رواية الماسة المكسورة 2 الفصل التاسع والثلاثون 39 ج 2 بقلم ليله عادل


رواية الماسة المكسورة 2 الفصل التاسع والثلاثون 39 ج 2 
بقلم ليله عادل


باقي الفصل  التاسع والثلاثون(2)👇

حملها بين ذراعيه وهبط بها إلي الأسفل، ثم أنزلها أمام السيارة قائلا: أقعدي في العربية دقيقة يا حببتي، هعمل مكالمة صغيرة، وبعدها نروح الملاهي علطول، ماشي؟

أومأت بابتسامه متحمسه: ماشي.

أغلق الباب برفق، وابتعد خطوتين وهو يخرج هاتفه
اقترب منه مكي يقول بابتسامه: مكنتش متوقع إنها تتقبلك بالسرعة دي، اتعاملت معاك كأنها تعرفك بسرعة غريبة. 

زفر سليم ببطء، وظلت عيناه معلقتين على حور: ولا أنا كنت متوقع كده، بس واضح إن المكالمات والجوابات اللى الحاجه إسعاد قالت عليهم خففوا عليها كتير، كأن ربنا كان بيحضرني أنا وهي للحظة دي.

ثم تنهد: المهم دلوقتي لازم أكلم ماسة.

هز مكي رأسه محذرا: أوعى تقولها حاجة، حتى لومتأكد بنسبة 99% .. الـ1% الصغير ده لو خذلك هيقتل ماسة.

أومأ بتفهم: عارف، عشان كده هقولها إن عندي شغل، وهبات بره لحد مانتيجة التحليل تظهر.

سأله: هتبات فين؟

أجابه ببساطه: أي فندق.

مكي بجدية: تمام، أنا خليت صبحي فوق مع الدكتور لحد ما النتيجه تطلع.

ساد الصمت لحظات، قبل أن يقول مكي بتردد: بس يا سليم لو، لو، طلعت مش...

قاطعه بحدة: متكملش.

ابتلع مكي ريقه: أنا قصدي حط احتمال، خايف عليك.

أخذ سليم نفسا عميقا، وقال بثقة لا تعرف الشك: هي بنتي.

خفض صوته وهو ينظر إلى الصغيرة من خلف زجاج السيارة أضاف: مش هقولك الكلام بتاع الأفلام إن قلبي قالي وكده، بس أنا بجد قلبي مال ليها بشكل مش طبيعي، يمكن مشاعر الأبوة لسه مكتملتش جوايا ليها، بس أنا متأكد إنها هتكمل وهحبها أوي.

ربت على كتفه: إن شاء الله خير.

تنهد ثم فتح هاتفه وأتصل بماسة، بعد ثواني جاءه صوتها القلق: ايه يا حبيبي، أنت فين كل ده؟

أجابها بابتسامه مرهقه: معلش يا عشقي عندي شغل.

تسألت بتعجب: شغل ايه؟! مش قولت إنك رايح لصافيناز.

أجابها بمراوغه: روحت بس لسه مش مستعدة تتكلم، مقدرتش أوصل لحاجة، فاضطريت أروح مشوار شغل.

تنهدت: قولتلك العلاج النفسي بياخد وقت، طب هتيجي امتي؟

تردد لحظة، قبل أن يقول: مش عارف، احتمال ابات بره النهارده.

تسألت بقلق: تبات برا ليه؟ سليم أنت مخبي عني حاجه؟ وحياتي قولى فيه ايه؟! متقلقنيش عليك!

ضحك بخفة، محاولا تهدئتها: إيه يا حبيبتى كل القلق ده، والله مفيش حاجه، بس عندى شغل كتير، أنتِ عارفه إني اهملته كتير الفتره اللي فاتت.

ظلت صامته بعدم اقتناع، فأضاف بمرح محاولا تغير الأجواء: وبعدين لازم اهتم بالشغل، ولا عايزه جاسر باشا لما يشرف يلاقي ابوه مفلس! 

ضحكت رغما عنها، ووضعت يدها علي بطنها وقالت بدلال: طب ويهون عليك تسيب جاسر باشا ينام بعيد عن حضنك النهارده.

خفق قلبه بابتسامة حالمة، وهو يتخيل تلك الليلة التي ينام فيها محتضنا زوجته وابنته بين ذراعيه، بينما ينمو طفلهما الآخر في رحمها، في لوحة أسرية دافئة.

سليم بابتسامه نظر لحور: معلش النهارده بس، وبكره هجبله معايا أحلي هديه في الدنيا.

ماسه بغيره محببه: يا سلام! يعني هتجيب هديه لجاسر ومامته خلاص بقي راحت عليها؟ 

أجابها بابتسامه دافئه: مقدرش.

سألته بفضول: طب هتجيب ايه؟ 

أجابها بمراوغه: بكره تعرفي.

تنهدت بقلق: ماشي،  بس وحياتي متأذيش نفسك علشان خاطري، أنا وابننا.

أغمض عينيه وهو يشعر بوخزة في قلبه: وحياتك عندي مابعمل أي حاجة فيها أذى ليا.

تبسمت أخيرا: ماشي خد بالك من نفسك، هكلمك كل شوية أطمن عليك، ترد علطول سامع؟

ابتسم بحنان: حاضر، وأنتِ كمان خدي بالك من نفسك، وكلي كويس، ومتبذليش مجهود.

ضحكت: متقلقش، سعدية قاعدة قدامي، والله بجد دي أشرس منك.

ضحك لأول مرة من قلبه: علشان تقدري قيمتي.

أجابته: آه والله، أنت أرحم بكتير.

همس بابتسامه: مش هتأخر عليكي.

أجابته بدلال: كراملتي هاتلي خوخ وأنت جاي.

ضحك: حاضر.

ردت: سلام.

أجاب بدفئ: سلام يا حبيبتي.
♥️_____________بقلمي_ليلة_عادل.

قصر الراوي،6م

جلست لوجين تلعب مع نالا بألعابها، بينما كان ياسين يجلس بجوارهما يشاركهما اللعب بين الحين والآخر.

وفجأة، رن هاتفه، فنهض قائلا: ثانية واحدة، هرد على التليفون وجاي.

اتجه إلى الشرفة.

بينما ابتسمت لوجين وهي تنظر إلى نالا: إيه رأيك نلعب القطة العمياء؟

قفزت نالا بحماس: أيوة!

أمسكت وشاحا وربطته حول عينيها، ثم بدأت تتحسس طريقها وهي تمد يديها أمامها: فين نالا؟ أنا جاية أهو...

كانت نالا تضحك بصوت عالي، وكلما اقتربت منها لوجين ابتعدت بسرعة، ثم لمست قدمها بخفة وهربت من جديد.

كادت لوجين تمسك بذراعها وهي تقول: مسكتك.

لكن نالا هربت ضاكحه: لااا ممسكتنيش!

انطلقت ضحكاتهما تملأ المكان، لكن فجأة توقفت لوجين وشعرت بأن الأرض تميد تحت قدميها.

رفعت يدها بسرعة ونزعت الوشاح عن عينيها، فصاحت نالا بتذمر: جوجا إنتِ بتخمي.

لكن اسود كل شيء فجأة أمام عينيها، وسقطت على الأرض دون سابق إنذار.

اتسعت عينا نالا، وصرخت بذعر: جوجااا!

ثم ركضت نحو الشرفة وهي تبكي: بابي، بابي، ألحق جوجا!

ترك الهاتف فورا، وركض إلى الداخل.

اتسعت عينا رآها ملقاة على الأرض، ثم اندفع إليها بسرعة: لوجين!

حملها بين ذراعيه ووضعها على الفراش، وربت على وجنتها بخفة: لوجين، أفتحي عينيكي، مالك.

لكنها لم تستجب.

ألتفت إلى نالا بسرعة: هاتي البرفان إللي على التسريحة.

ركضت نالا وأحضرته، فأخذه الزجاجة، ووضع قليلا منها أمام أنفها، وبعد لحظات بدأت تحرك جفونها ببطء، ثم فتحت عينيها وهي تتنفس بصعوبة.

تنهد براحة: الحمد لله، أنتِ كويسة؟ إيه إللي حصل؟

أغمضت عينيها وهي تضع يدها على رأسها: مش عارفة، فجأة حسيت الدنيا كلها بتلف بيا.

وما إن أنهت كلماتها، حتى وضعت يدها على فمها وركضت بسرعه نحو الحمام.

أسرع ياسين خلفها، بينما وقفت نالا عند الباب تنظر بقلق.

انحنت لوجين أمام المرحاض، وأخذت تتقيأ، ثم تحركت نحو الحوض وغسلت وجهها بالماء البارد.

اسندها ياسين برفق: تعالي أرتاحي.

أجلسها على الفراش، وهو ينظر إليها بقلق: هخلي حد يعملك حاجة دافية تشربيها.

هزت رأسها برفض: لا مش قادرة أشرب أي حاجة، عايزة أنام شوية بس.

رد بقلق: طيب نروح للدكتور؟

اومأت برفض: لا مش قادرة، بعدين مش مستاهله تلاقيني خدت برد من التكيف.

ظل ينظر إليها بعدم اطمئنان: طب ارتاحي، ولو التعب زاد هنروح للدكتور فورا.

اقتربت نالا منها، وربتت على يدها: ألف سلامة يا جوجا.

ابتسمت رغم إرهاقها، وربتت على رأسها: الله يسلمك يا حبيبتي.
♥️____________بقلمي_ليلة_عادل.

الملاهي،6م

دخل سليم بخطوات هادئة وهو يمسك يد حور، وعلى وجهه ابتسامة لم تظهر عليه منذ وقت طويل.

كان يشعر بسعادة غريبة، كأنه يكتشف عالما جديدا من خلال عينيها.

سألها بابتسامة: تحبي تلعبي إيه؟

نظرت حولها بحماس، ثم قالت بعينان تلمعان من الفرحة: كلهم!

ضحك عاليا: طب تعالي نلعب كلهم.

وبالفعل أخذها إلى الحصان الدوار أولا، فجلست عليه بسعادة، بينما وقف هو يلتقط لها الصور، ويلوح لها بيده وهو يبتسم، ومكي بجانبه يفعل الشيء نفسه.

كان الحراس منتشرين حولهم كعادتهم، يراقبون المكان، لكن سليم لم يكن يرى سوى حور وضحكاتها.

بعد أن انتهت اللعبة، أخذها إلى لعبة البساط  السحري، ثم جلس بجوارها وأمسكها جيدا حتى لا تخاف.

بدأت اللعبة في الارتفاع، فصرخت من الحماس، بينما كان سليم يراقب تعبيرات وجهها ويضحك.

اقترب منها قليلا وسألها: أنتِ خايفة؟

أجابته بعناد وهي تحاول أن تبدو شجاعة: لا.

ابتسم قائلا: أمال ماسكة فيا ليه؟

ضحكت وهي تتمسك به أكثر: علشان بحبك!

ضحك بصوت عالي، واحتواها بين ذراعيه بعاطفة غامرة، بينما كانت ضحكاتها الصافية تتسلل إلى قلبه، فتملأ فراغا ظل يؤلمه لسنوات.

واصلا التنقل معا من لعبة إلى أخرى، وهو يراقب سعادتها بعينين تلمعان بالحنان، وكأن كل ضحكة منها تعوضه عن أعوام طويلة من الحرمان.

وبالطبع، لم يتمكن من مشاركتها معظم الألعاب، فقد كانت مخصصة للأطفال، لذا اكتفى بالوقوف غير بعيد عنها، يراقبها بابتسامة دافئة، ويلتقط لها عشرات الصور، ويصفق بحماس كلما التفتت إليه ولوحت بيدها الصغيرة.

وفي إحدى المرات، خطفت الهاتف من يده بحماس: هات أصور أنا.

رفعت الهاتف بعفوية، تلتقط صور لنفسها تارة، و لسليم ومكي تارة وهما مع بعض، حتى امتلأ الهاتف بلقطات عفوية وضحكات صادقة لا يمكن تكرارها.

أما سليم فكان يكتفي بالنظر إليها ابتسامة واسعة، وعينان تلمعان بدموع دافئة لم يستطع منعها، فقبل أيام قليلة، كان يبكي بقلب مثقل بالفقد أمام قبر ظنه لها واليوم تقف أمامه تملأ المكان ضحكا، وتملأ قلبه حياة بعد أن ظن أن نصيبه منها قد انتهى.

أي مفارقة تلك، التي تحول الحداد إلى عيد، والفقد إلى معجزة تمشي على قدمين وتناديه "بابا"؟

ربت مكي على كتفه مازحا: أنت كل شوية هتعيط؟! أمسك نفسك يا عم واسترجل شوية.

التفت بعينين دامعتين: أنت بتتريق عليا!

ابتسم ومسح على ظهره: لا والله بهزر، أنا حاسس بيك.

تنهد بسعاده وهو ينظر لحور: حاسس إني بحلم حلم جميل أوى يا مكي، ومش عايز أصحى منه.

ابتسم مكي وهو يشير للصغيرة التي كانت تتأرجح على المرجوحة: لا أنت مش في حلم، بص بنتك قدامك أهي، انبسط وعيش اللحظة.

لوح سليم بيده وهو يناديها: حور تعالي.

عقدت حاجبيها باعتراض: قولتلك اسمي جنة!

ابتسم وهو يقترب منها: وأنا قولتلك، أنتِ ليكي اسمين، حور وجنة.

ثم قرص خدها برفق أضاف: بس أنا بحب اسم حور أكتر، مع إنك جنتي فعلا.

وضعت يديها في خصرها بحركة سوقيه: طب عايز إيه دلوقتي، أنا عايزه العب!

نظر لها متعجبا من طريقتها: إيه الأسلوب ده؟ عيب، اسمها نعم يا بابا.

نفخت وجنتيها: ما أنا عايزة ألعب!

ضحك:خلاص تعالي نلعب لعبة تانية.

هزت رأسها بحماس، وتوجهت معه للعبة أخرى وبعد وقت طويل من اللعب، حملها بين ذراعيه قائلا:  مش كفايه لعب ولا ايه؟ مزهقتيش؟ تعالي نروح ناكل ونعمل حاجة تانية؟

هزت رأسها بسرعة: لأ أنا بحب الملاهي.

سليم: لا كفايه ملاهي، تعالي أجبلك حاجة حلوة.

رفعت إصبعها الصغير تعدد طلباتها: هاتلي فشار، وآيس كريم بالشكولاتة.

ابتسم وهو يتك على كلمتها: شوكولاتة!

ضحك مكي: دي محتاجة إعادة تدوير في طريقة الكلام.

اومأ ضاحكا: ده أكيد

وبالفعل اشترى لها ما طلبت، وأصر أن يفوز لها بلعبه كبير على شكل أرنب كما كان يفعل مع ماسة، أمسك البندقية وهي تصفق تشجعه، ثم أطلق وفاز، وأعطها الأرنب وسط سعادتها العارمه.

احتضنت الأرنب بسعادة، بينما قال سليم بحنان: يلا بقى يا روح قلبي، كفاية ملاهي.

عبست وهي ترفع إصبعين صغيرين: لعبة كمان قد كده بس.

ضحك على طريقتها اللطيفة: لا هنروح نجيبلك هدوم، وبعدها ناكل، وبعدين نروح الفندق نستنى ماما لحد ماتيجي.

ابتسمت أخيرا: ماشي.

ثم مدت ذراعيها نحوه بدلال: شيلني أنا والأرنب.

حملها بين ذراعيه، لكنها هزت رأسها: لأ شيلني هنا.

وأشارت إلى رقبته.

ضحك بخفة، ورفعها برشاقة ووضعها فوق كتفيه، فأصبحت ساقاها تتدليان على جانبي رأسه، بينما احتضنت الأرنب بيد، وتشبثت الأخرى برأسه، وانطلقت ضحكاتها تملأ المكان.

سار سليم بها وكأنه يحمل الدنيا كلها فوق كتفيه، ولم يشعر يوما أن حملا كان أخف ولا أغلى من هذا الحمل.

اصطحبها إلى أحد المتاجر، واشترى لها ملابس والعاب كثيرة، فكان يريد أن يعوضها عن كل يوم عاشته بعيدا عنه.

وبعد الانتهاء، توجهوا إلى الفندق ليتناولوا الطعام معا.

في المطعم..

جلست حور أمام سليم، ومكي بجواره، بينما امتلأت الطاولة بالطعام الذي طلبه لها.

دفع الطبق نحوها مبتسما: أدي الفراخ إللي بتحبيها يا ستي.

ابتسمت الصغيرة وبدأت تأكل بشهية.

ظل سليم يتأملها للحظات، ثم قال: قوليلي بقى بتحبي إيه تاني؟

رفعت رأسها وهي تمضغ الطعام: بحب كل حاجة بس مش بحب الكوسة ولا اللبن.

ضحك بخفة: ليه؟ الكوسة مفيدة واللبن كمان مفيد جدا.

كرمشت وجهها بنفور: لا طعمهم وحش، مش بحبهم.

هز رأسه باستسلام: زى ماتحبي، مش هنجبرك عليهم.

ثم سألها وهو يراقب سعادتها: المهم قوليلي انبسطتي النهاردة؟

اتسعت ابتسامتها: أوي أوي يا بابا.

توقفت قليلا، ثم تسألت باستغراب: بس ليه عمو مكي بيقولك: يا سليم؟ هو أنت مش اسمك سعد؟

تجمدت ابتسامته للحظة، وتبادل النظرات مع مكي، قبل أن يسألها بهدوء: طب قوليلي اول إنتِ اسمك إيه بكامل؟!

أجابت والطعام في فمها: اسمي جنة سعد حسين الهلالي.

ظل سليم صامتا للحظات، ثم تنهد وهو ينظر لمكي بهمس: الموضوع أصعب مما كنت متخيل...

ابتسم مكي ابتسامة صغيرة دون أن يعلق.

فالتفت سليم إليها بابتسامة: مش أنا قولتلك إن ليكي اسمين؟ أنا كمان ليا اسمين.

نظرت إليه بدهشة: أزاي ده؟

أجابها بتفسير: يعني أنا ليا اسم تانى بحبه أكتر، اسم سليم عزت الراوي.

اتسعت عيناها وهي تضحك: أنا أول مرة أشوف حد عنده اسمين!

ضحك وهو يربت على رأسها: أهو شوفتي بقى.

وضعت يدها على فمها وهي تفكر بحيره: يعني أنا دلوقتي اسمي إيه؟

نظر إليها بحنان: اسمك حور سليم عزت الراوي.

عبست قليلا: بس أنا بحب جنة.

ابتسم وربت على خدها: خلاص يا حبيبتي هقولك جنة، وهقولك حور، أي اسم تحبيه أنا هقوله.

هزت رأسها برضا، ثم عادت تأكل.

وبعد لحظات رفعت رأسها وسألته: طب هنروح لماما امتى؟

التفت إلى مكي متسائلا: كلمت ماما يا مكي؟

هز مكي رأسه: لا لسه في المطار، بتخلص شوية حاجات، والمفتاح معاها.

تنهدت بحزن: يووه كل ده! أنا نفسي أشوفها أوى.

ابتسم بحنان: مش انبسطتي معايا النهاردة؟

هزت رأسها: ايوه انبسطت.

اومأ ببساطة: يبقى نستحمل لحد بكرة الصبح تكون جت، النهاردة أنا وإنتِ هنام جنب بعض، إيه رايك؟

نظرت له بسعاده: وتحكيلي حدوته؟

اومأ بابتسامه: واحكيلك حدوته.

ثم أشار إلى طبقها: يلا كملي أكلك.

نظرت إلى الطبق، ثم إليه وقالت بدلال طفولي: أنا شبعت.

اومأ باعتراض: لا خلصي طبقك.

ثم نهض من مكانه، وجلس بجوارها، وحملها برفق لتجلس فوق ساقيه.

أخذ قطعة صغيرة من الطعام، وقربها من فمها: أفتحي بوقك.

فتحت فمها وهي تضحك، وبدأ يطعمها بيده، بينما كانت تأكل وهي تستند إلى صدره في راحة تامة.

أما مكي...

فكان يجلس أمامهما يراقب المشهد بابتسامة سعيده لأجل سليم وهو يراه أخيرا يعيش الأبوة التي ظنها ضاعت منه إلى الأبد.
♥️_________________بقلمي_ليلة_عادل. 

الساحل الشمالي،١١م

انتصف الليل، وخيم الهدوء علي المكان، ومازال مصطفى متوقفا في الأسفل أمام البحر.

مسح وجهه بكفه، ثم رفع عينيه نحو المبنى، وظل يحدق فيه لثواني قبل أن يعيد نظره إلى الأمام، بدا الإرهاق جليا على ملامحه؛ فقد استنزفته هذه الساعات، ولا يزال عاجزا عن مواجهتها، ورؤية أي اتهام في عينيها... 

لكن جسده لم يعد يقوى على الهروب، أطلق زفرة طويلة أخرج معها آخر ماتبقى من مقاومته، ثم استسلم للأمر الواقع، وصعد بخطوات ثقيله، مقررا مواجهتها، ومحاولة شرح الأمر لها.

في الأعلي.

كانت آلاء لا تزال جالسة تحدق في الباب بتوتر وتترقب قدومه، هي الأخرى لم تستطع تجاوز ماحدث، ولم تعد تملك الشجاعة لمواجهته لكنها، رغم كل شيء، كانت تنتظر أي كلمة تطمئن قلبها، وتؤكد أنه لم يُسئ فهمها، وأن ماحدث بينهما لم يكن لحظة ضعف أو استغلالا لمشاعرها، بل تصرفا نابعا من حب صادق.

وصل مصطفى إلى باب الغرفة، وأدار المقبض بهدوء 
وما إن شعرت به، حتى استلقت سريعا متظاهره بالنوم.

فتح الباب، ودخل بخطوات متثاقلة، ليجدها نائمة على الفراش كما توقع أو هكذا ظن.

ألقى عليها نظرة طويلة، ثم تنهد بإرهاق وأغلق الباب خلفه.

اقترب ببطء، وجلس على طرف الفراش، يمرر يده على وجهه المنهك، بينما كانت هي مغمضة العينين، تحبس أنفاسها حتى لا تفضحها دقات قلبها المتسارعة.

طال صمته، قبل أن يهمس بصوت خافت مليء بالتعب: آسف...!

كلمة واحدة فقط.

ثم اتجه إلى الأريكة، خلع سترته وألقاها بجواره، قبل أن يسند رأسه إلى الخلف ويغمض عينيه، وكأن أحداث اليوم استنزفت آخر ماتبقى من قوته.

أما آلاء فظلت مغمضة العينين، لكن دمعة ساخنة انزلقت بصمت على خدها، فهذا الاعتذار كان كافيا ليؤكد لها أن ماحدث لم يكن سوى لحظة ضعف ندم عليها.

الفندق،12ص

دخل سليم الغرفة وهو يحمل حور بين ذراعيه، بينما كان مكي وعدد من الحراس يسيرون خلفه، وانزلها علي الأرض برفق، ثم ألتفت إلى مكي بجدية: تابع مع أحمد، وأول ما النتيجة تطلع بلغني فورا.

أومأ برأسه: حاضر، أنا في الأوضة إللي جنبك، ومش هنام، لو احتاجت حاجة عرفني. 

ربت علي كتفه بامتنان: تمام يا حبيبي.

خرج مكي وأغلق الباب خلفه، فتقدم سليم نحو الداخل  وحمل حور مره اخرى ووضعها على الفراش. 

أخذت الصغيرة تنظر حولها بانبهار: الأوضة دي حلوة أوي.

ابتسم سليم: أوضتك في الفيلا هتكون أحلى منها كمان، وفيها لعب كتير.

اتسعت عيناها بسعادة: بجد يا بابا؟

أومأ بابتسامة: بجد يا قلب بابا.

ظلت تتأمل الغرفة، وتحسس الغطاء بإعجاب: السرير ده شكله حلو أوي.

خلعت الحذاء وألقته، ثم نهضت وظلت تقفز عليه وهي تصرخ بسعادة: حلو أوي  هاتلي واحد زيه.

تبسم: حاضر، هجيبلك كل إللي أنتِ عايزاه

ثم اتجه إلى إحدى الحقائب، وأخرج بيجامة صغيرة وعاد اليها: يلا يا حور غيري هدومك علشان ننام.

هزت رأسها سريعا: لا، أنا هلبس لوحدي، قولتك أنت ولد، وده عيب.

ضحك بخفة: حاضر يا ستي.

استدار بعيد حتى يمنحها خصوصيتها: أنا هطلع البلكونة أعمل مكالمة، ولما تخلصي ناديني.

خرج إلى الشرفة، وأخرج هاتفه وأتصل بماسة، 

بعد لحظات جاءه صوت سلوي: ألو؟ 

عقد حاجبيه متعجبا: اومال فين ماسة؟ 

أجابته بهدوء: لسه نايمه من شويه.

ضحك ساخرا: أومال ايه هتصل بيك ورد علطول وهي ماصدقت تخلص مني باين.

ضحكت سلوي علي كلماته، بينما تابع سليم: عموما هبقي اكلمها الصبح، تصبحي على خير يا سلوي.

اجابها: وأنت من أهله.

أنهى المكالمة، لكنه ظل شاردا للحظات، قبل أن تناديه حور بابتسامه: خلصت.

ابتسم وهو ينظر إليها: إيه العسل ده!

خلع حذاءه وجلس على طرف الفراش، فسألته ببراءة: إنت هتنام بلبسك؟

اومأ: أه، معنديش هدوم تانية هنا.

ذهبت نحوه حتى استقرت أعلاه وتمد جسدها فوقه، ثم امسكت بذراعه ولفتها حول نفسها.

نظر إليها بابتسامه: إيه ده؟

أغلقت عينيها وهي تستند إليه بنعاس: عايزة أنام في حضنك يا بابا.

تجمد قلبه عند الكلمة، وارتسمت على شفتيه ابتسامه حنونه وهو يقبل رأسها، وأخذ يربت على شعرها بحنان أبوي خالص.

أراحت راسها على صدره: أحكيلي حدوتة

اومأ برأسه: هحكيلك حدوتة سندريلا.

وبصوت هادئ بدأ يحكي لها القصة، ومع كل دقيقة كانت عيناها تثقلان أكثر، حتى استسلمت للنوم تماما.

انتظر قليلا ليتأكد أنها غرقت في نوم عميق، ثم حملها برفق، وعدل وضعها على الوسادة، وغطاها جيدا، وأخذ يتأمل ملامحها طويلا بعينان تلمعان بدموع فرحة طال انتظارها، حتي أنه من فرط سعادته لم يعرف للنوم طريقا تلك الليلة.
♥️______________بقلمي_ليلة_عادل 

في صباح اليوم التالي،12ظ

انتهت مي من تجهيز أغراضها، ووقفت بجوار الفراش تحمل حقيبتها الصغيرة، بينما كان شريف يراجع بعض الأوراق الطبية وبجانبه راشد.

شريف بابتسامة هادئة: حمد لله على سلامتك، مستنيكي يوم الأربعاء في الجلسة، متتأخريش.

أومأت برأسها: حاضر، وشكرا جدا يا دكتور على كل حاجة عملتها معايا.

ابتسم راشد: يلا يا حبيبتي، إخواتك مستنيينك في البيت، وتقى عملتلك كل الأكل اللى بتحبيه.

ابتسمت بخفة، وتحركت معه إلى خارج الغرفة.

لكن ما إن وصلا إلى الممر، حتى تجمدت خطواتها، عندما رأت رشدي واقفا أمامها.

أشاحت بوجهها وكأنها لم تره، وأكملت سيرها.

تقدم خطوة واعترض طريقها: رايحة فين يا مي؟

تدخل شريف بهدوء حتى لا تحدث مشكلة: مي خارجة النهاردة يا أستاذ رشدي، هي خلاص مش محتاجة تفضل في المستشفى.

لكن رشدي لم ينظر إليه، بل ظل يحدق في مي: طب بصيلي أنا عايز أتكلم معاكي، من حقي أعرف قلبتي عليا ليه؟ عايزة تسيبيني ليه؟

شريف بحزم: أستاذ رشدي لو سمحت متضغطش عليها.

ألتفت إليه رشدي بعصبية: أنت مالك انت، هي كانت عينتك محامي ليها.

عندها رفعت مي رأسها بحده: لأ يتدخل، لإنه دكتوري.

تابعت بعينين خاليتين من أي مشاعر: وأنا مش عايزة أتكلم معاك.

رد عليها بحسم: وأنا من حقي أتكلم معاكي، وأفهم أنا عملت إيه؟! إنتِ لسة مراتي.

اجابته ببرود مستفز: لما يجيلي مزاج هبقى أتكلم غير كده مش عايزة أشوف وشك، حتى لو صدفة.

أبتلع ريقه وهو ينظر إليها بصدمة.

أكملت بثبات: ولازم تعرف إني هتطلق منك، ولو ورقة طلاقي موصلتش علي بكرة بالكتير، هفاجئك باللي هعمله.

حاول مسك يديها وهو يقول بخفوت: طب عرفيني أنا عملت ايه؟ مي أنا بحبك!

اعترضه راشد قبل أن يلمسها، ونفض يده بعيدا: وهي كرهتك يا أخي ومبقتش عايزاك، عايز أكتر من كده إجابة؟

هز رأسه بعناد: لا هي تقولها.

نظرت بجمود: وأنا قولتهلك قبل كده، أنا بكرهك، وبكره اليوم إللي اتجوزت فيه واحد زيك، خلي عندك كرامة بقى وطلقني.

نظر لها بضعف محاولا استعطافها بدموع لمعت في عينيه رغما عنه: طب مش مهم أنا عملت إيه؟ لو غلطت، أنا آسف حقك عليا، بس متعمليش فيا كده إنتِ عارفة إن أنا بحبك قد إيه، وعملت إيه علشانك، واتفقنا على إيه؟!

نظرت له نظرة جامدة: أنا مستنيه ورقة طلاقي.

قالتها ثم استدارت لتغادر دون أن تنطق بكلمة وخلفها والدها.

حاول اللحاق بها، لكن شريف وقف أمامه قائلا: أنا مش هقولك تاني لو فعلا بتحبها، سيبها تهدي دلوقتي، وبلاش تضغط عليها وترجعها لنقطه الصفر من تاني!

ضحك رشدي بسخرية: أسيبها لحد ماتضيع مني؟! أنا عايز أفهم إنت عايز مني إيه؟ بتمنعني عنها ليه

نظر إليه شريف بثبات: أنا مليش أي مصلحة غير إنها تبقى كويسة، وبعدين هبوظ علاقاتكم ليه؟!.

رمقه بابتسامة ساخرة: يمكن حاطط عينك عليها ولا حاجه، أصلا نظراتك ليها مش مريحاني.

تابع باستهجان: لكن قسما بالله لو شكي اتأكد ليكون آخر يوم في عمرك، أنت هنا بتعالج ولا بتشقط!

شريف بحده: إيه اللى بتقوله ده، احترم نفسك..

رمقه نن أعلي لأسفل باحتقار: أو علي الاقل احترم مراتك اللى كنت لسه بتقولها بحبك..

زفر بعنف قائلا: مي بتمر بأزمة نفسية كبيرة، والطريقة إللي بتضغط بيها عليها دي بتزود تعبها.

رشدي بعصبية: يعني أول ماتقولي طلقني أطلقها؟

اومأ بالرفض: أنا مقولتش طلقها، أنا بقول أديها مساحة تستوعب الوجع والصدمة إللي عاشتها.

سأله بلهفة: يعني أنت عارف حاجة؟ طب قولي هي عرفت إيه؟

هز رأسه بالنفي: حقيقي معرفش حاجة، ولو كنت أعرف، مستحيل أخون ثقة مريضة عندي، لكن أقدر أقولك حاجة واحدة...

نظر إليه مباشرة، وتابع بهدوء: واضح إنك بتحبها لكن خلي بالك، ساعات الحب لما يبقى أناني بيبقى مؤذي.

صمت لحظة، ثم أكمل: سيبها يومين تهدي، وبعدها أتكلم معاها، إنما أي كلام بينكم دلوقتي مش هتقابل منه غير هجوم، ورفض، ويمكن الموضوع ميقفش عند كده، والضغط إللي بتعمله عليها يدخلها في إنهيار نفسي تاني، هل ده إللي إنت عايزه؟

تنهد بضيق، ومرر يده في شعره بعصبية، وقال بكلمات يقطر منها القهر: أنا عايز أفهم بس إيه إللى حصل؟ أنا من يومها لا عارف انام، ولا اكل، ولا حتي أعيش، إنت عارف يعني إيه تبقى إنت ومراتك كويسين، وتصحي تلاقيها عاملالك الفطار، تخرج مشوار وترجع تلاقيها عندها إنهيار عصبي، وبتقولك إنها عايزة تسيبك؟!  ده ميخليش الواحد يتجن!!

نظر إليه بتفهم: أنا فاهم ومقدر اللى أنت فيه، لكن متخليش إحساسك يؤذيها من غير قصد، ساعات بنحتاج نستحمل شوية ونيجي على نفسنا، علشان الناس اللى بنحبهم.

قال كلماته وغادر، بينما ظل رشدي واقفا مكانه، يشعر بالعجز لأول مرة في حياته، بعدما أدرك أن خسارتها لم تعد مجرد خوف... بل احتمالا حقيقيا.

جز على أسنانه بقهر، ولكم الحائط بكل قوته، حتى ارتد الألم إلى قبضته، لكنه لم يشعر به.

في تلك اللحظة، أضاء هاتفه باسم "إسعاد"، نظر إلى الشاشة بضيق؛ فهذا الاتصال رقم مئة تقريبا منذ ليلة أمس، لكنه لم يكن في حالة تسمح له بالرد، فترك الهاتف يرن حتى انقطع الرنين.

وبعد ثوان... عاد يرن من جديد.

أغمض عينيه بانزعاج، وضغط زر الرفض، وهو يتمتم بحدة: مش ناقصاكي دلوقتي.

فتح سجل المكالمات، وضغط على اسمها، ثم اختار"حظر الرقم".

دون أن يدرك أن إسعاد لم تكن تتصل هذه المره لتطلب مالا، ولا لأن جنة تريد رؤيته، بل لتخبره بالكارثة التي وقعت في الليلة الماضية.

الفندق،12ظ

كانت حور لاتزال تغط في نوم هادئ، بينما دخل سليم الحمام ليغسل وجهه، لم تمضي سوى دقائق قليلة، حتى بدأت الطفلة تتململ في نومها، ثم فتحت عينيها ببطء، تنظرت إلى المكان حولها، ومدت يدها بجوارها لكنها لم تجده.

اعتدلت جالسة بسرعة، وأخذت تنظر في أنحاء الغرفة بقلق: بابا...؟

لم يجبها أحد، نزلت من فوق الفراش، وبدأت تتجه نحو الباب وهي تنادي بصوت مرتجف: بابا، انت فين، بااابا

سمع سليم صوتها، فأغلق الماء على الفور، وخرج مسرعا وهو يجفف وجهه بالمنشفة، فوجدها واقفة في منتصف الغرفة، ودموعها تنهمر.

ما إن رأته حتى ركضت نحوه، تضم قدمه وهي تبكي: افتكرتك سبتني ومشيت وسافرت تاني بعيد.

انحى فورا وضمها إليه بقوة، وربت على ظهرها بحنان: لا يا روح قلب بابا، أنا جنبك أهو.

أبعدها قليلا، ومسح دموعها بإبهامه وهو يبتسم: مستحيل أسيبك تاني، أنا وعدتك، وبابا لما يوعد عمره مايخلف وعده ابدا.

هدأت قليلا، وظلت متشبثة به، فقبل رأسها بحنان: متخافيش يا روح قلبي، احنا دلوقتي هنغسل وشنا، ونفطر، ونستنى عمو مكي ييجي، وبعدها نروح لماما.

اتسعت عيناها بفرحة: بجد؟ هروح لماما؟

اومأ بابتسامه: أيوه.

ابتسمت أخيرا، فحملها بين ذراعيه وإتجه بها إلى الحمام: يلا نغسل الوش القمر ده.

غسل وجهها الصغير برفق، ثم جففه بالمنشفة وهو يبتسم لها بحنان.

أمسك فستانها الصغير بابتسامة: يلا يا حبيبتي، تعالي عشان ألبسك.

عقدت ذراعيها أمام صدرها بخجل طفولي: لا أنت ولد، عيب.

ضحك وهو يجثو أمامها: ايوه بس أنا بابا.

هزت رأسها بعناد: برضو عيب.

ابتسم بحنان وربت على رأسها: يا قلب بابا عادي لما البسك، مش عيب.

ظلت علي رفضها، فمد يده يدغدغها: طب طالما مش راضيه البسك هعمل كده بقى.

انفجرت الصغيرة بالضحك وهي تحاول الهرب منه: هاهاها، خلاص يا بابا، خلاص! لبسني!

لكنه ظل يدغدغها ويقترب منها وكأنه سيعض خدها بمزاح، فتتعالى ضحكاتها في أنحاء الغرفة: خلاص بقى خلاص! 

توقف أخيرا وهو يضحك معها، التقط الفستان، وأمسك يديها الصغيرتين بلطف: بابا بس اللي يلبسك حد تاني لا اتفقنا.

هزت رأسها بحماس: ماشي، أنا بحبك أوي.

ثم ارتمت بين ذراعيه تعانقه بكل ما تملكه طفلة من حب، فابتسم وضمها هو الآخر بحنان وهو يشعر بغصة مؤلمة تختلط بالسعادة: أنا كمان بحبك أوي يا روح بابا.

قبل خدها قبلة أبوية دافئة، ثم أبعدها وهو يمد يده بالفستان: يلا بقى خلينا نلبس الفستان.

البسها فستانها وصفف لها شعرها بتسريحه انيقه، وهو يمازحها بين الحين والآخر، حتى عادت ضحكاتها تملأ المكان من جديد.

وبعد الانتهاء، نظر لها بابتسامه: كده الأميره حور بقت جاهزه.

صفقت الصغيرة بسعادة، وأخذت تدور حول نفسها في المرآه وهي تتأمل مظهرها الرائع: الله، شكلي حلو اووى، زى باربي!

طبع قبله علي خدها: واحلي من باربي كمان.

اثناء ذلك دوى طرق خفيف على الباب.

نهض سليم وفتحه، ليجد مكي أمامه.

سليم بابتسامه: أدخل يا مكي.

دخل مكي فركضت إليه حور بابتسامة مشرقة: صباح الخير يا عمو.

ربت على رأسها: صباح النور يا روح عمو.

رفعت رأسها إليه بحماس: ماما جت؟

نظر  بعينه نحو سليم الذي اومأ له بالإيجاب: أيوة، قربت توصل.

التفت سليم إلى حور وقال بحنان: يلا يا حبيبتي، البسي الكوتشي، لحد ما اقول حاجة لعمو مكي واجيلك.

أومأت بطاعة: حاضر.

خرج الأثنان إلى الشرفة، وأغلق سليم الباب خلفه، ثم استدار وعيناه تمتلئان بالترقب: ها طلع إيه؟

أومأ مكي برأسه في صمت، وأخرج ورقة التحليل من جيب سترته ومدها إليه.

خطفها سليم من يده بسرعة، وأخذت عيناه تتحركان بين السطور في لهفة، بينما كان قلبه يخفق بعنف وهو ينتظر الكلمة التي ستغير حياته إلى الأبد، كانت عيناه تتحركان بين السطور أكثر من مرة، وكأنه لا يصدق ما يراه.

ابتسم ثم ضحك ضحكة قصيرة خرجت ممزوجة بدموع الفرح، وهو يهز رأسه بعدم تصديق: كنت متأكد، والله كنت متأكد.

ربت على كتفه بابتسامه واسعه: مبروك يا سليم.

سليم بعيناه تلمعان من الفرحه: الحمد لله، الحمد لله اخيرا، كنت هتجنن لو طلع احساسي غلط، أنا خلاص اتعلقت بيها.

ضمه مكي بقوة وسعادة: صدقني أنا كمان كنت متأكد بس كان لازم أخليك ترجع خطوة، عشان لو طلع إحساسنا غلط لا قدر الله، ميحصلكش حاجة، ألف مبروك يا اخويا.

ابتعد عنه واختفت ابتسامته وهو يزفر ببطء: أنا دلوقتي مش عارف أعمل إيه مع ماسة..؟!

نظر إليه مكي بصمت، فأكمل سليم بصوت متردد:
أروح أقولها أزاى إن بنتك إللي كنتي واقفه بتعيطي علي قبرها من كام يوم، طلعت عايشة! مش عارف هتستحمل الصدمة دي إزاي؟!

مكي بعقلانية: ماسة قوية، واتحملت أصعب من كده، إن شاء الله هتقدر تتحمل، أنا ممكن أفضل مع البنت هنا لحد ماتمهدلها الموضوع.

هز رأسه بالرفض: لا مينفعش، لازم حور تيجي معايا..

نظر إليه مكي باستفهام، فأردف سليم بابتسامة حزينه: النهارده كنت في الحمام، واول ماصحيت ملقتنيش جنبها، خرجت لقيتها بتنادي عليا وهي مرعوبه، وأول ماشافتني حضنتني وكانت فكراني سافرت وسبتها تاني.

زفر مكي، وزم شفتيه بتأثر: خلاص سيبها معايا تحت في الجنينة لحد ماتقول لماسة.

أومأ موافقا، وهو يحاول استجماع نفسه: أيوه مفيش حل غير كده، جهز العربية خلينا نمشي.

الساحل الشمالي،12ظ.

استيقظ مصطفى أولا، التفت نحو الفراش، ليجد آلاء لاتزال نائمه، ظل ينظر إليها لثواني، ثم تنهد بعمق، وأخذ ملابسه بهدوء متجها إلي الحمام.

لكنها لم تكن نائمة. فما إن أُغلق باب الحمام حتى فتحت عينيها ببطء، وأبعدت الغطاء عن وجهها، ثم أخذت نفسا عميقا.

لم يزر النوم جفونها طوال الليل؛ فقد ظلت تستعيد ما حدث بينهما مرارا وتكرارا، عاجزة عن إسكات أفكارها أو الهروب منها.

أما مصطفى، فوقف أسفل المياه، يأخذ حماما سريعا، بينما يدور في رأسه سؤال واحد كيف سيواجهها؟

كان يعلم أن اللقاء بينهما لا مفر منه، لكنه لم يكن يعرف من أين يبدأ، ولا ماذا يقول، كان متأكدا أن ما فعله لم يكن لحظة اندفاع أو استغلال، بل كان بدافع الحب، لكنه لم يكن يعلم ماذا يدور داخل قلبها تجاهه، ولا كيف تنظر إلى ما حدث، وهل ستراه كما رآه هو أم ستراه خطأ لا يغتفر.

بعد دقائق، ارتدى ملابسه، وخرج من الحمام.

شعرت آلاء بحركته فارتجفت أنفاسها وهي تغمض عينها من جديد، اقترب منها ونادها بنبره منخفضه: آلاء آلاء.

ففتحت عينيها وقالت بخفوت وهي تتحاشي النظر اليه: أنا صاحية يا دكتور.

أومأ بتفهم، وهو يتحاشي النظر إليها هو الآخر، فمازال محرجا مما حدث في الليلة الماضية.

وقال بهدوء: طيب كويس، ياريت تقومي تجهزي عشان نلحق نفطر ونرجع القاهرة.

أومأت برأسها: حاضر يا دكتور.

قال بهدوء: هستناكي تحت في المطعم.

ردت باختصار: ماشي.

أنهى كلماته وغادر الغرفة، بينما بقيت هي مكانها للحظات، شاردة في صمت. لم تكن تتوقع أن ينتهي الحديث بهذه البساطة، كانت تنتظر منه أي كلمة تفسر لها ما حدث، أو تمنح قلبها الطمأنينة التي يبحث عنها، لكنها أقنعت نفسها بأنه ربما يمتلك الشجاعه ليتحدث عندما يجلسان معا على الإفطار.

تنهدت بخفوت، ونهضت تغسل وجهها، وارتدت ملابسها، قبل أن تهبط إلى المطعم.

كان مصطفى في انتظارها، سحبت المقعد وجلست أمامه، وما هي إلا ثواني حتي حضر النادل ووضع الطعام أمامهما.

بدأ الاثنان يتناولان الإفطار في صمت ثقيل.

كان مصطفى يختلس النظر إليها بين الحين والآخر، بينما كانت هي تتجنب النظر إليه تماما، وكأنها تخشى أن تلتقي عيناهما فتفضحها نظراتها.

وفجأة...

ترك الشوكة من يده، ونظر إليها مباشرة: بقولك يا آلاء أنا متضايق..

رفعت عينيها إليه في هدوء، فتابع: كده مش هينفع إحنا مش عارفين حتى نتكلم.

ظل صامتا للحظة، ثم أكمل: أنا عارف إن إللي حصل إمبارح...

قاطعته سريعا وهي تخفض بصرها بخجل: لو سمحت أنا مش عايزة أتكلم في الموضوع.

تنهد بهدوء: بس أنا مش عايزك تسيئي فهمي، أنا لما عملت كدة..

قاطعه بحسم: وأنا مش عايزة أتكلم فيه بعد إذنك يا دكتور.

ساد الصمت بينهما من جديد...

كانت آلاء تنتظر أن يعترض، أن يتمسك بها، أو يخبرها أن ماحدث كان لأنه يحبها، لكنها بطبيعتها الخجولة والمحافظة، أخفت مشاعرها خلف قناع من الكبرياء حتى لا يساء فهمها، ومع صمته، ظنت أنه ندم على ما فعل، فقررت أن تحفظ كرامتها وتتجاهل الأمر.

أما مصطفى، ففسر صمتها على أنه رفض له، فاختار أن يمنحها المساحة التي ظن أنها تريدها، بينما كان قلبه يتمنى أن يتمسك بها ويصارحها بكل مايشعر به.

كل منهما أساء فهم صمت الآخر، وكل منهما كان ينتظر من الآخر خطوة لكن الخطوة لم تأتِ.

أكملا إفطارهما بصمت، ثم حملا حقائبهما، وغادرا الفندق في طريقهما إلى القاهرة.

أحد كافيهات وسط البلد،1ظ

كانت لوجين تجلس أمام صديقتها تالين، وبين أيديهما أكواب القهوة، يتبادلون حديث.

تالين متعجبه: يعني دلوقتي عايزة تدوري على شغل؟ إنتِ متجوزة ياسين.

ردت بمراوغه: عايزة يكون ليا كياني المستقل بعيد عن ياسين و.

وقبل أن تكمل كلامها، وضعت لوجين يدها على بطنها فجأة، واغمضت عينيها وهي تشعر بالغثيان.

تالين بقلق: مالك يا جوجو؟

لوجين بتعب: مش عارفة حاسة إني عايزة ارجع.

أومأت: أنا قولتلك شكلك حامل! يلا بينا نعمل تحليل حالًا.

ضحكت وهي تهز رأسها: يا بنتي بلاش تكبري الموضوع.

ردت: طب إنتِ بتاخدي مانع؟

لوجين: لا.

ردت بحماس: أهو! يبقى مستنية إيه؟ بقالك يومين عندك غثيان،يلا نطمن، يمكن يطلع حمل بجد.

أخرجت بعض النقود من حقيبتها، ثم أمسكت يدها وسحبتها من مكانها: يلا بقى متبقيش غلسة. خمس دقايق وهنكون عملنا التحليل وارتحنا.

وبفعل  نهض ا توجها الى المعمل.

المعمل.

تقدمت تالين إلى موظفة الاستقبال: لو سمحتي، عايزين نعمل تحليل حمل باسم لوجين الراوي .

ابتسمت الموظفة وهي سجلت البيانات، ثم طلبت من لوجين الدخول لأخذ العينة.

بعد دقائق قليلة خرجت لوجين، وجلست بجوار تالين في صالة الانتظار، مرت الدقائق ببطء شديد، حتى خرجت إحدى الممرضات وهي تنادي: مدام لوجين الراوي؟

نهضت بسرعة، وتبعتها تالين.

ابتسمت الممرضه وهي تنظر إلى نتيجة التحليل بين يديها: ألف مبروك...التحليل إيجابي... حضرتك حامل.
 

وضعت لوجين يدها على فمها من شدة الصدمة، وامتلأت عيناها بالدموع تمتمت: حامل.

التفتت إلى تالين وكأنها تريد التأكد أنها لم تسمع خطأ حامل بجد؟!

أما تالين فصرخت بفرحة وهي تحتضنها بقوة: ايوه حامل مبروك يا روحي.

بدأت دموع لوجين تنساب دون أن تشعر، ثم وضعت يدها برفق فوق بطنها، وهمست بصوت مرتجف:: أنا... حامل...

ابتسمت الممرضه وهي تناولها النتيجة.: مبروك مرة تانية، وإن شاء الله تحددي معاد مع دكتور نسا وتابعي الحمل من بدري.

اومات بابتسامة واسعه::هي تقول شكرا اوي.

 ضمتها من فرحه تبسمت الممرضه،

بينما تحركت لوجين وهي ما زالت تنظر إلى ورقة التحليل، غير قادرة على استيعاب أن بداخلها حياة صغيرة بدأت للتو ياسين هيفرح اوي. 

تالين: مبروك يا حببتي لازم تعملي حفله، ده اول بيبي 

اومات بابتسامة حماسية: أكيد هعمل كدة.
♥️____________بقلمي_ليلة_عادل 

فيلا سليم وماسة،1ظ

هبط سليم من السيارة أولا، ثم انحنى وأمسك بيد حور وتحركا معا بخطوات هادئه.

أخذت تنظر حولها بسعادة: بابا هو البيت الكبير ده بتاعنا 

تبسم: أيوة... البيت ده كله بتاعنا.

اتسعت عيناها بدهشة: الله!

ثم أشارت إلى حمام السباحة بحماس: وحمام السباحة ده... بتاعنا؟

ضحك وهز رأسه: أيوه وعندنا اتنين كمان غيره.

شهقت بسعادة، وقفزت في مكانها: الله! طب أنا عايزة ألعب فيه.

ربت على رأسها بحنان: هنلعب فيه، بس نشوف ماما الأول.

اتسعت عينا بسعاده: هنشوف ماما دلوقت!

جلس أمامها القرفصاء، وقال بابتسامة هادئة: بصي يا حبيبتي اقعدى العبي مع عمو مكي في الجنينة شوية، وأنا هطلع أقول لماما إني ملقتكيش واعمل فيها مقلب، وبعدين أنت تطلعي تعمليلها مفاجأة وتقوليلها " أنا جيت" إيه رأيك؟

هزت رأسها بحماس: ماشي، بس ماتتأخرش عشان نفسي اشوف ماما أوي.

ابتسم ومسح على شعرها بحنان: مش هتأخر.

وقف والتفت إلى مكي الذي كان يقف بالقرب منه: خد بالك منها.

أومأ مكي بصمت.

بينما تشبست حور ببنطال مكي وهي تصرخ بفرحه: تعالي مرجحني هناك.

اومأ بابتسامه، وحملها علي ذراعيها بمرح: أوامرك يا حور هانم، تعالي نلعب. 

ضحكت الصغيرة بحماس: يلا.

أجلسها على المرجيحة، وأخذ يدفعها برفق وهي تضحك بسعادة... 

بينما وقف سليم مكانه للحظات، ثم أخذ نفسا عميقا، واتجه إلى الداخل.

كانت خطواته ثقيلة وكأن كل خطوة تقربه من أصعب حديث سيقوله في حياته، توقف أمام الباب للحظات، يحاول أن يجمع شتات نفسه، ويستجمع ما تبقى من ثباته، رفع يده ليطرق الباب، ثم أنزلها مرة أخرى.
كيف سيخبرها؟ 
بأي كلمة سيبدأ؟ 
هل يقول الحقيقة مباشرة؟
أم يمهد لها أولا؟

كان يعلم أن أي طريقة سيختارها... ستزلزل عالمها بأكمله، فجملة واحدة منه كفيلة بأن تهدم سنوات من الحزن، وتستبدلها بصدمة قد تعجز عن استيعابها في لحظتها. لذلك ظل واقفا مكانه لثواني، يحاول أن يجد بداية مناسبه... لكنه أدرك أن لا وجود لبداية سهلة لمثل هذه الحقيقة.

ابتلع ريقه، وأخذ نفسا طويلا، ثم فتح الباب ودخل.

كانت ماسة تجلس على الفراش، تتصفح هاتفها، وما إن رأته حتى رفعت رأسها، وقالت بعتاب رقيق: كنت لسه بكلمك... مردتش عليا ليه؟

حاولا أنا يكون مرحا: بردلك الغدر اللى غدرتيه بيا إمبارح لما سبتيني ونمتي! 

قهقهت عاليا، فجلس بجوارها، أمسك يدها يقبلها برفق: عاملة إيه؟

عبثت بوجهها: الحمد لله... بس زعلانة منك.

رفع حاجبه: يا شيخه! مين يزعل من مين؟ 

مالت علي صدره بدلال: أنا طبعا، مش سافرت وسيبتني..!

أجابها بعينين تحمل الكثير: ما أنا قولتلك الظروف إللي كنت فيها.

شعرت بخطب ما في نبرته، فاعتدلت في جلستها ونظرت إليه لثواني، قبل أن تهمس بقلق: مالك يا سليم، فيك ايه؟ عينيك مش طبيعية، وصوتك بيقول إن فيه حاجه.

هز رأسه بابتسامه باهته: لا... أنا كويس.

لكنه لم يكن كذلك، كان ضجيج قلبه مسموعا رغم محاولته الثبات، اقترب منها أكثر... يحاول إيجاد أي بداية لحديثه، ولكنه وجد نفسه يتسأل فجأة: قوليلي يا ماسة، هي حور لما دفنوها مين كان موجود؟

رمشت عدة مرات، وحدقت فيه باستغراب: ايه إللي جاب سيرة حور دلوقتي؟

رفع كتفه متماسكا بثباته: عادي... بسأل.

ابتسمت بخفة، محاولة كسر غرابة السؤال: يا سلام فجأة كده؟ حلمت بيها ولا إيه؟

اومأ ببطء: حاجة زي كده.

لم تتوقع الإجابة، وابتسمت بحنين امتزج بالألم: الله يا سليم، يا بختك، كان شكلها إيه طيب؟ شبه مين؟

همس وسط دموعه التي كان يقاومها: شبهك!

ضحكت بخفة: علشان بتحبني أوي فشوفتها شبهي.

بلع غصته، وقال بصوت متحشرج: مردتيش عليا..مين كان موجود؟

تنهدت بحزن: والله يا سليم أنا يوم ما عرفت إنها ماتت دخلت في إنهيار، وقعدت 3 او 4 أيام مش واعية بأي حاجة... وكانوا خلاص دفنوها.

سألها بترقب: يعني محدش من أهلك حضر دفنها؟

هزت رأسها بالنفي: لا إللي أعرفه إن فريدة كانت موجودة، غير كده معرفش... ليه بتسأل؟

أومأ بهدوء: عادي.

ابتسمت بحماس، وقد لمعت عيناها: طب أحكيلي الحلم.

ساد الصمت للحظات، حتى خطرت له فكرة قرر من خلالها أن يمهد لها الحديث، لعلها تستعد نفسيا لما سيقوله: هحكيلك...بس قوليلي فاكرة فيلم بلية؟ لما رجعت بعد كل السنين دي لمامتها؟

صمتت لحظة، ثم هزت رأسها: أيوه بس معرفتش مين فيهم بنتها، كأن ربنا عوضها ببنتين بدل بنت واحده!

ابتسم ابتسامة باهتة: طب تخيلي لو حور رجعتلنا بعد كل السنين دي، زي الفيلم.

اهتز جسدها من واقع السؤال، واغرورقت عيناها بالدموع، ثم ابتسمت ابتسامة منكسره: الكلام ده مبيحصلش غير في الأفلام يا سليم.

مالت شفتيها بحزن: شكل الحلم مآثر عليك..

همس وهو يحاول حبس دموعه بكل ما اوتي من قوه: أيوة.

ابتسمت وسط دموعها: يا بختك...أنا عمري ما حلمت بيها.

اقتربت منه بلهفه: احكيلي كانت عاملة إزاي؟ شكلها إيه؟ صوتها؟ ريحتها؟ احكيلي كل حاجه.

ابتلع غصته: هقولك كل حاجة يا ماسة...

صمت لوهلة، ثم نهض من مكانه، وأخذ يتحرك في الغرفة ذهابا وإيابا، يحاول أن يجمع شتات نفسه، فهو يعلم... أن أي كلمة سيقولها ستنهي حياة قديمة، وتبدأ أخرى.

ظلت ماسه تتابع خطواته باستغراب، حتى توقف فجأة والتفت إليها: أنا امبارح لما رحت لصافيناز، وقالتلي حاجة غريبة.

نظرت إليه بتعجب: ايه هي؟

صمت يحاول جمع كلماته، فنهضت واقتربت منه بقلق: مالك يا سليم...؟ أنت مخوفني.

هز رأسه سريعا مذكرا نفسه أنها حامل، ووضعها صعب وأي مشاعر متزايدة من الممكن أن تأثر عليها: لا... لا، متخافيش.

أمسك كتفيها برفق، وأجلسها على الفراش، ثم وقف أمامها للحظات، ينظر إليها في صمت.

همست باسمه: سليم! فيه إيه يا حبيبي.

جلس بجوارها، وأمسك يديها بين يديه المرتجفتين: صافيناز لما روحتلها قالتلي..

قال بتلعثم: قالتلي... إن حور.

توقف، وأغمض عينيه للحظة، ثم أكمل بصعوبة: إن حور اتولدت...عايشة.

اتسعت عيناها بصدمة، وكأن الزمن توقف من حولها.

وساد صمت ثقيل...

خرج صوتها هامسا بالكاد يسمع: أنت... أنت بتقول إيه؟

تنفس بصعوبة، ثم قال بسرعة، وكأنه يخشى التراجع: قالتلي إنها دخلت حضانه... وهي وعماد اتفقوا يقتلوها، لكن السواق بدل ماينفذ كلامهم سابها عند واحدة تربيها.

رفع عينيه إليها، وقد سالت دموعه أخيرا: أنا مصدقتهاش، ودورت ورا الكلام ده، وشوفت البنت بنفسي واتكلمت معاها... وكانت معايا طول اليوم امبارح.

صمت لحظة، ثم أخرج الورقة من جيبه، وصوته يرتجف: عملت تحليل DNA، والنتيجة أكدت إنها بنتنا حور يا ماسة!

غص قلبه وتسارعت نبضاته: أنا عارف إن الكلام صعب، ومستحيل يتصدق، بس دي الحقيقة، حور عايشه مماتتش!

كانت تنظر إليه بوجه أصبح شاحبا حتي فقد تعبيراته، كأنه تمثال لا يشعر بشيء.

وفجأة...ضحكت.

ضحكة قصيرة مرتبكة، لا تشبه الفرح ولا التصديق.
ثم ضربت بكفها على صدره ضربة خفيفة، وهي تقول: بطل هزار سخيف يا سليم، حور مين إللي عايشة؟ أكيد هلاوس من الدوا اللى بتاخده، بنتنا ماتت...ماتت.

أمسك يدها والدموع تملأ عينيه: أنا عارف إن الموضوع صعب... بس...

انتفضت واقفة، وسحبت يديها من بين يديه بعنف، ثم تراجعت عدة خطوات إلى الخلف: بس إيه؟! أنت سامع نفسك بتقول ايه؟ مين دي إللي عايشة؟! عايشة إزاي؟! بنتنا ماتت!

كانت تهز رأسها بعنف، وكأنها تحاول طرد كلماته من عقلها: إيه يا سليم؟! إنت شارب حاجة؟! ولا حد ضحك عليك؟!

أسرع نحوها يمد يديه إليها: أهدي... علشان خاطري.

صرخت وهي تبتعد عنه أكثر: أهدى إيه بس بعد إللي بتقوله ده؟!

خرج صوته مرتجفا بعينين اغرورقت بالدموع: أنا عارف إنه صعب، بس دي الحقيقة.

انهمرت دموعها بغزارة، وأخذت تهز رأسها بإنكار تام: عايشه أزاى يعني!؟

وضعت يدها على رأسها وهي تتراجع خطوة أخرى، وأنفاسها بدأت تتسارع: لا... لا... مستحيل... مستحيل.

نظرت إليه بعينين غارقتين في الدموع، وهمست بصوت مكسور: أنا دفنت بنتي يا سليم، وبكيت عليها سنين، ووقفت قدام قبرها واتكلمت معاها، تيجي النهاردة تقولي إنها عايشة؟! بسهوله كدة؟! إزاي...؟ 

جذبها إلى أحضانه بقوة، وأخذ يربت على ظهرها بينما دموعه تنهمر هو الآخر، وهو يقول بصوت متحشرج: أنا عارف إن الموضوع صعب بس دي الحقيقة يا ماسة، حور عايشة..

أغمض عينيه وأكمل بصعوبة: خطفوها، وكانوا متفقين يقتلوها، لكن السواق مقدرش يعمل كده، وسابها تعيش..

ابتلع غصته، وتابع ببكاء: والقبر إللي كنا بنروحله فاضي يا ماسة، كنا بنبكي على قبر فاضي، بنتنا عايشة..

أبعدها وهو يضمم وجهها بكفيه: حور عايشة وتحت دلوقتي، مستنية تشوف مامتها.

ووضعت يديها على فمها، وانفجرت في بكاء مرير، وخي تهز رأسها بعنف: قولي إنك بتهزر، قولي إنك بتهزر وهسامحك... والله هسامحك بس متعملش فيا كده...

صرخت بصوت يمزق القلب بتوسل: متقوليش إن بنتي كانت عايشة طول السنين دي بعيد عني! وإني عشت محرومة منها طول السنين دي، عشت كل يوم بعيط عليها، وبروح أبكي على قبرها، وفي الآخر يطلع قبر فاضي!

أنهارت على ركبتيها وهي تبكي بحرقة، فجلس أمامها سريعًا، وأمسك وجهها بين كفيه، وقال محاولا التمسك بالأمل وسط كل هذا الوجع: بصيلي يا ماسة، أنا عارف إن إللي حصل عمره ما هيتنسي، وعارف إن السنين إللي راحت محدش هيقدر يرجعها لكن جاوبيني، إيه الأحسن؟ إنها ترجعلنا ولا تفضل ميتة؟

ضم وجهها بين كفيه وهو ينظر لها ويكمل بنبرة موجوعة: بنتنا رجعتلنا يا ماسة، عارف إنها صعبة لكن حاولي تشوفيها من الناحية الحلوة.

شهقت بقوة وهي تهز رأسها بعنف حتى بح صوتها: الأتنين وحشين... الأتنين أوحش من بعض! أنا عشت كل السنين دي فاكرة إنها ماتت، وبالعافية قدرت أتخطى، وفي الآخر تيجي تقولي بنتك عايشة! هي عاشت محرومة مني؟ كبرت بعيد عن أمها؟!

أنهمرت دموعها أكثر، وقالت بصوت مخنوق، تقطعه الشهقات: فين الحلو يا سليم؟! أنا عشت كل السنين دي محرومة منها، مشوفتهاش وهي بتكبر، معرفش شكلها وهي طفلة، ولا ريحتها، ولا أول كلمة قالتها! أول مرة نادت "ماما" قالتها لمين؟ ولما كانت بتعيط وتدور على حضني مين كان بيحضنها؟ أول مرة مشت، أول مرة وقعت، أول مرة ضحكت، أول مرة تعبت مين كان بيسهر جنبها؟ مش أنا...

ازدادت شهقاتها وهي تكمل بمرارة أم موجوعة: أنت ناسي إحنا تعبنا قد إيه علشان تيجي؟ سنة كامله علاج وحقن، و 9شهور بحلم باليوم إللي أشيلها فيه بين إيديا، وفي الآخر قالولي ماتت...صدقت، وغصبت نفسي أعيش، وغصبت قلبي يودعها... تيجي النهاردة تقولي إنها كانت عايشة؟! والمفروض أستوعب ده في لحظة؟!

أمسك يديها المرتجفتين، وقال بهدوء يخفي خلفه وجعه: مقولتش تبقي عادي يا ماسة، ولا طلبت منك تنسي إللي فات، أنا بس بقول إن ربنا أدانا فرصة تانية، ولسه قدامنا عمر كامل نبني فيه ذكريات جديدة معاها.

هزت رأسها بعنف وهي تبكي بحرقة: بس أجمل الذكريات خلاص راحت، الذكريات إللي كل أم بتحلم تعيشها مع بنتها راحت خلاص.

وضعت يدها على صدرها، وقالت بصوت يقطر قهرا: فيه واحدة تانية هي إللي سمعت أول "ماما"، وهي إللي شافت أول ضحكة، وهي إللي حضنتها أول ما وقعت، وهي إللي سهرت عليها وهي تعبانة... مش أنا.

واختنق صوتها أكثر، وهمست ببكاء: 5سنين من عمر بنتي اتسرقوا مني، 5سنين محدش في الدنيا يقدر يرجعهم.

تابعت وهي تبكي بقهر أم حرمت من طفلتها: طب  بلاش كل ده أنا هقولها إيه؟ هتعامل معاها إزاي؟ أنا معرفهاش يا سليم، معرفش بتحب إيه وبتكره إيه؟! هي نفسها يمكن متحبنيش، علشان مش هبقى عارفاها، كل ما أشوفها هحس إني غريبة عنها،  مش هعرف أتعامل معاها، ولا هبقى فاهمة هي عايزة إيه.

خرجت شهقاتها بحرقة وهي تكمل: ليه حرموني منها؟ إزاي هان عليهم يعملوا فينا كده؟ ليه... ليه يعملوا كده؟ آااه... حرام... والله حرام.

تأثر بشدة، وحاول تهدئتها رغم الضجيج الذي يعصف بقلبه، والدموع التي خانته وانحدرت علي خده تأثرا بوجعها، لكنه كان يعلم أنه لا بد أن يبقى قويا من أجلها.

ضم وجهها بين كفيه وقال وعيناه تمتلئان بالدموع: عارف والله عارف إن وجعك عمره ما هيتوصف، ولو بإيدي أرجع الزمن، كنت عملت المستحيل علشان متفوتيش لحظة واحدة من عمرها.

تنهد بصعوبة، وأردف: بس اسألي نفسك سؤال واحد... لو كان قدامك تختاري بين إن ال5 سنين يكونوا راحوا وبنتك ترجعلك دلوقتي، أو تفضلي عند قبر فاضي طول عمرك... هتختاري إيه؟

صمت لحظة، ثم تابع وهو يمسح دموعها بإبهامه: إحنا مظلومين يا ماسة، لكن مخسرنهاش الحمد لله، هي رجعتلنا، ولسه عندنا فرصة نكون أبوها وأمها، ونعوضها عن كل يوم فات، ونعيش معاها كل يوم جاي، ومهما فات من عمرها... عمره ما فات من قلبها، هي لسه مستنية حضن أمها، الحضن إللي محدش في الدنيا يقدر يعوضه.

قالت بمرارة بنبرة تخرج بصعوبة: طب هما ليه عملوا كدة؟! ودلوقتي بيرجعوها تاني.

مسح دموعها برفق، وقال بصوت مختنق: هما أصلا مكانوش يعرفوا إنها عايشة، والله يا ماسة أنا زيك، الصدمة وجعاني، بس أول ما تشوفيها وتاخديها في حضنك، هتحسي بإحساس عمرك ما حسيتيه، هتلاقي نفسك مش عايزة تعملي حاجة غير إنك تضميها كل شوية، هتحسي إن كل السنين دي بتتعوض في حضن واحد، وإنها طول عمرها بنتك، حتى لو الأيام سرقتها مننا. 

بكت وهي تضع يدها على قلبها: هتعامل معاها إزاي؟ مش هعرف...

ابتسم وسط دموعه بيقين وهو ينظر داخل عيناها ليؤكد المعنى: هتعرفي... لإنك بتحبيها، دي كبرت جواكي 9 شهور يا ماسة، القلب عمره ما بينسى بنته، وهي ما شاء الله عليها عسولة، هتلاقيها بترمي نفسها عليكي كأنك مبعدتيش عنها لحظة.

إنهارت أكثر، ووضعت يديها على صدرها، بينما تعالت أنفاسها بصورة متلاحقة، وكأن مطرقة ثقيلة تهوي على رأسها وقلبها معا، خرج صوتها ممزقًا من شدة القهر والمرارة التي يستحيل وصفها: أنا مش قادرة، بجد خلاص مش قادرة، حرام إللي بيحصلي ده.. مش قادرة... آااه...ليه يحصلي كل ده؟ ليه أعيش الوجع ده كله؟ أعيش عمري كله فاكرة إن بنتي ماتت، وهي كانت عايشة... ودلوقتي بتطلب مني أستوعب إنها عايشة وأتعامل معاها كأن كل إللي فات محصلش... أنا مش قادرة يا سليم... والله مش قادرة.

ضمها بقوة، وأخذ يربت على ظهرها بحنان، بينما كانت دموعه هو الآخر تنساب بصمت: أهدي يا عشقي علشان إللي في بطنك، بالله عليكي أهدي.

ابتعدت عنه قليلا وهي تنتحب بشدة، ثم قالت بصوت متقطع: هقولها إيه؟ هقولها كنت فين ال5 سنين دول؟ سبتها فين؟ وهي كانت فين؟ لو سألتني ليه سيبتيني... أرد عليها أقول إيه؟

مسح دموعه بطرف كفه، وقال محاولا طمئنتها: الحمد لله الموضوع أبسط من إللي أنتِ متخيلاه، هم فهموها إننا كنا مسافرين، وكانوا بيخلوها تكلم ناس على إنهم إحنا، والبنت ما شاء الله عليها، اتعلقت بيا بسرعة... ونامت في حضني امبارح.

ارتعش قلبها، وظهر وسط دموعها بصيص أمل: بجد؟

أومأ بابتسامه رغم الدموع التي تملأ عينيه: والله العظيم، وهتحبك أوي، بس أول ما تشوفيها، عامليها كأنك عارفاها من زمان، ومتحسسيهاش بأي حاجة..

ابتسم من وسط دموعه قائلا: وعارفة قالتلي إيه؟ قالتلي أنا زعلانة منك يوم ويوم ويوم، افتكرتك علطول لما كنتي بتقولي هخاصمك 3 أيام.

هز رأسه وهو يبتسم بحنان: طلعت حتة منك، ولون عنيها شبهك بالظبط، نسخه صغيره منك.

ضحكت ضحكة بلهاء وهي تمسح دموعها: يا عمري...

اعتدل في جلسته، وقال بصوت هادئ حتى تنتبه: بس خدي بالك يا ماسة، هي عارفه إننا بابا وماما، فحاولي تتعاملي معاها كأنك شوفتيها قبل كده، وكنتي مسافره .. فاهمة قصدي؟

هزت رأسها وهي تبكي بصوت مرتجف:لا مش هعرف.

قال بحسم وهو ينظر في عينيها بثقة: هتعرفي.

هزت رأسها بإصرار، والدموع لا تتوقف عن الانهمار: لا...مش هعرف، أول ما أقف قدامها هلاقي نفسي مش عارفة أعمل حاجة، هتلخبط في الكلام قدامها، مش هعرف يا سليم.

ابتسم رغم الألم الذي يعتصر قلبه، وقال محاولا التخفيف عنها: أنتِ فضلتي سنتين تضحكي على سليم الراوي، مش هتعرفي تضحكي على طفلة صغيرة؟

شهقت بحرقة، وكأن كل ما تبقى بداخلها من قوة قد أنهار في تلك اللحظة، فرفعت عينيها إليه، وقالت بانكسار: بس أنا خلاص مبقتش قادرة أمثل تاني، مبقتش قادرة أداري الوجع إللي جوايا، تعبت يا سليم، بجد تعبت، الوجع المره دي أكبر مني.

أمسك وجهها بين كفيه، وأجبرها برفق أن تنظر إليه، وقال بحنان: المرة دي مش هتمثلي علشان تهربي، ولا علشان حد مهددك، المرة دي هتعملي كده عشان بنتك، المرة دي فيها حب... مفيهاش خوف، ولا تهديد، ولا ولاوجع، فيها فرصة ربنا اداهالنا علشان يعوضنا.

بكت بصوت خافت، وقد خارت قواها تماما: مش هعرف... والله ما هعرف..

أومأ بثقة، وربت على يديها برفق: هتعرفي والله هتعرفي، كل المطلوب منك إنك تقوليلها إننا كنا مسافرين، زي القصة إللي اتقالتلها طول السنين إللي فاتت، هي أصلا مقتنعة بكده، ومش هتشك في أي حاجة، خديها في حضنك وحبيها، والباقي هييجي لوحده..

ابتسم ابتسامة صغيرة وسط دموعه، وأضاف: صدقيني، أول ما تناديكي "ماما" كل الخوف إللي جواكي هيختفي.

لم تستطع المقاومه وانهارت في البكاء مره أخري، فانحنى إليها يحتضنها بقوة، بينما كانت دموعه هو الآخر تنهمر، لكنه كان يحاول أن يبقى ثابتا من أجلها.

خرج صوتها مكسورا: هو ليه بيحصلنا كده؟ لحد امتى هنفضل نتوجع كدة.

مسح على شعرها بابتسامة أمل: بالعكس... أخيرا الدنيا ضحكتلنا، بنتنا رجعت، وإنتِ حامل، وأخيرا هنعيش الحياة إللي كنا بنحلم بيها.

هزت رأسها بأنين: كان نفسي أشوفها وهي بتكبر، كان نفسي أشم ريحتها، أنا معرفش عنها أي حاجة.

مد وجهه بحزن: وانا كمان كان نفسي، بس هنعمل ايه، ربنا كتبلنا كدة، المهم انها رجعت تاني...

ثم ابتسم وابعدها وهو يقول: يلا...حور نفسها تشوفك.

أخذت نفسا مرتجفا، وقالت باضطراب:طب فهمني، هي عارفة إيه؟

أخذ نفسها عميقا، وقال موضحا: فاكرة إننا كنا مسافرين، والست إللي ربتها كانت بتخليها تكلم ناس في التليفون على إنهم إحنا، وكانت بتبعتلها جوابات كأنها جاية مننا، دي كل المعلومات إللي أعرفها دلوقتي، أما حكاية عاطف وصافيناز هحكيهولك بعدين، دلوقتي أهم حاجة إننا منضيعش وقت أكتر من كده.

نظرت إليه بعدم استيعاب، وهي تمسح دموعها: طب الست دي عملت كده ليه؟ ليه فهمتها إن ليها أب وأم عايشين؟ وليه خلت ناس غريبة يكلموها على إنهم إحنا؟

تنهد، وأجاب بصوت هادئ: سألتها نفس السؤال، قالتلي إن قلبها مجبهاش يحرمها من إحساس إن ليها أب وأم، كانت شايفة إن البنت تستحق تعيش وهي حاسة إن فيه حد بيحبها ومستنيها، حتى لو كانت الحقيقة غير كده.

ساد الصمت بينهما لثواني، وماسة تحاول استيعاب كل ما تسمعه ثم همست بارتعاش: طيب... روح هاتها.

ظهرت على وجهه ابتسامة صغيرة ممزوجة بالراحة: أيوه كده، هي دي ماسة إللي أعرفها.

اقترب منها ووضع قبلة طويلة على رأسها، ثم توقف، وأمسك بيديها يساعدها على الوقوف: مش هتأخر عليكي، هي هتيجي تقولك "ماما، أنا جيت" وساعتها اتفاجئي بقى وكده، علشان اقنعتها إننا هنعمل فيكي مقلب وهي هتفاجئك.

أخذت نفسا عميقا، ومسحت دموعها، ثم هزت رأسها وهي تحاول أن تبدو قوية: ماشي... ماشي... خلاص، والله أنا... أنا بقيت قوية خالص.

ابتسم لها بحنان، وربت على خدها برفق، ثم استدار متجها نحو الباب.

خطا خطوة لكن صوتها المرتجف أوقفه: استنى.

ألتفت إليها بسرعة.

كانت واقفة مكانها، تضم يديها إلى صدرها، وعيناها تمتلئان بالخوف، همست بضعف: أنا خايفة!

ظل ينظر إليها بصمت، فأغمضت عينيها وهي تقاوم البكاء: لا... روح... خلاص روح.

وما إن استدار حتى عادت تناديه مرة أخرى: لا... مش هعرف أنا... مش مستعدة.

وانفجرت في البكاء.

عاد إليها سريعا، واحتضنها بقوة، بينما كانت تصرخ من شدة الوجع داخل حضنه.

همس وهو يقبل رأسها: هششش، خلاص يا حبيبتي، أهدي... أنا معاكي، ومش هسيبك.

أضاف كي يقوبها: أنا كمان كنت زيك مش مستعد، لكن هي كانت مستعدة، ومستنية حضن باباها ومامتها من 5 سنين، بلاش نستنى أكتر من كده، بعدين  كفاية بقى عشان إللي في بطنك. 

أغمضت عينيها، وأومأت برأسها موافقة وهي تاخذ نفسها: ماشي .. ماشي يلا روح.

ربت على كتفها برفق، ثم ابتسم ابتسامة مطمئنة: دقيقة واحدة، وهرجعلك بأحلى مفاجأة في الدنيا.

وبالفعل خرج من الغرفة، بينما بقيت ماسة واقفة مكانها، تحاول استيعاب ماسمعته.

فبعد دقائق قليلة، سترى ابنتها التي حُرمت منها سنوات طويلة، ابنتها التي ظنت أنها ماتت ولم يبقى منها سوى ذكريات مؤلمه، والتي كانت منذ أيام قليلة تبكي أمام قبرها، والآن وبعد لحظات، سيفتح الباب وتدخل منه وتستطيع ضمها إلى صدرها!

حاول عقلها استيعاب الموقف لكنه عجز، شعرت بقشعريرة تسري في جسدها بأكمله، ونبضاتها تتسارع وكأن قلبها سيقفز خارج صدرها.

أسرعت نحو الباب، وأغلقته بالمفتاح، ثم استندت إليه ووضعت يدها على فمها، تحاول كتم شهقاتها، لكنها لم تستطع، فقد كان قلبها يعتصر من الألم...

كان تشعر بوجع لا يشبه أي وجع عاشته من قبل، وجع أم سرقت منها طفلتها لسنوات، ثم عادت إليها فجأة، وطلب منها في لحظة واحدة استيعاب أنها كانت حية طوال هذا الوقت، بل واستقبالها ببساطه وكأن السنوات التي سُلبت من عمرهما لم تكن. 

وضعت يدها على بطنها، فتذكرت طفلها الذي تحمله، أغمضت عينيها بقوة: لازم أهدى... لازم أمسك نفسي... علشانه وعلشانها.

لكنها لم تستطع سقطت على الفراش، ودفنت وجهها في الوسادة، وانفجرت في بكاء مرير، تكتم صرخاتها داخلها حتى لا يسمعها أحد.

وبين شهقاتها، تذكرت فجأة، أنها قادمة، مجرد لحظات وستكون بين يديها.

هزت رأسها بسرعة، ومسحت دموعها بكفيها، لا... 
لا يجب أن تراها هكذا، لا يجب أن يكون أول ما تراه في أمها، الانهيار.

أخذت نفسا مرتجفا، وأجبرت قدميها على الحركة نحو الحمام، محاولة أن تخفي ذلك الوجع الذي كان ينهش قلبها، قبل أن تأتي اللحظة التي انتظرتها عمرا كاملا..

فتحت الماء، وأخذت تغسل وجهها مرة تلو الأخرى، بينما كانت دموعها الساخنة تسبق الماء، فتنزل دون إرادة، وكأنها لم تعد تملك السيطرة عليها.

خرجت ووقفت أمام مرآة التسريحة، تحاول رسم ابتسامة علي وجهها، لكن شفتيها ارتعشتا.

حاولت مرة أخرى...

فانهمرت دموعها من جديد، رفعت يديها تمسحها بعجلة، لكنها كانت تنزل تلقائيا، كأنها خرجت عن إرادتها.

وضعت يدها على قلبها، وأخذت تربت عليه برفق، تحاول تهدئة نبضاته المجنونة، ثم همست بصوت متقطع، اختنق بالدموع: يا ودود... يا ودود... يا ودود...

ثم رفعت عينيها إلى السماء، وهي تبكي: يا رب... والنبي يا رب قويني، يا رب خليني أستحمل، خلي اللحظة دي تعدي من غير ما يجرالي حاجة، أنا حاسة إني هموت من الصدمة والوجع.

وأغمضت عينيها بقوة، وأخذت تردد وهي تنتحب: يارب...يارب... ياودود.. ياودود... ياودود... يا رب... قوّيني... علشان خاطر بنتي... علشان أعرف أحضنها بس يارب...

على إتجاه آخر 

كانت حور تجلس على الأرجوحة، بينما كان مكي يدفعها برفق، وضحكاتها الصغيرة تملأ المكان بسعادة.

في تلك اللحظة خرجت سلوى إلى الحديقة، وما إن وقعت عيناها على الطفلة حتى توقفت باستغراب.

اقتربت منها بابتسامة دافئة، وانحنت حتى أصبحت في مستواها: يا سلام... مين القمر دي؟

ابتسمت حور بخجل، فقالت سلوى وهي تقرص خدها بدلال: إزيك يا حلوة؟ اسمك إيه؟

ابتسمت الصغيرة وهي تجيب: أنا جنة.

ربتت سلوى على شعرها وهي تضحك: اسمك كمان جميل زيك، عاملة إيه يا جنة؟

أجابت: كويسة.

ثم سألتها بابتسامة: أنتِ جاية مع مين؟

أشارت بيدها نحو سليم، الذي كان يقترب: مع بابا.

التفت سلوي تري ما تشير اليه، ثم عقدت حاجبيها بدهشه: بابا؟!

وفي تلك اللحظة اقترب سليم، وما إن رأته حور حتى اتسعت ابتسامتها، ومدت ذراعيها نحوه وهي تهتف بسعادة: بابا!

إنحني وحملها بين ذراعيه، فطوقت عنقه بذراعيها وهي تضحك.

ثم قالت بحماس: يلا بقي نروح لماما.

تجمدت سلوى في مكانها.

وانتقلت نظراتها بين سليم والطفلة، بعد استيعاب وهي تردد بلا وعي: ماما؟!

ابتسمت حور وهي تهز رأسها بحماس: أيوة، هنروح لماما.

رفع سليم عينيه إليها، والتقت نظراتهما،ثم قال بهدوء: بعدين يا سلوى.

واستدار وهو يحمل حور بين ذراعيه، متجها إلى داخل الفيلا.

ظلت تتابعه بعينيها حتى أختفى، ثم التفتت إلى مكي تتسأل بذهول: هو اللي سمعته ده بجد؟! مين البنت دي يا مكي؟

تنهد ببطء: تعالي نقعد، وهفهمك كل حاجه.

تحركا وجلسا على المقاعد، فسألته بقلق: قولى بقي مين دي؟ وبتقول لسليم بابا ليه؟ وماما ايه اللى رايحالها جوه؟

ظل صامتا لثواني، يبحث عن الكلمات المناسبة، ثم قال بخفوت: البنت دى تبقي حور.

اتسعت عيناها بصدمه: حور أزاي؟! حور ماتت ودفناها من زمان!

صمت لوهلة يرمش بعينه: لا حور مماتش، طلعت عايشه!

اتسعت عيناها حتي كادت تخرج من محجرهما،وهمست بعدم استيعاب: إزاي يعني؟! إنت أكيد فاهم غلط.

هز رأسه نافيا، وقال بهدوء: أنا فاهم ان الموضوع غريب، وشبه مستحيل، بس دى الحقيقه. 

وضعت يدها على جبينها، وبدأت دموعها تنهمر: أكيد بتهزر! مش معقول تكون كل السنين دي عايشة، وإحنا منعرفش، أنا حاسة إنك بتحكيلي مسلسل... مش واقع.

تنهد يمسح وجهه: والله يا سلوى أنا زيك، لحد دلوقتي مش قادر أستوعب ولا أفهم إزاي كل ده حصل، بس أكيد هييجي وقت ونقدر نفهم ونستوعب.

هزت رأسها بدموع لا تتوقف: أستوعب إيه بس؟! عايز تقولي إن بنت أختي كانت عايشة كل السنين دي، وإحنا فاكرينها ميتة؟! يا حببتي يا ماسه..

اقترب منها مكي، وأمسك يدها برفق: اسمعيني يا سلوي، احنا مينفعش ننهار، لازم نبقى أقوياء، علشان نقدر نقف جمب سليم وماسه، هما دلوقتي داخلين على أصعب لحظة في حياتهم، لازم نساعدهم يتأقلموا ويستوعبوا إللي حصل ويعدوه، هما دلوقتي محتاجينا أكتر من أي وقت.

مسحت دموعها بطرف كفها، ثم ابتسمت وقالت بصوت مرتعش: دى حلوة أوي، وشبه ماسه خالص

اومأ لها بابتسامه، فتنهدت وهي تنظر نحو الفيلا: ربنا يعوضهم عن كل الوجع إللي عاشوه، ويجبر كسرهم يارب.

على إتجاه آخر

جلس ماسة على الفراش، تحاول أن تبدو هادئة قدر المستطاع، وهي تنتظر مجيء ابنتها.

وفجأة..

تعالت طرقات خفيفة على الباب.

عرفت...أنها هي.

فاتسعت عيناها، وأخذت تنظر حولها باضطراب.
و


                 الفصل الأربعون من هنا 

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة