
رواية الماسة المكسورة 2 الفصل الثامن والثلاثون 38 ج 3 بقلم ليله عادل
رفع سليم رأسه إليه بابتسامة خبيثة: اه هنا عامل إيه؟ ومي عاملة إيه؟
رمقه رشدي طويلا، وكأن السؤال وحده أزاح جزءا من شكوكه، ثم تساءل: أنت هنا من بدري؟
أجابه ببرود وهو يفهم ترقبه: مش من كتير، نص ساعة كده.
رشدي بتوتر مبطن: وجاي من البيت؟
اومأ بخبث: آه، جاي من البيت، فيه حاجة؟
هز رأسه سريعا: لا بس بسأل عادي.
تأمله لحظة، ثم قال بابتسامة خبيثه مستمتعا بالتلاعب به: مالك؟ شكلك متضايق، فيه حاجة؟
تردد لثواني، ثم قال: لا مفيش.
سليم بتلاعب: أنا وماسة اتفقنا نروح نطمن على مي.
سأله تلقائيا: أمال هي فين دلوقتي؟
سليم بلؤم: مين! تقصد ماسة؟!
اومأ بإرتباك: اه
أجابه: في الفيلا، بتسأل ليه؟!
ابتلع ريقه: عادي، أمال أنت كنت مختفي ليه بقالك فترة؟
تدخلت فايزة بسخرية: كان بيعمل شهر عسل مع مراته.
ضحك سليم قاصدا استفزازها: حقها بعد كل إللي عملته فيها.
ثم نظر إلى رشدي، وقال بنبرة تحمل معنى خفي: على فكرة طلع عندك حق يا رشدي، أنا كنت غبي فعلا وماسة كانت مظلومة، وبحاول دلوقتي أكفر عن إللي عملته فيها، شكرا إنك كنت دايما بتدافع عنها.
رمقه رشدي بصمت، بينما راقبه عزت بإهتمام، ثم سأله بتوتر: يعني وصلت لحاجة جديدة؟
أدار نظره بينهما، ثم قال بإبتسامة شيطانية: لسه بس جالي خيط مهم جدا، هيوصلني للباقي قريب.
تنفس رشدي بصعوبة: طب أنا طالع فوق.
ناداه سليم قبل أن يتحرك: استنى يا ابني، مقولتليش مي عاملة إيه؟ أجي أنا وماسة إمتى؟!
تجمد للحظة، ثم رد بسرعة: كويسة... كويسة الحمد لله.
صعد الدرج بخطوات متسارعة، بينما ظل سليم يتابعه بابتسامه شامته، فأخيرا رأي رشدي يتذوق أول جرعة من ذلك الخوف الذي عاشه لسنوات؛ وهو يري من يحبه يتغير أمامه فجأة دون أن يدرك سببا لذلك، بدا وكأن المشهد يعيد نفسه من جديد، لكن هذه المرة تبدلت الأدوار.
أخذ نفسا عميقا، وأخفى أي ملامح للرضا قد تفضحه، ثم ألتفت بهدوء نحو فايزة وعزت وكأن شيئا لم يكن.
سليم بهدوء: زي ما قولتلك يا باشا، أنا لسه بجمع الخيوط، وأول ما أوصل لحاجة أكيدة هبلغك.
ثم أضاف وهو ينهض: وبالنسبة لصافيناز، أطمنوا، هي في أمان، والدكتور بدأ يتابع حالتها.
نظر إليه عزت بجدية: طب وموضوع عماد؟ هتتأكد منه إمتى؟
عدل سترته وهو يجيب: بالكتير...أسبوع، أو 10أيام.
عزت باهتمام: طب فهمني وصلت لإيه؟ وإيه إللي خلاك تشك فيه من الأساس؟
اجابه بجمود: مش لازم كل حاجة تعرفها دلوقتي يا باشا، كل حاجة هتعرفها في معادها، ولما أتأكد هتعرف كل التفاصيل.
نظرت إليه فايزة بضيق: أنت هتفضل بالأسلوب ده لحد إمتى؟ مش كنت بطلت تخبي علينا؟
زفر بهدوء: فيه مواقف كده بتضطر الواحد يرجع لأسلوبه القديم، قولت أصبروا عليا أجمع باقي الخيوط وابلغكم.
ثم أردف وهو ينظر لعزت: ولو عماد رجع اتعاملوا معاه عادي، كأن متعرفوش حاجة.
ابتسم ابتسامة جانبية وتابع: مع إني شايف إنه مش هيرجع.
عقدت فايزة حاجبيها: يعني إيه مش هيرجع؟
أجابها بهدوء: أصل نسيت أقولكم، إنه متجوز سارة من سنين، وعنده منها ولد وبنت ودلوقتي عايشين مع بعض في روما.
اتسعت عينا عزت بصدمة: أنت متأكد من إللي بتقوله ده؟
نظر إليه بثبات: زي ما أنا متأكد إني شايفك قدامي يا باشا.
ثم أردف بجديه: وعلشان كده بقولكم بلاش تهور، نهدى الأول ونعرف إحنا واقفين قدام إيه بالظبط، لما الصورة تكتمل، ساعتها كل واحد هياخد جزاءه، سلام.
تحرك للخارج، ساد الصمت لثواني...
تبادل عزت وفايزة النظرات، قبل أن يزفر عزت ببطء: أنا مش مصدق إللي بسمعه!
فايزة بحدة: لازم تحاسب عماد.
هز رأسه بحزم: هيتحاسب طبعا، وهدور وراه لحد ما أتأكد من كل كلمة قالها سليم.
عقدت حاجبيها: وسليم هيكدب ليه؟
فرك ذقنه بتفكير: مقولتش إنه بيكدب، لكن فيه حاجة مش راكبة، فيه حاجة ناقصة!
سألته باستغراب: ايه هي؟
نظر إليها طويلا، ثم قال ببطء: أنا مش شاكك في جزئيه عماد، دي ممكن تطلع صح، لكن إللي مش داخل دماغي إنه معملش حاجة علشان بيدور على إللي ورا كل ده؟!
أشار بيده بضيق: ده أنا خلال كام يوم بس رجعت صفقات، وفتحت خطوط شغل، وخدت موافقات من ناس كانت رافضة حتى ترد علينا... وييجي يقولي معملتش حاجة لإني مشغول في حاجات أهم! هو إيه إللي أهم؟! خسارتنا متقلش أهمية عن معرفة إللي عمل كده؟
صمت لحظة، وأكمل بدهاء: أنا راجل بقالي 50سنة في السوق وبعرف أقرا الناس كويس، سليم النهاردة كان هادي وواثق زيادة عن اللزوم، وفي نظرة في عينه أنا عارفها كويس رغم إنه حاول يخبيها.
هزت رأسها برفض: أنت مكبر الموضوع يا عزت، سليم ملوش في اللف والدوران، مبيعرفش يتلاعب.
ابتسم ابتسامة لم تصل إلى عينيه: يا رب يكون إحساسي غلط، لكن أنا مش هسكت، هدور بنفسي، وهتأكد من كل حاجة، سواء ورا عماد أو ورا سليم، واتمنى شكي يطلع غلط، لإني استحالة أحارب ابني!
علي اتجاه آخر
كان رشدي يتحرك في الغرفه ذهابا وإيابا بعصبية، كأنه عقله يدور في حلقة مفرغة وهو يتسأل: إيه إللي حصل؟ وغيرها بالشكل ده؟
توقف فجأة، وأتخذ قراره بالتحدث مع ماسة، فأخرج هاتفه وأتصل بها.
في الفيلا سليم وماسة
جلست ماسة تجلس على الأريكة تشاهد التلفاز، وفجأة اهتز هاتفها..
نظرت إلى الشاشة، وابتسمت بسخرية عندما رأت اسم رشدي.
أخذت نفسا عميقا، وأجابت ببرود: عايز إيه؟
جاءها صوته متوترا على غير عادته: ماسة قوليلي الحقيقة، أنتِ حكيتي أي حاجة لمي؟
ساد الصمت لثواني، قبل أن ترد ببرود متعمد: حاجة زي إيه؟
جز على أسنانه: متستعبطيش.
ضحكت بسخرية: هستعبط ليه، هخاف منك مثلا؟
تابعت باستفزاز: إنتوا اتخانقتوا مع بعض ومقالتش السبب؟! فافتكرت إني قولتلها؟!
ضحكت بفرحة: أحسن تستاهل، وبعدين يا رشدي، أنا مش محتاجة أقول لحد حاجة عن بلاويك، تاريخك لوحده كفاية.
أشتعل الغضب داخله، ولم يتحمل سخافتها أكثر، فاغلق الهاتف بعنف، والقاه باهمال،ثم كور يده وضرب الحائط بقوة، حتى أحمرت مفاصله.
ثم جلس على الأريكة، وأسند مرفقيه فوق ركبتيه، ودفن وجهه بين كفيه، يحاول جمع خيوط ماحدث
ظل يفكر لثواني، ثم تجمد مكانه عند اسم معين"عماد"
اشتدت ملامحه: هو مفيش غيره، أكيد قالها حاجه؟
جز علي أسنانه: والله العظيم يا عماد لو طلعت أنت لأدفنك.
عند ماسة
جلست تتابعه علي اللابتوب، بإبتسامة شماتة: أحسن.
وظلت تتابعه وهو يغرق أكثر فأكثر في دوامة الاضطراب والدموع والوجع.
على اتجاه آخر...
جلست سلوى في الحديقة، شاردة الذهن، وقد ارتسمت على ملامحها علامات الحزن والضيق.
في تلك اللحظة، دخل سليم وخلفه مكي وهو يتحدث عبر الهاتف باللغة الإنجليزية: تمام كما اتفقنا عزت سيتحدث معك اليوم أو غدا على الأكثر حسنا، إلى اللقاء.
أنهى المكالمة، وزفر بعمق.
فنظر إليه مكي: استعجلت لما قولت لعزت على عماد؟
هز رأسه: بالعكس، أنا عايزه يشك فيه، ويدور وراه بنفسه.
ثم أردف بهدوء: أنا عارف إنه مصدقش كل إللي قولته شوفتها في عينه، وهيدور ورايا، كده كده مش هيوصل لحاجة، لكن عزت مش سهل، الراجل ده بنى إمبراطورية من الصفر، وإللي يعمل ده عمره مايبقى غبي..
ابتسم ابتسامة باهتة وأكمل: أنا بطلت أستهين بأي حد عموما..
أومأ مكي برأسه: تمام، أنا هراجع الكاميرات والتسجيلات، وهبلغك باللى اتقال.
اومأ: ماشي.
تحرك مكي مبتعدا.
عندها انتبه سليم إلى سلوى، التي كانت تتابع حديثهما من بعيد، ثم أسرعت تشيح بنظرها.
اقترب منها، وجلس على المقعد المجاور لها: عاملة إيه؟
حاولت رسم ابتسامة صغيرة، لكنها خرجت باهتة: كويسة.
ضيق عينه بشك: مش شايف كده خالص؟
صمت قليلا قبل أن يسأل: إيه أخبارك مع مكي؟ وصلتوا لإيه؟
نظرت له من طرف عينها: يعني متعرفش؟
هز رأسه: لا، كل إللي أعرفه إنه كان معاند بسببه جرحه منك، لكن معرفش إيه إللي حصل بعد كده.
تنهدت بحزن: زي ما احنا..يوم خطف عائشة جه يزعقلي لإني روحت لطنط ليلى وقولتلها تساعدنا نرجع لبعض، وهي رحبت جدا.
صمتت لحظة، ثم أكملت: بس مرضيتش أقولها السبب الحقيقي، لإن فيه حاجات تخص شغلكم القديم، وطنط متعرفهاش.
تنهدت بأسى: هو اتعصب جدا، وقال إنه مش هيقدر يسامحني.
مالت شفتيها بضجر: ويوم ماجيت هنا، حاولت أتكلم معاه تاني، وحسيت إنه بدأ يلين شوية، لكن الموضوع وقف، لإن بابا وإخواتي موجودين طول الوقت، ومفيش فرصة نتكلم لوحدنا.
سليم بهدوء: أنتِ بتحبيه بجد وعايزة ترجعيله؟
هزت رأسها بحزن: تفتكر واحدة تعمل كل ده متبقاش بتحب؟! ده روحت لأمه واترجتها تساعدني بعد مايئست منه.
أطرقت برأسها وأكملت بندم: أنا غلطت وندمانه يا سليم، بس غلطي مكانش بالسوء إللي مكي بيحاسبني عليه ده، كان منتظر مني ايه، وأنا قبل فرحي بايام اكتشفت بلاوي عن الإنسان إللي كنت بحبه، واتهددت، وكنت منهارة نفسيا، حتى لما اتخطبت لطارق، كنت ضعيفة ومكسورة، والإنسان الموجوع ساعات بيغلط... ده أنا من وجعي وجعت ماسة نفسها لما وافقت تديك فرصة.
نظر إليها بتفهم وقال بعقلانية: أنا والله مش ضدك، بس أنتِ صعبتيها أوي لما اتخطبتي، إنتِ عارفة مكي غيور، وكرامته كبيرة، وكان موجوع، صدقيني لو كنتي وقفتي عند إللي عرفتيه، كان رد فعله اختلف.
قالت بسرعة: وأديني اهو يا سليم عرفت غلطتي، وفسخت خطوبتي، وبرضو مش راضي يسامحني.
تنهد سليم وسألها: قالك إيه آخر مرة؟
ابتسمت بحزن: قالي إنه حتى لو لسه بيحبني، مش هينفع نرجع، لإنه خايف أجرحه تاني.
اومأ: خلاص سيبي الموضوع ده عليا، بس والله يا سلوي لو كررتي غلطك فيه تاني، لأنا بنفسي هجوزه واحدة تانية.
ضحكت رغم دموعها: خلاص بقى، إحنا كلنا غلطنا في الفترة دي، لإن كل واحد فينا كان بيحب بجد، وكل واحد رد فعله كان على قد وجعه، ده إنت نفسك في مرة طلعت المسدس علينا!
ضحك وهو يهز رأسه: ده أنتِ قلبك أسود سواد، خلاص يا أم لسان،! أنا كنت فاكر إن مفيش حد غلابوي قد ماسة، طلعتي جنبها مدرسة كاملة!
انفجرت ضاحكة لأول مرة منذ أيام، فابتسم سليم، شاعرا بأن الأمل بينهما مازال حيا ويحتاج فقط إلى الوقت.
نهض من مكانه: طب أنا هطلع لماسة
اومأت براسها: شكرا يا سليم.
تبسم لها وتحرك.
جناح سليم وماسة.
لا تزال ماسة تجلس على الأريكة، تتابع شاشة اللابتوب بابتسامة واسعة.
دخل سليم يقول بدلال: ماستي الحلوة.
رفعت عينيها إليه، ثم أشارت إلى اللابتوب وهي تضحك: تعالى يا كراميل شوف ومتع عينك.
نظر إليها باستغراب، ثم تقدم وجلس بجوارها، فوجدها تشاهد رشدي عبر الكاميرات.
ماسة بفرحة: بقاله أكتر من ساعة كده، لا قادر يقعد، ولا قادر ينام، كل شوية يقوم يكلم تقى مرات أخو مي، هيتجنن ويعرف إيه حصل؟! عمال يكلم نفسه زي المجانيين
نظر إليها مفسرا بأسى: جالي خبر إن مي في المستشفى وجالها إنهيار عصبي؟
هزت رأسها بحزن: أيوه، أنا فهمت من كلامه، والله زعلت عليها أوي..
ثم عادت تنظر إلى الشاشة، بابتسامة منتصره: بس منظره مفرحني، افتكرت نظرته ليا وهو بيهددني بأهلي كان قاسي وفاكر نفسه شيطان محدش يقدر عليه، بصله دلوقتي، كله ضعف وخوف.
مد يده وأغلق الشاشة، ثم نظر إليها بابتسامة: بقولك إيه... سيبك منهم دلوقتي، وخلينا فينا شوية.
ابتسمت وهي تنظر إليه: طب الأول عملت إيه مع الهانم والباشا؟
تنهد بهدوء: بدأوا يشكوا فيا.
اتسعت عيناها بصدمة: يا نهار أسود!
ابتسم بهدوء: شيء متوقع جدا، عزت مش راجل غبي، وطبيعي يحسبها.
ماسة بقلق: طب فهمني... إزاي؟
نهض من مكانه وهو يتمطئ: خلي سحر تعملنا فنجانين قهوة الاول، ونقعد نشربهم قدام النيل، وهحكيلك كل حاجة بالتفصيل.
أومأت برأسها، لكن الخوف ظل واضحا في عينيها.
لاحظ ذلك، فاقترب منها، ومسح على شعرها بحنان: حبيبي متخافيش، أنا عامل حساب كل حاجة.
قالت بتوتر: حاسة ان الموضوع بيكبر يا سليم، تعالى نسافر، وكفاية لحد كده.
نظر داخل عينيها بثقة: قولتلك متخافيش. ربنا معانا؛ لإننا أصحاب حق.
امسك يده بخوف: وأنا مليش غيرك.
ابتسم بحب، وربت على يدها: ولا أنا ليا غيرك، وعشان كده بقولك متقلقيش، أنا عامل حسابي كويس، ومش هرتاح غير لما أجيب حقنا، ده إحنا لسه أول ليلة لحقتي تخافي؟
حاول أن يخفف الأجواء فقال مداعبا:فين ماسة إللي كانت بتكلمني من كام ساعة وأهدى ولاعبهم على الهادي، وخد حقك بعقل، ايه هرمونات؟
قالت بعينين ممتلئان بالخوف: لازم أخاف، لما تقول إن عزت باشا بدأ يشك فيك.
ضم وجهها بكفيه، وأخذ يدقق النظر داخل عينيها بثبات: لا... متخافيش، أنا عايز ماسة قوية، متتهزش ولا تخاف، إللي معاه الحق عمره مايخاف.
ثم أردف وهو يربت بإبهامه على وجنتها: وافتكري إن خطوة واحدة بس عملناها، خلتك قاعدة دلوقتي تتفرجي على رشدي وهو بيتعذب، بعد ما كان فاكر نفسه فوق الكل.
تنهد وأكمل بنبرة أكثر عمقا: إحنا مش بننتقم وخلاص، إحنا بنرجع حقك، وحق أهلك، وحق حور، وحق كل ظلم اتعمل فينا.
اقترب أكثر وأسند جبينه إلى جبينها، وتابع بخفوت: وطول ما ربنا معانا، يبقى مفيش حد يقدر علينا، متخليش الخوف يكسبك، لإن دي أول حاجة أعدائنا مستنيينها.
طبع قبلة طويلة على عينيها، وقال وهو يبتعد: هروح أخد شاور، وبعدها أقعد أحكيلك كل إللي حصل.
ظلت تتابعه بعينيها حتى اختفى داخل المرحاض، بينما بقي قلبها يدعو في صمت أن تمر تلك العاصفة بسلام.
♥️_____________بقلمي_ليلة_عادل.
وخلال اليومين التاليين...
كانت مي في حالة نفسية بالغة السوء.
دخلت في صدمة جعلتها صامتة تماما، لا تتحدث مع أحد، ولا تبكي، ولا حتى تعترض، كانت تحدق في الفراغ لساعات طويلة، وكأن روحها انسحبت من جسدها، وتحولت إلى تمثال بلا مشاعر.
أما رشدي،لم يفهم ماذا حدث، ولا لماذا انقلبت عليه بهذه الصورة المفاجئة.
ورغم منعه من زيارتها، كان يذهب إلى المستشفى كل يوم، يكتفي بالنظر إليها من خلف الزجاج، ويتحمل في كل مرة إهانة والدها واخواتها ورفضهم لوجوده...فقط ليطمئن عليها.
حاول البحث عن السبب لكن دون جدوى، كل ما كان يشعر به أن هناك كارثة كبيرة وقعت، ورغم جهله بتفاصيلها، إلي أنها قلبت حياته رأسا على عقب.
ومع الضغط النفسي الذي كان ينهشه، عاد يدخن بشراهة، وزاد من تعاطيه للمخدرات، محاولا الهروب من ذلك الاختناق الذي يلتهمه من الداخل.
على الجانب الآخر...
بدأ عزت يتحرك بنفسه، ويبحث خلف كل معلومة، محاولا التأكد مما أخبره به سليم.
لكن سليم كان يراقب كل خطوة يخطوها، وقد أحكم سيطرته على كل الخيوط، وأغلق جميع الطرق التي قد توصله إلى الحقيقة، وفي الوقت ذاته كان يترك له عمدا بعض المعلومات التي أراده أن يراها، مثل حقيقة زواج عماد من سارة، وبعض تفاصيل الصفقات الجديدة، والتعاملات التي كانت تتم من خلف الستار.
كان يلعب اللعبة بدقة شديدة، يحرك الجميع كما يريد، دون أن يشعر أحد بأنه من يرسم الطريق، ورغم كل ما كان يدور حوله، لم يغفل لحظة عن ماسة، التي كانت تحتل الجانب الأكبر من اهتمامه.
وفي المكان الذي نُقلت إليه صافيناز، كان الدكتور
ياسر قد انتهى من تحليل الأدوية التي كانت تتناولها، وبدأ يضع خطة علاج واضحة، بعد أن اتضحت أمامه طبيعة حالتها النفسية، وأسباب الانهيار الذي وصلت إليه.
((بعد يومين))
روما
جلس عماد أمام رجل بدت من هيبته أنه من المافيا الإيطالية، داخل مزرعة معزولة على أطراف روما.
عماد بالإنجليزية: متى ستأخذني إلى تيمو؟ أريد أن أراه في أقرب وقت ممكن.
أجابه: تيمو خارج روما حاليا.
عقد حاجبيه وسأله: ومتى سيعود؟
هز كتفيه قائلا: لا أعلم... لكن يمكنني ترتيب لقاء لك مع إريك.
هز رأسه: لا أريد إريك... أريد تيمو، جوزيف بمجرد وصول تيمو إلى روما، أريد أول موعد معه، هناك امرا مهم.
أومأ الرجل برأسه موافقا.
وعلى مسافة ليست ببعيدة، كانت تقف سيارة سوداء بزجاج معتم، جلس بداخلها رجل أمام حاسوبه المحمول، واضعا سماعة في أذنه، يستمع إلى الحوار كاملا عبر الهاتف الذي يحمله عماد، بعدما نجح في اختراقه والتنصت على كل كلمة تدور.
في أحد المولات التجارية،2ظ
كان سليم وماسة يتجولان بين المحلات، يشتريان ملابس لطفلهما القادم، وقد ارتسمت على وجهيهما ملامح السعادة والحماس، يتأملان كل قطعة وكأنهما يعيشان الحلم لأول مرة.
التقطت ماسة سالوبيتا صغيرا باللون الوردي، ورفعته أمامها وهي تبتسم بحماس: الله يا سليم بص، جميل أوي.
أمسك بين يديها يتأملها بابتسامه حالمه: فعلا حلوة جدا.
ثم التفت إلى البائعة: لو سمحتي، هاتيلي منها الأزرق كمان.
التفت إليها باستغراب: ليه الأزرق؟
اجابت بابتسامة:: عشان لو جت بنت يبقى عندنا الوردي، ولو جه ولد يبقى عندنا الأزرق.
هز رأسه وهو يضحك: طب ما كنا استنينا أما نعرف نوع البيبي بدل الحيره دى؟
هزت كتفيها بابتسامه: يا سيدي عادي، لو مستخدمناهوش نبقى نتبرع بيه، وبعدين، ما يمكن يطلعوا توأم!
رفع حاجبيه بابتسامة واسعة: يا رب، أنا نفسي أوي يبقى عندنا توينز.
نظرت إليه بدهشة: أول مرة تقولي كده!
ابتسم وهو يضع يده على بطنها برفق: هو الإحساس ده جالي من قريب، بس بجد نفسي يبقي عندنا اولاد كتير.
وضعت يدها فوق يده بحماس: وأنا نفسي يبقوا بنتين توأم.
ضيقت عيناها بشك: أنت طبعا عايزهم ولدين
هز رأسه ضاحكا: أكيد.
ماسة بحماس: عارف ومجهزة حتى أسمائهم جاسر وآسر.
ابتسم وهو ينظر إليها بحب: حلوين جدا.
نظرت بعيدا، فوقعت عيناها على فستان أبيض صغير، فاتجهت إليه وأمسكته بابتسامة: بص يا سليم، شكله حلو أوي.
نظر إليه بابتسامه: فعلا جميل، هتجيبي معاه البدلة بقى؟
هزت رأسها وهي تبتسم: لا ده هجيبه لحور!
صمت لحظة، فقد ظن أنها تقصد طفلهما الذي ينمو باحشائها، وكاد يعترض علي تسميته هكذا، لكنها أكملت بابتسامة دافئة: أنا عايزة كل ما أجيب حاجة للبيبي، أجيب لحور زيها، مش عايزاها تحس إننا نسيناها
ابتسم بحزن، وأومأ برأسه: ماشي، نجيبلها، ونروح نزورها كمان.
وقعت عيناه على لعبة صغيرة موضوعة على أحد الأرفف، فألتقطها وهو يرفعها أمامها: وأنا هجيبلها اللعبة دي.
ابتسمت بسعادة، ثم واصلا التسوق، ولم ينسي سليم ماستة الغالية أيضا، فكلما أعجبته قطعة تناسبها، كان يشتريها لها، خاصة بعدما بدأ حملها يظهر قليلا، وزاد وزنها بشكل بسيط، فصار يحرص على أن تكون مرتاحة وأنيقة في الوقت نفسه.
وبعد أن انتهيا من التسوق، خرجا من المول، يتقدمهما الحراس وهم يحملون عددا كبيرا من الأكياس.
كان مكي ينتظرهما عند السيارة.
ابتسمت ماسة، وقالت بعتاب لطيف: مجيتش معانا ليه؟ هو أنت مش عمو؟ هتخلع من مسؤولياتك من دلوقتي؟!
ابتسم بخفة: المرة الجاية.
فتح لهما باب السيارة فصعدا، وبعد أن استقر الجميع في أماكنهم، ألتفت سليم إليه: أطلع على مقابر العيلة يا مكي.
نظر إليه من طرف عينه باستغراب، ثم أشار للسائق، فتحركت السيارة متجهة نحو المقابر.
بعد قليل.
دخل سليم وماسة حتي توقفا أمام قبر ابنتهم.
توقفت عينا سليم على بعض الألعاب والورود الموضوعة أمام قبرها، فعقد حاجبيه باستغراب، ثم التفت إليها: أنتِ جيتي هنا؟
أومأت برأسها وهي تنظر إلى القبر: أه، أول ما عرفت إني حامل جيت، كنت عايزة أفرحها وأقولها إني عمري ماهنساها.
ابتسمت ابتسامة حزينة وهي تربت على القبر: شوفتي يا حور؟ زي ماوعدتك، جبتلك بابا معايا.
وقف سليم صامتا للحظات، ثم قال بصوت اختنق بالحزن: عاملة إيه يا حور؟ وحشتيني أوي.
أخرجت ماسة الأشياء التي تم شرائها من الأكياس: بصي جبنالك إيه النهاردة، دي مني، ودي من بابا.
ثم نظرت إلى سليم: هو أنت مش عايز تقولها حاجة؟
نظر إليها بصمت، فقد باغته السؤال، ولم يكن قد هيأ نفسه لمثل هذه اللحظة.
عاد ببصره إلى القبر، وتمتم بخفوت: مش عارف، حاسس إن المشاعر غريبة، مش عارف أقول إيه؟
أمسكت يده برفق: قول إللي قلبك حاسس بيه، هي سامعاك، على فكرة.
أغمض عينيه للحظة، وحاول جمع شتات نفسه، فانحدرت دمعة على خده وهو يقول: أوعدك مش هسكت غير لما أجيبلك حقك من كل واحد شارك في قتلك وحرمنا منك، وهرجعلك هنا يومها وأقولك إن بابا قدر يجيب حقك.
وضع يده فوق القبر، وأكمل بصوت مكسور: سامحيني، متزعليش مني، معرفتش احميكي، بس والله ما كان بإيدي يا بنتي.
ساد الصمت للحظات، قبل أن يتحدث مرة أخرى بمرارة: هي الحياة كده مش عادلة، دايما بتنصر الظالم، ولما المظلوم يفكر ياخد حقه، تلاقي كل السكاكين اتفتحت عليه، وكأنهم بيقولوله "أنت مالكش حق تاخد حقك" اتفرج عليهم وهم بيعذبوك، ولو دافعت عن نفسك، تبقى انت الظالم، وينسوا كل لحظة وجع عاشها.
وضعت ماسة يدها على ذراعه برفق: بلاش يا سليم الكلام ده.
تنهد بعمق، ومسح دموعة، ثم نظر إلى القبر مرة أخيرة: إحنا هنمشي بقى، عشان ماما تعبت النهارده ولازم ترتاح، بس أوعدك هنرجعلك تاني.
ماسة بإبتسامة: مش هتاخر عليكي مع سلامه يا حبيبتي.
انحنت ماسة، ووضعت الهدايا والألعاب بجوار القبر بعناية، ثم أمسكت يد سليم، وغادرا المقبرة معا، بينما بقيت الألعاب والورود تزين المكان، وكأنها رسالة حب لا تنتهي إلى روح حور.
المستشفى التي تمكث بها مي،4ع.
كانت على حالها، تجلس هلي الفراش، تحدق في نقطة ثابتة أمامها، بلا أي تعبير، وكأنها جسد فقد روحه.
فتح الباب، ودخل طبيب شاب في بداية الثلاثينيات، بملامح هادئة (شريف)
اقترب وجلس على المقعد المقابل لها، بابتسامة خفيفة: عاملة إيه النهاردة؟ أنا شريف فاكراني؟!
لم يصدر منها أي رد.
فتح دفتره الصغير ودون ملاحظة، ثم عاد ينظر إليها: باباكي وأخواتك وتقى كلهم بره، نفسهم يسمعوا صوتك، حتى لو كلمة واحدة بس..
ظلت كما هي، كتب ملاحظة أخرى، وقال بهدوء: طب ورشدي؟؟ موحشكيش.
صمت.
تابع محاول استفزازها: رشدي كمان كل يوم هنا، نفسه يدخل يشوفك، حتى لو هتفضلي قاعدة ساكتة كده، بس طبعا إحنا مانعينه، لإننا عارفين إن وجوده بيضايقك.
ظل يراقب ملامحها بدقة، وأكمل بهدوء: طب مش عايزة تقولى حاجه..
صمت ثم أكمل بهدوء: عارفة؟ أوقات الكلام بيداوي، والناس إللي بتحبنا متستحقش إنها تتعذب بسبب حد تاني وجعنا..
ظل ينظر إليها، وقال متعمدا استفزازها: يعني أنتِ دلوقتي حطيتي باباكي، وإخواتك، وتقى، ولمياء صاحبتك، كلهم في كفة واحدة مع رشدي، بما إن رشدي وهو سبب جعك، فقررتي تعاقبي الكل..
مال بجسده قليلا يراقب أي رد فعل: رغم إن شكله بيحبك جدا، وكل يوم بيقف بالساعات يبصلك من ورا الإزاز، ومبيرضاش يمشي غير بالعافية، ده مرة هدد أفراد الأمن بالمسدس عشان يدخل يشوفك، ولولا إننا فهمناه إن ده هيضرك كان عمل كارثة..
تنهد وتابع: أنا فاهمه كويس، أصل الحب ساعات بيعمل كده، بيعمي صاحبه، ويخلي ردود أفعاله مش متزنة..
صمت لحظة قبل أن يضيف بحسم: لكن أنتِ زعلتيني منك يا مي..
كان يعلم أن كلماته ستصيب هدفها: كان لازم تكوني أقوى من كده، على الأقل علشان متوجعيش الناس اللى بتحبك، إللي بتعمليه ده اسمه هروب، وأنانية وضعف.
وفجأة، حركت عينيها نحوه لأول مرة فقد استطاع استفزاها، خرج صوتها مبحوحا، وكأنه يخرج بصعوبة من بين ركام الألم: أنا... أنانية؟
نظرت إليه بمرارة: بعد كل إللي صبرت عليه، واتعمل فيا، أنا أنانية؟
ارتسمت ابتسامة رضا على وجه، وقال: عظيم، أنا من البداية كنت شايف إن أنتِ إللي واخدة قرار إنك متتكلميش..
ثم أردف وهو ينظر إليها بثبات: واضح إنك فاهمة في علم النفس، وعارفة أعراض الانغلاق النفسي، واخترتي تدخلي فيه بإرادتك..
أخفضت عينيها للحظات، وقالت بصوت متعب: أنا معرفش إمتى رجعت، في البداية فعلا مكنتش شايفة، ولا سامعة أي حاجة..
صمتت لحظة، وأكملت: بعد كده بقيت سامعة وشايفة، حسيت إن الأحسن إني أفضل ساكتة.
سألها بهدوء: ليه؟
ضحكت ضحكة باهتة، خالية من أي حياة: عشان عارفة إللي هيتقال..
عدت على أصابعها وهي تتحدث بمرارة:
ـ كان اختيارك.
ـ متزعليش.
ـ أنسي.
ـ بكرة أحسن.
ـ هتبقي أقوى... وهتتخطي.
هز رأسه بتفهم، وقال بهدوء: أنا عارف إن الوجع إللي جواكي أكبر من أي كلام ممكن يتقال..
هزت رأسها بعنف، والدموع تلمع في عينيها: لا أنت مش عارف حاجه..
خرج صوتها مبحوحا، لكنه كان يحمل كل الألم الذي خنقها: أنت عارف يعني إيه تكون مأمن لحد، وبتحبه لدرجة لو قالك: "لفيت الكرة الأرضية في ساعة" تصدقه؟
ابتسم شريف ابتسامة حزينة، بينما أكملت هي بإنهيار: تبقى مأمن بيه أكتر ما أنت مؤمن بنفسك، مصدقه في كل حاجة، ومسلم له روحك... وفجأة تكتشف إنك كنت موهوم بإرادتك، الحقيقة كانت قدامك طول الوقت... بس إنت إللي اخترت تعيش الكذبة... اخترت تبقى مغفل ومخدوع.
توقفت لحظة، ثم همست بصوت مرتجف: ولما الحقيقة تخبطك مرة واحدة، بتبقى أكبر من قدرة الإنسان على الاحتمال، أنا مكنتش عايزة أرجع، كان نفسي أفضل هناك، في المكان إللي عقلي خدني له، مكنتش شايفة... ولا سامعة... ولا حاسة بحاجة، كأني كنت في غيبوبه، مكنتش عايزة أفوق لإن الصحوة معناها إن الكابوس حقيقي.
ساد الصمت لثواني، قبل أن يقول شريف برفق: أنا مش هقولك أنسي، ولا هقولك متزعليش، ولا هقولك بكرة أحسن، الوجع ده حقيقي، ومن حقك تعيشيه، لكن الهروب عمره ما كان علاج.
رفع نظره إليها وأردف بهدوء: المواجهة مش معناها إنك تسامحي، ولا إنك تنسي، المواجهة معناها إنك تستردي نفسك من إللي كسرك، إنك تبقي أقوى من الشخص إللي سببلك الوجع..
أشار برأسه نحو باب الغرفة: الناس إللي بره دول ملهمش ذنب، هما مش مستنيين منك تبرري ولا تحكي، كل إللي نفسهم فيه إنهم يعرفوا إن مي لسه موجودة، وإنها لسه بتحارب.
ابتسم ابتسامة هادئة، وتابع: خدي وقتك، لكن أوعي تسيبي الوجع يعاقب الناس إللي بتحبك بذنب شخص واحد، لإن ساعتها، هو هيكون كسب مرتين.
أخفضت عينيها، فأكمل بعقلانيه: واختيارك حتى لو كان غلط، فافتكري إن ربنا سبحانه وتعالى خلق الدنيا صح وغلط، وجنة ونار، وكان عارف إننا بشر وخطاؤون، علشان كده فتحلنا باب التوبة، وباب الرجوع والتعلم.
ابتسم ابتسامة خفيفة وواصل: مش عيب أبدا إن الإنسان يختار غلط، بالعكس... أوقات كتير بنعرف قيمة الصح بعد مانتوجع من الغلط، بنتعلم، وبننضج، وبنبقى أقوى.
ثم نظر في عينيها مباشرة: وصدقيني، ربنا مبيوزعش الوجع عشوائي، كل ابتلاء بيكون على قدر صاحبه، يمكن مش هتقدري تتخطيه النهاردة، ولا بكرة، ومحدش هيجبرك، لكن أنا واثق إن اليوم إللي هتقفي فيه على رجلك هييجي.
نهض من مقعده بهدوء: مش هتقل عليكي أكتر من كده النهارده، أنا مبسوط إنك اتكلمتي، كل إللي هطلبه منك إنك مترجعيش للانغلاق النفسي تاني..
إتجه نحو الباب، ثم استدار إليها: وهستأذنك أطمن باباكي وإخواتك إنك اتكلمتي.
هزت رأسها بخفة، وقالت بخفوت: بس، مش عايزة أشوف حد.
أومأ بتفهم: مفيش مشكلة، مش هنجبرك على مقابلة أي حد لحد ما تكوني مستعدة. إحنا هنا علشان نساعدك، مش علشان نضغط عليكي.
ثم خرج من الغرفة في هدوء، تاركا لها المساحة التي تحتاجها.
♥️____________بقلمي_ليلة_عادل.
((بعد أسبوع ))
الساحل الشمالي،12ظ
توقفت سيارة مصطفى أمام الفندق، فأطفأ المحرك، ثم ترجل منها واتجه إلى صندوق السيارة، أخرج حقيبتين صغيرتين، ثم أغلقه، بينما كانت آلاء تقف إلى جواره تنظر إلى الفندق بإعجاب.
قالت بابتسامة: المكان شكله حلو أوي.
ابتسم، وناولها حقيبتها: يلا، عشان نسجل الدخول ونلحق نرتاح شوية قبل المؤتمر.
تحركا معا إلى داخل الفندق، حتى وصلا إلى مكتب الاستقبال.
ابتسم موظف الاستقبال باحترام، ثم نظر إلى شاشة الحاسب: أهلا بحضرتك، الاسم؟
اجابه: دكتور مصطفى عبد الحميد.
أخذ الموظف يبحث لثواني، قبل أن يبتسم قائلا: تمام يا فندم، الحجز موجود، دكتور مصطفى، وحرمه، غرفه سرير واحد!!
تجمد الأثنان في مكانهما، وتمتم مصطفي باستنكار: نعم؟
أعاد الموظف النظر إلى الشاشة: أيوه يا فندم، غرفة باسم حضرتك وحرمك.
قطب مصطفى حاجبيه، وقال بهدوء: أكيد فيه حاجة غلط، أنا كنت مبلغ إننا محتاجين أوضتين.
بدأ الموظف مراجعة البيانات مرة أخرى، ثم رفع رأسه بأسف: للأسف يا فندم، الجهة المنظمة هي إللي بعتت بيانات الحجز، والمسجل عندنا غرفة واحدة فقط.
تنهد مصطفى بضيق: طب فيه أوضة تانية؟
هز الموظف رأسه نفيا: للأسف الفندق كامل بسبب المؤتمر
سالته آلاء: طيب أي فندق قريب؟
اومأ بأسف: دورنا قبل كده لأكتر من ضيف، وكل الفنادق إللي حوالينا تقريبا كاملة لنفس السبب.
ساد الصمت لثواني.
ثم قال الموظف معتذرا: ممكن بعد المؤتمر نحاول نشوف لو حصل إلغاء لأي حجز، أو فضيت أي غرفة.
تنهد مصطفى مرة أخرى: تمام... شكرا.
ابتعدا عدة خطوات عن مكتب الاستقبال.
التفتت إليه آلاء بتوتر واضح وهمست: هنعمل إيه؟
مرر يده في شعره مفكرا: مش عارف.
ظل صامتا لحظة قبل أن يكمل: تعالي نستنى لحد ما المؤتمر يخلص، يمكن يلاقوا حل، ولو معرفوش، نرجع القاهرة.
نظرت إليه باستغراب: نرجع؟
هز رأسه بإيجاب: آه، أنا معنديش مشكلة، أنا أصلا متعود أسافر من إسكندرية للقاهرة في نفس اليوم، ده بيحصل معايا أكتر من مرة في الأسبوع.
تنفست ببطء، لكن التوتر ظل واضحا على ملامحها، بينما كانت تشعر بخجل شديد من الموقف كله.
ابتسم لها ابتسامة مطمئنة، متفهم خجلها، وقال محاولا تخفيف ارتباكها: يلا بلاش نفكر في الموضوع دلوقتي، تعالي نطلع الأوضة نغير هدومنا ونجهز، فاضل حوالي ساعات على بداية المؤتمر.
أومأت برأسها في صمت، ثم حملت حقيبتها، وسارت إلى جواره نحو المصعد، بينما ظل التوتر يخيم على كل خطوة يخطواتها.
دخلا الغرفة بعد أن فتح لهما عامل الفندق الباب، ثم حمل الحقائب ووضعها في أحد الأركان.
أخرج مصطفى بعض النقود وأعطاها له: اتفضل.
ابتسم العامل شاكرا، ثم غادر وأغلق الباب خلفه.
ساد صمت قصير.
وقفت في مكانها تعبث بطرف بلوزتها في توتر واضح، بينما كانت تتجنب النظر إليه.
لاحظ مصطفى ارتباكها، فابتسم ابتسامة هادئة: بقولك إيه؟! أنا هدخل آخد دش سريع وأغير هدومي.
ثم أشار إلى الحمام وأضاف: وأنتِ براحتك، غيري هدومك أو أعملي إللي يريحك، ولما تخلصي خبطي على الباب علشان أعرف أخرج.
رفعت رأسها وقالت: يعني أجهز من دلوقتي؟
نظر إلى ساعته، ثم هز رأسه: لسه بدري فاضل حوالي ساعتين، ألبسي أي حاجة مريحة، نقعد نشرب حاجة أو ناكل لقمة، وبعدها نبقى نجهز للمؤتمر، ولا إنت من إللي بيقعدوا 10ساعات قدام المراية..؟
تبسمت بخجل: حاضر.
دخل الحمام وأغلق الباب.
أما آلاء فظلت واقفة لثواني، ثم أخرجت هاتفها، واتجهت إلى شرفة الغرفة المطلة على البحر، وقفت تتأمل الأمواج للحظة، ثم أجرت اتصالا بوالدتها: أيوه يا ماما...
جاءها صوت والدتها: عامله ايه يا حببتي؟ وصلتوا؟
تنهدت وأجابت: أيوه، بس حصل موقف وحش أوي.
قلقت انهار: خير؟ إيه إللي حصل؟
بدأت تروي لها ماحدث، وكيف اكتشفا أن الحجز لغرفة واحدة فقط، وما إن انتهت، حتى سمعت ضحكة انهار: يا بنتي! كل ده عاملك أزمة؟
آلاء بخجل: يعني أنتِ شايفة الموضوع عادي يا ماما؟
ضحكت مرة أخرى: طبعا عادي، ده جوزك.
نفخت بضيق: يعني إيه جوزي يا ماما؟! هو إحنا لحقنا؟ كل ده بالنسبالي لسه جديد.
انهار بحنان: يا آلاء، إنتِ متجوزاه على سنة الله ورسوله، وكل الناس عارفة إنه جوزك، وبعدين مصطفى شكله راجل محترم وابن أصول. هو هيعملك إيه يعني؟
ظلت صامتة، فأكملت انهار: بطلي توتر، وريحي دماغك دى شويه، مش قالولكم إنهم هيحاولوا يوفروا أوضة تانية بعد المؤتمر، لو لقوا يبقى خير، ملقوش يبقى يوم وهيعدي.
آلاء بتوتر: أيوه... بس برضو..
قاطعتها مبتسمة: مفيش "بس". روحي ارتاحي، وكلي لقمة، واستعدي للمؤتمر، وربنا يعدي اليوم على خير.
ابتسمت آلاء أخيرا: حاضر يا ماما.
أغلقت المكالمة، ثم أخذت نفسا عميقا وهي تنظر إلى البحر، محاولة أن تهدئ ارتباكها قبل أن تعود إلى داخل الغرفة.
القاهرة.
المنزل الذي تمكث به صافيناز،1ظ
كانت تجلس على الفراش تضم ركبتيها إلى صدرها، شارده في نقطه معينه في الفراغ، وكان واضحا أن مفعول العقاقير التي كانت تتناولها قد بدأ يزول، لكن عقلها كان لايزال غارقا في فوضاه.
وبعد لحظات، فتح الباب، ودخل سليم.
ما إن رأته حتى نهضت مسرعة واتجهت نحوه، تقول بلهفة واضطراب: سليم، أنا عايزة أمشي من هنا.
نظر إليها من أعلى إلى أسفل لوهلة، قبل أن يقول ببرود: أنتِ هنا علشان تبقي أحسن.
هزت رأسها: لا مش أحسن.
اقتربت منه وهمست بجوار أذنه: أنا خايفة!
عقد حاجبيه: خايفة من إيه؟
اتسعت عيناها وهي تنظر حولها بفزع: لحسن الناس اللي كانوا عايزين يقتلوني يرجعوا تاني.
أجابها بهدوء: الحراس واقفين بره، محدش هيقدر يقرب منك، ولا يوصلك وانتِ هنا.
لكنها هزت رأسها بإضطراب: لا هييجوا... لازم أمشي من هنا قبل مايعرفوا مكاني.
زفر بهدوء، ثم قال بمهاوده: حاضر، بس الأول لازم تكملي علاجك، ولما تبقي أحسن هخرجك بنفسي.
نظرت إليه برجاء وضعف: طب عالجني في القصر هم هيستنوك تمشي ويقتلوني.
خفض رأسه حتى أصبح في مستوى نظرها، وتساءل بهدوء محاولا استدراجها: مين دول اللي عايزين يقتلوكي، وليه؟
ابتلعت ريقها، وأخذت تنظر حولها بخوف، وكأنها تخشى أن يسمعها أحد: كلهم...كلهم كانوا عايزين يقتلوني.
ثم انتفضت فجأة وهي تنظر ناحية الباب: ششش، أوعى تتكلم بصوت عالي، هيعرفوا إن قولتلك، هييجوا يقتلونا إحنا الاتنين.
هز راسه باختناق: لا فوقي بقي ابوس ايدك، مفيش وقت لجنانك ده!
حركت عينها باضطراب: كمان عماد..عماد حبيبي جالي بس هما مشوه.
حك خده بضيق، وقد أدرك أن الأمر أصعب مما توقع، فما زالت غارقة في عالمها، بعيدة عن الواقع.
شرد لثواني، ثم لمع شيء في عينيه، وكأنه اهتدى إلى فكرة.
رفع عينه إليها وقال بنبرة بنبرة خبيثه: بس عماد مجاش أصلا علشان يمشي! مسألش عليكي حتي..
تحركت عيناها، وارتجفت شفتاها بتوتر، لكنه واصل الحديث بالنبرة نفسها: أنا لو مكانه، ومراتي عملت عشاني كل ده، كنت هبات على باب أوضتها، لحد ماتخف وتفوق، تفتكري ليه عماد مجالكيش خالص؟
رفعت عينيها إليه باضطراب، وهمست: هما...منعوه؟ علشان يقتلوني!
زم شفتيه بأسف مصطنع: لا محدش منعه، هو اللي سافر وسابك لوحدك!
اتسعت عيناها بعدم تصديق: سافر؟
أومأ بخبث فقط استطاع لفت نظراها: أمم...مع سارة!
رددت بعدم وعي: ساره!!
مد وجهه بتأثر مصطنع، وظل يراقب انفعالات وجهها للحظه، قبل أن يقول بجدية وكأنه يعرف جيدا متى يضغط على أعصابها: صافي أنا عرفت حاجة، وعايزك تمسكي أعصابك.
أمسكها من ذراعها وأجلسها على الكرسي، كي يزيد التوتر داخلها ويعرف كيف يتلاعب بها: لازم تعرفي اللي عرفته، انا عارف إن وهو صعب، بس المهم إننا عرفنا الحقيقة، حتى لو بعد سنين، على الأقل متبقيش مغفلة طول عمرك.
رفعت عينيها إليه في حيرة: في إيه يا سليم؟ بتقول كده ليه؟
تنهد وقال بشيطانيه: أصل، عرفت إن عماد متجوز عليكي سارة صاحبتك!
اتسعت عيناها بصدمة، وانتفضت واقفة: أنت كذاب!
رفع حاجبه متعجبا بتمثيل: أنا كذاب؟
صاحت بثقه: أيوه! طبعا كذاب! إيه اللي بتقوله ده؟ عماد يتجوز عليا...وسارة؟ مستحيل.
ضحك بسخرية: ليه؟ مش من فترة جالك صور ليهم مع بعض، ولا انت صدقتي إنه شافها صدفه زى ماقالك؟ تبقي غبيه!
توترت واضطربت ملامحها للحظه، ولكنها هزت رأسها بعنف: انت بتكذب، أنا مش مصدقاك، عماد حبيبي مستحيل يعمل كده، انت اللي مانعه عني عشان بتكرهني وعايز تاخد الكرسي لوحدك.
ظل ينظر لها بابتسامه، ثم تنهد واومأ براسه، وهو يخرج هاتفه ثم توقف جانبها و قرب الشاشة من وجهها: عندك حق... أنا كذاب.
بدأ يقلب الصور أمامها واحدة تلو الأخرى وهو يقول بسخرية لازعه: وعشت حياتي كلها كذب، كذبت على إخواتي، وعملت اتفاقات مع مراتي عليهم، وفي الآخر سابتني واتجوزت غيري، ومش بس كده، حطتلي حبوب هلوسة عشان أوصل للانتحار..
كانت عيناها تتحركان بين الصور، ووجهها يفقد لونه تدريجيا.
صور لعماد وسارة في أوضاع لا تترك مجالا للشك.
سليم ببرود: ولو الصور دي مش كفاية، بسيطه نتفرج علي ده سوا...
أمسك الريموت وفتح الشاشه فظهر عليها ذلك المقطع الذي التقطه عرفان من قبل في أحد لياليهم الخاصه.
اتسعت عيناها ولم تكن تصدق ما تراه، بينما القي هو عليها نظره ساخره: هسيبك بقي تستمتعي بصولات وجولات عمده مع الانتيم، واجيلك كمان شوية تقوليلي رأيك، انجوي يا صافي.
قال كلماته وغادر وأغلق الباب خلفه بالمفتاح، بينما بقيت هي تحدق في الشاشة بذهول وعينان متسعتان لا تصدق ما تراه، وفي خلال ثواني، تعالت صراخاتها بغضب ورفض واضطراب وأخذت تحطم في الغرفه والشاشه وكل ما تطاله يداها وهي تصرخ بقهر واضطراب.
المستشفى التي تمكث بها مي،2م
خرج راشد وحاتم وحازم من غرفتها، بينما كان رشدي يقف في الممر، ينظر إلى باب الغرفة بعينين تملؤهما الحيرة والاختناق، كل ما كان يتمناه أن يراها ويسمع صوتها، ويعرف ماذا حدث لها؟ فقد مر اسبوع كامل وهو لا يستطيع رؤيتها سوي خلسه من خلف الزجاج.
في تلك اللحظة، اقترب الطبيب شريف: قعدتوا معاها؟
اومأ راشد: حوالي نص ساعة زي ماحضرتك طلبت بس لحد دلوقتي مش عايزه تتكلم ولا تقول مالها؟
ابتسم شريف يطمئنهم: مش مهم إنها تتكلم وتحكي دلوقتي، المهم إنها بدأت تستجيب معاكم، وإن شاء الله واحدة واحدة هتبدأ تتكلم لما تحس إنها مستعدة.
نظر حاتم نحو رشدي بضيق: مش محتاجه تتكلم يا دكتور، الموضوع واضح، هي بتعرف تتكلم معانا كلنا عادى، ماعدا واحد بس مش طايقه تشوفه!
تنهد شريف بهدوء: إحنا من أول لحظة عارفين إن رد فعلها مرتبط بأستاذ رشدي، لكن هو نفسه واضح إنه مش فاهم عمل إيه؟ فطبعا مهم إنها تتكلم بس في الوقت اللي هي تختاره، الضغط عليها هيأذيها أكتر، مي إنسانة حساسة وواضحه إنها مجروحة، فسيبوها براحتها.
أومأ راشد بحزن: أهم حاجة عندي إنها ترجع كويسة، أي حاجة تانية متفرقش.
بينما كانوا يتحدثون، كان رشدي يقف بعيدا يستمع لكل كلمة، وقلبه يزداد اختناقا
حك مؤخرة رأسه بعصبية، واستغل انشغال الجميع، وعاد بظهره نحو غرفتها بخطوات سريعه.
فتح الباب في لحظة... ودخل قبل أن ينتبه إليه أحد.
كانت مي تجلس على الأريكة شاردة، تنظر أمامها بلا تركيز.
وما إن وقع بصرها عليه، حتى اتسعت عيناها.
أما هو، فلم يشعر إلا بشوقه، ركض نحوها بسرعة: مي..
ضمها بقوة وهو يقول بصوت مرتجف: وحشتيني أوي، قوليلي إيه اللي حصل؟ أنا عملت إيه زعلك بالشكل ده؟ فهميني، إحنا كنا كويسين، إيه اللي اتغير فجأة؟
ابتعد عنها قليلا وهو ينظر في عينيها برجاء: أنا عارف إني غلطت معاكي قبل كده كتير، لكن الفترة الأخيرة والله ماعملت حاجة، ايه اللي حصل فهميني أنا عملت إيه؟ مش كنا متفقين نسافر سوا؟
ظلت تحدق فيه بجمود، وكأنها تحاول إجبار عقلها على مواجهة حقيقة لم يكن مستعدا لها.
ثم... تبدلت نظرتها بالكامل.
لم تعد ترى رشدي زوجها، بل رأت ذلك الوجه الذي شاهدته في الفيديوهات... الوجه الذي هدم كل ما آمنت به، وحول حبها وثقتها إلى كذبة..
جزت على أسنانها، وارتجف جسدها من شدة الغضب، ثم رفعت يدها وصفعته بقوة على وجهه.
مي بصراخ: اطلع بره!... اطلع بره...مش عايزة أشوف وشك!
راحت تدفعه بكل قوتها بعيدا عنها.
بينما تجمد رشدي مكانه، واضعا يده على خده، ينظر إليها بصدمة: طيب... ماشي... بس فهميني، عملت إيه؟ قوليلي أنا غلطت في إيه؟
صرخت وهي تبكي: أنا مش عايزة أعيش معاك! عايزة أطلق منك!
ثم أكملت بنبرة يملؤها الاحتقار: أنا كنت غلطانة لما فكرت أتجوز واحد زيك..
ارتجف صوته وهو يسألها: ليه بتقولي كده؟
ضحكت بسخرية ممزوجة بالبكاء: دي الحقيقة اللي كنت رافضة أشوفها.
ثم أشارت إليه بإصبعها وهي تقول بحدة: أنت واحد مدمن وضعيف وجبان، بتعلق ضعفك على أي حاجه، لكن الحقيقة إنك أنت اللي الضعيف، أنت اللي اخترت الطريق القذر ده، لأنك إنسان قذر!
بدأت دموعها تنهمر بغزارة، لكنها لم تتوقف: تستاهل تعيش لوحدك، لأنك متستاهلش يبقى في حد يحبك أو يقف جنبك..
أشارت لنفسها بمرارة: وأنا...أنا كنت مجنونة لما فكرت إنك ممكن تتغير..
تذكرت كلمات الطبيب، فقالت بصوت مكسور: الدكتور قالي كلمة "هو سرق منك كام شهر بالكدب، ليه تسيبيه يسرق باقي عمرك بالحزن؟ وعنده حق، ليه أضيع عمري على واحد زيك؟ ليه أزعل عليك اصلا؟ لا أنا لازم أخرج من حياتك، وأعيش، أتجوز راجل محترم، يعرف يعني إيه أمان، مش واحد زيك.
نظرت إليه بعينين تمتلئان بالقرف، وقالت بحسم: طلقني، أنا مستحيل أعيش مع واحد زيك تاني.
كان يستمع إليها وعيناه متسعتان من الصدمة، لا يصدق مايسمعه، ولا يفهم سبب هذا التحول المفاجئ، لكن وسط كلماتها بدأ يشعر أن الأمر أكبر من مجرد ادمان، هناك شيء ماخفي اكتشفته وأوجعتها حتى حطمتها بهذا الشكل، كل كلمة كانت تؤكد أنها لا تتحدث عن إدمانه فقط، بل عن شيء آخر هز صورته بالكامل في عينيها، وجعلها تنظر إليه وكأنه شخص لا تعرفه.
رشدي باختناق: أنتِ ليه بتعملي فيا كده؟ من حقي أعرف أنا عملت إيه؟
نظرت إليه ببرود مؤلم: هو أنت شايف إن اللي قولته ده مش كفاية يخليني أطلب الطلاق؟
هز رأسه بعنف: كل اللي قولتيه كنتي عارفاه من الأول ووافقتي تكملي، وأنا وعدتك إني هتغير.
قاطعته بسخرية: ومتغيرتش، ولاهتتغير، اللى زيك هيفضل قذر طول عمره!
اقترب منها خطوة، وقال بلهفه وهو يكاد ينهار: لا هتغير، إحنا كنا متفقين نسافر، وأدخل المصحة، ونبدأ من جديد، إيه اللي اتغير فجأة؟
ضحكت ضحكة خالية من أي حياة: اللي اتغير إني اكتشفت إني كنت حمارة لما اخترت واحد زيك، وبعدين أنا حرة، مش عايزة أكمل معاك.
نظر إليها طويلا، وكأنه يبحث في وجهها عن إجابه لكل ما يحدث: يعني صحيتي من النوم فجأة لقيتي نفسك عايزه تتطلقي وتدخلي في الحالة دى؟ بعد كل اللي بينا؟ لا يا مي... في حاجة تانية أنا مش برياله.
اقترب منها أكثر، وعيناه لا تفارقان عينيها: قوليلي عرفتي إيه؟
ارتجف قلبها للحظة، لكنها تماسكت: عرفت؟ هو في حاجة المفروض أعرفها؟
تجمد في مكانه، وشعر بأن الأرض تهتز تحت قدميه، ابتلع غصته: أنا، مقصدش، بس..
قاطعتـه وهي تشير إلى الباب: اطلع بره! أنا مش عايزة أشوف وشك!
ثم صرخت بكل ماتبقى فيها من قوة: وهتطلق منك غصب عنك، أنا بكرهك، وبحتقرك! عارف يعني إيه؟ بكرهك، وبحتقرك!
أخذت تدفعه بكلتا يديها من صدره، وهي تصرخ بانهيار: اطلع بره، مش طايقة أشوفك، ولا أسمع صوتك، اطلع بره، بره!
وفي تلك اللحظة، وصل صوتها إلى الخارج، فركض راشد وأخواتها ومعهم الطبيب نحو الغرفة.
راشد بلهفة: مالك يا مي؟
لكن كلماته توقفت فور أن وقعت عيناه على رشدي.
اتسعت عيناه بغضب: إنت بتعمل إيه هنا؟! اطلع بره!
نظر إليهم رشدي بعناد: محدش يقدر يطلعني بره، دي مراتي.
اقترب منه حازم وهو يكاد ينفجر: هو أنت مبتفهمش؟! هي مش طايقة تشوفك!
صرخت صوت مي وهي تشير إلى الباب: طلعوه برا، مش عايزه أشوف وشه.
هز رأسه بعناد، وعيناه لا تفارقانها: مش قبل ماعرف إيه اللي حصل، إيه اللي عرفتيه خلاكي كده؟
ارتجفت شفتاها، وقالت ببرود موجع: مش هقولك وهسيبك كده قلبك محروق، زي ماحرقت قلبي.
تدخل الطبيب سريعا محاولا تهدئة الموقف: يا مي ممكن تهدي
أجابته بثابت: أنا هادية جدا، ويمكن دي أول مرة أبقى هادية كده، بس خليه يطلع برا!
أجابها رشدي بعناد: مش طالع.
وكاد أن يتدخل أباها وأخواتها، ولكن الطبيب تدخل سريعا وحاول إخراجه قبل أن ينشب عراك آخر: لو سمحت اللى أنت بتعمله دى مينفعش، اتفضل برا لو سمحت.
دفعه بهمجيه قائلا: مش خارج، إنت كمان بتعالجها ولا بتقويها عليا، بقالك اسبوع مانعني أشوفها علشان تملي عقلها بكلام فارغ عني؟! أنت مين مسلطك عليا.. وسع، أنا هنقلها من المستشفي دى
صاحت مي بغضب واحتقار: وأنا مش راحه معاك في حته، ولا طايقه أشوف وشك القذر ده، لو عندك ذرة دمي طلقني واخرج من حياتي بقي.
صاح بعناد: مش هطلقك.
قالت باصرار: يبقي هرفع عليك قضيه خلع!
اتسعت عيناه، وصاح بغضب جهوري وكأنه فقد برجا من عقله: في إيه يا مي؟! متجننينيش! عملت إيه أنا عشان تعملي فيا كل ده؟! قوليلي، إيه اللي عرفتيه؟
لكنها أغلقت وجهها تماما.
لم تجبه.
جلست على المقعد في صمت، تنظر أمامها، وكأنها قررت أن تتركه يحترق بأسئلته، كما احترقت هي بالحقيقة.
صرخ بها وهو يكاد يجن: ردي عليا!
لكنها لم تنظر إليه حتى.
اقترب حاتم منه وقال بحدة: خلي عندك دم بقى واخرج، وورقة طلاقها تيجي بالزوق بدل مانطلقها منك بالعافيه.
رفع الطبيب صوته بحزم: يا جماعة، اللي بيحصل ده مينفعش، أستاذ رشدي، لو سمحت اتفضل بره، حالتها النفسية لسه غير مستقرة، ووجودك دلوقتي هيضرها أكتر.
اوما بعند وهو ينظر لها: مش همشي غير لما أفهم.
الطبيب بهدوء حازم: مش هينفع دلوقتي، لو بتحبها بجد، من فضلك اخرج.
التفت إليها، وعيناه تتوسلان إليها: مي، أرجوكي فهميني حتى أنا عملت ايه؟ من حقي أعرف، قولها يا دكتور... من حقي أفهم أنا عملت إيه؟
رد بتفهم: من حقك تعرف، وهي كمان من حقها تاخد وقتها، هي لسه مش مستعدة إنها تواجه اللي حصل أو تحكيه، والضغط عليها دلوقتي هيأذيها أكتر.
ظل رشدي صامتا لثواني، صدره يعلو ويهبط بعنف، يشعر أن هناك سرا كبيرا يخفى عنه، وأن كل كلمة قالتها تؤكد أنها اكتشفت شيئا قلب حياتها رأسا على عقب.
أغمض عينيه للحظة، ثم هز رأسه باستسلام: حاضر، همشي .. لكن دي مش هتكون آخر مرة، والله ما هرتاح غير لما أعرف مالك، وإيه اللي حصل.
استدار وغادر الغرفة بخطوات مضطربة.
وما إن خرج حتى لكم الحائط بكل قوته، ثم أسند جبهته إليه وهو يحاول التقاط أنفاسه، بينما كانت الأسئلة تمزق رأسه.
داخل الغرفة...
ظلت مي جالسة تتظاهر بالقوة، وفي داخلها كان يتمزق قلبها من الوجع... فما أقسى الخذلان حين يأتي ممن وثقت به ثقة عمياء، وجعلته وطنا وأمانا.
بدأت قوتها تنهار، فارتجفت شفتاها، وانهمرت دموعها بصمت.
اقترب منها راشد، وجلس أمامها: مالك يا بنتي، في إيه؟ عمل معاكي إيه؟
لكنها لم تكن تسمعه.
كانت غارقة داخل ذلك الألم الذي مزقها، تعيش كل مارأته، وكل ماعرفته، وكل ماتهدم بداخلها.
اقترب شريف منها برفق: مي...
وما إن سمعت صوته حتى ارتفعت شهقاتها، والتفتت إلى والدها تبكي بحرقة: بابا... أرجوك... طلقني منه أنا مش عايزة أعيش معاه ولا عايزة أفضل على اسمه ثانية كمان، علشان خاطري يا بابا... طلعني منه، أنا بكرهه وبحتقره.
فتح راشد ذراعيه وضمها إلى صدره بقوة: حاضر حبيبتي، هعملك كل اللي إنتِ عايزاه، اهدي، والله هعملك كل اللي يريحك.
انفجرت في البكاء داخل حضن والدها، بينما وقف أخواها ينظرون إليها بعجز، لا يفهمون ماذا حدث وأوصلها إلى كل هذا الانهيار.
نظر حاتم إلى الطبيب بقلق: يا دكتور هي كده مش محتاجة مهدئ؟
هز شريف رأسه: بالعكس، أنا عايزها تعيش الوجع، وتخرجه من جواها، الكبت هو اللي كان خطر عليها، لكن البكاء، والغضب، والكلام دي بداية المواجهة.
نظر إلى مي وتابع بهدوء: هي بدأت تواجه، ودي أول خطوة حقيقية في العلاج.
♥️___________________بقلمي_ ليلة_عادل.
الساحل الشمالي،2ظ.
جلس مصطفى وآلاء إلى جوار بعضهما، يستمعان إلى المؤتمر بتركيز حتى انتهت آخر فقرة.
ومع إعلان بدء فترة البوفيه، وقفا معا.
مصطفى وهو يفرك يديه: أنا جعان جدا.
آلاء بابتسامه: بصراحة أنا كمان، رغم إنهم وزعوا علينا الصبح سندوتشات، بس حاسة إني جعانة أوي.
ضحك قائلا: طب يلا قبل ما الأكل يخلص.
تحركا معا نحو البوفيه، الذي امتلأ بأصناف شتى من الطعام والحلوى والمشروبات أخذ كل منهما ما يشتهيه، ثم توجها إلى إحدى الطاولات المطلة علي البحر مباشرة.
جلست آلاء تتأمل الأمواج، ثم قالت بابتسامة: المكان هنا حلو أوي.
ابتسم وهو ينظر إلى البحر: حقيقي.
أومأت برأسها، ثم سألته: كده خلاص؟ المؤتمر خلص؟
ابتسم وهو يهز رأسه: لا لسه، ده مجرد بريك، بعد شوية هنرجع تاني.
أومأت بتفهم: لو حابة تقعدي على البحر، ومتكمليش براحتك.
ابتسمت: أنا أصلا استفدت جدا من وجودي هنا، كانت فكره حلوه
تبسم: قولتك.
تبادلا الحديث أثناء تناول الطعام، وبعد أن انتهيا، عادا مرة أخرى إلى قاعة المؤتمر لاستكمال فعالياته.
بعد انتهاء المؤتمر والحفل، اتجها إلى الفندق، لكنهما فوجئا بأن جميع الغرف لاتزال ممتلئة فلم يقم احد بترك غرفته..
تسأل مصطفى: يعني مفيش ولا أوضة فاضية؟
هز الموظف رأسه باعتذار.
زفر بضيق، ثم التفت إلى آلاء: خلاص، نرجع القاهرة خلينا نطلع نجيب الشنط ونمشي.
كاد ان يتحركا، لكن آلاء لاحظت شحوب وجهه وإرهاقه الشديد
توقفت أمامه وقالت بقلق: أنا حاسة إنك تعبان ومش هتقدر تسوق.
هز رأسه سريعا: لا، أنا كويس.
نظرت إليه بعدم اقتناع: لا، إنت فعلا مرهق، بلاش نسافر وإنت بالحالة دي.
تنهد وهو ينظر إليها: بس... أكيد إنتِ هتتضايقي لو قعدنا في أوضة واحدة، وأنا مقدر ده.
ابتسمت ابتسامة خفيفة وهي تهز رأسها: أنا كمان لازم يبقى عندي دم، مش هخليك تسوق وإنت تعبان بالشكل ده، يوم واحد مش هيحصل حاجة.
نظر إليها لثواني، قبل أن يبتسم باستسلام: خلاص زي ماتحبي.
صعدا إلى الغرفة.
دخل مصطفى إلى الحمام ليبدل ملابسه، بينما بدلت آلاء ملابسها في الغرفة وبعد دقائق، طرق الباب من الداخل قبل أن يخرج
مصطفى: خلصتي؟
كانت آلاء تجلس على المقعد تضع طرحتها على شعرها ترتدي بيجامة: آه... أتفضل.
خرج وهو يرتدي ملابس مريحة، ثم تمطى بتعب: مش عارف حاسس إني مرهق اوي مش عارف ليه؟!
آلاء بابتسامه: اليوم كان طويل، أرتاح.
ألتقط إحدى الوسائد وإتجه نحو الأريكة.
آلاء: رايح فين؟
مصطفى: هنام هنا.
نظرت إلى الكنبة، ثم إليه: لا انا هنام هنا نام، أنت على السرير.
هز رأسه: لا طبعا.
عقدت ذراعيها وقالت باعتراض: أنت الطويل والكنبة هتتعبك، أنا أقصر منك، لو حد هينام عليها يبقى أنا.
ضحك بخفة: يا ستي هو انا اشتكيتلك، وبعدين أنا أصلا مش هنام دلوقتي، لسه بدري، انا مرهق بس.
رفع عينيه نحو باب الشرفة: هقعد شوية في البلكونة، الجو شكله حلو.
توقف بالشرفة أخذ نفسا عميقا، والبحر يمتد أمامه. فتح عينيه، ثم التفت إليها وقال بابتسامة: ماتيجي تقفي هنا شوية معايا؟
ابتسمت وتحركت نحوه، ووقفت بجانبه: المنظر هنا حلو أوي.
اومأ: أهو ده بقى الساحل الشرير بتاع الأغنياء.
ضحكت بخفة، وهو زفر بتعب: والله كان نفسي ألف بيكي ونتمشى شوية، بس حاسس إني بقيت راجل ستيني من تعب المؤتمر.
ابتسمت وهي تهز رأسها: خلاص نبقى نيجي مرة تانية.
نظر إليها مبتسما: طب تعالي نتصور صورة.
اقتربت منه، وأخذ هاتفه، وبدءا يلتقطان عدة صور سيلفي وسط ضحكاتهما، وما إن همت بالابتعاد، حتى علقت طرحتها في أحد أزرار قميصه.
آلاء وهي تشدها بخفة: آه استنى، استني... متتحركش.
اقترب منها يحاول فكها بحذر، بينما لم يكن يفصل بينهما سوى سنتيمترات قليلة.
كانت تنظر إليه بتوتر، وهو منشغل بالزر.
وفجأة...
انزلقت الطرحة من فوق رأسها وهي تحاول تحريرها، وانسدل شعرها دفعة واحدة على كتفيها وظهرها.
تجمدت مكانها، واتسعت عيناها بخجل، ورفعت يدها بسرعة لتعيد الطرحة.
لكنه سبقها وأمسكها برفق: استني ثانية.
رفعت عينيها إليه، فابتسم وهو يتأملها للحظة، ثم قال بصوت هادئ: أنتِ مكسوفة ليه؟
ازدادت وجنتاها احمرارا: عشان...
قاطعها مبتسما: على فكرة أنا جوزك، ومش بقولك أقلعي الطرحة، بس متتوتريش مني بالشكل ده.
ثم نظر إلى شعرها وقال بإعجاب صادق: شعرك جميل أوي يا آلاء.
ارتعشت شفتاها من الخجل، ولم تستطع النطق.
ابتسم وهو ينظر إليها، وقال بصوت خافت: إنتِ كمان شكلك حلو أوي.
رفع يده بتردد، ولمس غمازتها بطرف إصبعه، وهو يضحك بخفة: وغمازاتك دي حكاية لوحدها.
شعرت بحرارة تتسلل إلى وجنتيها، وبرودة غريبة تسري في أطرافها لم تكن تعرف أين تنظر، فأكتفت بخفض عينيها وهي تبتسم بخجل.
ظل يتأملها للحظات، لأول مرة يراها بهذا القرب، من دون حجاب، وشعرها منسدل حول وجهها، وعيناها تهربان منه كلما التقتا بعينيه.
همس دون أن يشعر: إزاي مخدتش بالي إنك جميلة كده؟
رفعت عينيها إليه ببطء، والتقت نظراتهما لثواني طويلة، حتى بدا وكأن صوت البحر أختفى من حولهما.
ابتلع ريقه، ثم اقترب خطوة واحدة فقط، وكأنه ينتظر منها أن تبتعد، لكنها لم تتحرك.
تردد للحظة، ثم مال برأسه قليلا، ووضع قبلة هادئة على شفتيها..
اتسعت عيناها بصدمه، وتجمدت للحظة، قبل أن تستسلم للمشاعر التي باغتتها، فتبادله القبلة بخجل شديد، لثواني معدودة.
ظل هكذا لبضع ثواني، قبل ان يعود مصطفي لوعيه فجأه ويبتعد سريعا.
ظل الأثنان ينظران إلى بعضهما في صمت، لا أحد منهما يعرف ماذا يقول.
ثم أطرقت رأسها بخجل، وأسرعت نحو الحمام، وأغلقت الباب خلفها، وهي تضع كفيها على وجهها من شدة الخجل.
أما مصطفى فظل واقفا مكانه، يمرر يده في شعره بعصبية، وضرب بكفه على سور الشرفة يلوم نفسه: يا نهار... أنا عملت ايه؟
اقترب من باب الحمام وقال بصوت مرتبك: آلاء
رفعت عينيها نحو الباب بتوتر وخجل لكنها لم ترد
شعر بتوتر شديد عندما لم يسمع منها أي رد.
ظل واقفا أمام باب الحمام للحظات، ثم قال بصوت خافت يملؤه الندم: أنا آسف، لو زعلتك، حقك عليا.
تنهد وهو يمرر يده في شعره بعصبية: يا ريت متكونيش افتكرتي إني استغليت إننا لوحدنا، وإن دي كانت فرصة بالنسبة لي، صدقيني معرفش إللي حصل ده حصل إزاي؟!
صمت لحظة، ثم أكمل بصوت أكثر خفوتا: ارتاحي براحتك وأنا هنزل تحت.
لم ينتظر ردها.
ألتقط مفاتيحه وخرج سريعا من الغرفة، وكأنه يهرب من نفسه قبل أن يهرب منها.
بعد لحظات، فتحت آلاء باب الحمام بحذر، وأخرجت رأسها أولا، ثم نظرت حولها.
لم تجده.
عقدت حاجبيها باستغراب وهمست: هو... مشي بجد؟
خرجت ببطء، ثم جلست على طرف الأريكة، رفعت أصابعها إلى شفتيها، ولمست مكان قبلته بخجل، فارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة، سرعان ما أخفتها.
لم تكن غاضبة...
ولم تشعر لحظة أنه استغل وجودهما وحدهما، كل ماحدث أنها ارتبكت، وخجلت من نفسها، ومن قربه، ومن تلك المشاعر الجديدة التي لم تختبرها من قبل.
لكنها، في المقابل، بدأت تخشى أن يكون ماحدث مجرد اندفاع منه، لحظة ضعف لرجل وجد نفسه قريب من امرأة أصبحت زوجته على الورق لا أكثر.
أما مصطفى...
فكان يسير بجوار حمام السباحة بخطوات بطيئة، واضعا يديه في جيبيه، بينما يلوم نفسه بلا توقف.
صحيح أنها زوجته شرعا، لكن زواجهما كان اتفاقا منذ البداية، ولم يكن يريد أبدا أن تشعر بأنه استغل هذا الاتفاق أو استغل وجودهما في غرفة واحدة.
أغمض عينيه وهو يزفر بقوة.
لكن ولأول مرة، اعترف لنفسه بالحقيقة التي كان يهرب منها، لقد وقع في حبها، وحدث ما حدث.
لذلك خرج؛ لأنه خاف أن يرى في عينيها نظرة احتقار، أو خوف، أو اتهام بأنه مثل أي رجل يستغل امرأة في لحظة ضعف.
المنزل الذي تمكث به صافيناز،3ع.
كانت صافيناز منهارة تماما، تجلس في منتصف الغرفة تبكي وتصرخ، وكل شيء حولها محطم.
كان سليم يراقبها عبر الكاميرات، نظر إلى ساعته وقال لمكي: كفاية عليها ساعتين، هدخلها.
أخذ نفسا عميقا، ثم اتجه إلى غرفتها، على أمل أن ينتزع منها أي معلومة صغيرة تقوده إلى الحقيقة.
دخل وجال بعينيه في الغرفة، متأملا الفوضى التي أحدثتها، ثم علق بسخريه: كسرتي الاوضه والشاشه كمان!! تؤ تؤ تؤ، علي فكره الاوضه دى مكلفاني كتير اووى، بس مش مهم فداكي ياصفصف.
رفعت عينيها إليه ببطء، بأنفاس متقطعه من شدة الغضب، بينما ظل هو ينظر إليها ببرود.
مال بجسده نحوها حتى أصبح وجهه قريبا من وجهها، ثم قال بابتسامة مستفزة: مقولتليش صحيح إيه رأيك في أداء عمده؟ هو بيكون معاكي كده برضو ولا الانتيم اسبشيال؟
نهضت تصرخت بغضب: أنا عايزه امشي من هنا، هقتله، والله لاقتله الحقير.
كادت تركض نحو الباب، لكنه أمسكها من ذراعها، وأعادها للخلف بسهولة: على فين بس؟ لسه مخلصناش كلامنا.
ابتسم باستفزاز وأردف: أنا لسه مورتكيش صور عياله...
مال برأسه وتابع: أصل عماد متجوز سارة من زمان أوي... من قبل ما يتجوزك بحوالي سنتين.
ضحك بسخرية: طلع واد ثعلوب فعلا علي رأي رشدي.
اتسعت عيناها بصدمة: أنت بتقول إيه؟!
سليم ببرود قاتل: اللي سمعتيه، وده لسه ولا حاجة، عماد عنده بلاوي أكتر من كده بكتير.
اقترب منها خطوة، وأضاف وهو يتعمد غرس كل كلمة في قلبها: هو اللي كان بيحطلك حبوب الهلوسة، عشان تنتحري.
انفجرت، وتحولت ملامحها إلى غضب هستيري: هقتله، والله العظيم هقتله! وهقتلها هي كمان! هولع فيهم الاتنين، يتجوز عليا أنا؟!
نظر لها من اعلى لاسفل بتقليل مستفز: تقتلي مين بس؟؟ شوفي نفسك دلوقتي يا صافي، هو أنت قادرة تمسكي كوباية علشان تقتلي فرخه حتي!
قالت بأنفاس مضطربه: بابي هينتقملي منه، ومامي مش هتسيبه.
ضحك بسخرية لازعه: هو حد فاضيلك ولا سائل فيكي اصلا؟ بابي دلوقتي غرقان في إنقاذ امبراطوريته، ومامي دى مش بتفتكر اننا ولادها إلا لما حد فينا يحصله حادثه كبيره بس..!
صمت لحظة، ثم أكمل ببرود، متعمدا أن يدفعها إلى حافة الجنون: وبعدين أصلا... عمده مش هنا، خد الإنتيم وخلع على روما، بعد ما نقل كل أملاكك للعيال اللي مش ولادك، علشان لما يوصلك للانتحار، يورثك من غير ما حد يشك، مش بقولك طلع ثعلوب.
ابتسم ابتسامة جانبية وأضاف: وعلى فكرة... هو عارف إن مريم وزين مش ولادك، وإنك متبنياهم.
اتسعت عيناها بصدمة "كيف عرف ذلك؟"
لكن الصدمة لم تدم طويلا، فقد ابتلعها غضبها من عماد، وأصبحت الفكرة الوحيدة المسيطرة على عقلها هي "الانتقام"
هزت رأسها بعدم تصديق: عماد فيا كل ده ليه؟ أنا حبيته؟ ليه يعمل فيا كل ده؟
انفجرت بضحكة مضطربة امتزجت بالبكاء: خدعني بعد كل اللي عملته عشانه... خدعني! أنا.
زم سليم شفتيه بتصنع: معلش بقى نصيب.
رفعت رأسها إليه، وقالت بلهفة: وأنت هتسيبه يسرق فلوسي؟! لازم تنتقم منه يا سليم!
رفع حاجبه باستغراب مصطنع: أنتقم منه ليه؟
صاحت وهي تقترب منه: علشان أنا أختك!
ضحك بسخرية: من إمتى؟ اعتقد عمر ما كان بينا أخوة ولا حب والكلام ده، طول عمرنا علاقتنا كانت ماشية بالمصلحة وبس!
نظر إليها نظرة ثابتة، وقال مساوما أياها علها تنطق بشيء يساعده: قوليلي سبب واحد يخليني أخاطر بنفسي، وأنتقم من عماد علشانك؟!
وقفت صامتة، تتنفس بسرعة، وعيناها تتحركان بجنون، وكأن عقلها يحاول التمسك بأي شيء.
وفجأة رفعت رأسها إليه، وقالت بصوت مرتجف: انتقم لنفسك...مش عشاني! عماد... عماد هو السبب في كل اللي حصلنا.
حاول الا يظهر لهفته، وفضل الصمت ليدفعها لأن تكمل هذيانها.
ظل يراقبها بصمت، فهزت رأسها بعنف، وواصلت تحاول اقناعه باضطراب: عماد هو... هو اللي عمل كل حاجة... هو اللي خلى رشدي يدمن.. وهو اللي دمرني... وهو...
توقفت لحظة، ثم شهقت فجأة وهي تصرخ باضطراب: وهو اللي قتل بنتك! بنتك متولدتش ميتة يا سليم... بنتك اتولدت عايشة.
ساد صمت ثقيل للحظه، قبل ان يطلق سليم ضحكة ساخره: أنتِ رجعتي تهلوسي تاني ولا ايه؟ ما كنا ماشين حلو.
نظر لها باستهزاء وهو يقول بخبث: عايزة تلبسي عماد أي مصيبة وخلاص؟ قولي حاجة تعقل حتي...قولي مثلا إنه اتفق مع المافيا، إنما بنتي اتولدت عايشة وهو قتلها؟! متخلش عليا يا صافي!
هزت رأسها بعنف، واقتربت منه وهي تبكي بإصرار: والله ما بكدب... ولا بهلوس! بنتك اتولدت عايشة... دخلت الحضانة..
كانت الكلمات تخرج منها متقطعة من شدة انهيارها، لكنها كانت تتعمد أن تغرس كل كلمة في قلب سليم، لتؤجج غضبه عمدا، وتدفعه إلى طريق الانتقام، على أمل أن ينتقم لها من عماد: هو... هو راح للدكتور... إداله فلوس... وخدها... واداها لعاطف... عشان يخلص منها.
ارتجف صوتها وهي تكمل: بس هددني... قالي لو اتكلمت هيقتلني... وأنا... أنا خوفت منه... وسكت... وسكتت لحد ما ضاع كل شيء، انت لازم تقتله يا سليم..
اختفت السخرية من وجهه، وشعر وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميه، وهو يطالع تعابير وجهها التي لا يبدو عليها الكذب!
بينما أمسكته صافيناز من كتفيه، وهي تهزه وتصرخ: لازم تنتقم منه يا سليم! عماد هو اللي دمرنا كلنا، دمرني... وخلى رشدي يدمن... وهو اللي لفق قضية ماسة... ماسة بريئة... هو السبب في كل حاجة... وهو كمان اللي قتل بنتك!
انفجرت بالبكاء وهي تردد بجنون: اقتله... اقتله حتى عشان بنتك...!
لم يعد سليم يسمع شيئا، تلاشت صرخاتها، واختفت الكلمات التي تلتها، وكأن العالم كله انقطع صوته فجأة.
لم يبقَ في أذنيه سوى جملتين، تترددان كالصدى "بنتك اتولدت عايشة، وعماد هو اللي قتلها"
تجمد في مكانه، وانحبست انفاسه، وكأن قلبه توقف عن النبض لثواني
وتغلل إلي داخله شعورا بالخوف، من أن تكون صافيناز، وسط كل جنونها، قد قالت الحقيقة!
استوووب