
رواية الماسة المكسورة 2 الفصل الثامن والثلاثون 38 ج 2 بقلم ليله عادل
صرخ راشد بفزع: مي!
بينما أسرع حاتم بحملها ووضعها على الفراش، والتفوا جميعا حولها في حالة من الذعر.
صرخ راشد: اتصلوا بالدكتور بسرعة
اومأ حاتم برأسه، وخرج يهاتف الطبيب.
بينما جلبت تقي زجاجة برفان ووضعت القليل علي يدها وقربتها من أنف مي، وأخذت تبكي وهي تراها أمامها ممددة بلا حراك.
سألها راشد: إيه إللى حصل؟ وفين رشدي؟ ازى يسيبها بالوضع ده
هزت تقى رأسها ببكاء: معرفش... والله ماعرف
وفجأة صدرت من مي تأوهات خافته، فنظر إليها راشد بلهفه وقلق: مي...حبيبتي... ردي عليا.
وبعد لحظات...
بدأت أهدابها ترتعش، ثم فتحت عينيها ببطء، وأخذت تنظر حولها بتيه، وكأنها لا تعرف أين هي.
وفجأة...
تذكرت.
فارتمت في حضن والدها، تتشبث به بكل قوتها، وهي تبكي بحرقة تقطع القلب، دون أن تنطق بكلمة واحدة.
ضمها إلى صدره بلهفه، ومسح على شعرها بحنان: بس يا حببتي، اهدي، مالك إيه إللى حصل؟ رشدي عملك حاجة زعلتك؟
صرخت من بين شهقاتها: متجبليش سيرته، مش عايزة أسمع اسمه، مش عايزة أسمع اسمه!
اقترب حاتم منها أكثر، وقد ازداد قلقه: عملك إيه رشدي طيب، فهمينا.
أخذت تهز رأسها بصورة هيستيرية، وهي تغطي أذنيها بيديها: مش عايزة أسمع اسمه، مش عايزة أسمع اسمه أرجوكم...
ضمها راشد إلى صدره، وربت على ظهرها محاولا تهدئتها: خلاص يا حببتي اهدى، محدش هيجيب سيرته.
ثم التفت إلى حاتم وصاح: كلمت الدكتور ولا لسه؟
حاتم: كلمته والله وزمانه جاي.
أما مي...
فكانت منهارة تماما.
تتشبث بوالدها بكل ما أوتيت من قوة، وتبكي بحرقة وشهقاتها تعلو بصورة مفزعة، بينما هو يحتضنها، ويمسح رأسها في محاولا تهدئتها.
وظلوا علي هذا الوضع دون أن يفهم أيا منهم ما حدث، كل ما كانوا يرونه، أن ابنتهم عادت إليهم، وكأن روحها قد أنكسرت إلى الأبد.
♥️_______________بقلمي_ليلة_عادل.
في أحد الكافيهات،5م
جلس رشدي وياسين يتبادلان الحديث، كان ياسين ينتقل من موضوع لآخر دون رابط واضح، يتحدث عن المجموعة تاره، وهبه ونالا تاره أخري، ثم يعلق على خبر عابر، قبل أن يتركه فجأة ويبدأ في أمر مختلف تماما عندما يفقد مسار الحديث فيه.
أما رشدي، فكان يصغي إليه بملامح يملؤها الاستغراب، يحاول أن يفهم إلى أين يريد أن يصل، لكنه لم يجد أي خيط يقوده إلى نهايه واضحه!!
ومع مرور الوقت، بدأ صبره ينفذ، فزفر بضيق: مالك يا ياسين؟! أنت شارب حاجه؟
أجابه ببراءة: لا، ليه؟
اوما رشدي بمزاح: اصلك من ساعة ما قعدت مقضيها مراجيح، مره هبه ونالا، ومره صفقه البترول اللي الباشا جابها، ومره ريال والبرسا؟! أنا مال امي أنا بالريال اللي اتغلب من البرسا، والبرسا اللى هتاخد الدوري؟ ما تاخده، هي هتاخده من جيبي!
ابتسم ياسين موضحا: متسخرش من احزاني لو سمحت! أنت عارف إني بحب الريال، وبعدين مش نالا دى بنتي وأنت عمها، والمفروض يهمك أمرها، قولى بقي اعمل ايه علشان ارجع علاقتها بلوجين تاني.
اجابه ساخرا: يعني يوم ما تحتاج نصيحه جاي تاخدها مني أنا؟ والله يا زين ما اخترت، كان القرد نفع نفسه يا اخويا!! طب روح لفريده و سليم علي الأقل عاقلين.
ياسين متصنعا الحزن: سليم مش بيرد علي حد، وأنا بصراحه مخنوق أوى فقولت أكلمك نغير جو، وتديني شوية انرجي.
رمقه بنظرة حادة: أنا هديك في دماغك.
ضحك ياسين بخفوت: خلقك بقي ضيق كده ليه يا رشدي
لوح بيده: قعدت تقولي موضوع مهم ومصيبة، وفي الآخر عمال تقول كلام فارغ!
نهض يقول: أنا غلطان إني جيتلك اصلا.
أسرع ياسين يمسك بيده: استني بس عندي موضوع اهم.
نفض يده، وقال بسخرية: إيه هتكلمني ف بتروجيت اللى كسبت المحله، أوعي يلا أنا راجع لمراتي علشان اتاخرت عليها، سلام.
تحرك رشدي مبتعدا، بينما ظل ياسين يتابعه بعينيه حتى أختفى، فامسك هاتفه يجرى اتصالا بسليم، وما إن جاءه الرد حتى قال بضيق: إيه كل ده يا سليم!! علي فكره رشدي لسه ماشي، ممكن بقى أفهم فيه ايه؟ أنا مش هفضل زي الحمار كده كتير.
جاءه صوت سليم الهادئ: قابلت مي وقولتلها كل حاجة.
ساد الصمت لثواني قبل أن يتسأل ياسين بقلق: وبعدين؟
رد بهدوء حاسم: القرار قرارها تسامحه أوتكمل معاه هي حره، دي حياتها.
ثم أردف: المهم، لو عايز تسيب القصر، سيبه.
ياسين باستغراب: اشمعني بتقولى كده دلوقتي؟
أجابه بهدوء: علشان اللعب الفتره الجايه هيبقى على المكشوف، فلو عايز تبعد ابعد، علي الأقل علشان خاطر بنتك.
ابتلع ياسين ريقه، وتساءل بحذر: أنت ناوى ع إيه يا سليم؟
ظل صامتا، فتابع ياسين بقلق: أنا خايف عليك، خايف توصل للدم، رشدي مش هيسكت، ومي أكيد هتقوله، أنا مش هقدر أقف أتفرج على اخواتي وهم بيقتلوا بعض.
ابتسم ابتسامه ساخره: إحنا لسه هنقتل! دول بدأوها من زمان أوى يا ياسين!
ياسين بعدم فهم: بدأوها من زمان أزاى؟
تنهد سليم بهدوء: متشغلش بالك، وطلع نفسك من الموضوع ده وسيب القصر، وأنا هأمنك.
رد بصدق: أنا مش خايف على نفسي، أنا خايف عليك يا سليم.
ابتسم بخفه: متخافش عليا، بعدين انت معايا.
ياسين بخوف حقيقي: معاك، بس انا ضعيف مش هعرف أقف ضدهم.
رد بثقة: إنت مش ضعيف، إحنا مع بعض أقوى صدقني.
ساد الصمت لحظة، ثم قال ياسين: خد بالك من نفسك.
رد بهدوء: وأنت كمان، سلام.
انهي سليم المكالمه، مع توقف السياره أمام احد المنازل.
كان منزلا واسعا من طابق واحد، تحيط به حديقة صغيرة، وقد بدا هادئا.
وما إن دخل سليم حتى استقبله عشري: حمد لله على السلامة يا ملك.
أجابه بهدوء: الله يسلمك، هي جوه؟
أجابه: أيوة يا ملك، بقالها حوالي ساعة.
أومأ برأسه، ثم سأل: ودكتور ياسر؟
أجابه: مستني حضرتك في المكتب.
ظل صامتا للحظة، ثم قال: شافها؟
هز رأسه: لا، إحنا مستنيين أوامرك الأول.
تسأل بهدوء: هي في أنهي أوضة؟
أشار إلى آخر الممر: آخر أوضة على اليمين.
تحرك بخطوات بطيئة نحوها، ووقف أمام الباب للحظات، قبل أن يدفعه.
في داخل
كانت صافيناز تجلس على طرف السرير، ظهرها منحني قليلا، وشعر مبعثر، وعيناها معلقتان بنقطة ثابتة في الفراغ، بوجه شاحب يخلو من أي تعبير، ونظرة خاوية لا تشبه صافيناز التي يعرفها.
دخل بخطوات هادئة حتي توقف أمامها مباشرة واخذ يمرر عينه عليها بنصف إبتسامة مريرة، ثم تحدث هامسا وكأنه يحدث نفسه: شوفتي وصلتي نفسك لإيه يا صافيناز؟
ابتلع غصته، وأكمل بخفوت مليئ باللوم: لو كنتي اخترتي تصدقيني يومها ووافقتي لما قولتلك نحط إيدنا في إيد بعض ونبقى إخوات بجد، كان زماني النهاردة واقف قدام أي حد يقربلك وأول واحد ياخد حقك، وأكولك قلب عماد بعد إللي عمله فيكي..
صمت لحظة، ثم أضاف وقد غلب الألم على صوته: كان نفسي أرحمك، بس أنتِ مسبتليش حاجة أرحمك عشانها، قتلتي ولادي وطعنتي ماسة في شرفها، ودمرتي حياتي وحياتها..
هز رأسه بحرقة: نفسي أعرف ليه؟ طب رشدي أقدر أفهمه، الكره والغيرة اتزرعوا جواه من وإحنا صغيرين.
أشار إليها بإصبعه، وأكمل بصوت مبحوح: لكن أنتِ ليه؟ قوليلي... دى أنتِ أكتر واحدة فينا اتربت في حضن فايزة وعزت، شبعتي من حنانهم واهتمامهم..
أغمض عينيه لثواني، ثم زفر زفرة طويلة أثقلت صدره، قبل أن يهمس: ورغم كل إللي خدتيه، اخترتي تكوني جزء من تدميري، وأنا أسف منظرك ده مش هيهون عليا ومش هرحمك..
ظل يرامقها لثواني بلوم، ثم اقترب ونادها بصوت عالي: صافيناز...
لم تتحرك، فأعاد النداء مره أخري: صافيناز سمعاني؟ أنا سليم..
رفعت رأسها ببطء، حتى التقت عيناها بعينيه، وهمست بصوت مرتجف: سليم...أنت جيت.
صمتت لحظة، ثم اتسعت عيناها فجأة بضطراب: أمسكهم يا سليم
عقد حاجبيه: مين دول؟
أخذت تنظر حولها في هلع، وأشارت إلى أحد أركان الغرفة بيد مرتعشة: دول إللي عايزين يقتلوني، عايزين يقلعوني هدومي، خليهم يبعدوا بليز.
ظلت عينه ثابتة عليها دون أن يرمش، ثم قال بهدوء: مفيش حد هنا يا صافيناز.
هزت رأسها بعنف: لا موجودين، واقفين هناك بيبصولي.
ارتجف جسدها باكلمه، ثم مدت يدها نحوه فجأة، وضمته بشدة تتحامي به: متسيبنيش أرجوك، خليهم يمشوا أنت الوحيد إللي تقدر تمشيهم.
كانت ترتجف كطفلة مذعورة تندس بين أحضان والدها، بينما ظل سليم ينظر إلى يدها المتلفة حول يده دون أن يهتز.
أبعدها قليلا، وقال بحزم: بصيلي.
رفعت عينيها إليه، فتابع: طول ما أنا واقف هنا محدش هيقربلك.
ساد الصمت للحظات.
ثم أضاف وهو ينظر إلى الركن الذي كانت تشير إليه، وكأنه يخاطب أشباحها ليطمئنها: أمشوا، هي خلاص معايا..
عاد ينظر اليها: اهم مشيوا، اهدي بقى.
عادت صافيناز تنظر إلى الركن الذي كانت تشير إليه، تراقبه بعينين يملؤهما الخوف، ثم بدأت أنفاسها تهدأ تدريجيا، وأرخت قبضتها عن كم قميصه، بينما ظلت عيناها معلقتين به، وكأنه آخر شخص يمنحها شعورا بالأمان.
ظل ينظر إليها للحظات، ثم قال بهدوء: أنا جبتلك دكتور شاطر، هيقعد معاكي شوية، ويخليكي أحسن.
هزت رأسها، وهمست بخوف: لا متسيبنيش هنا لوحدي.
أجابها باقتضاب: مش هتبقى لوحدك أنا موجود، وعشري والرجالة بره، الدكتور بس هيشوفك ويطمن عليكي.
أمسكت يده مرة أخرى بقوة، وكأنها تخشى أن يختفي: سليم بليز متسبنيش، هييجوا تاني لو مشيت.
نظر إلى يدها المتمسكة به، ثم فك أصابعها برفق: محدش هيقربلك قولت، أنا بره أول ما تخلصي هدخلك.
لم تقتنع.
وما إن بدأ يتحرك نحو الباب، حتى أسرعت خلفه بخطوات مرتبكة: سليم... استنى... متسبنيش معاهم... أنا خايفة منهم عايزين يضربوني.
فتح الباب، ثم ألتفت إليها للحظة، وقال بجمود: أنا بره.
خرج من الغرفة، وأغلق الباب خلفه، بينما كان دكتور ياسر يقف في الممر ينتظره.
سليم بابتسامه: سوري يا دكتور، تاعبك معانا.
ابتسم ياسر مجاملة: ولا يهمك.
أشار سليم ناحية الحديقة: ممكن نتكلم بره شوية؟
اومأ: طبعا.
خرج الأثنان إلى الحديقة، حتى توقفا بعيدا عن الغرفة.
سليم بتوضيح: صافيناز من فتره اتعرضتك لازمه في شغلها، ومن وقتها وحالتها النفسية بتسوء يوم بعد يوم، في الأول افتكرنا إنها مجرد صدمة وهتعدي، لكن للأسف الموضوع وصل لمرحلة أخطر، بقت تشوف أشخاص مش موجودين، وتتكلم معاهم، وتفزع منهم كأنهم واقفين قدامها فعلا.
صمت لوهلة ثم تابع: أنا وصلت لمعلومة إن فيه أدوية كانت بتاخدها، والأدوية دي غالبا زودت عندها الهلاوس اللي بتجيلها، وخلت حالتها تتدهور بشكل أسرع عشان كده جبتك تشوف حل معاها.
ظل ياسر يستمع إليه باهتمام، حتى انتهى، ثم قال بهدوء: مقدرش أقول أي تشخيص دلوقتي قبل ما أكشف عليها، ولازم أعرف نوع الأدوية والجرعات اللي كانت بتاخدها، وأعملها شوية تحاليل، بعد كده أقدر أحدد حالتها بدقة.
أومأ بتفهم: تمام، انا بس كل إللي محتاجه إنها تستعيد وعيها حتى لو بنسبة بسيطة، محتاج أعرف منها مين كان بيديها الأدوية دي، وإيه إللي حصل معاها.
أجابه بعملية: هعمل إللي أقدر عليه لكن لازم تبقى عارف إن العلاج مش هيكون سريع.
اومأ برأسه: تمام
ياسر: طيب، محتاج أشوفها.
هز رأسه وهو يشير للداخل: اتفضل.
تحرك حتى دخلا الغرفة.
وبمجرد أن وقع بصر صافيناز على ياسر، حتي انتفضت في مكانها، وتراجعت إلى آخر السرير، وهي تهتف بخوف: أنت مين؟! عايز مني إيه؟
اقترب منها سليم، وقال بهدوء: أهدي يا صافيناز، ده الدكتور ياسر جه يساعدك.
هدأت أنفاسها قليلا
فابتسم ياسر ابتسامة مطمئنة، وجلس أمامها، وبدأ يتحدث معها ويطرح عليها بعض الأسئلة، ويراقب نظراتها، واستجابتها، وطريقة حديثها، بينما كان يدون ملاحظاته في دفتر صغير.
وبمرور بعض الوقت، انتهى من الكشف، وخرج مع سليم.
في الخارج
نظر إليه سليم بترقب: ها يا دكتور؟
أجابه: لسه بدري جدا إني أديك حكم نهائي، محتاج أشوف الأدوية إللي كانت بتاخدها، ونعملها كام تحليل الأول، هي فين الأدوية دي؟
التفت سليم إلى عشري: عشري جبت الأدوية ؟
تقدم عشري بشنطة صغيرة: كلها هنا يا ملك.
أخذها ياسر، وقلبها بين يديه باستغراب: غريبه! أزاى الدوا ده دهور حالتها كده؟
سليم موضحا بهدوء: لانه متغير بدوا تانى، أنا عايزك تعملى تحليل عليه وشوف لو فيه حاجه توقف مفعوله وترجعلها وعيها زى ما قولتلك..
اومأ ياسر: تمام هفحصها، وبعدها أقدر أحدد خطة العلاج.
سأل: امتى تقدر تديني تقرير واضح؟
أجابه: اديني يومين، وهقولك حالتها وصلت لفين.
أخرج سليم دفتر شيكاته، وكتب شيكا، ثم ناوله له،
نظر ياسر إلى الرقم، وقال باستغراب: ده مبلغ كبير يا سليم!
أجابه بهدوء: اعتبره مقدم، ومن النهاردة، صافيناز مسؤوليتك.
تردد لحظة، ثم قال: بس أنا عندي شغل وحالات كتير، بس هحاول ارتب مواعيدي.
سليم بحزم: من بكرة أهم حالة عندك تبقي صافيناز، عايز بعد أسبوع بالكتير تكون حالتها وصلت لمرحلة تخليني أقدر اخد منها معلومة واحدة حتي..
أومأ برأسه موافقا، بينما ظل سليم ينظر إلى باب الغرفة في صمت، يفكر في الطريق الطويل الذي ينتظرهم جميعا.
😍__________________بقلمي_ليلة_عادل.
منزل مي،6م
كانت مي تتمدد فوق الفراش، تنتفض بين الحين والآخر، بينما تختبئ داخل أحضان والدها كطفلة صغيرة وتبكي بانهيار، غير قادرة حتى على التقاط أنفاسها.
بينما وقف الطبيب أمامها يغرس إبرة مهدئه في ذراعها برفق.
ظلت تبكي للحظات، حتي بدأ جسدها يرتخي تدريجيا، وتثقل جفونها شيئا فشيئا.
ابتعد الطبيب خطوة إلى الخلف، بينما ساعد راشد ابنته حتى استلقت على الفراش بهدوء.
اقتربت تقى، وجلست بجوارها: روح أنت يا بابا مع الدكتور، أنا هقعد جنبها.
أومأ برأسه، وخرج مع الطبيب، وبرفقته حاتم وحازم.
الطبيب بعملية: واضح إنها اتعرضت لصدمة نفسية عنيفة جدا، سببتلها انهيار عصبي.
ابتلع راشد ريقه بصعوبة، وسأله بقلق: طب والعمل يا دكتور؟ نعملها إيه علشان تبقي كويسه؟
أجابه بهدوء: الإبرة اللى ادتهالها هتخليها تنام وتهدي شويه، لكن لازم تفضلوا ملاحظينها أول ماتصحى.
عقد حاتم حاجبيه: ملاحظينها ليه؟
وضح الطبيب بعمليه: لأن في بعض حالات الصدمات النفسية الحادة، المريض ممكن يؤذي نفسه أو يفكر في الانتحار، وده بيخلينا أحيانا نضطر ندخله المستشفى يوم أو اتنين تحت الملاحظة لو حالته مستقرتش.
اتسعت عينا راشد، وقال بلهفة: انتحار! لا يا دكتور مي مستحيل تعمل كده، وتعمل كدة ليه؟!
هز الطبيب رأسه مطمئنا: أنا مش بقول إنها هتعمل كده، أنا بقول لازم ناخد احتياطنا، المهم دلوقتي تعرفوا إيه اللي وصلها للانهيار ده.
صمت لحظة، ثم أردف: أكيد شافت أو سمعت حاجة كانت فوق قدرتها على التحمل.
تنهد حازم: حاضر يا دكتور، شكرا جدا.
صافحه، ثم اصطحبه حتى باب المنزل.
وما إن عاد، حتى وجد والده يقف في الصالة شارد الذهن.
تسأل حازم بقلق: إيه اللي حصل؟ انا مسلم عليها الصبح بنفسي قبل ماروح الشغل كانت كويسة.
هز حاتم رأسه بحيرة: والله يا حازم محدش فاهم حاجة، آخر مرة شوفتها كانت امبارح، سلمت عليها هي ورشدي، وبعدها مشوفتهاش.
زفر راشد بغضب مكتوم: اتصلوا بالزفت رشدي، أكيد اللي حصل لأختكم سببه.
أجابه حاتم بضيق: كلمته أكتر من مرة تليفونه مغلق.
وفي تلك اللحظه، تعالي صوت طرقات متتالية على الباب، تحرك حاتم نحوه وفتحه، فوجد رشدي أمامه بابتسامة تلقائيه: ازيك يا حاتم، هي مي هنا..؟
حدق فيه حاتم للحظات، بوجه خالي تماما من أي تعبير، ثم تنحى جانبا وقال ببرود: ادخل.
عقد رشدي حاجبيه من طريقة استقباله، لكنه لم يعلق ودخل.
وقعت عيناه على راشد وحازم الواقفين في الصالة، فاقترب قائلا بتلقائية: السلام عليكم...عاملين إيه؟
ما إن سمع راشد صوته، حتى اندفع نحوه يوجه له لكمه قويه علي وجهه دون سابق إنذار وهو يصيح: عملت في بنتي ايييييه؟
تراجع رشدي عدة خطوات بصدمه، وهو يضع يده محل الضربه، بينما صاح راشد مجددا بعينان محمرتان من الغضب: عملت ايه في بنتي انطق؟! بنتي كانت كويسة، رجعتلي منهارة! عملت فيها إيه؟!
رشدي بزهول: أنت بتتكلم عن ايه؟! مالها مي؟!
أمسكه من ياقة قميصه: أقسم بالله لو جرالها حاجة هدفنك بإيدي!
أبعده حازم بصعوبة: اهدى يا بابا!
ثم التفت إلى رشدي، وقد اشتعل الغضب في عينيه:
عملت في مي إيه يا رشدي؟! رد علينا!
عقد حاجبيه بعدم فهم، ونظر بينهم جميعا: معملتش حاجة! انا اصلا مش فاهم انتوا بتتكلموا عن ايه؟!
تابع بارتباك: أنا سايبها كويسة، كان عندي مشوار مهم نزلت اخلصه، رجعت ملقتهاش في البيت قولت اكيد هنا، ايه حصل؟! مالها مي؟
صاح حازم: اللي حصل إن أختي جالها انهيار عصبي، والدكتور لسه خارج من هنا، ومش طايقة تشوفك ولا حتى تسمع اسمك!
اتسعت عينا رشدي بصدمة حقيقية: إنت بتقول إيه؟! مستحيل! انهيار ايه، اازاي؟!
صاح راشد بشده: زي ماسمعت، انت السبب ..
هز رأسه بعنف، وهو يحاول استيعاب الكلام: والله العظيم لما سيبتها كانت كويسة، كنا بنتكلم ونضحك، وكانت عاملالي الفطار بنفسها، واتفقنا النهارده نيجي نتعشى عندكم ونتكلم في موضوع السفر.
حاتم بحدة: لما أختي تفوق هنعرف كل حاجة.
ثم أشار إليه بإصبعه محذرا: ولو طلع ليك إيد في اللي حصلها، أقسم بالله مش هينفعك لا اسم عيلتك ولا نفوذهم.
ابتلع رشدي ريقه، ثم قال بلهفة: حاتم أنا معملتش حاجة، اكيد انتم فاهمين غلط، سيبوني أدخل اشوفها طيب وافهم منها ايه اللي حصل.
صاح راشد بغضب واستنكار: تشوف مين!؟ اطلع بره بيتي مش عايز اشوفك تاني
رشدي بضجر: دي مراتي!
اقترب منه خطوة، وقال من بين أسنانه: هطلقها منك، انا أصلا مكنتش قابل بيك من البداية، ولما بنتي تفوق هعرف انت عملت فيها ايه؟! وساعتها هيكون حسابك عسير معايا، اطلع بره بيتي.
هز رأسه بعصبية: أنا مش هتحرك من هنا، أنا عايز أشوف مراتي! من حقي أعرف حصلها إيه!
اندفع نحو باب غرفة مي وهو يهتف: وسعوا أنا لازم أشوف مراتي!
اعترضه حازم، ووضع ذراعه أمامه: قولتلك مش هتشوفها دلوقتي.
حاول ازاحته: إنت اتجننت، دي مراتي! محدش يقدر يمنعني عنها.
دفعه حازم بقوة للخلف: وأختي قبل ماتكون مراتك!
في اللحظة نفسها أمسكه راشد من ذراعه بعنف، وحازم دفعه: اطلع بره بيتي.
اشتعل الغضب في عيني رشدي: مش همشي قبل ما أطمن عليها! وافهم مالها..
حاول التقدم مرة أخرى، لكن حازم وقف في طريقه، وانضم إليه حاتم، ليصبح الثلاثة حاجزا أمام باب الغرفة.
صاح حاتم: امشي دلوقتي يا رشدي.
رشدي بانفعال: إنتوا مجانين؟! دي مراتي، من حقي أشوفها! محدش يقدر يمنعني عنها، اوعي انت وهو.. أنا مش همشي من هنا من غيرها.
راشد بغضب: لما نعرف عملت فيها إيه الأول! وادعي يكون الموضوع بعيد عنك.
نظر إليه من أعلى لأسفل: ولو إني اشك!
صاح رشدي بغضب: بقولك اوعى انت هو، أنا مش همشي من غيرها، مي .. يا مي.. مييي.
اشتد الموقف بينهم، حتى كاد رشدي يفقد أعصابه تماما، وفجأه تحركت يده غريزيا نحو السلاح المعلق أسفل سترته.
اشهر سلاحه في وجوههم وتوقفت أصابعه فوق المقبض وهو ينظر إليهم...
راشد...
حازم...
حاتم...
عائلة مي.
أغلق عينيه لثانية، ثم أنزل يده ببطء، وكأنه يجبر نفسه على التراجع قبل أن يرتكب خطأً لا يغتفر.
اختنق صوته من شدة القهر: طب سيبوني أطمن عليها بس، والله العظيم ما عملتلها حاجة، أنا خارج من عندها وهي بتضحك، معرفش ايه اللي حصل!!
لكن راشد لم يلن، أشار إلى الباب بعنف، وهو يصيح:
قولتك اطلع بره! ولما بنتي تفوق، ساعتها هنعرف مين الكداب ومين الصادق، ولو عرفت انك انت السبب ساعتها يا ويلك مني.
رشدي بعند: وانا قولتك مش همشي هنا غير لما اطمن عليها.
حازم بشدة: لا هتمشي.
رشدي برجوليه: مش همشي يا حازم مش همشي.
في تلك اللحظة، خرجت تقى من الغرفة بعد أن سمعت الأصوات المرتفعة، نظرت إليهم بقلق: في ايه يا جماعة اهدوا، إللي بتعملوا ده غلط، إحنا لحد دلوقتي مش متأكدين إن رشدي هو السبب، او لا! مينفعش نحكم عليه من غير مانسمع مي الأول.
حازم بتهكم: هيكون مين السبب غيره يعني وهي بتقول مش طايقه اسمع اسمع؟!
تقى بعقلانية: مينفعش نحكم الا لما نسمع منها، سيبوه يقعد.
صاح راشد بغضب: أنا مش طايق أشوف وشه!
أمسكت ذراعه برفق: عشان خاطري يا عمي اهدى، خليه يقعد لحد ما مي تفوق ولما تصحى هنعرف الحقيقة كلها ساعتها، اعملوا اللي إنتوا شايفينه صح.
ظل راشد ينظر إليه بغضب لثواني، قبل أن يشيح بوجهه دون أن يتحدث.
التفتت تقى إلى رشدي، وقالت بهدوء: اتفضل اقعد هناك واستنى.
رشدي برفض: لا انا عايز ادخلها.
تقى بهدوء: مش هينفع لأنها حقيقي اول ماجت وهي بتصرخ انها متشوفكش، اصبر واقعد لو بتحبها.
ظل ينظر إليها بصدمة، يحاول استيعاب ما سمعه، وأدرك في النهاية أن الأفضل الآن هو أن يسيطر على نفسه... من أجلها.
أومأ برأسه في صمت، ثم اتجه إلى الأريكة بخطوات ثقيلة، وكأن كل خطوة تستنزف ما تبقى من قوته.
جلس، لكنه لم يعرف معنى الراحة؛ كان جسده على الأريكة، أما قلبه فظل معلقا خلف باب غرفتها، كل بضع ثواني، كانت عيناه ترتفعان تلقائيا نحو الباب، يحدق فيه بقلق وخوف، وكأنه ينتظر أن يُفتح في أي لحظة ليطمئن عليها.
أما الباقون، فظلوا يراقبونه في صمتٍ مشحون، لا يجرؤ أحد منهم على كسر ذلك السكون، وظل التوتر يملأ المكان، حتى بدا وكأن كلمة واحدة فقط قد تشعل الجميع من جديد.
فيلا سليم وماسة5م
كانت ماسة تتمدد فوق الفراش، بينما جلست سعدية بجوارها تقطع لها الفاكهة وتطعمها بنفسها، في حين كان مجاهد يجلس أمامهما يتبادل الحديث معهما.
ماسة وهي تبتسم: يعني كل ده كنتوا عارفينه وماحدش قال لي
ضحكت سعدية: أقولك إزاي؟ سليم كان عايز يعملهالك مفاجأة.
ابتسمت بسعادة،: بصراحة يا ماما، أنا مبسوطة أوي، حاسة إني مانبسطتش كده من زمان.
ابتسم مجاهد بحنان: ربنا يديم الضحكة دي يا بنتي، ويسعد قلبك، ويبعد عنكم كل شر ويباركلك في حملك.
بابتسامة وهي ترفع عينيها لاعلى: يا رب.
سألتها سعدية: هو قالك رايح فين؟ أو هيعمل إيه؟
هزت رأسها: كل اللي أخدته منه وعد إنه مايعملش حاجة متهورة بش معرفش حاجة.
تنهدت سعدية: ربنا يسترها عليه، ويكفيه شرهم.
وفي تلك اللحظة، انفتح الباب.
دخل سليم وهو يبتسم: مساء الخير.
ما إن رأته ماسة، حتى ارتسمت ابتسامة واسعة على وجهها.
اقترب منها، وانحنى يقبل رأسها قبلة طويلة، ثم وضع يده برفق على بطنها عاملة إيه؟ وجاسر الصغير عامل إيه؟
ضحكت وهي تضرب يده بخفة: خلاص، ربطت دماغك إنه ولد؟
ابتسم بثقة: أيوه.
ضحكت أكثر: إحنا كويسين، بس سعدية مش سايباني أقوم من السرير، لدرجة مسكتلي الشبشب بنفسها.
ردت سعدية بسرعة: أيوه وهفضل ماسكاه كمان، اقعدي واهدي بقى، بطلي فرك.
ضحك سليم، بينما نهض مجاهد وهو يقول: يلا يا سعدية، سيبي ماسة تقعد مع جوزها شوية.
رفع سليم حاجبيه متعحبا: انا جيت قومتكم ولا ايه اقعدوا معانا شوية.
مجاهد يربت على كتفه: اقعد مع مراتك انا اصلا كنت هقوم عشان اصلي العصر.
سعدية وهي تتحرك نحو الباب: وأنا هروح أحضر الغدا اكيد ماكلتش..
اضافت بفخر: هعملك مسقعة تاكل صوابعك وراها.
ضحك: خلاص... مستني.
خرجت سعدية ومجاهد، وأغلقا الباب خلفهما.
ساد الصمت لثوانٍ.
رفعت ماسة عينيها إليه، ثم سألت بقلق: طمني عملت إيه؟
عدل جلسته امامها وامسك يدها وهو يطلق زفرة طويلة: حكيت لمي كل حاجة.
تغيرت ملامح ماسة، لكنها لم تقاطعه تابع: وخدت صافيناز من القصر، ووديتها مكان، جبتلها ياسر، يعالجها، يعني بحاول أفوقها من اللي كانت فيه،عشان اخد منه اي معلومة، خصوصا بعد الأدوية اللي كان عماد بيديها لها.
تسالت باهتمام: ومي عاملة إيه؟
صمت لحظة، ثم قال بصوت خافت: طبعاً اتصدمت جدا، صعبت عليا أوي تقريبا هتدخل في ازمه نفسيه.
عبث وجه ماسة بخزن، بينما خفض عينيه إلى الأرض وتابع: كان بيجي عليا لحظات كتير وأنا بحكيلها، ببقي عايز أسكت،وبقول كفاية عليها كده..
ابتلع غصة، ثم أكمل: لكن كل ماكنت بضعف، كنت بفتكر اللي حصل لينا، السنين اللي اتسرقت من عمرنا، واللي عملوه فيكي، من تهديد وترهيب...
رفع عينيه إليها باسى: انهيار مي وجعني، والله وجعني، لكن مهما وجعني، عمره ما هيكون أغلى من حقك، حتى لو رشدي مشتركش في حاجات منهم بس سكوته بنسبالي مشاركة.
تنهدت وهو يقول: بس المهم اني ارتحت واني مبسوط.
ظلت تنظر إليه في صمت، ثم همست: بس أنا حاسة إنك مش مبسوط.
ابتسم ابتسامة باهتة، خالية من أي فرحة: طبيعي، هو في حد يبقى مبسوط وهو بيكسر ناس المفروض انهم اهلوا؟
هز رأسه ببطء مضيف: لو كنت مبسوط، كنت أبقى إنسان ماعندوش قلب.
سكت قليلا، ثم قال بمرارة: أنا كل يوم بحاول أقنع قلبي إنه مايضعفش، لأنهم ماضعفوش معانا..
نظر إلى بطنها، ثم واصل بصوت اختنق بالألم: قتلوا ولادنا، ودمروا حياتنا، وطعنوا في شرفك، وماسابوش باب للرحمة إلا وقفلوه.
تنهد، وأكمل بهدوء:ويمكن لسه جوايا حتة نظيفة، هي اللي مخلياني موجوع وأنا باخد حقنا.
مدت ماسة يدها وأمسكت بكفه، ثم قالت برفق: وسيبها موجودة يا سليم، أوعى تخسرها دي الحاجة الوحيدة اللي هتفرق بينك وبينهم..
ثم أضافت بحزن: أنا كمان مي صعبانة عليا أوي، هي كمان ضحية، بس كان لازم تعرف، ماينفعش تفضل عايشه مع واحد زي رشدي..
صمتت لوهلة، ثم قالت بتردد: إيه رأيك... أكلم مي؟
نظر إليها باستغراب: تكلميها؟ إزاي يعني؟
مدت وجهها موضحه: يعني، آخد بخاطرها، وأعتذر لها، هي برضوا وقفت جنبي كتير، وضحية هي كمان،
ظل ينظر إليها للحظات، ثم قال بهدوء:معنديش مانع، اعملي اللي إنتِ شايفاه صح.
ثم أضاف بتنبيه: بس... مش دلوقتي.
تسالت: ليه؟
تنهدت مفسرا: لأنها دلوقتي مش هتكون مستعدة تسمع أي حد، سيبيها تستوعب اللي عرفته الأول، وبعدها ابقي كلميها.
أومأت برأسها في تفهم، ثم سألته بقلق: طب ورشدي؟ هتعمل معاه إيه لما يعرف إنك قولت لمي كل حاجة؟ انا خايفه عليك.
ابتسم ابتسامة ثقه هو ينظر امامه: مستني أشوف هيعمل إيه؟!
سكت لحظة، ثم أكمل بنبرة هادئة لكنها تحمل يقينا:
أنا عارف إن اللي جاي... حرب..
التفت إليها، وعيناه امتلأتا بالإصرار: وحرب مش سهلة، لأن رشدي لما يعرف إن كل حاجة اتكشفت، هيبقى مستعد يعمل أي حاجة، انا وجعته من الحته اللي بيتوجع منها، زي ما عمل معايا بالظبط.
مدت يدها، وأمسكت بوجهه بين كفيها، وقالت بثقة: وأنا متأكدة، إنك قدها..
ابتسم لها لأول مرة ابتسامة صادقة، اقتربت منه، وطبعت قبلة طويلة على شفتيه، كانت تحمل كل ما عجزت الكلمات عن قوله... دعما، وامتنانا، وحبا.
أغمض عينيه للحظة، وكأن تلك القبلة أزاحت عن صدره جزءا من الثقل الذي يحمله.
ثم مال برأسه على كتفها، وبقي هكذا لثوانٍ، يستمد منها هدوءا افتقده منذ زمن.
ابتعد قليلا، واستلقى إلى جوارها، ثم جذبها برفق إلى أحضانه، وضعت رأسها فوق صدره، بينما لف ذراعه حولها بإحكام، انحنى، وقبل رأسها قبلة طويلة، ثم أخذ يمرر أصابعه بين خصلات شعرها في هدوء.
ساد الصمت...
لكن ذلك الصمت لم يكن راحة، كان صمت شخصين يعرفان أن ما ينتظرهما أصعب بكثير مما مضى.
فما إن تستعيد مي قوتها، وتواجه رشدي بالحقيقة... سيبدأ الفصل الأخطر.
وسيعلن الجميع الحرب... دون أن يكون فيها منتصر بلا ثمن.
قصر الراوي5
كان عزت وفايزة يجلسان في الهول، وعلامات الاستغراب لا تفارق وجهيهما، بينما وقفت إحدى الخادمات أمامهما.
فايزة بحدة: فهميني... إيه إللي حصل بالظبط؟
أجابت الخادمة بتوتر: يا هانم... عشري جه الضهر، وأخد ست صافيناز معاه، وقال إنها هاتروح مصحة، وإن ده بأوامر من سليم بيه.
انتفضت فايزة من مكانها. وإزاي حاجة زي دي تحصل وما حدش يبلغني؟!
ارتبكت الخادمة. والله يا هانم... أنا افتكرت إن حضرتكم عارفين. بعدين سليم بيه يعني أنا ينفع أسمع إن سليم إللي أمر وأقول لا،
لوحت فايزة بيدها بضيق: غبية روحي.
انصرفت الخادمة سريعًا.
التفتت فايزة إلى عزت: إيه رأيك في إللي سمعناه ده؟
قطب عزت حاجبيه: لازم أفهم سليم بيعمل إيه، اتمنى إن تليفونه يكون مفتوح.
فايزة بشدة: لو تليفونه مقفول كلم عشري أو مكي أو أي حد من الحرس بتوعه.
أخرج هاتفه على الفور، وأتصل به ظل الهاتف يرن...
ثم قال وهو ينظر إلى فايزة: أخيرًا... بيرن
في فيلا سليم وماسة
كان سليم لا يزال يجلس بجوار ماسة وهي بين أحضانه.
رن هاتفه أخرجه من جيبه وهو يعدل جلسته..
نظر إلى الشاشة، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة: الباشا.
توترت ماسة وهي تعدل من جلستها: هاترد؟
اومأ بإيجاب: لازم... ما إحنا اتفقنا إن اللعب بقى على المكشوف.
ضغط زر الرد وأجاب ببرود: أيوة يا باشا.
جاءه صوت عزت غاضبًا: أخيرًا ظهرت! كنت فين كل ده؟
رد باقتضاب: مشغول.
أجابه بشدة: مشغول بإيه إن شاء الله؟
تابع وهو يضيف بسخرية ولا: هاتقولي كنت بصلح مشاكل المجموعة؟
مالت شفتي سليم بإبتسامة باردة وهو يرد: مع إن مش مطلوب مني أبرر أنا كنت فين... لكن كنت مشغول في حاجة تخصني أنا.
صمت لحظة، ثم قال: هو أنا ها أكرس حياتي كلها ليكم ولا إيه؟!
اشتدت نبرة عزت. أنا عايزك تيجي القصر... خلال ساعة تكون عندي.
رفع سليم حاجبه: ده أمر؟
أجابه بحدة: أحسبه زي ما تحسبه... المهم ساعة وتكون هنا.
أجابه بمنتهى الهدوء: للأسف... مش فاضي.
ثم أكمل: ممكن بالليل أبقى أعدي عليك، لكن دلوقتي عندي حاجات أهم.
عزت بحدة: وأنا عايز أعرف عملت إيه مع أختك.
ابتسم سليم. بالليل نتكلم..
ثم أنهى المكالمة دون انتظار رد.
ظل عزت ينظر إلى الهاتف لثوانٍ.
قالت فايزة بقلق: حاسة إن المكالمة دي مش مريحة.
قال عزت وهو يضغط على أسنانه: خليه بس ييجي... وساعتها هانعرف هو بيلعب في إيه.
بينما في نفس اللحظة أغلق سليم الهاتف.
:
بينما على الجانب الآخر...
نظرت إليه ماسة وهي تهز رأسها باستهجان:.
ليه كلمته بالطريقة دي؟ مش كنت تخليك أهدى وأعقل؟
رفع سليم حاجبه باستغراب: طب ما أنا هادي وعاقل أهو!
اومأت باعتراض وقالت: لا... إنت كنت بتهاجمه. أنا عايزاك تبقى خبيث... بارد... تخليه هو إللي يفكر ويحرق دمه.
زفر بضجر: يا ستي ما أنا بقالي شهر كامل بتعامل معاهم بالخبث واللف والدوران. زهقت.
أشارت إليه بإصبعها بعقلانية: أنا عايزاك تكمّل بنفس الطريقة، هما لسه مايعرفوش، إنك فهمت كل إللي كانوا بيعملوه.
ثم أكملت بثقةومكر: سيبيهم مطمنين. روح لهم بالليل، وقولهم إنك وديت صافيناز تتعالج وبس... وخليهم يفضلوا فاكرين إنهم لسه ماسكين اللعبة.
ابتسمت بمكر وهي تتابع: وبعدين... أول ما مي تتكلم، ورشدي يعرف إنها عرفت الحقيقة، والدنيا تولع... ساعتها أبقَ واجههم.
مال سليم برأسه إليها مصغي لحديثها تابعت
بابتسامة واسعة: ووقتها قولهم: "آه... عرفت كل حاجة من زمان، إنتوا بس اخذتوا إن سليم يضرب في الوش، لا كان ماضي، لكن الهجوم إللي إنت كنت بتعمله ده مش وقته صدقني، كده كده هو جاي بس سيبه يجي منهم.
ظل ينظر إليها للحظة، يبدو أنه اقتنع ثم أومأ برأسه بإيجاب عندك حق... الاستعجال دلوقتي مش في صالحي.
ابتسمت برضا: أهو كده... ده سليم إللي أنا أعرفه.
ابتسم وهو يغمز لها: حاضر يا قطعة السكر.
ثم سألها: أمال فين يوسف وعمار وسلوى؟
أجابته: يوسف وعمار في الشغل... وسلوى غالبًا رجعت، هي كمان كانت في شغلها، بس أكيد وصلت.
وفي تلك اللحظة...
طرقت سحر الباب، ثم دخلت وهي تقول:
الغدا جاهز يا سليم بيه... والست سعدية بتقولكم اتفضلوا.
أومأ سليم: تمام.
نهض من مكانه وساعدها على التوقف، واتجه نحو الباب، فقط تحرك خطوة واحدة! لكن ماسة لم تتحرك.
التفت إليها باستغراب: مالك؟
رفعت أحد حاجبيها، وقالت وهي تعقد ذراعيها: إيه ده؟
أومأ وهو يضيق عينه: إيه؟
زمت وجهها بتزمر: هو إنت مش هاتشيلني وتوديني لحد السفرة؟ خلاص زهقت مني ما بقتش تحبني؟!
انفجر ضاحكًا من جنانها: لا حول ولا قوة إلا بالله صبرني يا رب، لو شيلتك تقوليلي: "ما تعاملنيش كأني مشلولة"... ولو ما شيلتكيش تقولي: "مش بتدلعني بطلت تحبني.
هزت كتفيها بدلال: أيوة... أنا كده، إذا كان عاجبك.
ضحك وهو يشير إليها بإصبعه: حاضر يا ماستي الحلوة... بس أروح أغسل إيدي الأول، وأرجع أشيلك بنفسي لحد السفرة، ونقعد ناكل سوا، وهاكلك بإيدي كمان.
اتسعت ابتسامتها وهي تومئ برأسها: تمام وأنا مستنياك.
#$#########$$$$$$$$
في الفيلا التي يمكث بها مصطفى
كان الجميع يجلسون حول السفرة، يتناولون الغداء وسط أجواء هادئة.
غمس مصطفى قطعة من الخبز في الملوخية، ثم أغمض عينيه باستمتاع وهو يتذوقها: الله! الملوخية دي جملية مين عملها.
ابتسمت نبيلة وهي تشير إلى آلاء: آلاء هي إللي عاملاها.
نظر إليها مصطفى مبتسما: تسلم إيدك.
ابتسمت آلاء بخجلء: ألف هنا يا دكتور.
أخذ مصطفى عدة لقيمات، ثم قال وكأنه تذكر شيئا: بقولكم إيه... عندي مؤتمر يوم الخميس في مراسي. يوم بليلة بس، فقلت ناخدها تغيير جو. أقدر آخد معايا تلاتة. إيه رأيك يا إيهاب؟ تيجي إنت وعائشة؟ كده كده آلاء جاية معايا.
رفع إيهاب رأسه معتذرًا: والله يا مصطفى عندي شغل، ومش هاينفع آخد أجازة تاني بعد الفترة إللي فاتت
ألتفت مصطفى إلى عائشة: وإنتِ؟
عائشة اومأت وهي تتناول الطعام: مستحيل... عندي امتحانات ولازم أذاكر
رفعت آلاء رأسها وقالت بسرعة: وأنا كمان عندي امتحانات.
نظر إليها مصطفى باستغراب: امتحاناتك لسه ما بدأتش. وبعدين إنتِ جاية معايا ده قرار.
عقدت حاجبيها: يعني إيه جاية معاك؟! هو أنا ماليش رأي؟
ابتسم وهو يكمل أكله في هدوء: لا... في الحتة دي مالكيش رأي.
شهقت وهي تنظر إليه: يا سلام! هو فيه إيه؟
تبسم موضحا: فيه إنك محتاجة تغيري جو. بقالك فترة قافلة على نفسك، ويوم وليلة مش هيأثروا في حاجة.
هزت نبيلة رأسها مؤيدة: معاه حق يا بنتي. روحي غيري جو شوية. من ساعة إللي حصل وإنتِ لا خرجتي ولا ضحكتي
أومأت أنهار هي الأخرى: سافري يا آلاء... هاترجعي نفسيتك أحسن.
ابتسم مصطفى وهو ينظر لأنهار خلاص بقى... تعالي إنتِ كمان يا حاجة، وإنتِ يا ماما.
لوحت أنهار بيدها وهي تضحك: لا يا خويا... يوم بليلة ده يتعبنى أنا ست كبيرة روحوا إنتم انبسطوا.
تنهد مصطفى بمبالغة وهو يرفع يديه مستسلمًا.
والله العظيم إنتوا عالم فقرية!
ضحك الجميع أكمل وهو يهز رأسه بيأس مصطنع:
: ده الساحل الشمالي يا جماعة... والساحل الشرير كمان!
انفجر الجميع في الضحك، بينما اكتفت آلاء بالنظر إليه وهي تحاول إخفاء ابتسامتها، قبل أن تعود لتناول طعامها في صمت.
$$#$#########$$$$$$
منزل مي،5
كان رشدي ما يزال جالسًا في الصالة، لا يكف عن الحركة في مكانه، ينظر كل دقيقة إلى باب الغرفة، والتوتر ينهش صدره، لم يكن يفهم ما الذي حدث، ولا لماذا إنهارت مي بهذه الصورة.
أما راشد، فكان يجلس بجوار ابنته، وإلى جواره تقى، بينما وقف حازم وحاتم في الخارج يراقبان رشدي بصمت. لم ينطق أحد معه بكلمة... فالجميع كان يشعر في داخله أنه السبب، لكن لا أحد يملك دليلًا بعد.
وبعد دقائق...
بدأت مي تفتح عينيها ببطء.
مال راشد عليها فورًا، وربت على رأسها بحنان بقلق: حبيبتي... عاملة إيه دلوقتي؟ طمنيني يا روح قلبي.
حركت عينيها ببطء، ونظرت حولها بعدم استيعاب.
قالت بصوت مرهق: إيه... إللي حصل؟
ابتسم راشد ابتسامة مطمئنة رغم قلقه: مافيش يا بنتي، تعبتي شوية بس، الحمد لله بقيتي أحسن. مش عايزين نتكلم دلوقتي... خدي نفسك، وتقى تساعدك تغيري هدومك وتأكلي لقمة، وبعدها نبقى نفهم مالك.
أغمضت عينيها للحظة، ثم خرج صوتها متقطعًا، والدموع تسبق الكلمات اغرورقت عينيها بدموع: مش... مش عايزة أتكلم..
هزت رأسها بعنف: سيبوني... لوحدي... أرجوكم...
ثم انفجرت في البكاء، أرتفع صوتها بهستريا، حتى وصل إلى الصالة..
انتفض رشدي من مكانه، وأنطلق نحو الغرفة، وخلفه حازم وحاتم.
فتح الباب بسرعة، وما إن وقع بصره عليها حتى أسرع إليها.
رشدي بلهفة: مي!
جلس أمامها مباشرة: مالك يا حبيبتي؟ إيه إللي حصل؟ مش أنا سايبك كويسة!
في تلك اللحظة.
رفعت مي عينيها إليه، وظلت تحدق في وجهه... ثانية... ثم ثانية أخرى...وكأنها تراه لأول مرة.
لم تعد ترى الرجل الذي أحبته ووثقت به وأعطته قلبها... بل رأت إنسانًا آخر لا تعرفه.
رأت خائنًا... وقاتلًا... ومغتصبًا... رجلًا تجرأ على ارتكاب كل ما تجرده الإنسانية من معناها.
كانت ملامحه بالنسبة إليها تتحول شيئًا فشيئًا إلى وجهٍ مرعب، كأنها تنظر إلى وحش يرتدي ملامح رشدي فقط.
صوته الذي كان يومًا يبعث فيها الطمأنينة، صار يخترق أذنيها كالشوك، ونظراته بدت لها كالنيران، تحرق روحها وتغرس فيها الألم بلا رحمة.
وفي لحظة واحدة...
اختلطت أمام عينيها كل المشاهد التي رأتها قبل ساعات.
فيديو خيانته ليلة زفافهما...
اعترافاته...
ضحكاته الباردة...
وصورته وهو يخنق ماسة بكل قسوة...
وصوته وهو يقر بكل الجرائم التي ارتكبها...
وكأن كل تلك المشاهد تحولت إلى سكاكين تنهال على قلبها دون توقف، حتى شعرت أنها لم تعد قادرة على ألتقاط أنفاسها أو التمييز بين الواقع وما يدور داخل رأسها.
وصوت سليم وهو يقول:ده الراجل إللي إنتِ متجوزاه..
مد رشدي يده وأمسك كفها بقلق: ردي عليا يا مي... فهميني مالك؟!
فور أن شعرت بلمسته، شهقت بقوة، وكأنها لمست نارًا.
وسحبت يدها بعنف ، صرخت وهي تبكي بانهيار:
ـ إنت حيوان!
ـ بكرهك!
ـ أبعد عني... ما تلمسنيش!
وأخذت تزحف للخلف فوق الفراش وهي تصرخ في بكره واشمئزاز: خلوه يمشي... مش عايزة أشوف وشه! مش عايزة أشوووفه
كانت تنظر إليه وكأنه وحش يقف أمامها: بكرهك.. بكرهك!
ثم صرخت بأعلى صوتها: حيوان... إنت حيوان! حقير
وقف رشدي مكانه، وعيناه متسعتان من الصدمة، والدموع تجمعت فيهما دون أن يشعر.
تمتم بصوت مرتعش: مي... إنتِ بتقولي إيه؟ مالك؟!
لكنها لم تعد تسمعه، تصرخ فقط... بهستريا حتى بح صوتها.
وتبكي...وكأن قلبها يتمزق.
راشد وهو يهتف: مي! أهدي يا بنتي.
حازم: إيه إللي حصل؟ فهمينا!
لكنها لم تستطع الرد.
أخذت تصرخ بانهيارٍ تام، صرخات متلاحقة خرجت من أعماق قلبها، ممزوجة ببكاءٍ هستيري وآهاتٍ مزقت سكون المكان، حتى بدأ صوتها يبحّ من شدة ما تصرخ.
تصرخ وكأنها تحاول أن تقتلع الوجع من صدرها... لكن دون جدوى.
وفجأة...
انقطع صوتها دفعةً واحدة.
ارتخت أطرافها، وأنسحب اللون من وجهها، وأغمضت عينيها وهي تسقط فاقدةً للوعي بين أيديهم.
تقى بفزع: مي!!
اندفع الجميع نحوها.
بينما ظل رشدي واقفًا مكانه كأن الأرض سُحبت من تحته.
وفجأة...
اندفع حاتم نحوه، وأمسكه من ياقة قميصه وهو يهزّه: عملت في أختي إيه؟! أنطق!
أمسك راشد به هو الآخر، وعيناه تقدحان نارًا.بنتي بقت بالمنظر ده بسببك! عملت فيها إيه؟!
هزه بعنف: أنطق!
كان رشدي يحاول الإفلات وهو يهتف بإنهيار:
والله ما عملتلها حاجة! والله العظيم ما أعرف حصل لها إيه!
تدخلت تقى وهي تبكي: كفاية! بدل ما تتخانقوا... شوفوا مي الأول! حد يجيب دكتور بسرعة!
لم ينتظر حازم ثانية واحدة.
أمسك حازم هاتفه بسرعة واتصل بالطبيب، بينما كان راشد وتقى يحاولان إفاقتها دون جدوى.
حازم بقلق: الدكتور قال ما نستناش... لازم تتحجز في المستشفى حالًا.
أغلق الهاتف، ثم التفت إليهم وهو يقول بحسم: يلا... لازم نتحرك دلوقتي.
أندفع رشدي نحو مي وهو يقول بلهفة: أنا ها أشيلها.
لكن راشد وقف أمامه في اللحظة نفسها، ومد ذراعه يمنعه.
راشد بغضب: ما تقربش منها... سامع؟
نظر إليه رشدي بصدمة: دي مراتي!
تقدم خطوة أخرى، لكن حاتم دفعه بقوة في صدره: قولنا ما تقربش!
ترنح رشدي للخلف خطوة، ثم اشتعلت عيناه بالغضب: أبعدوا عني... أنا عايز أطمن على مراتي.
وفي لحظة فقد فيها أعصابه، اندفع مرة أخرى، فلكمه حاتم بقوة في وجهه، ثم زقه بعنف.
حاتم وهو يصرخ: مش فاهم يعني إيه ما تقربش؟!
تراجع رشدي خطوتين، ومسح الدم من جانب فمه، ثم ضغط على أسنانه بقهر، لثوانٍ... نزلت يده على خصره، ثم... أخرج مسدسه، ساد المكان صمت مرعب.
شهقت تقى وهي تصرخ توقفت أمامه رشدي! إنت بتعمل إيه؟!
ثبت رشدي المسدس أمامه، لكن فوهته كانت إلى أسفل، وصوته خرج مرتعشًا من الغضب والخوف معًا:
محدش... يمنعني عن مراتي! ماحدش!
هز راشد رأسه باحتقار، ولم يتراجع خطوة واحدة.
السلاح ده يخوف غيري... إنما أنا لا.
تقى وهي بتصرخ فيه، لكن بنبرة عقلانية: رشدي... نزل المسدس. إللي إنت بتعمله ده هايكبر المشكلة، مش هايحلها. أرجوك... علشان خاطر مي.
ظل ينظر إليها بعينين مشتعلة، بينما كانت أنفاسه تتلاحق.
أكملت وهي تشير نحو مي: إنت بنفسك شايف حالتها... هي مش قادرة تشوف وشك، ولا حتى تسمع صوتك. لو فعلًا بتحبها... يبقى آخر حاجة تعملها دلوقتي إنك تزود عليها..
صمتت لحظة، ثم قالت بلهجة أكثر حدة:الحركة الغبية إللي عملتها دي... لو كان لسه فيه بينك وبينها شعرة، إنت قطعتها بنفسك. حط المسدس، وسيبنا ننقذها..
في تلك اللحظة، حمل حازم مي بين ذراعيه، وخرج مسرعًا بها، ولم يلتفت أحد إلى تهديد رشدي.
ارتخت يده وهبط مسدس وهو يقول بعينين غامت بدموع: أنا ما كنتش عايز أعمل كده هم إللي اضطروني، أنا من حقي أقعد جنب مراتي، أنا ما عملتش حاجة، يا تقى والله العظيم ما عملت حاجة أنا ماعرفش مالها.
تقي بعقلانية: طب خلينا دلوقتي نشوف إيه إللي حصل، ونطمن عليها وبعدين نشوف بقى إيه إللي عملته و إيه إللي ما عملتوش.
بينما نظر راشد إلى رشدي نظرة نارية، ثم قال وهو يشير إلى المسدس: و أنا ها أعرفك إزاي ترفع سلاحك في وش ولادي. وإللي عملته في بنتي... هاتتحاسب عليه. أوعى تكون فاكر إن راشد هايخاف من المسدس إللي في إيدك، ولا من اسم عيلتك.
وها أدفعك الثمن يا رشدي.
تحرك راشد وتقى خلف حاتم وحازم الذين حملوا مي بينما ظل رشدي واقفًا مكانه، وصدره يعلو ويهبط بعنف، بينما كانت عيناه تدوران في ذهول.
لم يكن يفهم...
ماذا حدث؟
كيف انقلب كل شيء في دقائق؟
منذ ساعات قليلة كانت مي تودعه بابتسامتها، والآن تصرخ في وجهه، وتنعته بالحيوان، وترفض حتى أن يلمسها.
زفر باختناق، وأغمض عينيه للحظة، ثم ركض وصعد سيارته وقادها خلفهم حيث المشفى
$#$#########$$$$$$$
الفيلا التي يمكث بها مصطفى.
في إحدى الغرف، كان مصطفى يجلس أمام شاشة الحاسوب يتابع كاميرات القصر كعادته. لم يكن هناك أي جديد؛ فكل شيء هادئ منذ اختفاء الجميع.
دخلت نبيلة، وهي تحمل كوبًا من الشاي، ووضعته أمامه.
نبيلة تساءلت: فيه حاجة جديدة؟
هز رأسه دون أن يبعد عينيه عن الشاشة.
لا... الدنيا هادية. بس برضو لازم أطمن أول بأول، علشان لو حصل أي حاجة أبلغ سليم.
جلست أمامه، ثم نظرت إليه قليلًا وقالت:طب وإنت ناوي تعمل إيه؟
التفت إليها باستغراب: أعمل إيه في إيه؟
ردت مفسرة: إنت وآلاء.
زفر بهدوء: زي ما اتفقنا... أول ما تخلص امتحاناتها ونرجع الشقة، نبقى نشوف هانعمل إيه.
رفعت حاجبها: يعني هاتطلقها؟
سكت لحظة، وكأنه لم يتوقع السؤال حك خده: مش،مش عارف... ما فكرتش.
ضيقت عينيها وهي تراقب ملامحه: ما فكرتش... ولا مش عارف تاخد القرار؟
تنهد وهو يحرك كوب الشاي بين يديه: القرار ده لازم يتاخد في الوقت الصح. مش هاينفع أخده وهي مضغوطة، ولا وهي عندها امتحانات... وبعدين...
توقف قليلًا.
تساءلت بخبث: وبعدين إيه؟
حك مؤخرة رقبته بتوتر: وجودها... مش مضايقني. بالعكس، اتعودت عليها في البيت، يعني لو طولنا شوية عادي يعني لحد ما تخلص وتظبط أمورها..
ابتسمت والدته ابتسامة واسعة: يبقى إنت حبيتها.
رفع رأسه إليها بسرعة: إيه يا ماما! هو أي كلام وخلاص؟
ضحكت: أومال ليه مأجل الطلاق؟ وليه مستني تخلص امتحاناتها؟ وليه واخد بالك من أكلها وشربها وسفرها؟ وليه كل شوية تسأل عليها؟
ارتبك مصطفى، ثم قال وهو يحاول الهروب من نظراتها: دي مسؤوليتي... مش أكتر.
هزت رأسها وهي تبتسم: لأ يا ابني... المسؤولية حاجة، وإنك تخاف على زعلها وتهتم بيها حاجة تانية وبعدين أنا إللي ها أقول لك بعدين أنا ما عنديش مانع آه في الاول ما كنتش قبلاها لإنه كان وراها مشاكل بس لما عاشرتها لقيتها بنت كده كويسة ومحترمة وشبهنا.
صمت لحظة، ثم قال بصوت منخفض: ما ينفعش يا ماما... أنا أكبر منها بكتير، ومتجوز قبل كده، وحياتي كلها مشاكل. هي تستحق واحد في سنها، تبدأ معاه من أول السطر.
قلبت وجهها بتهكم ساخر: حوش حوش يعني هي إللي حياتها كلها بمبي بمبي ده عندها بلاوي قد كدة كفاية أخوها ده.. بعدين ما تحسسنيش إن إنت أكبر منها ب 30 سنه تقريبا 12 ولا 11 سنة.
أعاد نظره إلى شاشة اللابتوب، ثم قال وهو يهز كتفيه:: عموماً... مافيش أي حاجة حصلت أصلًا. ده كله أوهام. أنا بعزها... زي أختي وبس..
رفعت والدته حاجبًا، ثم نظرت إليه نظرة طويلة قبل أن تبتسم بمكر : آه... زي أختك؟
أومأ بثقة مصطنعة: أيوة.
ضحكت وهي تهز رأسها: طب ماشي... المهم السفرية إللي كنت بتتكلم عنها وإحنا بنتغدى؟ لسه ناوي عليها؟
اعتدل في جلسته وهو يقلب بعض الأوراق: أيوه. فيه مؤتمر نفسي أحضره بصراحة... أغير جو شوية، وأستفيد منه علميًا. بقولك إيه... ما تيجي معايا؟
لوحت بيدها رافضة: لا، أنا ها أقعد هنا. إخواتك محتاجيني ..
أضافت بنبرة ذات معنى: كفاية آلاء معاك.
سكت مصطفى لحظة، ثم أومأ برأسه.
ابتسمت بحنان، ثم قالت وهي تنظر إليه بحسرة أم:
ربنا يسعدك يا مصطفى... نفسي أفرح بيك وبأخوك وبأختك... نفسي أشيل عيالكم قبل ما أكبر أكتر. الناس كلها اتجوزت واستقرت... إلا عيالي.
ابتسم ابتسامة هادئة، ومد يده يمسك يدها: ربنا يديكي طولة العمر يا أمي، وهاتفرحي بينا كلنا إن شاء الله.
ربتت على يده بحنان، ثم نهضت: يلا... كمل شغلك.
وقبل أن تخرج، التفتت إليه مرة أخرى: آه... وما تنساش نبقى نروح نزور ماسة ونطمن عليها.
أومأ بإيجاب: أكيد. ها أشوف سليم أنسق معاه، ولو الظروف سمحت نروح لهم بعد ما أرجع من المؤتمر
ردت: ربنا يتمم بخير.
خرجت والدته من الغرفة، وأُغلقت الباب خلفها.
ظل مصطفى جالسًا مكانه لثوانٍ، لا يفعل شيئًا... فقط ينظر إلى شاشة اللابتوب دون أن يرى ما عليه.
ترددت كلماتها في أذنه:إنت حبيتها.
زفر بضيق، وهز رأسه كأنه يطرد الفكرة بالقوة.
مستحيل... همس بها لنفسه.
أعاد تركيزه إلى الكاميرات مرة أخرى، وهو يحاول إقناع عقله أن كل ما يشعر به ليس إلا تعاطفًا... لكن للمرة الأولى، لم يكن مقتنعًا بما يقوله لنفسه.
##################
في أحد المستشفيات
قسم الطب النفسي
كانت مي تجلس فوق الفراش، وعيناها ثابتتان في الفراغ، بلا أي تعبير... وكأن روحها غادرت جسدها.
وقف الطبيب أمامها، يحرك كشافا صغيرا أمام عينيها يمينا ويسارا، ثم رفع ذراعها وتركها تسقط، فلم تبدِ أي مقاومة... فقط جسد بلا إرادة.
تنهد الطبيب، ثم خرج من الغرفة برفقة الطبيب النفسي، حيث كانت العائلة كلها تنتظر في الخارج، يتقدمهم راشد، وحاتم، وحازم، ورشدي.
تنحنح الطبيب وقال بهدوء: زي ما قولتلكم... واضح جدًا إنها اتعرضت لصدمة نفسية عنيفة جدًا، والصدمة دي خلت عقلها يدخل في حالة دفاع. هي دلوقتي شبه منفصلة عن الواقع.
اتسعت عينا راشد: يعني إيه يا دكتور؟
الطبيب النفسي: يعني عقلها أختار يهرب من الوجع. لازم نعرف إيه إللي حصل قبل الحالة دي... لإن ده هو مفتاح العلاج.
استدار حاتم فجأة نحو رشدي، وقال بغضب مكتوم:: يا ريت بقى تنطق... وتقول عملت فيها إيه؟
نظر إليه رشدي جز على اسنانه ثم صاح بغضب: والله العظيم ما عملتلها حاجة! أحلف بإيه تاني؟! دي كانت لحد إمبارح في حضني... أقولك أكتر من كدة إيه
ساد الصمت للحظة.
نظروا إليه جميعًا بذهول، بعدما خرجت منه كلمات أوحت لهم بمعنى لم يكن يجب أن يفهموه. انتبه رشدي إلى زلته متأخرًا، فتوقف عن الكلام.
رفع الطبيب يده مقاطعًا: يا جماعة... لو سمحتوا. ده مش وقت اتهامات. حتى لو هي رافضة تشوف أستاذ رشدي، ده مش دليل إنه السبب.
نظر إليه راشد باستغراب: إزاي يعني؟
الطبيب بعملية: لإننا لازم نحط كل الاحتمالات. ممكن تكون عرفت خبر صدمها... شافت حاجة... أو اكتشفت حاجة قلبت حياتها.
تجمد رشدي مكانه فور أن استمع إلى حديث الطبيب، وترددت الكلمات داخل رأسه كالصدى...
عرفت حاجة؟!
هبطت عيناه إلى الأرض، وشعر بقشعريرة باردة تجتاح جسده، بينما انقبضت معدته بعنف، وأخذ قلبه يخفق بجنون: مستحيل... تكون عرفت؟! ماسة
قالتلها؟! ولا سليم وصلها للحقيقة؟!
ظل للحظات غارقًا في أفكاره، ثم هز رأسه بعنف وكأنه يطرد ذلك الاحتمال.
"لا... لا... مستحيل."
دوى صوت حازم بغضب:ما تنطق! عملت إيه؟!
انتفض رشدي من شروده، ورفع رأسه بسرعة، وقد حاول أن يخفي الارتباك الذي ارتسم على وجهه، ثم قال بصوت خرج متقطعًا:لا... لا... ما أعرفش. والله ما عملتلها حاجة تخليها توصل لكده... والله ما أعرف حصلها إيه.
راشد ببرود ممزوج بشك: لحد ما نعرف الحقيقة... مش عايز أشوف وشك قدامها.
رفع رشدي رأسه بعناد: ماحدش يقدر يمنعني عن مراتي.
اقترب منه حاتم خطوة: وإحنا هانمنعك.
ثبت رشدي نظره فيه وقال بحدة: قانونًا وشرعًا... أنا جوزها. وأنا أول واحد ليه حق يقرر علاجها. أقدر أنقلها أي مستشفى، وماحدش هايعرف يوصلها... بس أنا مش ها أعمل كده... علشان مي. وبس. فبلاش تجبروني أوصل للمرحلة دي.
صاح حازم: انت بتهددنا فاكرنا هانخاف.
رفع الطبيب صوته بحزم: كفاية! دي مستشفى... مش ساحة حرب مين يكسب ومين يخسر؟!
ساد الصمت.
ثم التفت الطبيب إلى رشدي قال بعملية: بص يا أستاذ رشدي... أنا عايز أجرب حاجة. هاتدخل معايا دقيقة واحدة بس. لو ظهر عليها أي رد فعل عنيف، يبقى هاتكون ممنوع من زيارتها مؤقتًا.
ثم التفت إلى راشد وأستاذ راشد يدخل الأول.
دخل راشد إلى الغرفة وقف أمام ابنته ظل يناديها بهدوء... لكن مي لم تتحرك، لم ترفع رأسها...ولم ترمش حتى تشبه المانيكان.
خرج راشد، بعدها دخل رشدي، وقف أمامها مباشرة.
اقترب منها بحذر: مي...
لم تجيب رد.
انحنى قليلًا أمامها قائلا بنبرة متأثرة قلقة بعينين اغرورقت بدموعها: بصيلي يا مي... قولي لهم إني ما عملتش حاجة، قولي لهم قد إيه بحبك... وإننا كنا كويسين، وإننا اتفقنا نسافر... فاكرة؟ ردي عليا... بالله عليكي.
بدأ الطبيب يرفع ذقنها برفق: مي... شايفة إللي واقف قدامك؟ ده رشدي... جوزك.
رشدي بوجع أمسك يدها: مي حبيبتى إيه إللي حصلك؟!
تحركت عيناها ببطء نحوه، ثانية، ثم ثانية أخرى...
وفجأة...
اتسعت حدقتاها تسارعت أنفاسها بدأ جسدها يرتجف، وانطلقت شهقة قوية من صدرها.
ارتفعت يداها وهي ترتعش بعنف، ثم صرخت فجأة:
"ااااااه... لاااااا... أبعده... أبعده عني... مش عايزة أشوفه!
بدأت تتشنج بعنف.
أسرع الطبيب وهو يصيح:: أستاذ رشدي... أطلع بره حالًا.
وقف رشدي مكانه مصدومًا، قبل أن يندفع الممرضون نحوه ويخرجوه سريعًا من الغرفة.
قال بإرتباك وهو يحاول العودة إليها: إيه إللي حصل؟! مي... مالها؟!
وقفت إحدى الممرضات في طريقه وهي تشير إلى الباب: من فضلك... أخرج حالًا.
تراجع خطوة للخلف، وعيناه معلقتان بها من خلف الزجاج.
كانت تصرخ، وجسدها ينتفض بعنف، بينما الأطباء يحاولون السيطرة عليها.
وفجأة...
هبطت دمعة من عينه دون أن يشعر بها.
أسند ظهره إلى الحائط، ومرر كفه فوق وجهه بعجز، وهو يتمتم بصوت مبحوح: أنا... عملت فيها إيه؟!
في الداخل، قال الطبيب بحزم: هاتوا الحقنة... بسرعة.
ثم ألتفت إلى الباب وأغلقه وهو يقول: ولو بتحبها فعلًا... أبعد عنها دلوقتي.
أومأ رشدي برأسه في استسلام، ولم يقوَ على الاعتراض.
ظل واقفًا خارج الغرفة، يستند إلى الحائط، وأنفاسه متقطعة، والدموع تنساب بصمت، بينما لم يكن يسمع سوى صوتها المكتوم من الداخل... وكل صرخة كانت تغرس في صدره سكينًا جديدًا.
وفي الداخل...
حقنتها الممرضة بالمهدئ، وبعد دقائق بدأت التشنجات تهدأ تدريجيًا، وانخفضت شهقاتها شيئًا فشيئًا، حتى استلقى جسدها ساكنًا فوق الفراش، بينما بقيت دموعها تنساب من عينيها المغلقتين، كأن الألم ما زال يطاردها حتى وهي غائبة عن الوعي.
خرج الطبيب إلى الجميع.
نظر إلى رشدي وقال بجدية: للأسف... التجربة أكدت إللي كنا شاكين فيه. وجود حضرتك بيسبب لها انتكاسة شديدة جدًا.
تنهد، ثم أكمل: هي دلوقتي عقلها حابسها جوه صدمتها... وإحنا هانشتغل على إخراجها منها بالتدريج. لكن في المرحلة دي... أي احتكاك بيك ممكن يرجعنا خطوات لورا.
ثم نظر إليه مباشرة تابع: لو فعلًا بتحبها... يبقى ساعدنا. ومن فضلك... امتنع عن زيارتها مؤقتًا، لحد ما حالتها تستقر.
ظل رشدي صامتًا للحظات، ثم أومأ برأسه بصعوبة، بينما كانت الصدمة تملأ عينيه... لأول مرة يشعر أن المرأة التي كانت لا ترى سواه، أصبحت ترتعب من مجرد رؤيته.
اقتربت منه تقى ببطء، بينما كان ما يزال واقفًا أمام باب الغرفة، وعيناه معلقتين به وكأنه ينتظر أن تخرج مي وتنفي كل ما يحدث.
قالت بصوت هادئ، رغم الدموع التي كانت تلمع في عينيها: من فضلك... أمشي يا رشدي.
التفت إليها ببطء، ونظر إليها بطرف عينه: بس أنا...
قاطعته بهدوء: أمشي... ماحدش هنا قادر يشوفك دلوقتي. كل ما نبصلك... هانفتكر إنك السبب في إللي حصل لمي.
ازدرد ريقه بصعوبة، بينما أكملت:حاتم... وحازم... وبابا... حتى أنا... كلنا مش قادرين نتقبل وجودك دلوقتي...
رمش بعينه بحزن وكالمتهم البرئ حاول أن يتحدث لكنها واصلت تنهدت بألم، ثم قالت: إنت ماتعرفش مي بالنسبة لنا إيه... إللي بيحصل دلوقتي رجعلنا ذكريات وحشة أوي... فكّرنا بإنهيارها زمان، لما حماتي ماتت، وإحنا بالعافية قدرنا نخرجها منه.
أغمض رشدي عينيه للحظة، وكأن كل كلمة كانت تسقط فوق صدره كالحجر.
قال بصوت مبحوح:أمشي إزاي وأسيبها بالحالة دي؟
ردت تقى بهدوء: أوقات كتير... لازم نبعد عن إللي بنحبهم، علشان هما يبقوا كويسين. مش مهم إحنا نتوجع... المهم هما يرتاحوا.
ظل صامتًا للحظات يفكر شعر أنها محقة، ثم سألها برجاء لم تعتد أن تسمعه منه: طب... هاتطمنيني عليها؟
أومأت برأسها: أكيد. أول ما يبقى فيه أي جديد ها أبلغك.
تنهد براحة بسيطة، ثم قال: أنا هاجي بكرة أطمن عليها.
ابتسمت ابتسامة باهتة، لو الدكتور سمح... تعالى. إحنا مش هانمنعك. لكن أرجوك... ماتحتكش ببابا، ولا بحاتم، ولا بحازم. مهما قالوا أو عملوا... افتكر إنهم أبوها وإخواتها، وطبيعي يكونوا خارجين عن شعورهم.
هز رأسه باستسلام: أنا مستحمل... والله ما فارق معايا أي حاجة. المهم... مي تبقى كويسة.
ثم رفع عينيه إليها وقال بصوت خافت: هكلمك... أطمن عليها، ماشي؟
أومأت:؛ماشي.
أخذ نفسا عميقا، ثم استدار متجها نحو الخارج.
وقبل أن يغادر، ألتفت إلى راشد وحاتم وحازم، وقال بهدوء لم يكن يشبهه: علشان خاطر مي... أنا ها أمشي. غير كده... والله ما كنت سيبتها.
لم يرد عليه أحد.
خرج من المستشفى بخطوات ثقيلة، وكأن الأرض تسحبه إليها.
صعد سيارته، وأدار المحرك، ثم أنطلق دون أن يشعر بالطريق.
###$$$$$$$$$$$$$$
قصر الراوي8
الهول
كان عزت وفايزة يجلسان في الصالون ينتظران يبدو على ملامحهما الضجر، وما إن دخل سليم حتى رفع عزت رأسه وقال بحدة: أخيرا جيت ممكن بقى أفهم إيه اللي عملته مع أختك؟
خلع سليم سترته بهدوء، وألقاها على ظهر المقعد، ثم جلس وكأنه لم يسمع نبرة الغضب اجاب ببرود: اللي عملته، كان لازم يتعمل منكم.
ضيقت فايزة عينيها قالت بتهكم: يعني إيه كان لازم؟! إزاي تاخد أختك من غير ما ترجع لنا؟
نظر إليهما باستغراب، ثم حك ذقنه ببطء، وارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة لاذعة، وقال: طب أنا الحمد لله كويس... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أنتم عاملين إيه؟
اشتعلت نظرات فايزة، وقالت بحدة:سليم، بلاش أسلوبك ده؟! ده لا وقته ولا مكانه خالص، رد علينا، إيه اللي إنت عملته ده؟
رفع عينيه إليها أجابها بتنهيدة مفسرا: بعد ماعرفت إنها حاولت تنتحر، وحاولت تقتل مفيدة، مابقاش عندي رفاهية إني أستنى رأي حد.
اتسعت أعينهما بصدمه.
عزت بدهشه تسأل: إيه كلام ده !! حصل امتى ده؟!
مد سليم وجهه وهو يتعدل جلسته: اسألوا مفيدة.
نظر عزت إلى الخادمة التي تبتعد بعد الامتار على صوته: نادي على مفيدة.
وبعد لحظات دخلت مفيدة، وقد بدا عليها الارتباك.
قالت: امرك يا بيه؟!
فايزة: احكي اللي حصل.
ابتلعت ريقها وقالت وهي تنظر نحو سليم: والله يا باشا... كنت بدخل لها الأكل كعادتي، وفجأة هاجمتني. حاولت تخنقني، وكانت ماسكة سكينة... ولولا إن
عشري دخل في اللحظة دي كان زماني مت.
ساد الصمت.
عقدت فايزة حاجبيها باستغراب، وقالت: وعشري إيه اللي يخليه يدخل القصر في الوقت ده! وكمان يطلع فوق؟
أجابها سليم بهدوء، وكأنه يتحدث عن أمر عادي:
كان بيجيبلي شوية حاجات، ولما سمع الصوت... طلع يشوف في إيه؟!
أكملت مفيدة على حديثه وهي ترتجف: وعشري هو اللي بلغ سليم بيه.
نظر سليم إليهم مفسرا: أول ماعشري بلغني... قولت له يجيبها فورا، لاني فهمت ان حالتها بتنهار كل يوم عن اللي قبله،..
ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامه جنبيه وهو يشير بيده: وماتقلقيش يا هانم، دخلتها مكان محدش يعرفه، لو انت قلقانه احسن حد ياخد خبر وتبقى فضيحه،
عزت بستنكار حاد: فتدخلها مصحه مصحه؟!
أجابه بهدوء: مش مصحة بالمعنى المعروف، لكنه مكان مجهز بالكامل. دكاترة، وممرضين، وكل اللي تحتاجه.
ثم أكمل بنبرة أكثر جدية: أنا دخلت كلمتها بنفسي ماعرفتنيش، كانت بتتكلم مع ناس مش موجودين، وبتستخبى مني، وبتقول إنهم عايزين يقتلوها فزاع عايزيني بعد كل اللي انا عرفته وسمعته وشفته اسيبها كده.
خفض عزت رأسه قليلا بأسف دون رد.
أما فايزة فقالت بضيق: الناس هتقول إن بنت عزت الراوي اتجننت ودخلت مصحة نفسية.
نظر إليها سليم باستغراب ثم قال بسخرية: ما هي فعلا اتجننت؟! وده كان الحل الوحيد اللي كان لازم يتعمل حبسها هنا في القصر مش حل؟!
ثم نظر إلى عزت وقال: ولا انت إيه رأيك يا عزت باشا؟
عزت بحدة: كان لازم تاخد رأينا الأول، مش تيجي تاخد أختك من القصر بالشكل ده.
أجابه سليم بهدوء: ماكانش فيه وقت.
ثم زفر بضيق وأضاف: أنا مش فاهم أنتم مضايقني ليه؟! ولو خايفين عليها أوي، روحوا زوروها، محدش مانعكم.
نظر إليه عزت متنهد: الدكتور قالك إيه؟
مدت وجهه مفسرا: لسه مستني التحاليل... لكنه شاكك إنها كانت بتاخد أدوية معينة أثرت على مخها.
هنستنى النتيجة... وساعتها هنعرف الحقيقة.
ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن يغير عزت الموضوع: طيب... وسيبنا من صافيناز، إيه أخبار المجموعة؟
رفع سليم حاجبه: زي ما بلغتك يا باشا... أنا شغال وبدور؟!
اجاب عزت بحدة: شغال إيه؟! أنا كلمت ناس كتير، وكلهم قالوا إنك ماعملتش أي حاجة.
لم يهتز سليم بل ابتسم قال بثقة: طبعا هيقولوا كده... لأن ده الاتفاق اللي بيني وبينهم كلم ماركو وسألوه.
لوح عزت بيده: بلاش ماركو... ده صاحبك، وحتى أبوه بيفضلك.
رد سليم فورا قال: خلاص لو مش مصدقني... كلم راميلو... أو مستر تيفل... أو الدمنهوري... أو اللواء محمد. أو الوزير نفسه قولهم: سليم بيقولكم الحفلة في معادها؟! وشوف هيقولولك إيه.
علقت فايزة باستغراب: وليه عامل كل ده؟ وليه بتبين للكل إنك ما عملتش حاجة؟ وبعدين لو كنت فعلًا بتشتغل، كنا أكيد هنحس.
ابتسم سليم ابتسامة خفيفة وقال:
مش مطلوب من أحكي أنا بعمل إيه كل خمس دقايق
لأني بدور على اللي مستخبي ورا كل ده، مش فارق معايا اللي خسرناه، لأن اللي راح هيرجع، اللي يهمني أعرف مين اللي بيلعب من ورا الستار..
ظل عزت صامتا، فأكمل ثم أشار إلى عزت بابتسامة ذات مغزى: بعدين أنا عرفت إن الباشا قدر يجيب صفقة البترول الجديدة، وشركة الشحن شغلها ماشي زي الفل، وإنك قعدت مع المستثمرين وظبطت كل حاجة، واجتمعت برئيس الوزراء وطلبت منه مهلة ست شهور... وحتى قابلت الرئيس بنفسه، وقدمت له اعتذار عن اللي حصل.
نظر عزت إليه باستغراب: وإنت ما كنتش تقدر تعمل الكلام ده من الأول؟
هز سليم كتفيه بلا مبالاة: انت عارف إني مليش في الشغل مع الحكومة، وما بحبوش. بس ده مش موضوعنا.
ثم تغيرت نبرة صوته قليلا وقال: الموضوع الأهم... إني شاكك في عماد.
اتسعت عينا فايزة: عماد؟!
أومأ سليم: أنا ماشي ورا كذا خيط، ونسبة كبيرة جدًا إن عماد هو اللي ورا اللي بيحصل.
لوح عزت بيده باستهانة: عماد؟! ده صرصار مايقدرش يعمل كل ده.
اوما باعتراض: بالعكس يا باشا، عماد عمرة مكان صرصار ، أخطر الناس هم اللي محدش عامل لهم حساب، وعماد من زمان وأنا بقول لكم إنه ثعلب، بس محدش كان بيصدقني.
اوما فايزة مؤيدة: سليم ممكن يكون عنده حق، أنا عمري ما ارتحت لعماد.
رفع سليم عينيه إليها، وظهرت ابتسامة جانبية ساخرة على شفتيه بخبث: غريبة يا هانم.
نظرت له باستغراب ايه الغريب؟!
أجابها يحاول توترها: أصل الفترة الأخيرة كنت حاسس إنك بقيتي قريبة منه جدًا
اجابت بتوتر مبطن: عشان أختك... مش أكتر.
أومأ يمثل الاقتناع: اممم، عموما، أنا ماشي ورا كام خيط كده، أول ما أتأكد، هتعرفوا كل حاجة.
في تلك اللحظه داخل رشدي الذي لا يعرف كيف وصل لهنا، وملامح الضجر وعدم الفهم تملأ وجهه.
اتجه نحو الداخل بخطوات سريعة، وقبل أن يصعد الدرج، استمع إلى صوت سليم يأتي من الصالون.
تجمدت قدماه في منتصف الدرج، واستدار ببطء، يحاول أن يتأكد مما سمعه.
تسلل التوتر إلى صدره، وعاد ذلك الخوف الذي ظل يطارده منذ خروجه من المستشفى... ماذا لو كانت ماسة قد تكلمت؟ ماذا لو عرف سليم كل شيء؟
ابتلع ريقه بصعوبة، ثم هز رأسه محاولًا طرد تلك الأفكار.
"لا... مستحيل."
لكنه لم يستطع إخماد شكوكه، فاتجه بخطوات حذرة نحو الصالون، عازما على أن يقطع الشك باليقين
وما إن دخل الصالون حتى وجد سليم يجلس بكل هدوء، يتحدث مع عزت وفايزة وكأن شيئا لم يكن.
تجمد مكانه للحظة، ثم قال باستغراب:
رشدي: إنت هنا؟!