رواية الماسة المكسورة 2 الفصل التاسع والثلاثون 39 بقلم ليله عادل


رواية الماسة المكسورة 2 الفصل التاسع والثلاثون 39 
بقلم ليله عادل



[ ليست جميع النهايات تُشبه ما رسمناه في خيالنا، أحيانا يطول الوجع حتى نظن أنه صار قدرا، ثم يبتسم القدر أخيرا، فيذيب سنوات من المرارة بقطرة واحدة من العسل، فالقلوب التي صبرت على الفقد...قد يأتيها يوم تزهر فيه الحياة من جديد..]
ليلة عادل✍️🌹

           الفصل التاسع والثلاثون❤️🤫

            [بعنوان: مراره بطعم العسل]

اتسعت عيناه حتى احمرتا، واستوحشت ملامحه،
اندفع نحوها، وقبض بيد واحدة على مقدمة بلوزتها من عند صدرها، وجذبها إليه بعنف، حتى كادت قدماها ترتفعان عن الأرض: : أنتِ بتقولي إيه؟!  حور مين اللي اتولدت عايشة؟!

هزت رأسها بعنف بملامح مرعبه: أيوه، والله اتولدت عايشة ودخلت الحضانة، وعماد خدها، أنا قولتله ميقتلهاش...اترجيته، بس مسمعش كلامي.

أكملت وهي تبكي بهستيرية واضطراب: اداها لعاطف السواق يقتلها، أسأل عاطف، هو عارف كل حاجه. .

شهقت ببكاء متوسله: انت لازم تقتله، اقتل عماد وخد حق بنتك.

أفلتها فجأة، فتعثرت وسقطت على الأرض.

أما هو، فبقي واقفا يتنفس بصعوبة، وقد تجمدت ملامحه من هول الصدمة. لم يستطع عقله استيعاب أن ابنته التي اعتقد لسنوات أنها وُلدت ميتة، اكتشف للتو أنها أبصرت الحياة بالفعل قبل أن تسُلب منها بوحشية وهي لا تزال رضيعة؟

شعر وكأن الأرض تميد تحت قدميه، جز على أسنانه، وأطلق صيحه جهورة: هقتله، والله لأقتله!

اندفع للخارج كالإعصار، وهو يصرخ بأعلى صوته: مكي!

ركض مكي إليه مذعورا: ايه يا سليم!

أجابه وعيناه تقدحان نارا: عايز عاطف سواق عماد حالا.

اومأ سريعا: حاضر، بس عايزه ليه؟

ضرب الحائط بقبضته، وصاح بغضب: خلص يا مكي، اعرفلي مكانه بسرعه.

شعر مكي أن شيئا كارثيا قد حدث، فأومأ برأسه وأخرج هاتفه على الفور، وبدأ يجري اتصالاته.

في الداخل، كانت صافيناز تضرب الباب بكل ما أوتيت من قوة، وهي تصرخ بجنون: سليم! افتحلي! سيبني أخرج اقتله! لازم أقتله واقتلها، سليييم...

أما سليم، فظل جامدا في منتصف الردهة، يحاول استيعاب ماسمعه للتو! لقد جاء إلى هنا ليصطاد اعترافا عن الحادث، لكنه خرج باعتراف هدم حياته بأكملها.

ألم يكفهم ما اقترفوه في حقه وحق ماسة؟ ألم تكفهم سنوات القهر والوجع التي سلبوهما إياها؟ أي ذنب اقترفته طفلته الصغيرة حتى تنال هذا المصير؟ ألم يرق قلبهم ولو للحظة وهم يذبحون رضيعة لا تعرف عن الدنيا سوى أنفاسها الأولى؟

ماذا يفعل الآن؟ وكيف سيواجه ماسة بهذه الحقيقة التي تهدم الروح قبل القلب؟ وكيف يمكنه إخفاء أمرا كهذا عنها، كان يشعر بجحيم مكتوم يشتعل داخله، ينتظر شرارة واحدة لينفجر ويلتهم كل شيء أمامه..

أطلق زفرة مثقلة بالألم، ثم أسند جبينه إلى الحائط وأغمض عينيه بقوة، كأنه يفرغها من آلاف الأسئلة التي تنهش عقله بلا رحمة، لكن كلما حاول الهرب منها، عادت إليه أشد قسوة، حتى أوشك أن يختنق بها.

ظل علي هذا الحال، وبعد دقائق، جاء مكي مسرعا: عرفت مكانه يا سليم!

رفع عينيه إليه: فين؟

أجابه وهو يمد هاتفه: في شقته في مدينة الشروق، ده اللوكيشن بتاعها.

انتزع الهاتف من يده دون أن ينطق بكلمة، واتجه مباشرة إلى الخارج.

صرخ مكي وهو يركض خلفه: سليم! فهمني طيب ايه اللى حصل، انت يابني!

لكنه لم يستطع اللحاق به، فقد اندفع إلى سيارته، وأدار المحرك، وانطلق كالسهم.

قفز مكي إلى السيارة الأخرى وصاح بالحراس: تعالوا ورايا بسرعه.

ثم انطلقت خلف سيارة سليم التي كانت تشق الطريق بسرعة جنونية.

أما سليم... فلم يكن يرى الطريق أمامه.

اختفت السيارات، وتلاشت أصوات المنبهات، وكأن العالم بأسره انطفأ من حوله.

كان يقود كمن انتزع منه عقله، يضغط على المقود حتى ابيضت مفاصله، بينما كانت عيناه تتقدان بنار امتزج فيها الغضب بالذهول، بينما قلبه يحترق مع كل مرة تتردد فيها الحقيقة داخله "حور.. ولدت حية، وقتلت."

منزل سارة3م

وقف رشدي يطرق الباب بعنف، وهو يصرخ بجنون: افتحي يا سارة!... افتحي!

واصل الطرق بلا توقف، لكن لم يصله أي رد.

وفي تلك اللحظة، خرج البواب من غرفته وهو يقول بحذر: يا بيه... مفيش حد هنا، الهانم مسافره.

التفت إليه بعينين مشتعلتين: سافرت إمتى؟ وفين؟

هز كتفيه: علمي علمك با بيه، هي مسافرها من يجي أسبوع كده... ولسه مرجعتش.

قطب حاجبيه، ثم سأله: وعماد؟

رفع يديه: معرفش عنه حاجه، من ساعه ما الست هانم سافرت وهو مش بيجي.

ضغط على أسنانه حتى كاد يحطمها من شدة الغضب، بينما كانت عروقه تنبض بعنف، وعيناه تشتعلان بقلق لم يعرفه من قبل. 

لم يعد هناك مجال للشك... فاختفاء عماد هذا زاده يقينا بأن له يدا فيما أصاب مي، لكن السؤال الذي كان ينهش عقله بلا رحمة "أين اختفى؟"

لم يمنح نفسه فرصة للتفكير. اندفع نحو سيارته، وصفق بابها بعنف، ثم انطلق كالسهم يشق الطرقات بسرعة جنونية، حتي وصل لفيلا زيدان، والد عماد.

ترجل منها بخطوات متسارعة، وقلبه يخفق بعنف، وقد عقد العزم على ألا يغادر هذا المكان قبل أن يحصل على الإجابات التي يبحث عنها... مهما كان الثمن.

ترجل من سيارته، واخذ يضرب الباب بعنف، ففتحت له الخادمة بذعر، لكنه تجاوزها وهو يهتف بصوت هادر: زيدان!...أنت فيين؟

خرج زيدان من مكتبه وهو ينظر إليه باستغراب: في إيه يا رشدي؟ إيه الدوشه اللي عاملها دى؟

اندفع نحوه، وأمسكه من ياقة قميصه بعنف: ابنك فين؟!

صاح زيدان بغضب: أنت اتجننت؟! سيب!

هزه بقوة وهو يصرخ: ابنك فين يا زيدان؟! انطق!

وفجأة أخرج مسدسه، وصوبه نحوه: انطق بدل ما اخلص عليك، ابنك فيين؟

وفي ثواني، اقتحم رجال الأمن المكان، وأمسكوا برشدي وأبعدوه بالقوة.

صاح زيدان وهو يعدل ملابسه: أنت اتجننت؟! جاي ترفع عليا مسدس في بيتي!

لكن رشدي لم يهدأ، بل ظل يحاول الإفلات منهم وهو يصرخ: ابنك فين يا زيدان؟ اوعى انت وهو.

زيدان بحدة: عماد مسافر بقاله أسبوع.

نظر إليه بعينين مشتعلتين: هات رقمه.

أجابه بهدوء: الرقم اللي معايا مقفول، أنا معرفش هو فين، بس اللي أنت عملته ده هتتحاسب عليه.

اقترب رشدي خطوة، وعيناه تمتلئان بالوعيد: وابنك كمان هيتحاسب...بلغه إني مش هسيبه..

ثم صاح بصوت أرعب الجميع: والله لأجيبه وأقتله، وأعلقه على بوابة الفيلا دي بإيدي!

ظل ينظر إليه زيدان بهدوء غريب، بينما استدار رشدي وغادر المكان والغضب يكاد يحرقه من الداخل.

وفور مغادرته، أسرع زيدان إلى مكتبه، وأخرج هاتفه، واتصل بعماد.

جاءه صوته هادئا: خير يا بابا؟

رد بانفعال: أنت عملت إيه لرشدي؟! جه هنا متجنن، وحالف يقتلك!

أجابه ساخرا: معملتش حاجة، تلاقيه متقل في الشرب ولا حاجه..

زيدان بحزم: شوف الموضوع فيه ايه بسرعه.

تنهد قائلا: حاضر... هقفل وأعرف الموضوع.

هز زيدان رأسه بضيق: قولتلك اللعب الكتير ده نهايته وحشة.

رد بضجر: خلاص يا بابا... سلام.

أغلق الهاتف، فاقتربت منه سارة تتسأل بقلق: في إيه؟

مد وجهه: مش عارفه، بابا بيقول رشدي بيدور عليا، وراح لبابا يهدده إنه هيقتلني!

نظرت إليه بقلق: تفتكر يكون عرف إن أنت اللى ورا محاولة قتله!

قطب حاجبيه: مش عارف! هيعرف منين اصلا؟ 

ابتلعت ريقها بقلق: يمكن الواد اللى اتفقت معاه، نفذ تهديده وبعتله التسجيل فعلا! 

تبدلت ملامحه عند هذا الاحتمال، وقال سريعا: طب استني.

نزع الشريحه من هاتفه، ثم وضع الشريحه القديمه، وضغط على رقم رشدي.

في تلك الأثناء...

كان رشدي يقود سيارته بسرعة جنونية، وفجأة... رن هاتفه باسم عماد.

ضغط على الفرامل بعنف حتى صرخت الإطارات، ثم أجاب فورا: أنت فين يا ابن الكلب؟! أقسم بالله هقتلك!

ضحك عماد بخفة: بالراحه علي نفسك يا عم، داخل سخن كده ليه؟

صرخ رشدي: عملت ايه لمي؟

رد ببرود: معملتش حاجة.

صاح بغضب: يعني إيه معملتش؟! قولتلها إيه يا حيوان... انطق!

ضحك عماد باستفزاز: المرة دي... مش أنا.

ثم أكمل بسخرية: شوف مين اللي باعك وراح قالها انت اللي بيكرهوك كتير، معلش يا رشدي... يوم ليك ويوم عليك، ويبدو إن الأيام دي كلها عليك..

اشتعلت عينا رشدي وهو يهدر: لو عرفت إن ليك يد والله لأقتلك! لو مستخبي تحت الأرض هجيبك وهقتلك!

قال كلماته، وانهي المكالمه، ثم انفجر صارخا، وهو ضرب المقود بكل قوته: أمال مين؟!...لما مش الزفت اللى قلها، هيكون مين؟!
♥️_________________بقلمي_ليلةعادل 

العمارة التي يسكن بها عاطف٣ونصف

توقفت سيارة سليم بعنف أمام البناية، وترجل منها كالإعصار.

ركض مكي والحراس خلفه: سليم! فهمني في إيه؟ حصل إيه؟ 

تسأل وهو يصعد الدرج بسرعة جنونية: ساكن في أنهي دور؟

مكي: الثالث.

لم ينتظر المصعد.

صعد الدرجات قفزا حتى وصل إلى الشقة، ثم أخذ يطرق الباب بعنف حتى كاد يخلعه من مكانه.

في الداخل، ارتفع صوت عاطف منزعجا: مين اللي بيخبط كده؟! 

وما إن فتح الباب حتي فوجئ بلكمه قويه في وجهه، أسقطته أرضا.

ثم انقض عليه سليم كأسد جريح فقد آخر ذرة من عقله، ولم يعد يرى أمامه إلا قاتل ابنته.

انهالت قبضاته عليه بلا توقف، وهو يصرخ بصوت أجش: قتلتها ليه؟!

لكمة أخرى وهو يصرخ حتى بح صوته: كان عمرها يوم، يوم واحد يا قذر! عملتلك إيه علشان تقتلها؟!

وقف مكي عند الباب مذهولا، لم يكن يفهم شيئا مما يحدث، لكن الكلمات التي سمعها كانت كفيلة بأن تصدمه؛ ابنة سليم... قتلها عاطف؟! 

أما الحراس، فتبادلوا النظرات في ذهول، وقد انعقدت الدهشة على وجوههم.

حاول عاطف حماية وجهه وهو يصرخ ويئن: والله ما فاهم عملت إيه؟! مين دي اللي قتلتها؟!

لكن سليم لم يكن يسمع شيئا، استمر بلكمه دون رحمة، ثم قبض على رأسه وضربها بالأرض بعنف، مرة تلو الأخرى، حتى أصبحت رؤيته مشوشة من شدة الضربات.

في تلك اللحظة، خرجت زوجته تركض من إحدى الغرف، يتبعها طفلان صغيران، وقد ارتفعت صرخاتهما خوفا: إيه اللي بيحصل؟! سيبه... هيموت!

لكن سليم لم يسمع، ظل ينهال على عاطف باللكمات، حتى غرق وجهه في الدماء، وهو مازال يصرخ بجنون: قتلتها ليه؟! قتلت طفلة عمرها يوم ليه؟! 
هانت عليك ازاي؟!

ركض الطفل الأكبر، الذي لم يتجاوز العاشرة، وضرب سليم بقبضتيه الصغيرتين على ظهره وهو يبكي: سيب بابا... ابعد عن بابا!

لم يتوقف سليم.

ضربه الطفل مره اخري: سيب بابا بقولك.

لكن الضربات الصغيرة جعلته يلتفت بطرف عينه،
رأى الطفل يقف أمام أبيه بجسد مرتعش، يحاول حمايته رغم أنه يكاد يسقط من الخوف.

للحظة، تجمدت قبضته في الهواء، واتسعت عيناه وكأن عقله عاد إليه لثواني، ثم وقعت عيناه على الطفل الأصغر يختبئ داخل أحضان والدته ويبكي بهلع، بينما هي تضمه بقوة وتحاول حمايته، وملامح الرعب تملأ وجوههم جميعا.

سكنت يده للحظة، انقبض فكه بقوة، وأخذ نفسا عنيفا، لا.. لن يحطم أبا أمام أولاده، مهما كان حقيرا.

أعاد بصره إلى عاطف.

ثم نهض وهو يقبض على ياقة قميصه بعنف: امشي معايا... يلا! قووم..

جذبه بقوة للخارج، بينما ظل الطفل يركض خلفهما وهو يبكي، قبل أن تحتضنه والدته بقوة وتمنعه من اللحاق بهما.

ظل سليم يسحبه خلفه، بينما كانت زوجته وولداه يصرخون.

عاطف بصوت متقطع: خليكي هنا يا نوال، متجيش ورايا.

هبط به إلى أسفل البناية، يتبعه مكي والحراس.

وبمجرد أن وصلوا، دفعه بقوة فوق غطاء السيارة، ثم أشهر مسدسه، وكان على وشك إطلاق النار، وهو يصرخ: هقتلك يا عاطف زي ما قتلتها.

اتسعت عيناه رعبا، ورفع يديه المرتعشتين: بالله عليك يا باشا ارحمني، أنا عندي عيال!

صرخ سليم، وعيناه تحترقان: وأنت مرحمتش بنتي وهي عمرها يوم ليييه؟ قتلتها بدم بارد ليييه، هقتلك زي ماقتلتها!

شهق عاطف، وقال بصعوبة: بنتك مين؟! والله ما قتلت حد! انا معرفش ان عندك عيال اصلا؟!

قبض على قميصه بعنف حتى كاد يمزقه: الطفله الصغيرة اللي عماد سلمهالك من خمس سنين! وقتلتها يا حقير، قتلتها ليه؟! مصعبتش عليك؟ ازاي هان عليك تقتل طفله عندها يوم! يوم يا نجس يا عديم الرحمه.

هز عاطف رأسه بجنون: ايوة أيوة... افتكرتها، مقتلتهاش! ومصحف مقتلتها البت دي لسه عايشه...

تجمد سليم عند سماع كلمته، بينما تابع عاطف بلهفه، والدموع تملأ عينيه: والله ما قتلتها يا باشا، أنا عندي عيال، مهانش عليا أقتل رضيعة.

انعقدت ملامح مكي: اومال عملت فيها إيه؟

أجابه بأنفاس متقطعه: اديتها لست غلبانة جوزها وابنها ماتوا في حادثة، وكانت عايشة لوحدها، قولت يمكن تعتبرها بنتها، وهي فعلا ربتها.

ساد صمت ثقيل.

حدق فيه سليم بعينين زائغتين، ثم همس بنبرة متلعثمه من الصدمه: يعني... يعني بنتي عايشه! مماتتش؟

هز رأسه بسرعة: أقسم بالله ما ماتت، ولا لمستها بسوء، أنا أصلا مكنتش أعرف إنها بنتك، كل اللي أعرفه إن عماد بيه سلمني طفلة عمرها يوم، وقالي أتخلص منها...وأنا مقدرتش.

نظر إليه مكي بحدة: أقسم بالله لو بتكدب هجيب عيالك وهقتلهم قدامك.

أجابه دون تردد: وعهد الله ده اللي حصل، ولو مش مصدقني، تعالى أوديكم ليها.

اتسعت حدقتا سليم، وتراجع خطوة إلى الخلف من هول الصدمه، بينما انفرجت أصابعه دون وعي، فانزلق المسدس منها وارتطم بالأرض بصوت حاد، لكنه لم يسمعه، وكأن العالم بأسره توقف في لحظة، تلاشت الأصوات من حوله، واختفت الوجوه، ولم يبقى سوى دقات قلبه التي راحت تقرع صدره بعنف.

"حور... عايشة."

كلمتان فقط... لكنهما كانتا كفيلتين بأن تهدما خمس سنوات كاملة في طرفة عين.

خمس سنوات وقف فيها أمام قبر ظنه يضم ابنته، يبكي اليها، ويحدثها، ويستجديها في دعائه... بينما لم تكن هناك يوما.

خمس سنوات عاش يظن أنها غادرت الدنيا قبل أن تفتح عينيها، في حين أنها كانت في مكان ما تتنفس، وتكبر، وتعيش بعيدا عن أبيها، محرومة من حضنه واسمه!

تسارعت أنفاسه حتى شعر أن الهواء قد اختفى من حوله، فرفع يده المرتجفة وفك الزر الأول من قميصه، ثم الثاني، وهو يلهث بصعوبة، ثم استدار نحو عاطف، قائلا بنبرة تخرج بصعوبه: أنت... متأكد؟

أومأ سريعا: والله يا باشا... تعالى وأنا أوديك لها.

شعر أن عقله قد شل تماما، ولم يعد قادرا على استيعاب شيء، ارتجفت شفتاه، وانحدرت دمعة ساخنة على خده، سرعان ما لحقتها أخرى، ثم أخرى، ولم يحاول مسحهم؛ فقد كان أكبر من أن تحتويه الدموع، وأضعف من أن يمنعها.

يا للمفارقة، لقد خرج من بيته وهو يحمل في صدره نار انتقام لا تخمد، ظن أن نهاية هذه الرحلة ستكون بالثأر وسفك الدماء، لكنه لم يتخيل يوما أن نهايتها قد تكون بلقاء ابنته، الأمل الذي دفنه بيديه منذ خمس سنوات، ثم عاش يبكيه كل ليلة.

اجتاحت صدره غصة حادة، لم يستطع تفسرها؛ أهي فرحة عجز قلبه عن احتمالها؟ أم صدمة قلبت عالمه رأسا على عقب؟ أم أنهما اجتمعتا معا، حتى لم يعد يميز بين وجع البكاء وفرحة اللقاء؟

التفت إلى مكي الذي كان لا يقل عنه زهولا، وهمس والدموع تملأ عينيه، بصوت مرتجف بالكاد يسمع: سمعت قال ايه؟ بيقول إن بنتي عايشة!

شعر مكي بقشعريرة تسري في جسده، وعجز عن إيجاد كلمة يقولها ..

أما سليم فابتلع ريقه، وخرجت كلماته متكسرة، وهو يحاول إقناع نفسه بأنها حقيقة: بنتي طلعت عايشه يا مكي! حور عايشه مماتتش!

أومأ مكي برأسه وارتسمت على شفتيه ابتسامة مرتعشه امتزجت بالذهول، لم يجد ما يقوله، فقد كانت الصدمة أكبر من أي كلمات. كل ما فعله أنه اقترب وربت على كتفه برفق: إن شاء الله هتطلع هي.

مسح دموعه بظهر يده، وهز رأسه وكأنه يتمسك بذلك الأمل بكل ما أوتي من قوة: أكيد هي، إن شاء الله هتطلع هي، مفيش غيرها.

ثم التفت فجأة إلى عاطف، وصاح بحسم: قدامي.

تقدم الحراس، وأمسكوا به، واقتادوه إلى السيارة وأجلسوه في المقعد الخلفي.

بينما اتجه سليم نحو مقعد السائق.

لكن مكي أوقفه، وأخذ المفاتيح من يده برفق: سيبني أنا أسوق... أنت مش هتقدر.

أومأ بصمت، واستدار يجلس في المقعد المجاور له، وعيناه معلقتان بعاطف، في المرآه، وكأنه يخشى أن يختفي قبل أن يدله على مكان ابنته.
❤️______________بقلمي_ليلة_عادل.

المستشفى التي تمكث بها مي،٤م.

كانت لا تزال تجلس على الأريكة، لكن ملامحها بدت أكثر هدوءا من قبل.

جلس راشد أمامها، ينظر إليها بحيرة، ثم قال برفق:
طب فهميني يا بنتي إيه اللي قلبك عليه فجأة كده؟

تنهدت وقالت بهدوء متعب: بابا لو سمحت متضغطش عليا، أنا مش عايزة أتكلم، كل اللي عايزاه إني أطلق من البني آدم ده.

اغرورقت عيناها بالدموع وهي تتابع بصوت مبحوح: أنت كنت صح، كلكوا كنتوا صح وأنا غلط، رشدي مكنتش ينفعني.

قطب حاجبيه بقلق: أنا مش عايز اضغط عليكي، بس محتاج أفهم عملك ايه، ضايقك؟ خانك؟ عرفتي عنه حاجة؟

هزت رأسها برجاء: أنا مش قادرة أتكلم دلوقتي، لو اتكلمت هفتكر ولو افتكرت هتوجع تاني، كل إللي عايزاه إني أطلق منه وبس.

رفعت عيناها الذابلتين لوالدها وتابعت: ولا انت عندك مشكله إن بنتك تطلق بعد أقل من شهرين جواز؟!

نظر لها بحزم: أوعي تقولي الكلام ده تاني، أنتِ بنتي، وهفضل في ضهرك مهما حصل.

أمسك يدها برفق وتابع: أوي تكوني فاكره إننا هنلومك دلوقتي ونجلد فيكي؟ يا حببتي إحنا لما نصحناكي قبل كده فده علشان كنا خايفين عليكي، ولو كنتي اسأتي الاختيار فده مش هيمنع أبدا إن أنا وأخواتك من بعدي هنفضل ديما سندك وفي ظهرك طول العمر.

حدقت فيه بعينين دامعتين من التأثر للحظه، قبل أن تلقي بنفسها بين أحضانه، تاركه لروحها المنهكه الفرصه للترميم بين أحضان والدها الحنونه.

احاطها بحنان واحتواء، وراح يربت علي خصلاتها ويردد: يا حببتي انتِ بنتي الوحيده، وكل اللى بتمناه في الدنيا دى إني اشوفك سعيده ومرتاحه. 

ظلا هكذا للحظات، حتي طرق الباب ودخل شريف يتسأل بابتسامته المعتادة: عاملة إيه دلوقتي يا مي؟

ابتعدت عن أحضان والدها، وردت بخفوت: الحمد لله.

نظر حوله باستغراب وتسأل: أومال حاتم وحازم ولمياء وتقى فين؟

ضحكت رغما عنها: ده أنت حفظت العيلة بقى؟

ابتسم شريف: طبيعي احفظهم، بقالهم اسبوع مش مبطلين اسئله وخوف عليكي. 

راشد بهدوء: هما روحوا يرتاحوا شوية، ولمياء في الطريق.

أومأ شريف، ثم نظر إلى مي: طب ممكن أتكلم معاكي شوية؟

هزت رأسها بصمت، فنهض راشد: طب أنا هستنا بره.

خرج من الغرفة وأغلق الباب خلفه تاركا لابنته المساحه للتعبير عن كل مابداخلها دون حرج، بينما جلس شريف على المقعد المقابل لها، قائلا بابتسامه: علي فكره، أنا مبسوط منك.

عقدت حاجبيها: إشمعنى؟

اجابها بتشجيع: لأنك قدرتي تواجهي... وتقولي "لأ".

ابتسمت بسخرية مريرة: ولا قدرت ولا حاجة، أنا قعدت أعيط بعدها زي العبيطة.

ابتسم ابتسامة هادئة: ومين قال إن العياط عبط؟

صمت لحظة، ثم أكمل بهدوء عقلاني: العياط قوة مش ضعف، ده شعور إنساني طبيعي الإنسان يحسه لما يتوجع، وده معناه إنك بدأتي تتصالحي مع اللي حصل.

أخذت نفسا عميقا، وقالت بثبات: وأنا من دلوقتي هكون قوية، ومش هخلي الحزن والوجع يسرقوا مني ولا ثانية تاني، حياتي أغلي من إني أضيعها في الحزن، عشان كده كنت عايزاك تكتبلي علي خروج، أنا حاسه إني بقيت كويسه واقدر أخرج. 

اوما براسة: معنديش مانع، بس بشرط...هنفضل متابعين مع بعض فتره لحد ما أطمن إنك تجاوزتي الأزمه دي تماما.

ثم أضاف مازحا: ولا أنتِ زهقتي مني وهتدوري علي دكتور غيري؟ 

ارتسمت ابتسامة خجولة على شفتيها، وقالت وهي تعبث بأطراف حاجبها: لا خالص... بالعكس، أنت ساعدتني كتير، وكلامك كان بيريحني.

أسند ظهره إلى المقعد، وتابع مازحا: الحمد لله... كنت هزعل لو قولتي زهقتي مني!

ابتسمت للحظه، قبل أن تختفي ابتسامتها تدريجيا وتردد بشرود: لازم أخرج واتحمل نتيجه اختياري، أنا كنت غلط من الأول وكلهم حذروني ومسمعتش الكلام، يمكن لو كنت سمعت كلامهم من الأول مكنتش وصلت لكل ده..

هز رأسه بهدوء: متلوميش نفسك علي ماضي، مفيش حد بيبقي قاصد يوجع نفسه، وأنتِ معملتش حاجه غلط؟ أنتِ حبيتي!

هزت رأسها بمراره: أيوه حبيت، بس حبيت واحد مش شبهي!

اومأ بعقلانيه: حتي لو مش شبهك، مين قال إن الناس اللي زيه متستحقش فرصة؟ بالعكس... كل واحد زي رشدي محتاج واحدة زي مي تكون في حياته وتحاول معاه، عشان ميجيش بعدين يقول محدش مد إيده يشدني من الحفرة، كل إنسان سيئ محتاج شخص صالح وهو بقى عليه يختار، بلاش تلومي نفسك.

تنهدت بحزن: بس الموضوع مكانش كده، في حاجات مهما حاولت متقدرش تتخطاها، أنا تجاوزت في حاجات كتير لأني حسيت إنه ملوش ذنب فيها

اغرورقت عيناها بالدموع وتابعت بمراره: لكن في حاجات، حتى لو كانت من الماضي، صعبة اقبلها واتجاوزها، يمكن غيري يستحملها... أنا لأ؟!

أخذت نفسا عميقا، ثم سألته بتردد: تفتكر كده يبقى فيا غلط؟ أبقى وحشة؟

نظر إليها لثواني، ثم سألها بهدوء: أنتِ شايفها ايه؟

هزت رأسها بيقين: أنا مقتنعة إنه صح، بس عايزه أعرف أنت شايفني أزاي.

ابتسم ابتسامة هادئة: أنا شايف إنك إنسانة طبيعية جدا، أنتِ حاولتي لآخر لحظة، واديتي فرص كتير، ولما وصلتي لمرحلة حسيتي فيها إن اللي مطلوب منك أكبر من قدرتك النفسية وقفتي وده حقك، كل واحد فينا ربنا خلقه بقدرة مختلفة على التحمل، ومش ضروري اللى غيرك يقبل بيه، أنتِ كمان تقبلي بيه!

صمت لحظة، ثم سألها: عايز أسألك سؤال...أنتِ خايفة؟

عقدت حاجبيها: هخاف من إيه؟

مد وجه موضحا: إنك تكوني استعجلتي مثلا؟ وإن لو كنتي سمعتيه، كنتي غيرتي رأيك؟

هزت رأسها بثبات: لا مش خايفة، مهما قال وبرر الموضوع مش أخطاء في الماضي وبس، هو عمل حاجات ابشع وإحنا مع بعض..

ارتعش صوتها وهي تكمل: خاني! كان بيروح يخوني كل ما نتخانق سوا ويرجع يقولى أن أسلوبي غلط وبيعصبه، هو فيه اكتر من إنه خاني قبل خطوبتنا بيوم!!!! كان بيبص في عيني ويقولى بحبك وهو بيخوني!!

ساد الصمت للحظات، كان شريف يستوعب حجم ما تخفيه، وأدرك أن ما تعرفه أكبر بكثير مما تقوله.

شريف بهدوء: لو مش حابة تتكلمي...مفيش مشكلة.

تنهدت باختناق: مش عارفة...مبقتش عارفه اتكلم ولا اسكت ومضحكش الناس علي عبطي!

نظر اليها قليلا قبل أن يقول: بصي يا مي...اليوم اللي هعرف فيه إنك خفيتي فعلا، هو اليوم اللي هتيجي تقوليلي فيه إنك قدرتي تواجيهه، وسمعتي رده كمان... دفاع، تبرير، سميه زي ما تسميه، وقتها بس هتقدري تحكمي وأنتِ هادئة، مش وأنتِ موجوعة، وساعتها هعرف إن الجرح بقى تحت سيطرتك، مش هو اللي مسيطر عليك!

نظرت اليه باستنكار حاد: ومين قالك إني عايزة اسمعه؟ أنا لا طايقه اشوفه ولا أسمع صوته.

ازدادت نبرة صوتها حدة: هو إنسان وحش... وأنا اللي كنت غبية لما افتكرت إنه يستحق الفرصة، اها زى ما قولت في ناس ماضيها صعب وتستحق فرصة، زي أخوه مثلا، تقريبا عاشوا نفس الظروف، لكن الفرق بينهم كبير، لدرجة إنه مستحملش يشوف أخوه نضيف فحاول يوسخه زيه، طلع إنسان وحش اووى لدرجه مش متخيلها..

صمتت لحظة، ثم همست باختناق: أنا بكرهه... وكل ماتكلم عنه بحس إني مخنوقة، مش عايزة أتكلم عنه تاني.

أومأ بتفهم: تمام... كفاية لحد كده.

ثم سألها بابتسامة: لسه حاسة إنك تقدري تخرجي؟

اومأت بثبات: أيوه عايزة أخرج وأرجع أعيش حياتي، مش هسيبه يتحكم في مشاعري أكتر من كده، أنا عايزة مي ترجع.

ابتسم برضا: وده بالضبط اللي أنا مستنيه منك، خروجك من المستشفى هيكون أول خطوة، لكن افتكري، القوة مش معناها إننا ننتقم، ولا إننا نثبت حاجة لحد، القوة إننا نكمل حياتنا من غير مانسمح للي وجعنا يفضل ساكن جوانا.

تنهدت بجمود: أنا كده كده مش هواجهه...هسيبه متعذب كده لحد ما أحس إني خدت حقي.

هز رأسه برفض: طول ما أنتِ مستنيه تاخدي حقك من اللى وجعك يبقي أنتِ لسه مربوطه بيه، حقك الحقيقي إنك تعيشي، وتنجحي، وتكوني مرتاحة، من غير مايبقى هو محور حياتك، وقتها بس تبقي خفيتي فعلا، مفهوم؟

أومأت بشرود: مفهوم.

♥️___________بقلمي_ليلةعادل 

منزل إسعاد4م

أشار عاطف إلى المنزل، وقال بصعوبة بسبب تكسر بعض أسنانه الضرب: هو ده البيت يا باسا.

نظر سليم إليه من خلال المرآة، ثم أعاد بصره إلى المنزل، وخفق قلبه بعنف، لم يصدق أنه أصبح على بعد خطوات قليلة من ابنته التي عاش سنوات يظن أنها فارقت الحياه!

كان يشعر وكأنه داخل حلم، لكنه لم يعد يعرف، هل يتمنى أن يوقظه أحد منه، أم يظل يعيش فيه؟

اختلطت داخله المشاعر بصورة لم يختبرها من قبل، فمن الطبيعي أن يفقد الإنسان عقله عندما يكتشف بعد كل تلك السنوات، أن ابنته مازالت على قيد الحياة!

لاحظ مكي اضطرابه، فالتفت إلى عاطف وقال: انزل... واستنانا بره العربية.

أومأ برأسه وترجل من السيارة، وما إن ابتعد حتى أشار مكي بيده من نافذة السيارة إشارة متفقا عليها، فخرج الحراس وأمسكوا بعاطف.

ثم التفت إلى سليم، ووضع يده على كتفه بدعم: سليم... أنت كويس؟

نظر إليه بتيه، ثم أعاد نظره إلى المنزل وهو يهز رأسه بنبرة ضعيفه مهتزة: مش عارف، مش عارف أفرح ولا أخاف! من ساعة ما قالي إنها عايشة وأنا حاسس بإحساس غريب، خايف متكونش هي، وخايف يكونوا قتلوا بنتي بجد، خايف تطلع هي؟!

صمت لحظة، ثم أكمل بارتجاف: اصل لو هي هعمل إيه؟ هقولها كنت فين كل السنين دي؟! وسايبها عايشه في مكان زي ده، مش شايف شكل البيت؟!

أكمل بمرارة خرجت من بين أسنانه، وصوته يرتجف من شدة القهر: خمس سنين محروم منها يا مكي، معرفش ريحتها، ولا شكلها، ولا شوفتها وهي بتكبر قدامي، معرفش قالت أول كلمة إمتى، ولا أول خطوة خدتها، ولا أول مرة وقعت مين اللي جري يشيلها، ولا نادت مين بابا ولا ماما...

ابتلع غصته بصعوبة، وامتلأت عيناه بالدموع وهو يكمل بصوت مبحوح: بتحب إيه؟ بتخاف من إيه؟ بتضحك إزاي؟ لما بتعيط حد كان بيمسح دموعها؟ كانت بتنام وهي حاضنه مين؟ كل عيد بتستنى هدية من مين؟ كام مرة نفسها كانت في حاجة ومجبتهاش؟

أغمض عينيه للحظة، وكأن الكلمات تخنقه، ثم همس بانكسار لم يحاول إخفاءه: خمس سنين، اتسرقوا مني محدش يقدر يرجعهم، ولا يعوضني عنهم أبدا..

صمت لوهله محاولا احتمال ثقل الفكرة، ولكن خانته أنفاسه وهو يقول بارتجاف: هقولها كنت فين طول السنين دي؟ هي اصلا هتحبني وتتقبلني؟! ولا هتخاف مني، وترفض حتى تقرب مني؟!

نظر له بحزن متفهما وجعه، بينما تابع سليم متسائلا بألم: طب لما تكبر هتحترمني، هتصدق إنه كان غصب عني، هتحس معايا بالأما لما تعرف إني معرفتش احافظ عليها واحميها؟! ولا هتقول عليا اب ضعيف معرفش يحافظ عليها، ومش هتحب تعيش معايا وتخاف مني، وتزعل اني سبتها كل سنين دي عايشه في المكان ده..

تابع بتوتر وخوف بعينين اغرورقت بدموع: أنا خايف يا مكي، عمري ما حسيت بالمشاعر دي قبل كدة؟! كنت فاكر إن كل اللي مريت بيه قبل كده هو أصعب حاجة، وإني مش هتوجع اكتر من كدة، لكن لا، طلع فيه وجع أصعب بكتير..

خرج صوته مكسورا، بالكاد يستطيع إكمال كلماته: أنا كان اهون عليا افضل فاكرها ميته، أحسن ما ابقي عارف إنها عايشه وكرهاني..

أخرج مكي نفسا طويلا، وقد أثقل حديثه قلبه، كان يشعر بوجعه، ويتخيل حجم السنوات التي سُرقت منه، مد يده وربت على كتفه برفق، ثم قال بعقلانية، محاولا تهدئته: بلاش تقدر البلا قبل وقوعه يا سليم، متحملش نفسك فوق طاقتها، كنت هتعمل ايه يعني؟! ما انت كنت في غيبوبة ومراتك كانت حالتها صعبه كنت هتعرف ازاي؟! بعدين حتى لو هي مفهمتش اللي حصل لانها صغيرة، فمسيرها في يوم هتكبر وهتفهم، مفيش ابن بيكره ابو يا سليم.

نظر له بترقب، وقال بتأمل حزين: يعني هتحبني، وتسامحني!

اومأ بإبتسامة داعمه: إن شاء الله، ولو في مشكله لقدر الله، ممكن نروح الدكتور ياسر يقولنا نتصرف إزاي؟! لكن دلوقتي لازم ننزلها، ولازم تبقى قوي، وتاخد بالك من كل تصرفاتك قدامها.

صمت لحظه، قبل أن يقول بتردد: هي أكيد مش هتعرفك في الأول، فلازم تاخد بالك من شوقك، متخليش شوقك يخليك تتصرف بشكل يخوفها..

مسح سليم دموعه، وقال بانكسار: أنا عارف كل ده، بس أعمله أزاي؟ أنا مش قادر أسيطر على نفسي أصلا.

ثم ابتسم ابتسامة امتزج فيها الألم بالفرحة: بنتي عايشة يا مكي، بنتي عايشة وبيني وبينها خطوتين، كنت فاكر أول ما أوصل هنا هجري عليها، لكن حاسس إني متكتف، كأن في جنازير مسكاني.

ربت على كتفه: اهدى بس، وأنا معاك.

أومأ بإيجاب، وأعاد نظره إلي باب المنزل، ذلك الباب الذي يخفي جنته، وابنته التي عاش سنوات يظنها ماتت، بينما كانت تتنفس وتعيش خلفه.

اغمض عينه للحظه محاولا جمع شتات نفسه وصلابته، ثم اخرج نفس طويل قبل أن يفتح باب السيارة ويترجل منها.

وقف للحظة، مثبتا نظره علي باب المنزل.

بينما ترجل مكي هو الآخر، واقترب يربت على ظهره: يلا.

أومأ برأسه، ثم نظر إلى عاطف بنبرة قاطعه: قدامي.

تحرك عاطف، وسليم ومكي خلفه حتى وصلوا إلى باب المنزل.

رفع عاطف يده ليطرق الباب، لكن سليم أمسك ذراعه: استنى...

أغمض عينيه، وأخذ نفسا طويلا، يحاول السيطرة على اضطرابه، ثم رفع يده، وطرق الباب بنفسه ثم تراجع خطوة للخلف.

وبعد لحظات، فتح الباب.

ظهرت إسعاد، وما إن رأت عاطف حتى قالت بلهفة: عاطف! عامل ايه يا ابني، عاش من شافك يا وحش، كده متسألش على خالتك..

لكن سرعا ما أن انتبهت لملامحه التي تملأها الكدمات، فضربت صدرها بذعر: يالهوي؛ إيه اللي في وشك ده؟

ابتسم عاطف ابتسامة مهزوزه: معايا ضيوف.

ابتسمت في ترحاب: اهلا وسهلا البيت بيتهم، خليهم يتفضلوا.

تقدم سليم خطوة إلى الداخل، وقال بتردد من شدة اضطرابه: مساء الخير، آسف لو جينا من غير ميعاد.

رفعت عينيها نحوه وعرفته على الفور، انعقد حاجباها في دهشة، وضاقت عيناها وهي تحدق به في حيرة.

"ما الذي أتى بسليم إلى هنا؟"

فطوال السنوات الماضية، لم تعتد أن ترى أحدا يطرق بابها سوى رشدي. أما سليم، فلم يكن حضوره متوقعا أبدا.

تسللت إلى عقلها فكرة سريعة؛ لعل رشدي أرسله نيابة عنه بعدما عجز عن المجيء بنفسه، هزت كتفيها بلامبالاة، ولم تُطل التفكير في الأمر، ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة ترحيب دافئة: أهلا وسهلا يا ابني تنوروا في أي وقت، اتفضلوا.

أومأ لها بامتنان، ثم تقدم خطوة إلى الداخل...

وفجأة...

تجمدت قدماه في مكانهما، واتسعت عيناه، وانقطع نفسه، وكأن الزمن توقف من حوله.

هناك...

في منتصف الصالة، كانت تتمدد على بطنها، وأمامها كراسة رسم تلونها بانسجام، بينما تحرك قدميها الصغيرتين في الهواء وتغني بصوت طفولي عذب مع انغام الاغنيه التى المنبعثه من التلفاز:
"سنوحي... وحابي... وتيتي شيري..."

كانت تضحك وتكرر الكلمات ببراءة، غير منتبهة إلى العيون التي تجمدت وهي تنظر إليها.

في تلك اللحظة...توقف الزمن، لم ير سليم شيئا سواها، اختفى كل من حوله... إسعاد، ومكي، وعاطف، وحتى المكان نفسه.

لم يبقى أمام عينيه سوى تلك الصغيرة.

ارتجف جسده بأكمله، وشعر بأن قلبه لم يعد ينبض، بل يصرخ داخل صدره، وكأنه يعزف لحنا لم يسمعه منذ سنوات.

خرج الاسم من بين شفتيه بصعوبة، كأنه يخشى أن يوقظ الحلم: حووور...

في تلك اللحظة رفعت رأسها عن كراسة الرسم، ونظرت له بعينيها الواسعه التي تشبه السماء، بالابتسامة نفسها التي كانت تزين وجه ماسة، لكنها لم تسمع بل ضيقت عينيها وعدلت جلستها وهي تتسأل بطفوله: مين دول يا تيتا؟

لم تعرف إسعاد ماذا تقول، فلازالت هي الأخري تحاول استيعاب ما يحدث، كادت تنطق، ولكن نظر لها مكي نظرة حاسمة، وهز رأسه في إشارة واضحة ألا تتكلم.

عقدت حاجبيها باستغراب، والتزمت الصمت، وقد أيقنت من نظراته أن هناك أمرا كبيرا جاء بسليم إلى هنا.

أما سليم...

فشعر بغصة حادة تعتصر قلبه، وخانته دمعة ساخنة بمجرد أن استمع إلى صوتها، ظل يحدق فيها، غير قادر على إبعاد عينيه عنها، وكأن شيئا بداخله يشده إليها دون أن يفهم.

تحرك نحوها بخطوات بطيئة، ثم هبط على ركبتيه أمامها، وأخذ يتأمل ملامحها بصمت... عينيها، ابتسامتها، خصلات شعرها، وكل تفصيلة صغيرة فيها، كأنه يحاول حفظها داخل قلبه.

كان يحاول استيعاب أن تلك الطفلة التي لا يفصل بينه وبينها سوى خطوة واحدة قد تكون ابنته.

بادلته الصغيره النظرات بابتسامة بريئة.

كانت عيناها الزرقاوان نسخة من عيني أمها، حتى أن قلبه انقبض وهو ينظر إليهما.

وفجأة...

مدت كفيها الصغيرتين، ومسحت دمعته برفق، وهي تتسأل بصوت طفولي دافئ: أنت بتعيط ليه يا عمو؟ أنت زعلان؟

بمجرد أن لامست أصابعها خده، اهتز جسده بأكمله، وشعر بقشعريرة غريبه داهمت خلاياه، وانطلقت من أعماقه شهقة وجع مكتومة حبسها بكل ما يملك من قوة، ضغط على أسنانه بعنف حتى برز فكاه، وهو يقاوم انهيارا كاد أن يفتك به، كان يريد أن يصرخ ويخبرها أنه ليس "عمو"...

أنه...إن صدقت الدلائل، فهو والدها الذي عاش سنوات يظنها ميتة

لكن صوته خانه، ولم يخرج منه سوى أنفاس متقطعة مثقلة بالقهر.

كان مظهره مؤثرا إلى حد أبكى مكي، فانهمرت دموعه دون أن يشعر، بينما ظلت إسعاد تنظر إلى الجميع بعدم فهم، وقد ازداد قلقها أكثر، فسألت عاطف بصوت مرتبك: هو في إيه يا عاطف؟

أجابها بصعوبه: اصبري بس..

مد سليم يديه المرتجفتين وأمسك وجه الصغيرة بين كفيه، وعيناه تلتهمان ملامحها، وفجأة جذبها إلى صدره في عناق قصير، وهو يضغط على أسنانه بكل قوته، يحاول السيطرة على دموعه وشوقه امامها.

ابتعدت الصغيرة عنه، وهي تنظر إليه باستغراب: إنت مين؟... وبتحضني ليه؟

ظل ينظر إليها وكأنه يشبع عينيه منها بصمت، ثم أخذ نفسا طويلا بصعوبة، والتفت إلى إسعاد قائلا بصوت مبحوح وهو ينهض: لو سمحتي، عايز أتكلم معاكي لوحدنا.

اومأت بتوتر: حاضر يا ابني... 

ثم وجهت حديثها للصغيره: جنة، يلا ادخلي أوضتك لحد ما أتكلم مع عمو.

قطبت الصغيرة حاجبيها باستغراب: هو أصلا مين عمو ده يا تيته؟

إسعاد بحزم: اسمعي الكلام يا جنة.

تنهدت الصغيرة باستسلام: حاضر.

دخلت جنة غرفتها، وأعطتها اسعاد أوراق الرسم لتنشغل بها ثم اغلقت الباب برفق، .

وما إن عادت حتى نظر إليها سليم مباشرة وتسأل: البنت دي جاتلك إزاي؟

نظرت إليه بعدم فهم وأجابت: هو فيه إيه يا ابني، أنا مش فاهمة حاجة، متقول يا عاطف في ايه؟!

تنحنح عاطف بصوت منخفض: يا حاجة هي مش جنه دي هي نفس البنت الصغيره اللي أنا جبتهالك من خمس سنين وهي في اللفه؟ 

اومأت بتوتر: وطي صوتك عشان البنت، ايوه هي يابني ما انت عارف، في ايه؟ انا بدات اقلق.

أشار إلى سليم وقائلا: البنت دي تبقى بنت سليم بيه!

اتسعت عيناها بصدمة حقيقية: بنت مين؟! إزاي؟! 

عاطف مفسرا: الراجل اللي شغال معاه الله لا يكسبه هو اللي اداهالي، طلع خاطفها من سليم بيه هو ومراته، لما كان في الغيبوبه ....

ثم نظر لسليم بتوسل: والله العظيم ما كنت أعرف، أقسم بالله يا سليم بيه ما كنت أعرف انها بنتك، والله صعبت عليا عشان كده ادتها للحاجة.

أما إسعاد، فكانت تحاول استيعاب ماسمعته.
ابنته... كيف؟!.

كانت تظن أن سليم جاء اليوم فقط ليطمئن عليهم، أو ليترك لهم بعض المال بعد غياب رشدي طوال تلك الفترة، ولم يخطر ببالها ولو للحظة، أن الطفلة التي ربتها بين يديها هي ابنته، وأن رشدي عمها كان السبب في حرمانها من أبيها وأمها طوال تلك السنوات، إذا كل ما أخبرها به كان كذبا، كل الحكايات التي صدقتها، كانت مجرد أكاذيب!!

شعرت وكأن الأرض تميد بها، فاختل توازنها، وكاد جسدها يسقط، لكن سليم أسرع إليها وأمسكها قبل أن ترتطم بالأرض.

نظرت إليه وقالت بصوت مرتجف: معلش يا ابني قعدني، رجلي مش شيلاني.

أجلسها برفق، بينما كان هو الآخر غارقا في صدمته.

وكيف لا؟

وهو طوال تلك السنوات كان يعتقد أن ابنته ماتت... كان يجلس أمام قبر فارغ يبكيها، واليوم تقف أمامه حية، وكل شيء تقريبا يؤكد أنها ابنته بنسبة 90%..

لكن 10% الباقية... تركها كما هي، وكأنها آخر حاجز يحمي قلبه من الانهيار.

فلو تمسك بذلك الأمل، ثم اكتشف أنها ليست ابنته فلن ينكسر قلبه فحسب، بل سينهار تماما.

رفعت إسعاد رأسها لعاطف، وتسألت بارتجاف وهي لاتزال تحاول استيعاب ماتسمعه: يعني أنت كذبت عليا لما قولت إنك لقيتها مرمية في الشارع؟

خفض عاطف رأسه بخجل: أيوه كذبت، مقدرتش أقول الحقيقة، بس البنت دي بنت سليم بيه، بس وعهد الله ما كنت اعرف ان هي بنت سليم بيه الا دلوقت..

صاحت اسعاد بدموع: ازاي يا ابني تعمل كده؟! يعني الراجل يديك بنت صغيره ويقولك خدها تروح واخدها، وتحرمها من ابوها وامها، اخص عليك يا عاطف تسرق طفله!!

رد بدافع: مكنتش اعرف انها بنته، والله ماكنت أعرف، حقك عليا يا باسا، ابوس ايدك ارحمني، الحمد لله إنها طلعت عايشة، والحاجة كانت بتعاملها وكأنها بنتها.

قاطعته بضجر: مكنتش عارف ايه؟! منك لله يا عاطف، حتى لو بنت حد تاني، تحرق قلب أم وأب علي بنتهم ليه، منك لله..

وفجأة صاح سليم بصوت مختنق: بس، اسكتوا. مش عايز أسمع صوت حد.

ساد الصمت للحظة، ولم يبقى سوى دقات قلبه العنيفة، تصرخ داخل أذنيه، وهو يحاول بكل مافيه أن يستوعب الحقيقة التي قلبت حياته رأسا على عقب.

تحرك للخارج دون أن ينطق بكلمة، ووقف في منتصف الطريق، يجذب قميصه بعنف، ويفك أزراره وهو يضع يده فوق قلبه..وهو يحاول التقاط أنفاسه، لكن الهواء كان يرفض الدخول إلى رئتيه، وكأن يدا خفية تطبق على عنقه وتمنعه حتى من التنفس.

لم يعد يحتمل، فالحقيقة التي انتظرها سنوات، جاءت أثقل مما يستطيع قلبه احتماله.

ركض مكي خلفه، فوجده واقفا في منتصف الشارع، يلهث وكأنه خرج للتو من معركة.

وقف أمامه، لكنه لم يعرف ماذا يقول، أي كلمات يمكن أن تقال لرجل عاد إليه جزء من روحه بعد خمس سنوات؟

لم يكن هناك وصف لما يعيشه، ولا كلمات تستطيع أن تصف ذلك الشعور الذي يمزق صدره.

ربت علي ظهره وقال بصوت هادئ: سليم اهدى، وافرح إنها عايشة!

ضحك ضحكة مختنقة بالبكاء: أفرح إنها عاشت 5 سنين بعيد عني! أفرح إنها مش عرفاني! 

وضع يده على صدره وقال بصوت مرتجف: أنا حاسس إني مش قادر أفكر ولا أستوعب، حاسس إن فيه حجر محطوط علي قلبي وبيخنقني... مش قادر آخد نفسي، حتى الفرحة مش عارف أحس بيها، حاسس إن قلبي هيقف من كتر اللي أنا فيه يا مكي.

صمت لحظة، ثم انكسر صوته: أنا بقالي 5سنين بقعد أبكي قدام قبر فاضي وفي الآخر تطلع عايشة!

تنهد مكي وقال محاولا تهدئته: إحنا برضوا لسه متأكدناش إنها هي، ممكن عماد يكون اداله أي طفلة تانية، بلاش نصدق 100% غير لما نعمل تحليل.

أغمض سليم عينيه، وهز رأسه بابتسامة متيقنه: هي، مش محتاجه تحليل أنا قلبي حاسس إن هي، دى نسخه من ماسة، نفس العينين، والملامح حتى ابتسامتها..

وضع يده على وجهه وهو يستعيد اللحظة بعينين غامت بدموع الفرح والوجع معا: لما حطت إيديها على وشي ولما حضنتها، حسيت بحاجة أول مرة أحسها في حياتي، جسمي كله قشعر، كأن روحي عرفتها قبل عقلي.

أجابه مكي بهدوء محاولا أن يُغلب عقله على قلبه: أنا كمان حاسس إنها بنتك، بس بقولك الكلام ده عشان لو فيه حتى 1% إنها تطلع مش بنتك، يبقى عقلك وقلبك مستعدين، أنا مش عايزك تتعلق بأمل وبعدها لا قدر الله تغرق في وجع أكبر.

ابتسم  ابتسامة يقين، خرجت من بين وجع وصدمة ومشاعر لم يجد لها اسما طوال حياته، وقال بصوت متحشرج: بنتي... أكيد بنتي، ربنا مستحيل يكون جابني لحد هنا، ويخليني أقف قدامها وأحس الإحساس ده، وفي الآخر تطلع مش هي، لا... هي بنتي، أنا واثق إن ربنا مش هيكسرني للمرة التانية، بعد كل اللي حصل

ربت على كتفه بدموع يحاول التحكم بها: إن شاء الله بنتك، بس تعالي ندخل ونفهم كل حاجة الأول، لازم نعرف هي قالت للبنت إيه عنكم، وارجوك حاول تتحكم في مشاعرك على قد ما تقدر.

هز رأسه بالإيجاب، وأخذ نفسا طويلا، ثم مسح دموعه وتحركا..

في الداخل..

كانت إسعاد تجلس وهي تمسك رأسها بكلتا يديها، ما زالت تحاول استيعاب الصدمة، ثم التفتت إلى عاطف وقالت وهي تكاد تبكي: هو أنت يا بني آدم، مش قولت لقيتها في الشارع؟! وبعدين جيت قولتلي إن رشدي بيه كان بيطلع حاجات لله وعرف قصتها، وجه علشان يساعدها ويساعدني!

خفض عاطف رأسه بخوف: والله يا حاجة رشدي بيه هو اللي قالي أقول كده وهددني، أنا لو كنت أعرف اللي فيها مكنتش عملت كده، أنتِ متعرفيش رشدي بيه، ده مش بيرحم حد، وبعدين والله ماكنت اعرف ان هي بنت سليم بيه، انا كنت فاكرها بنت عماد بيه من واحده غير صافيناز اختهم، ورشدي يعني كان عايز يمسكها عليه زله، مكنتش عارف إن الموضوع في سليم بيه.

ضربت كفا بكف وهي تدعو عليه: منك لله يا شيخ... حسبي الله ونعم الوكيل فيك أنت و رشدي، خلتوني أعيش السنين دي كلها على كدبة! وحرمتوا البت من اهلها وهما عايشين.

ثم أشارت إليه بإصبعها محذرة: واسمعني كويس حسك عينك تجيب سيرة رشدي قدام سليم، سامع؟ كفاية المصيبة اللي إحنا فيها.

اومأ بارتجاف: والله ما هتكلم، إحنا مش قدهم.

في تلك اللحظة دخل سليم، توقف امامها وسألها مباشرة: أنتِ كنتي قايلالها إن أنا وأمها فين؟

نظرت إليه، وابتلعت ريقها: قولتلها إنكم مسافرين، وهي فاكراني ستها.

بمجرد أن سمع تلك الكلمات، خرجت من صدره زفرة طويلة، وكأن صخرة أزيحت عن قلبه.

تسأل بتردد: يعني هي عارفه إن أمها وأبوها عايشين؟

اومأت بابتسامة حزينة: أيوه يا ابني، قلبي مطاوعنيش أقولها إن أبوها وأمها ماتوا، هي فاكرة إنكم مسافرين، وحتى كنت بخلي جارتنا تكتبلها جوابات على أساس إنها جاية منكم.

قطب حاجبيه بدهشة: جوابات ايه؟

أشارت إليه أن يجلس: اقعد يا ابني واستهدى بالله، وأنا هفهمك كل حاجة.

ربت مكي على كتفه: اقعد، واسمع الأول.

جلس سليم، بينما بدأت إسعاد تحكي بهدوء حزين: هي فاكرة إن أبوها وأمها مسافرين، كنت بخلي رحمه جارتنا تساعدني في تربيتها، كانت بتكتبلها جوابات كأنها منكم، وساعات كانت تكلمها في التليفون هي واخوها، وتفهما انهم ابوها وامها، لكن لما البنت كبرت شوية وبقت تميز الأصوات، وقفنا الحكاية دي، هي ما شاء الله ذكية جدا، وعقلها سابق سنها.

ظل سليم صامتا للحظات، ثم قال بصوت خافت: طب وهنعرفها أزاي اني ابوها؟

ابتسمت إسعاد بحنان: بسيطة يا ابني هقولها إنك رجعت من السفر.

ثم أمسكت يده برجاء، واغرورقت عيناها بالدموع: بس والنبي يا ابني، متحرمنيش منها، أنا حبيتها واتعودت عليها.

نظر إليها بتردد: حاضر، بس هي شافتني، ومقولتلهاش انا بابا، فجاه كدة هتقوليلها بابا برة؟ مش هتصدق هتستغرب!

ابتسمت وحاولت طمأنته: ما أنت حضنتها، انا هقولها إنك من فرحتك بيها حضنتها، وإنك كنت عاملها مفاجأة، هي لسه طفلة، مش هتقعد تستغرب وكلام الكبار ده.

ثم نهضت وهي تقول: أنا هدخل أمهدلها الأول، وأقولها إن بابا رجع من السفر وبعدها أنادي عليك.

لم يستطع إخفاء لهفته، وقال بسرعة: طب بسرعه من فضلك، أنا مش قادر أستحمل عايز أخدها في حضني.

ابتسمت رغم دموعها، وأومأت برأسها: حاضر يا ابني.

ثم توجهت إلى الغرفة.

بينما نظر سليم إلى مكي بسعادة كادت أن تجعله مختل من شدتها: بنتي رجعتلي يا مكي... حور رجعتلي!

ربت على ظهره بابتسامة هادئة، فلم تكن هناك كلمات يمكن أن تُقال في تلك اللحظة.

في الداخل.

كانت جنة... أو حور حاليا، تجلس ترسم في أوراقها غير منبه لما يحدث حولها.

اقتربت منها إسعاد وسألتها: بتعملي إيه يا جنة؟

رفعت الورقة أمامها: بكمل الرسمه يا تيته.

ثم تسألت: هو مين عمو ده اللي حضني بره ده يا تيته؟ ومين عمو التاني اللي معاه؟

ابتسمت إسعاد ابتسامة خفيفة: هقولك هو مين، بس انتي زعلتيه منك عشان معرفتيهوش.

عقدت الصغيرة حاجبيها بفضول: طب هو مين؟!

اغرورقت عينا إسعاد بالدموع، ثم أشارت نحو الخارج وهمست: ده بابا يا جنه..

اتسعت عيناها بصدمة وفرح معا، وصرخت: بابا؟! هو رجع من السفر؟

اجابتها بارتباك وهي تمسك كتفها: أيوه يا حبيبتي رجع.. 

ابتلعت ريقها بتوتر مصحوب بتحذير: بس لازم توعديني إنك مش هتجيبي سيرة رشدي خالص..ليزعل منك.

سالتها بتعجب: ليه يا تيتا يزعل مني؟!

صمت لوهله تحاول أن تأتي بفكره تقنعها بها، فقالت بارتباك: اصل .. اصل رشدي عامل مفاجأة كبيرة لبابا، ولو قولتي إنك بتشوفي رشدي أو جبتي سيرته قدام بابا أو ماما، هتبوظي المفاجأه، ووقتها رشدي هيخاصمك ومش هتشوفيه تاني.

هزت الصغيرة رأسها ببراءه: حاضر يا تيته، والله مش هقولهم حاجة، سيبيني بقى أروح لبابا.

سحبت يديها من بين يدي إسعاد، وانطلقت تركض إلى الخارج بكل ما تملك من شوق.

أما إسعاد، فظلت واقفة مكانها تراقبها، وقد تشابكت أصابعها من شدة التوتر، وهمست لنفسها بقلق: يارب عديها علي خير..

كانت تشعر أن هناك شيئا ناقصا، وسرا أكبر مما يعرفه ابجميع، لم تكن تريد فتح هذا الباب الآن، قبل أن تفهم الحقيقة كاملة، فرشدي رغم كل ما عرفته، كان يتعامل معها بحنان، وذلك وحده كان يثير داخلها ألف سؤال وسؤال

رفعت بصرها نحو الباب، وقلبها يخفق بقوة، وهي تدعو ألا تنطق الصغيرة بكلمة تقلب كل شيء.

بينما خرجت جنة تركض نحو سليم بكل ما أوتيت من فرحه، وهي تصرخ بفرحة غامرة: بابا!

كان هو منتصف الصالة، يتحرك يمينا ويسارا بتوتر، منتظرا خروجها في أي لحظة، وما إن سمع تلك الكلمة.... غص قلبه بغصة موجعة ابتلعها بصعوبة، وحاول بكل مايملك أن يتمالك مشاعره.

التفت إليها ببطئ، وخرجت الكلمة من حلقه بصعوبة:
حور...

هبط على ركبتيه بسرعة فركضت إليه، وارتمت بين ذراعيه وهي تبكي، فبكي هو الآخر وهي يضمها بشده.

قالت من بين شهقاتها وهي تدفن وجهها بين عنقه: أنت وحشتني أوي يا بابا، كنت فين كل اليوم، ويوم، ويوم دول، لحد مابقوا أيام كتير، ومبقتش بعرف أعدهم.

شدد علي عناقها بدموع تهبط من عينيه بوجع، وهو يمسح على ظهرها وشعرها: أنا آسف يا حبيبتي، كنت مسافر بعيد ولسه راجع، وأول ماوصلت جيتلك علطول، حقك عليا.

ابتعدت قليلا، ونظرت إليه وهي تضم شفتيها بعتاب طفولي: أنا زعلانة منك أنت وماما، عشان قعدتوا يوم، ويوم، ويوم...

رفعت كفيها في وجه وهي تتابع: وكل دول كتير، مكنتوش بتكلموني، ولا تبعتولي جوابات، ولا شوفتكم ولا مرة..وكل العيال معايا الحضانه، عندهم ماما وبابا انا لا، انا كنت بفضل اعيط لان مش عندي ماما وبابا قاعدين معايا هنا وقاعدين بعيد...

ابتسم وسط دموعه، وهو يمسح على خدها بوعد: مش هبعد عنك تاني ابدا، مش هنبطل نخليك تشوفينا، هنفضل معاكي علطول وهنعيش سوا، مش هنبعد عنك تاني ابدا..

سألته ببراءة: يعني مش هتسافروا وتسيبوني تاني؟

هز رأسه بسرعة من بين دموعه: لا خلاص، مش هنسافر ونسيبك أبدا وعد..

ظلت تتأمله بتدقيق، ثم ابتسمت وقالت وهي تلمس وجهه ولحيته: أنت طلعت حلو أوي يا بابا، عسول اوي 

ضحك من بين دموعه وقال بنبرة محشرجه: أنتِ كمان حلوة أوي، شبه ماما خالص.

اتسعت عينيها بابتسامة فرحه: أنا شبه ماما؟

اوما بابتسامة: أيوه، نفس لون عينيها بالظبط.

رفعت راسها تبحث بعينها خلفه: طب هي فين؟ هي مجتش معاك؟

أجابها وهو يبلع ريقه ويمسح دموعه: مستنيانا في البيت، هنروحلها سوا.

عقد ذراعيها وقالت بتذمر: بس أنا زعلانة منكم وهفضل يوم... ويوم... ويوم... 

ورفعت كفيها الصغيرين امامه: وكل دول مش بكلمك انت وهي؟

تبسم، وشرد للحظات يتذكر كيف كانت تعد ماسة الأيام بالطريقة نفسها، وتسأل برقة: طب زعلانه ليه؟!

ردت بعتاب طفولي: عشان قعدت كتير ومكنتش بتكلمني، اروى صاحبتي باباها كان مسافر، بس كان بيجي كل يوم كتير، ويقعد معاها وانت وماما لا..

ابتسم بحزن وقال باعتذار: أنا آسف حقك عليا، من النهاردة، مفيش سفر وهنعيش مع بعض، وهتنامي في حضني أنا وماما، ومش هنسيبك أبدا.

تبسمت بتوسع: بجد 

أومات بصمت رغم انينه: وعد.

قالت بحماس: وتيته ورحمة يعيشوا معانا؟

ابتسم، واومأ رغم دموعه: وتيته ورحمه وكل اللى تحبيه يعيش معانا.

تعلقت عينا سليم بوجهها الصغير، ولم يعد يحتمل أكثر، فجذبها إلى صدره مرة أخرى، وضمها بقوة، وكأنه يخشى إن تركها للحظة أن تضيع منه من جديد.

تعلقت الصغيرة بعنقه، وبادلته العناق بكل ما تملكه طفلة اشتاقت إلى أبيها، وأراحت رأسها فوق كتفه تبكي وهي تقول بصوت متقطع: أنا كنت بقعد أستناكم إنت وماما كتير، مش بتيجوا فبقعد اعيط، أنا بحبكوا خالص وكان نفسي اشوفكم، انا بحبك اوي انت وماما 

أغمض عينيه، وقد اوجعته كلماتها، فشدد من احتضانها، وقال بصوت اختنق بالبكاء: إحنا كمان بنحبك أوي يا حور.

ابتعدت عنه قليلا، وقالت باستنكار: حور مين؟! أنا اسمي جنة أنت مش عارف اسمي؟

تنحنح بحرج، ثم حك مؤخرة رأسه وهو يبتسم بارتباك: أصل... أنت عندك اسمين جنة... وحور.

انفجرت الصغيرة ضاحكة، ووضعت يدها على فمها بطفولية: إيه العبط ده! مفيش حد ليه اسمين، كل واحد ليه اسم واحد بس.

ضحك رغم وجع قلبه، وقال وهو يربت على شعرها: لا فيه

ضحكت: ازاي؟!

أجابها مفسرا: حكاية كبيرة أوي، هحكيهالك بعدين، اتفقنا؟

هزت رأسها بحماس: اتفقنا.

ثم التفتت بعينيها نحو مكي، وأشارت إليه بإصبعها: وده مين؟

رفع عينيه صوب مكي، فاقترب الأخير وجلس على ركبتيه أمامها، وقال بابتسامه ومازالت دموعه تلمع في عينيه من شدة تأثره: أنا يا ستي أبقى عمو أخو بابا، اسمي مكي.

اتسعت عيناها ببراءة: ميكي زي بتاع الكرتون؟

انفجر مكي ضاحكا، ثم نظر إلى سليم: دي مش محتاجة DNA دي لمضة زيها بالظبط..

ضحك سليم هو الآخر، رغم كل الوجع والصدمة التي يعيشها: وبتقول يوم ويوم ويوم، التانيه هخاصمك3 ايام.

ضحك مكي، ثم مد يده إليها قائلا بابتسامة: نسلم بقى؟

نظرت الصغيرة إلى يده، ثم رفعت كفها الصغير وضربت كفه بخفة.

رفع مكي حاجبه باعتراض مصطنع: إيه ده؟! لا أنا عايز حضن.

هزت رأسها سريعا بالنفي، وقالت ببراءة: لا عيب، تيتة قالتلي عيب أحضن راجل غريب غير ..

توقفت لثانية، وكادت تنطق باسم رشدي، لكنها ابتلعته وأكملت: إلا بابا بس.

ابتسم سليم رغم الدموع التي تلمع في عينيه، وقال برفق: تيتة عندها حق، بس عمو مكي مش غريب، ده زي بابا، ممكن نديلو حضن..

نظرت إليه بتردد، ثم إلى مكي، وكأنها تستأذن بعينيها، قبل أن تخطو نحوه وتلقي بنفسها بين ذراعيه.

ابتسم مكي وهو يضمها بحنان، ثم طبع قبلة على رأسها.

ابتعدت عنه بعد لحظات، ونظرت إليهما ببراءة، ثم سألت: مش هنروح لماما؟

ابتسم سليم، ومسح على شعرها بحنان: لا هنروحلها حالا، بس تغيري هدومك الأول!

قفزت بحماس، تمسك بكفه بين يديها، وسحبته وهي تقول بلهفة: يلا يا بابا بسرعه خليني البس، عشان نروح لماما، أنا نفسي أشوفها اوي 

ابتسم  على يدها برفق، وقال بصوت امتلأ حبا: حاضر يا قلب بابا.

وبالفعل سحبته الصغيرة من يده إلى داخل غرفتها، ركضت نحو خزانة ملابسها وفتحتها بحماس، ثم بدأت تخرج الفساتين واحدا تلو الآخر وهي تقول بسعادة: ألبس الفستان ده... ولا الفستان ده؟ أنا بحب البمبي.

ابتسم بحنان: البسي اللي أنتِ عايزاه.

هزت رأسها باعتراض: لا اختار معايا.

أخذ يقلب بين الفساتين، ثم أخرج فستانا باللون النبيتي: بصي ده شكله حلو أوي، إيه رأيك؟

ابتسمت وهي تهز رأسها: ماشي بحبه.

ثم أشارت إليه بإصبعها الصغير: يلا داري وشك عشان ألبس.

ضحك متعجبا: أداري وشي ليه؟

زمت وجهها: عيب ألبس قدامك عشان أنت ولد.

ابتسم وقال برفق: بس أنا بابا.

هزت رأسها بإصرار: لا رحمة وتيتة قالولي عيب.

اوما برأسه موفقا: حاضر يا ستي هتعرفي تلبسي لوحدك؟

نفخت صدرها بفخر: أيوه، هو أنا عبيطة؟ أنا كبيرة مش صغننة.

ضحك دون رد، استدار وهو يبتسم، بينما بدأت تبدل ملابسها.

وبعد دقائق قالت بحماس: خلصت.

التفت إليها، فتوقف مكانه يبتسم بعينين دامعتين: إيه القمر ده كله؟

ابتسمت بخجل، ثم أمسكت فرشاة شعرها ومدتها إليه: تعالى اعملي ضفيرة، بتعرف؟

أخذها منها وهو يبتسم: أيوه بعرف.

جلس خلفها، وبدأ يمشط شعرها برفق، كان يمرر أصابعه بين خصلاتها برفق وكأنه يخشى أن تؤلمها لمسة منه، اختلطت بداخله مشاعر عدة، فلم يعلم هل يضحك أم يبكي أم يضمها إلى صدره ولا يتركها أبدا.

وأثناء تصفيف شعرها، سألته ببراءة: أنت جبتلي حاجات حلوة؟

ابتسم: أيوه جبتلك حاجات حلوة كتير.

صمتت لحظة، ثم سألت: طب أنت ليه مش كنت بتيجي تاخدني ونسافر نعيش سوا؟

توقفت يده فوق شعرها لثواني، ثم أجابها بهدوء: عشان المكان اللي كنت فيه مكانش ينفع يبقى فيه أطفال صغيرين زيك.

أومأت برأسها: طب أحنا هنعيش فين؟

أجابها بابتسامه: هنعيش في بيت حلو أوي أنا وإنتِ وماما، وتيتة، وجدو، وخالو، وخالتو.

اتسعت عيناها بدهشة: إيه ده! أنا عندي دول كلهم؟

ضحك من قلبه: أيوه عندك دول كلهم.

سألت ببراءة: طب تيتة إسعاد دي مامتك ولا مامت ماما؟عشان مكنتش عايزة تقولي؟!

صمت للحظة لم يعرف بماذا يجيبها، فابتسم وحاول تغير الحديث: قوليلي الأول أنتِ حافظة الـ A B C؟

ابتسمت بفخر: أيوه... حافظاهم كلهم.

انتهي من تضفير شعرها قائلا: شوفي بقى عملتهالك حلوة إزاي.

ركضت نحو المرآة، وأخذت تتأمل شعرها بإعجاب ثم استدارت إليه وهي تبتسم: أنت شاطر خالص.

ثم اقتربت منه وأمسكت يده تشده بحماس: يلا بقى نروح لماما أنا نفسي أشوفها أوى.

ابتسم لها، وخرج معاها إلي الخارج، فنظر إلى إسعاد قائلا: أنا هاخدها معايا.

سألته بقلق: هتخليني اشوفها؟

اوما بتاكيد وامتنان: اكيد، وقت ما تحبي تشوفيها قوليلي، أنا مش هقدر أنسي جميلك ده طول عمري

جنة بسرعة: طب ما تيجي معانا يا تيتا

ابتسمت إسعاد وربتت على رأسها: مش هينفع دلوقتي يا جنة، روحي مع بابا وشوفي ماما، مش كان نفسك تشوفيهم؟

اومأت الصغيره بسعاده، وركضت تحتضن إسعاد، ثم عادت سريعا إلى سليم، وأمسكت يده بقوة: يلا بقى.

وبالفعل خرجوا جميعا، واستقلوا السيارة.

 جلست جنة بجوار سليم في المقعد الخلفي، بينما جلس مكي في الأمام، وطوال الطريق لم يرفع سليم عينيه عنها.

كان يتأملها في صمت، وكأنه يخشى أن يرمش فتختفي.

وفجأة توقفت السيارة.

رفع رأسه مستغربا: وقفت ليه يا مكي؟

تنهد، وأجاب: إحنا الفرحة نستنا أهم حاجة، لازم نروح المعمل.

في لحظة، عاد سليم إلى الواقع، صحيح أن كل شيء يؤكد أنها ابنته؛ ملامحها، طريقتها، حتى إحساسه تجاهها، لكن ذلك لم يكن كافيا، لا بد من تحليل لا بد أن يتأكد.

شعر بغصة خفيفة وهو يهز رأسه: عندك حق...الفرحة نستني يلا.

أخرج مكي هاتفه: هكلم أحمد يكون مستنينا.

 سليم بحسم: وبلغهم...التحليل لازم يطلع بكرة بأي طريقة.

أومأ بايجاب: حاضر.

قصر الراوي،5م

دخل رشدي القصر بملامح مشتعله كالنار التي تلتهم الهشيم، كان عقله على وشك الانفجار، خاصة بعد حديثه مع عماد الذي اكد أنه لم يفعل شيئا، ازداد جنونه أكثر ولم يبقى أمامه سوى احتمال واحد "فايزة"، ربما افشت لها شيئا لتعكر صفو حياته، خاصة بعد أن رفض التعاون معها لإيذاء ماسة 

ما إن دخل القصر حتى صاح بصوت هز المكان: الهانم فين؟!

ارتبكت الخادمة وقالت بسرعة: في الجنينه العلوية.

لم ينتظر ثانية، بل اندفع إليها بخطوات غاضبة وما إن رآها حتى هتف: أنتِ قولتي لمي إيه؟!

رفعت رأسها إليه ببرود، ثم قالت بلهجة حادة: أنت بتزعق كده ليه؟ وطي صوتك وإنت بتكلمني.

ازداد غضبه: هو أنا لسه زعقت؟!

نهضت من مكانها، واقتربت منه بثبات: اتكلم باحترام،
 إيه الأسلوب ده؟

أمسك المج الذي بجواره، وقذفه بقوة على الأرض: قولتي لمراتي إيه؟! بتلعبي من ورايا؟! 

كاد يكمل حديثه، لكنها قاطعته ببرودٍ مستفز: وهألعب من وراك ليه؟ عندي حاجات أهم منك ومن مراتك؟! وبعدين أنا مشوفتش مراتك من يوم مادخلت المستشفى اصلا.

قطب حاجبيه: يعني، مش أنتِ اللي قولتلها؟

عقدت ذراعيها بنفاد صبر: قولتك لا، هي مراتك عرفت إيه؟

ضغط على أسنانه قائلا: مش عايزة تقولي، بس هي عرفت حاجة أنا متأكد، اصل مش معقول تطلب مني الطلاق، وتبقي مش طايقة تبص في وشي فجأة كده، أكيد عرفت حاجه!

رفعت حاجبها وقالت بهدوء: هتعرف أزاي يعني؟ مين فينا مجنون هيروح يقولها؟

اضافت وهي تعد:صافيناز؟ بقت مختله، وسليم خدها مصحة، عماد؟ مسافر، وحتى لو خبيث عمره ما يعملها، لأنه عارف إنه أول واحد هيتحاسب؟! وأنا بأكدلك إني معملتش حاجة... لأني اصلا مش هستفيد أي حاجة.

زمجر وهو يقترب منها: إنتِ أكتر واحدة مستفيدة، عايزة تبوظيلي حياتي مع مي عشان تلوي دراعي وتخليني أتعاون معاكي.

انفجرت ضاحكة، بسخرية مستفزة، ثم هزت رأسها وهي تنظر إليه باستخفاف: ياااه، أنت غبي أوي يا رشدي.

ضيق عينيه وهو يرمقها بغضب، فأكملت بثقة: لو كنت عايزة ألوي دراعك هعملها بألف طريقة غير الطريقة العبيطة دي! هو أنت فاكر إن يفرق معايا مراتك تسيبك أو تفضل معاك؟ بالعكس ده آخر اهتمامي، وسبق وقولتلك علاقتك بمي عجباني علشان خليتك محترم..

اقتربت منه خطوة، وقالت بنبرة أكثر جدية: أنا لو عايزة أأذيك هأذيك بضربة تانية خالص، ضربة توجعك بجد.

في تلك اللحظه رن هاتفه باسم اسعاد لكنه لم يهتم 

نظر داخل عينيها بوعيد: لو عرفت إن أنت ورا اللي حصل، او أي حد بيشتغل لحسابك هو اللي عمل كده أقسم بالله... هدفنه حي.

قال كلماته الأخيرة، ثم استدار وتحرك مبتعدا بخطوات غاضبة.

رن هاتفه مره أخري باسم اسعاد فزفر بضيق واغلقه وهو يتابع سيره بخطوات غاضبه، فلم يكن لديه طاقه لأي شيء آخر، يكفيه ما به الآن.

بينما ظلت فايزة تتابعه بعينيها حتى اختفى من أمامها، وغرقت في التفكير للحظات، وكأنها تعيد ترتيب كل ما دار بينهما وتحاول فهم ما يخفيه رشدي، لكنها سرعان ما أخرجت زفيرا هادئا، وهزت كتفيها بلا اكتراث، ثم عادت لتجلس في مكانها بكل برود، والتقطت المجاله التي كانت تقرأها، وكأن ما حدث منذ لحظات لا يستحق أن يشغلها أكثر من ذلك

المعمل،٦م 

خرج سليم من السيارة وهو يحمل حور بين ذراعيه.

نظرت إليه الصغيرة باستغراب وسألته: إحنا رايحين فين؟

قال بمراوغة وهو يربت على شعرها بحنان: أصل بابا تعبان شوية، والدكتور قال لازم أعمل تحليل، فهنروح المعمل الأول.

قطبت حاجبيها بخيبة أمل: يعني مش هنروح لماما؟

هز رأسه بهدوء: لا يا حبيبتي هنروحلها، بس هي لسه موصلتش من المطار، وراحت تجيب الشنط، وكمان معاها مفتاح البيت يعني لو روحنا مش هنلاقي حد يفتحلنا الباب..

اتسعت عيناها ببراءه: طب وهنعمل إيه؟

ابتسم لها: هعمل التحليل، وبعدها أخدك الملاهي.

اتسعت عيناها بفرحة، وصفقت بيديها: بجد؟! أنا بحب الملاهي اوى، وبحب الفراخ كمان!

نظر لها بحنان: أنتِ جعانة؟

هزت رأسها سريعا: لا، بس أنا بحب الفراخ.

قبلها من خدها: خلاص، نروح الملاهي، وبعدها ناكل فراخ بس الأول نخلص التحليل الأول عشان بابا تعبان.

رفعت يدها الصغيرة وربتت على خده بحنان طفولي: معلش، أشرب ليسون وهتخف.

ابتسم رغم الدموع التي كادت تفضحه، وقبل يدها: حاضر يا حبيبتي.

ثم قالت فجأة: طب هات أكلم ماما.

توتر لوهلة ثم قال بسرعة: لا إحنا هنخليلها مفاجأة، هي فاكرة إنها هتيجي تاخدك بنفسها، لكن إحنا هنروحلها وتدخلي عليها وتقوليلها "أنا جيت"

ابتسمت بحماس: نقولها بخ انا جيت!

تنهد بارتياح، وحمد الله في سره أن الأمر مر بهذه السهولة.

كان يتوقع أن ترفض الذهاب معه أو تبكي، لكنها تقبلته بطريقة لم يكن يتخيلها، وكأن قلبها الصغير فتح له الباب دون سؤال.

دخل المعمل، وما إن رآه الطبيب حتى اقترب منه بابتسامة: إزيك يا سليم؟

اجابه: الحمد لله يا أحمد، مكي فهمك؟

أومأ: أيوة، النتيجة غالبا هتطلع خلال 10 أو 12 ساعة، ويمكن أكتر شوية، لكن هنعجلها على قد ما نقدر.

أومأ برأسه، وتوجه مع إلي غرفة سحب العينات.

جلس سليم علي المقعد، بينما جلست حور فوق ساقيه.

اقترب الطبيب وهو يحمل عود المسحة الطبية، فنظر سليم إليها بابتسامه: بصي يا حور

زفرت: اسمي جنة!

اومأ بإبتسامة: حاضر يا ست جنة، بصي الدكتور هيحط دي في بوقك، وشوفي بتوجع ولا لأ، عشان أنا بصراحة خايف.

ضحكت: إيه ده، أنت كبير المفروض مش تخاف.

زم شفتيه بخوف مصطنع: أعمل إيه بخاف اوي، إنتِ بتخافي؟

هزت راسها: لا أنا شجاعة، وقويه.

فتحت فمها بثقة، فأخذ الطبيب المسحة في ثواني.
شهقت وهي تضحك: إيه ده! مش بيوجع خالص.

ثم التفتت إليه بتشجيع: أفتح بوقك بقى متخافش.

ابتسم رغم توتره، وفتح فمه، فأخذ الطبيب منه العينة أيضا.

ابتسم الطبيب وهو يخلع القفاز: خلصنا.

ضحكت بدهشة: أول مرة أشوف دكتور يكشف كده! الدكتور بيكشف عليا بالسماعة، ودكتور السنان عنده حاجات تانية.

ضحك وقال وهو يربت على رأسها: أصل الدكتور كان بيبص في بوقي عشان يشوف عندي إيه، أصل بوقى واجعني..

نظرت إليه بحزن، ووضعت قبله علي وجنته: معلش يا بابا إن شاء الله تخف.

تجمد قلبه، واغرورقت عيناه بالدموع، غير قادر على استيعاب أن الصغيرة بين ذراعيه هي ابنته التي بكى عليها سنوات، كان يتوقع أن تخاف منه أو ترفضه، وأن يحتاج وقتا طويلا ليكسب قلبها، لكن كل مخاوفه انهارت حين احتضنته بعفوية، ونادته: "بابا"، وكأنها تعرفه منذ عمر.

فشدها إلى صدره بقوة، خائفا أن تضيع منه مرة أخرى، أو أن يكون كل ما يعيشه مجرد حلم.

همس بصوت اختنق بالعبرة: أنتِ روح وقلب بابا.

وقال في داخله: أنا متأكد إنك بنتي مش محتاج تحليل..

شدها اليه أكثر دون أن يشعر، فضربته الصغيرة على ظهره وهي تضحك: بالراحة يا بابا أنت بتكسرني.

ضحك وسط دموعه، وأرخى ذراعيه قليلا: معلش آسف.

ثم نظر إليها طويلا وهمس: أصلك وحشتيني أوي.

ابتسمت بحنان طفولي، وأحاطت عنقه بذراعيها الصغيرتين: وإنت كمان وحشتني أوي

مسح دموعه سريعا، ثم ابتسم لها وهو يحاول أن يبدو طبيعيا: يلا بينا بقى نروح الملاهي، ولا تحبي تروحي فين؟

قفزت بحماس وهي تصفق بيديها: أيوة... نروح الملاهي!

ابتسم وأنزلها على الأرض: بصي يا حبيبتي، أقعدي في العربية دقيقة، هعمل مكالمة صغيرة، وبعدها هنروح الملاهي علطول، ماشي؟

استوووب.
تفتكروا سليم هيكلم مين؟ وايه هيحصل؟ ماسة هتعمل ايه؟!
ورشدي لما يعرف؟! 
باقي الفصل بكرة....



تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة