها، وخبط أبوها بالعربية، عشان تكست، عشان يجبرها تبعد عني وتعكنن عليا حياتي، على أمل أكرهها ونسيب بعض؟

بدأت ملامح مي تتغير تدريجيا، وقد ارتسمت الصدمة على وجهها مما تسمعه. ورغم محاولتها التماسك، فضحت عيناها اضطرابها، وعكستا كمَّ الصدمة والحيرة التي اجتاحتاها.

واصل، وصوته لا يزال هادئا، لكنه يحمل ثقل سنوات كاملة من الألم: ولااا لما أخويا، وأمي، وأختي قعدوا مع بعض واتفقوا يقتلوا مراتي وهي حامل، وفاضل لها عشر أيام وتولد... علشان كانوا شايفين إن التخلص من ماسة هو أسهل طريق للتخلص مني؟
غير انه اصلا رشدي قتل السواق لانه رفض يخبط العربيه لما لاقاني فيها، ولا لما شافني خارج أنا وهي من العربية سلام وشاف العصابة، عماله تتدبح فينا مافكرش حتى يرفع المسدس ويدافع عننا

مالت شافتيه بإبتسامة بسخرية: ولا لما ضحك عليكي وقالك إني ضربته علشان كان بيدافع عن ماسة، والحقيقة إنه كان بيخنقها، لأنها هددته إنها هتحكيلك كل حاجة؟  لما عرفنا إنه كان عارف إنهم لفّقوا لها قضية زنا... وسكت، سابها تواجه كل ده لوحدها، وهو عارف الحقيقة من أولها لآخرها...

هز رأسه بمراره: ولا احكيلك عن معرفته باتفاق امي واختي علي تسقيط ماسة في حملها الأول، ولا عن معرفته باتفاق الهانم والباشا علي قتل ماسة علشان يموت سرهم معاها،  وسكت لانه جبان، احكيلك عن إيه ولا ايه؟ 

سكت للحظة، ودقق النظر في ملامحها، يترقب أثر كلماته عليها، محاولا أن يلتقط أي تغير في تعابير وجهها.

فوجدها تائهه ومضطربة، وكأنها تعيش كابوسا سيئا وتحاول بشتى الطرق الاستيقاظ منه. كيف له أن يتهم رشدي، زوجها، بكل هذه الأفعال المشينة؟ لا بد أنه يكذب.
وعلى الفور تمسكت بهذا الاحتمال، رافضة تصديق أي كلمة. هزت رأسها بعنف واضطراب، وهي تردد بصوتٍ يعلو مع كل كلمة:

قالت بصوت مرتجف امتزج بالغضب: مستحيل... مستحيل أصدق إن رشدي يعمل الحاجات دي! ده جوزي... وحبيبي! انت كداب 

 ارتست بابتسامة واسعة ساخرة:  كنت متوقع ده، وإلا مش هتكوني مي اللي اعرفها، خلينا نمشي واحدة واحدة، وبالأدلة والبراهين، أصل واحدة عرفت إن جوزها مدمن وسامحته بكل السهولة دي! مش هيكون سهل عليها تصدق أي كلام أقوله، ولا تصدق إن جوزها خانها ليلة فرحهم.

رافعت حاجبها بستنكار، ثم أطلقت ضحكة ساخرة قصيرة، وهزت رأسها بعدم تصديق، وقالت:
إيه العبط إللي إنت بتقوله ده؟! خيانة إيه؟ وضرب مين؟ وزنا إيه؟ وحادثة إيه؟ أنا مش فاهمة أي حاجة! عايز تفهمني إن رشدي ليه علاقة باللي حصل لك إنت وماسة؟! ومطلوب مني بكل سذاجة أصدق الكلام ده؟! أنا جيت هنا فاكرة إن عندك حاجة تخص رشدي، مش عشان تحكيلي كلام مالوش أي معنى!

توقفت بضجر شديد وهي تقول: أنا أصلا غلطانة إني بتكلم مع واحد زيك..

كادت أن تتحرك لكن أوقفها حديثه البارد بشكل مستفز: أنا أصلا... ماطلبتش منك تصدقيني..

زم وجهه وهو يتابع بهدوء بارد يحاول استفزازها لتعود: كنت قدر أوصلك للحقيقة بنفس الطريقة إللي رشدي وصل بيها لماسة... بالتلاعب والكذب والتهديد وصدقيني، أنا أعرف أعمل ده كويس أوي ..

رفع عينيه إليها وقال بفحيح: لكن الفرق بيني وبينه... إني مش هخلط الحقيقة بالكذب، ولا هاهددك علشان تصدقيني..انا هوريكي رشدي على حقيقتة، حقيقته اللي خيالك نفسه مستحيل كان يقدر يتصورها..

صمت لحظة، ثم أردف: ومش هقولك: "لو بلغتي رشدي هأذي أبوكي"... زي ما هو عمل مع ماسة لما هددها بأهلها وخبط أبوها بالعربية علشان يسكتها..

اتسعت عينا مي بصدمة، وقالت بانفعال: إنت بتقول إيه؟! اسكت بقي وبطل كدب حرام عليك.

أجابها بإبتسامة باردة: أنا بقول الحقيقة... مش أكتر من الحقيقة اللي مش قادرة تسمعيها...

اومأ برأسه بعدم اهتمام: وتصدقيها أو ماتصدقيهاش، ده قرارك، تكملي مع رشدي أو تسيبيه، ده قرارك برضوا، أنا مش جاي أقرر عنك..

توقف أمامها مباشرة،  ونظر داخل عينيها بثبات، وأكمل هو يرز الشك داخلها: أنا كل إللي عايزه إنك تعرفي مين الشخص إللي عايشة معاه، وبعدها، أعملي إللي إنتِ شايفاه صح.

جزت على اسنانها بضجر: أنا لسه مش فاهمة إنت عايز توصل لإيه؟ 

مد وجهه ببساطة: عايز أوصلك لحقيقة واحدة..

توقف لثانية، ثم أكمل: إنك مخدوعة في رشدي..

ارتسمت الصدمة على وجهها، بينما تابع: وإنه كان سبب رئيسي في دمار حياتي أنا وماسة، وإن أغلب المصايب إللي حصلتلي كانت من ورا أفكاره.القذرة

ضيقت عينيها بضيق وقالت بثقه كاملة: و قولتك إنت كداب، وإني مستحيل اصدق كلمة منك، وأنك بتحاول تشوه صورته وبس.

اومأ برأسه وهو يشير إلى اللابتوب بشيطانية: علشان كده مش هقولك صدقيني، هقولك اتفرجي، ولو بعد أول خمس دقايق حسيتِ إن أنا بكذب، أمشي، وأنا مش هوقفك، وبعدين أنا هكذب عليكي ليه؟! هكسب إيه؟! جربي مش هتخسري حاجة؟! 

جلس مرة أخرى في هدوء، ثم فتح اللابتوب ببطء، وكأنه يعرف جيدا من أين يبدأ وكيف يهدم كل ما تؤمن به. لم يكن مرتبكًا أو مترددا، بل كان يتصرف بثقة شخص يمسك بكل الخيوط بين يديه، ويعلم أن الحقيقة، مهما كانت قاسية، ستكون كفيلة بإسقاط أوهامها وجعلها تصدقه في النهاية.

كانت مي لا تزال تنظر إليه بغضب وعدم تصديق، لكنه لم يمنحها الوقت لتستعيد هجومها أو تنهي الحديث، كان يعرف أن أول دليل هو الأصعب، فإذا كسر حاجز الإنكار الأول، ستجلس لتسمع الباقي بنفسها.

فتح أول ملف، ثم رفع عينيه إليها، وقال بإبتسامة جانبية حملت قدرا من السخرية والثقة:
إنتِ عارفة يا مي، أكتر حاجة ساعدتني النهاردة إنك سامحتي رشدي بسهولة بعد إللي اعترفلك بيه، وقتها عرفت إن لو جبتلك كلام بس، مش هتصدقيه.

حرك اللابتوب نحوها قليلا، ثم أردف: علشان كده أنا مجتش أتكلم، أنا جاي أخلي الأدلة هي إللي تتكلم..

ضغط زر التشغيل، ثم قال بهدوء وهو يثبت عينيه عليها: تعالي، نبدأ من ليلة حفلة العزوبية،من أول خيانة عملها ليكي، أعتقد دي أكتر حاجة ممكن تكسر أي ست، إنها تعرف إن جوزها، قبل فرحهم بليلة واحدة، خانها، بجد حاجة تقرف...

هز رأسه بسخرية، ثم أردف بصوت خافت: مأقدرش يتحمل حتى كام ساعة، بس هو ده رشدي، لا جديدة عليه، ولا متفاجئ منه..

وبالفعل ظهر رشدي وهو بين أحضان نورهان، بالفيديو وهو يقومون بعلاقه محرمة..

اتسعت عيناها تدريجيا، بصدمة، همس دون أن ينظر إليها، وقال بفحيح أفاعي شيطانية: دي نورهان، المفضلة بالنسبة لرشدي، وعلى فكرة، دي ماكانتش آخر مرة...

ضغط زرا آخر، فظهر مقطع جديد: فاكرة اليوم إللي اكتشفتي فيه إنه مدمن؟ بعد ماخرج من عندك، راح يقابلها، بدل مايفكر إزاي يصالحك، ويصلح اللي عمله

تابع بلؤم خبيث يستفزها: يعني حاجة صعب اوي أنا لو مكانه افكر اصلح غلطتي ازاي؟! لكن اروح اخونك، ولسه مكملتوش شهر.. بجد يعني مش عارف اقولك ايه؟!

ضغط زر التشغيل. في اللحظة التالية بدأ الفيديو يُعرض أمامها.

, اتسعت عيناها كادتا تخرجان من محجريهما، وتسارعت أنفاسها بعنف، بينما أخذ قلبها يخفق بقوة مؤلمة، حتى خيل إليها أنه سيتوقف من شدة الوجع
لم يخطر ببالها، ولو للحظة واحدة، أن يكون رشدي قد خانها...

لم تتخيل أبدا أن يغرس ذلك الخنجر في قلبها، وفي أي وقت؟!

ومتى؟! في ليلة زفافهما، وبعد أقل من شهر على زواجهما، كان وقع الحقيقة أقسى من أن يستوعبه عقلها، وأثقل من أن يحتمله قلبها.

اخذت تحدق في الشاشة، وكل ثانية تمر تمزق جزءا من ثقتها العمياء به، تلك الثقة التي بنت عليها حياتها، وواجهت بها الجميع، ودافعت عنه دون تردد.

شعرت وكأن نارا اشتعلت داخل صدرها، تلتهم قلبها ببطء، ثم تمتد إلى كل جزء فيها بلا رحمة، بينما كانت الكلمات والصور تتلاحق أمام عينيها، تحطم كل ذكرى جميلة ظنت يوما أنها حقيقية.

رفع عينيه إليها، يراقب ملامحها بصمت، يتابع انهيارها لحظة بلحظة، لكنه لم يتراجع، ولم يمنحها فرصة لتلتقط أنفاسها.

واصل بصوت هادئ، وكأنه يعدد وقائع لا تعنيه: بس الخيانة دي، مش أسوأ حاجة عملها. تعرفي إن رشدي اعتدى قبل كده على بنتين؟ واحدة منهم ما استحملتش وانتحرت، والتانية جوزوها واحد من رجالتنا عشان يقفلوا الموضوع،  غير انه حاول يغتصب ماسة قبل ما نتجوز؟! ده غير القتل، مرة عشان كيفه كدة، ومرة عشان واحد دافع عن خطيبته فسابه بعجز مستديه، ونيللي اللي علمته الادمان قتلها، لا... لا... رشدي حكاياته كتير أوي، ولو قعدت أحكيهالك مش هنخلص.. ولا حتى هاتصدقيني فتسمعيها بنفسك أحسن..

ثم ضغط على مقطع آخر، وانطلق صوت رشدي واضحا، وهو يتحدث مع عزت، معترفا بما ارتكبه، بينما كانت التسجيلات المصورة توثق كل شيء بالصوت والصورة.

كانت مي تستمع إلى صوت رشدي، وترى كل شيء بعينيها مع كل كلمة تخرج من فمه، ومع كل اعتراف موثق بالصوت والصورة، كانت تشعر وكأن شيئا بداخلها يتحطم بلا رجعة.

اتسعت عيناها شيئا فشيئا، وانحبست أنفاسها، وأخذ قلبها يخفق بعنف حتى شعرت وكأنه سيخرج من بين ضلوعها، أما الدموع، فكانت تنحدر في صمت على وجنتيها، بينما ملامحها تزداد شحوبا لحظة بعد أخرى.

لم تعد قادرة على استيعاب ماتسمعه أو تصديقه، كل حقيقة كانت تهوي فوقها كضربة جديدة، تسحق ماتبقى من ثقتها، وتحطم الصورة التي رسمتها لرجل ظنت يوما أنه زوجها.

شعرت بأن ساقيها لم تعودا تحملانها، ترنح جسدها، فحاولت أن تستند إلى الكرسي حتى لا تسقط، لكن يديها كانتا ترتجفان بعنف، وأنفاسها تتقطع، وصدرها يعلو ويهبط بصعوبة، وكأن الهواء لم يعد يكفيها.

كان سليم يراها وهي تنهار أمام عينيه، وكل جزء فيه يدفعه إلى إيقاف مايحدث، لكنه أجبر نفسه على التماسك حتى لا يضعف، وحتى لا يستسلم للشفقة

ثبت بصره عليها للحظات، بينما كانت صورة ماسة لا تفارق مخيلته؛ دموعها، وخوفها، وكل ما مرت به على يد رشدي، شعر وكأنه ينتزع حقها من بين أنياب الماضي، وأن هذا الألم، مهما كان قاسيا، لا يساوي شيئا أمام ما عانته.

قبض على يده بقوة، وكأنه يقبض على قلبه حتى لا يلين، ثم ابتلع أي ذرة تعاطف حاولت أن تتسلل إليه، وقال ببرود: وعلى فكرة... دي نقطة في بحر، أنا لسه مابدأتش أنا بس كنت بوريكي شخصية الرجل إللي متجوزاه، قد إيه ماضيه وسخ وقذر، مش مجرد انه كان واحد بيشرب وبتاع بنات او مدمن زي ما حاول يوهمك،  ولو كل ده بالنسبة لك ممكن يتسامح فيه... يبقى إللي هاتشوفيه دلوقتي هو إللي هيفرق..

نظرت إليه بعينين دامعتين، وهمست بصعوبة، وصوتها يكاد يختفي: كفاية...ارجوك كفاية، ايه إللي ممكن  اعرف اصعب من كده.

هز سليم رأسه ببطء، رافضا تابع بقسوة يحاول أن يتمسك بها: لسه... إللي فات كوم، وإللي جاي كوم تاني خالص... وهو ده اصلا إللي يهمني..

ثبت عينيه عليها، ثم أردف بهدوء: أنا مش بوريكي ماضيه عاشان تكرهيه، أنا بوريكي الحقيقة إللي اتخبت عنك.

أكمل بصوت جامد: ولو إللي فات بالنسبة لك ماضي، يبقى إللي جاي هو إللي هايحدد كل حاجة.

ضغط على تسجيل جديد.

وأنطلق صوت رشدي من جديد وهو يتحدث مع فايزة،  وآخر لعزت يعترف بما فعله، من تهديد ماسة وأهلها... إلى قضية الزنا... حتى اليوم الذي حاول خنق ماسة فيه بصوت والصورة

توالت التسجيلات أمام عيني مي، واحدًا تلو الآخر.
كانت تحدق في الشاشة بعينين زائغتين، لا ترمش، وكأن عقلها توقف عن استيعاب ما تسمعه، بينما كانت دموعها تنساب في صمت وقلبها يعتصر من الألم.

لكن حين وصل التسجيل إلى الحادث، وتقاصيلها...أنهار آخر خيط من تماسكها.

ترنحت في مكانها، وأسندت بيدا مرتجفة إلى الطاولة، شعرت بالاشمئزاز  والقئ ثم اندفعت  فجأة نحو سلة المهملات، وانحنت عليها، وأخذت تتقيأ بعنف، بينما كانت شهقاتها الممزقة تختلط ببكائها.

شعرت وكأن الهواء اختفى من حولها، وكأن صدرها يطبق عليها بقوة،  فالحقيقة التي اكتشفتها في دقائق قليلة تسحق كل ما آمنت به.

رفعت رأسها بصعوبة، وهي تنتحب بعنف، ثم صرخت بصوت مبحوح: كفاية... أرجوك... كفاية. مش قادرة اسمع..

لم تعد تقوى على النظر إلى الشاشة، فجلست على ركبتيها، تضم ذراعيها إلى صدرها، وكأنها تحاول أن تمنع قلبها من التفتت.

هزت رأسها بعنف وهي تبكي بانهيار: أنا... أنا مش قادرة أسمع أكتر من كده... مش معقول... مش معقول يكون بالفظاعة دي... ومستعد يعمل كل الجرائم دي...

ثم رفعت عينيها إليه، وقد غمرهما الذهول والانكسار، وهمست بصوت مرتجف: إزاي... إزاي فيه بني آدم كده؟ إزاي ضحك عليا طول الفترة إللي فاتت دي؟ إزاي اتخدعت فيه؟... إزاي؟

أخذت تهز رأسها بعنف، ودموعها لا تتوقف: إزاي كنت بصدقه؟ ليه يعمل كل ده؟ عشان الفلوس؟ عشان  كانوا بيحبوك أكتر منه؟! وكانوا بيعاملوك أحسن منه؟! إزاي يحاول يقتل مراتك... ويقتلك... ويعمل كل المصايب دي؟ أنا... أنا مش قادرة أصدق إن كل ده طلع من بني آدم واحد.

وضعت يدها على صدرها، تضغط فوق قلبها بقوة، وكأنها تحاول إيقاف ذلك الألم الذي يمزقها قالت: قلبي، قلبي واجعني أوي، قلبي واجعني أوي...

تابعت وهي تحاول أن تتعلق بأي شيء: سليم إنت مش بتضحك عليا صح كل الكلام ده بجد مش كذب 

هزت راسها بنبرة محشرجة: بس هو حقيقي الفيديوهات مافيهاش كدب، انا غبية غبية

لم يستطع سليم أن يتحمل رؤيتها على تلك الحالة أكثر من ذلك.

اقترب منها بخطوات بطيئة، جلس أمامها وقال بصوت خافت الأسف: أنا آسف يا مي، والله آسف بس ماكانش ينفع ماقولكيش الحقيقة، ما كانش ينفع أسيبه يعيش مبسوط، بعد ما دمر حياتي، ودمر حياة ماسة..

رفعت إليه عينيها الممتلئتين بالدموع، وقالت بمرارة:
ياريتك قولتلي من زمان، ليه ماقولتليش من زمان؟

تنهد بألم، ثم أجاب: لو كنت جيتلك وقتها، من غير دليل... لا إنتِ ولا أي حد كان هيصدقني، ولا هيصدق ماسة...

أخذت أنفاس مي تتسارع، وشعرت بأن الاختناق يزداد، فسارعت تفك وشاحها من حول رقبتها وهي تحاول التقاط الهواء.

انتبه إلى حالتها، فانحنى قليلا وسألها بقلق:
إنتِ كويسة؟

ثم التفت إلى مكي بسرعة: هات مية بسرعه.

جاء مكي مسرعا ومعه كوب ماء ساعدها سليم  رشفة صغيرة، لكنها ظلت ترتجف.

همست بصوت متقطع: أنا... عايزة أمشي.

حاولت أن تقف، لكن ساقيها خانتاها، وكادت تسقط، فأسرع سليم وأمسك بها قبل أن ترتطم بالأرض.

كانت تضع يدها على قلبها، وتبكي بحرقة، وقد وصلت إلى مرحلة لم تعد فيها قادرة على احتمال المزيد.

ساعدها على السير ببطء، لكنها كانت تشعر بدوار شديد، فتعثرت مرة أخرى، فأسندها بذراعه.
قال بهدوء: أنا هوصلك، إنتِ مش هترجعي لوحدك..

لم تعترض.

ساعدها على ركوب سيارتها، ثم جلس خلف المقود، بينما تبعته سيارة مكي والحراس.

طوال الطريق.. لم تنطق بكلمة.

كانت تحدق من نافذة السيارة، ودموعها تنساب في صمت بلا توقف، بينما تشعر وكأن شوكة حاد مغروسة داخل قلبها، تمزقه مع كل نفس تحاول أن تأخذه.

أما سليم...

فكان ينظر إليها بين الحين والآخر، وقد اعتصر الأسى قلبه، كانت تصعب عليه، لكنه كان يعلم أنه لو أخفى عنها الحقيقة، لكان ظلمها كما ظلم هو وماسة.

توقفت السيارة أمام البناية ترجل سليم أولا، ثم ساعدها على النزول.

نظر إليها قائلا بهدوء: أطلعك؟

أومأت برأسها نفيا في صمت، ثم سحبت يدها برفق، واتجهت نحو مدخل البناية بخطوات بطيئة، وكأنها تحمل فوق كتفيها عمرًا كاملًا من الانكسار

ظل سليم يتبع اثارها حتى اختفت اقترب منه مكي 

تنهد مكي وهو يتابع مي بعينيه حتى اختفت داخل البناية، ثم قال بأسى: بجد... صعبانة عليا.

ظل سليم ينظر إلى مدخل العمارة لثوانٍ، ثم قال بصوت خافت: صعبانة عليا أنا كمان...

صمت قليلا، ثم أكمل وعيناه شارِدتان: بس إللي اتعمل فيها دلوقتي، صدقني ولا حاجة جنب إللي رشدي عمله في ماسة، أنا يمكن ماشفتش كل إللي حصل بعيني، لكن إللي ماسة حكيتهولي، وإللي عاشت فيه بعد كده، كان كفاية أعرف هي كانت عايشة في جحيم، حجمة ايه؟!

ابتلع غصته، ثم تابع: مي على الأقل أنا ماهددتهاش، ما خلتهاش تشوف أبوها بيتخبط بالعربية قدام عينيها... وماخلتهاش تعيش وهي شايفة إخواتها، وبينهم وبينها رصاصة قناص بكلمة واحدة يتقتلوا.

ساد الصمت للحظات.ربت مكي على كتفه برفق، وقال: يلا خلينا نمشي.

أومأ مكي برأسه، ثم تذكر شيئل وسأل: ياسين... مابعتش حاجة، صح؟

أجاب: لا... لسه.

سليم وهو يخرج هاتفه: خلاص... هبعتله رسالة. لو عايز يمشي، يمشي.. خلينا بقى نروح نشوف الخاينه التانية احنا كده خلصنا من واحد فاضل الخاينه الثانيه.

وبالفعل صعد سليم السيارة، وانطلقت مبتعدة عن المكان.

             *************

في المقابل، دخلت مي إلى البناية، واستقلت المصعد.
لم تكن تعلم كيف وصلت إلى باب الشقة، ولا كيف رفعت يدها لتطرق الباب، كان وجهها شاحبا
كالأموات، وعيناها غارقتين في الأحمرار، دموعها تهبط بصمت مريع، بينما كانت خطواتها مترنحة، وكأنها تسير بلا وعي.

فتحت تقي الباب، وما إن رأتها حتى ابتسمت قائلة:
مي... تعالي.

لكن ابتسامتها اختفت فور أن وقعت عيناها على ملامحها

قطبت حاجبيها بقلق، وسألت بسرعة: مالك يا مي؟

لم تجب.

مرت من جوارها ببطء، وعيناها مثبتتان أمامها، وكأنها لا ترى أحدا، ولا تسمع أحدا.

في تلك اللحظة خرج حاتم من الداخل، وما إن لمحها حتى قال باستغراب: مي؟! إنتِ جيتي؟

ظلت صامتة.

أكملت تحركها الى وجهتها وجه يشبه  الملاك الحزين دموع تهبط بصمت وقلبها يعزف وجع، شعروا بالتوتر تحركا خلفها وما زالوا ينادوا عليها 

يا مي

دخلت غرفتها مباشرة، ثم أغلقت الباب بالمفتاح،
تبادل حاتم وتقي نظرات قلقة، ثم أسرعا خلفها.

طرق حاتم الباب عدة مرات وهو يقول بقلق متزايد:
مي... أفتحي الباب مالك.

لم يصله أي رد.

في تلك اللحظة اقترب راشد: فيه إيه 

تقي بقلق: مش عارفة مي دخلت أوضتها ومابتتكلمش مع حد وشها حزين اوي ومعيطة 

اتسعت عيناه بصدمة:  بتقولي إيه؟!

ازداد توتره، وأخذ يطرق الباب بقوة أكبر: مي مالك؟ أفتحي يا بنتي.

ثم انضمت إليه تقي، وقد بدأ الخوف يتسلل إلى قلبها، وهي تنادي بصوت مرتجف: مي ردي علينا أفتحي الباب يا حبيبتي.

لكن لم يأتي أي رد 

على الجانب الآخر...

في الداخل، وقفت مي في منتصف غرفتها، عاجزة عن الحركة، تحاول أن تستوعب كل ماسمعته، كانت الصور تتلاحق داخل رأسها بلا رحمة، رشدي وهو يقوم بعلاقة مع نورهان.

وصوت سليم يتردد في أذنها: وده كان ليلة فرحكم.

شهقت بألم، ثم أغمضت عينيها بقوة، لكنها لم تستطع الهروب من المشهد.

ثم بدأت الاعترافات تتدفق داخل عقلها كالسيل
الحادث، تهديد ماسة وعائلتها، محاولة قتلها وهو يخنقها بيديه.

ارتفعت شهقاتها بعنف، وشعرت وكأن حبالا من النار تلتف حول عنقها، تشتد لحظة بعد أخرى، وتخنق أنفاسها حتى أصبحت عاجزة عن التقاط الهواء.

نزعت طرحتها بعنف وألقتها بعيدا، وهي تلهث في محاولة يائسة لاستنشاق نفس واحد، لكن الاختناق كان يزداد، وكأن الهواء قد أختفى من حولها

ارتجفت يدها وهي ترتفع إلى صدرها، وضغطت فوق قلبها بقوة، بعدما اجتاحها وجع لم تعرف له وصفا. 

كان الألم يمزق صدرها، حتى خُيل إليها أنها تسمع قلبها وهو ينكسر داخل ضلوعها، وأن كل نبضة أصبحت سكينا تغرس نفسها في أعماقها، لم يكن وجع خيانة فقط! بل وجع عمر كامل اكتشفت في لحظة أنه كان مبنيًا على الكذب والخداع.

في لحظة واحدة... أنهار كل شيء.

اكتشفت أن الرجل الذي أحبته، واختارته من بين الجميع، ودافعت عنه في وجه كل من حذرها... لم يكن سوى مجرم.

قاتل...

وخائن...

ومغتصب...

رجل لم يتورع عن تدمير حياة أخيه، واستغلاله، والتسبب في مأساته، ولم يرحم حتى زوجة أخيه، فسلبها الأمان، وحاول أن يسلبها حياتها وحياة ابنتها..

لم يترك جريمة إلا وتلطخت بها يداه.

كل صورة جميلة رسمتها له داخل قلبها تحولت إلى كابوس مرعب.

كيف أحبت إنسانا كهذا؟

كيف نامت يومًا في حضن رجل مجرد من كل إنسانية؟

كيف اطمأنت إليه، وسلمته قلبها وروحها، وهو يخفي خلف وجهه كل هذا السواد؟

شعرت وكأن نارا مستعرة اندلعت داخل صدرها، تلتهمها من الداخل بلا رحمة، وكأن آلاف الأشواك تغرس نفسها في قلبها وروحها في اللحظة نفسها، 

بينما مطرقة ثقيلة تهوي على رأسها مرة بعد أخرى، لا تمنحها فرصة لالتقاط أنفاسها أو استيعاب ما حدث.

لم تعد تحتمل...

لم يعد عقلها قادرت على استيعاب هذا القدر من الصدمات.

وفجأة، انطلقت من أعماقها صرخة مدوية، صرخة مقهورة، خرجت من أعماق روحها، صرخة ممزقة، تحمل من المرارة والألم ما لم تعرفه في حياتها من قبل.

ثم اندفعت تحطم كل ما تقع عليه يداها ألقت المزهرية على الأرض، ثم دفعت المصباح، وأسقطت كل ما أمامها، وهي تصرخ بانهيار: كذاب... كذاب!

ثم انفجرت في البكاء وهي تصرخ: حيوان!... حقير!... إزاي عمل فيا كده؟!

في الخارج...

تجمد الجميع عندما سمعوا صوت تحطم الأشياء وصراخها.

نظر حاتم إلى راشد بصدمة، قبل أن يندفع الاثنان نحو الباب.

بدأ حاتم يطرق الباب بعنف: مي!... أفتحي الباب!

لكنها لم ترد.

بل ازداد صراخها، وأرتفع صوت تكسير الأثاث في الداخل.

صرخت تقي وهي تبكي: مي أفتحي... بالله عليكي أفتحي!

راشد بسرعة: حاتم... أكسر الباب!

لم يتردد.

تراجع خطوة، ثم اندفع بكل قوته بكتفه نحو الباب.
مرة...
واثنين...
وفي الثالثة انفتح الباب بعنف.

أندفع الجميع إلى الداخل.

كانت مي ملقاة على الأرض وسط شظايا الزجاج، تبكي وتصرخ في حالة انهيار هستيري.

أسرع راشد إليها، وجثا على ركبتيه، ثم ضمها إلى صدره وهو يهتف بفزع: مالك يا مي؟! ردي عليا... مالك يا بنتي؟!

لكنها لم تستطع الرد.

كانت تلتقط أنفاسها بصعوبة، تشهق شهقات متلاحقة كالغريق الذي يصارع من أجل نفس أخير، بينما ارتجف جسدها كله بين ذراعيه وفجأة...ارتخت أطرافها تمامًا وسقط رأسها إلى الخلف، لتفقد وعيها بين يديه.

صرخ راشد بفزع: ميييي!



تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة