
بقلم سيليا البحيري
في القاهرة في المشفى - الساعة 3:14 فجراً
الإنارة خافتة، وصوت خطوات الأطباء يعلو ويهبط في الردهة. الباب الموصَد المؤدي لغرفة العمليات يلمع تحت الضوء الأبيض البارد... ومن خلفه، غزل تُصارع آلام الولادة، بينما عائلتها تنتظر على أعصابها
أمام غرفة العمليات
غيث كان واقفًا أمام الباب، ظهره ملتصق بالحائط، ويداه متشابكتان بقوة لدرجة أن مفاصله بيضا.
وجهه شاحب... شعره فوضوي... وقلبه يدق كأنه هيخرج من صدره.
غيث (يتمتم وهو يكاد يختنق):
"يا رب... يا رب تقوم بالسلامة هي والولد... يا رب."
والده رمزي يربت على كتفه بحنان ومحاولة تهدئة:
"اهدى يا غيث، البنت قوية... دي غزل اللي وقفت على كهربا وموت وانفجارات، هتخاف من ولادة؟"
غيث (ينظر له بعينين متوترتين):
"بابا... الموضوع مش سهل... أنا خايف عليها."
شيرلين (تمسك يد زوجة ابنها بلطف):
"غيث، بنتنا قوية... وفريق الأطباء أحسن ناس. خليك واثق."
سليم والد غزل
كان يتحرك رايح جاي كأنه أسد محبوس.
سليم (بعصبية):
"ليه العمليات بتاخد وقت كده؟ ليه محدش بييجي يطمنّا؟"
ميار (تحاول تهديه، وهي نفسها على وشك البكاء):
"سليم... لو فضلت تتحرك بالطريقة دي هدوّخ... اقعد شوي."
سليم يرد بغضب خفيف:
"ماقدرش... بنتي جوّه... بنتي اللي كانت بتموت قدام عيني قبل كده... مش هقدر استنى وانا مش عارف فيها إيه."
عادل و صفاء...يجلسان معًا على المقاعد، أصابع صفاء متشابكة ودعواتها لا تتوقف.
صفاء (بصوت خافت مرتجف):
"يا رب... يا رب تطمّنا عليها يا رب."
عادل (يحاول يخفي توتره):
"غزل قوية... زي أبوها... وزي جدها."
زين و تقى يقفان بجانب بعض، زين يمسك يد تقى ويضغط عليها بقوة.
زين:
"يا رب يا تقى... احساسي مش مريح."
تقى (تهز رأسها بسرعة):
"بلاش تقول كده... البنت بخير، أنا حاسة... غزل قوية ومش هتسيبنا."
إياد...واقف ساكت... على غير عادته، لكنه وجهه باين عليه القلق الشديد.
إياد (ينظر لغيث):
"متخفش... غزل هتطلع لنا وهي ماسكة الولد في إيدها وبتزعق للدكاترة."
غيث يبتسم ابتسامة ضعيفة رغم توتره.
أدهم ومازن ....يقفان معًا، لكن كل واحد توتره ظاهر بشكل مختلف.
أدهم:
"حد فاهم إزاي غزل الصغيرة دي بقت أم؟ ده أنا لسه فاكر يوم طلعت تجري ورايا في البيت تقولّي اديني شوكولاتة."
مازن (يضحك بعصبية):
"ده انت لسه فاكر، أنا لسه شايفها وهي بتزعقلي علشان بوّظت لها قصتها اللي كانت بتكتبها."
سليم الشاب (ابن زين) وميار (ابنة أدهم)
واقفين معا بعض ... واضح عليهم الخوف.
ميار:
"أنا مش قادرة أتخيل إنها دلوقتي بتولد... غزل كانت دايمًا أقوى واحدة فينا."
سليم الشاب:
"وهتفضل... احنا بس بنخاف علشان بنحبها."
(فجأة... يفتح الباب قليلاً، وتظهر الممرضة. كل العائلة تقف دفعة واحدة كأنهم جيش.)
الممرضة:
"لو سمحتوا..."
الجميع يبتلع ريقه دفعة واحدة.
الممرضة تكمل بابتسامة مطمئنة:
"الأمور مستقرة... بس الولادة لسه شغالة. هي قوية... بس محتاجين وقت."
غيث ينهار قليلًا من الارتياح ويجلس:
"الحمد لله... الحمد لله."
سليم والدها يضع يده على صدره:
"ربنا يستر..."
الممرضة تغلق الباب، والعائلة تعود للتوتر... لكن هذه المرة مع بصيص أمل.
**********************
بعد عدة دقائق
أقدام مسرعة تقترب... ثم يظهر أوس أولًا، وجهه متوتر لكنه يحاول يبدو ثابتًا. بجانبه زوجته شغف التي تمسك بيده بقوة، بطنها البارز يدل على أن طفلهم في منتصف الطريق.
وخلفهما يدخل جاسر الحديدي، ببدلته العسكرية المعتادة ووجهه الجاد الذي يلين فقط عندما يرى أولاد أخيه وأصدقاءه.
أوس (بصوت لاهث):
"غيث!! فين هي؟ عاملين إيه؟ حصل حاجة؟"
غيث ينهض بسرعة، يقترب منهم:
"هي جوّه... الولادة شغالة... والدكاترة قالوا إنها قوية. بس... التوتر قاتل."
شغف تقترب بخوف
اقتربت شغف من تقى و ميار الأم، وجهها شاحب، عينيها تلمعان بالقلق.
شغف (بصوت مرتعش):
"غزل... غزل هتبقى بخير، صح؟ ماحصلش مضاعفات ولا حاجة؟"
ميار (تحاول تطمّنها بابتسامة صغيرة):
"بخير يا شغف... غزل أقوى من إنك تتخيلي."
لكن شغف تضع يدها على بطنها بلا وعي... ثم فجأة تتوتر أكثر.
شغف:
"أنا خلاص بخاف... ينهار أبيض! أنا لسه فى الشهر الخامس بس بجد... الولادة شكلها مرعبة! لو غزل القوية مش ثابتة... أنا هعمل إيه؟"
أوس يلف ذراعه حول كتفها بلطف، ويقرّبها منه وهو يرفع حاجبه بخبث.
أوس:
"يا بنتي اهدّي... انتي هتولدي ولا هتعملي بطولة في فيلم أكشن؟"
شغف (تضربه على كتفه بخفيف):
"يا أوس بطل هزار... أنا مرعوبة."
أوس:
"طيب ماشي... بصّي... لو الولادة كانت حاجة مرعبة قوي... كان زماني أنا اللي ولدت! ربنا عارف إن الرجالة مش قد المقام ده... فادّاهولكم."
الجميع يضحك رغم التوتر... حتى شغف تبتسم بخجل.
جاسر يتقدم نحو سليم، يصافحه بقوة حقيقية.
جاسر:
"طمني يا سليم... البنت جوّه من قد إيه؟"
سليم (بعينين مرهقتين):
"ساعتين ونص... وأنا خلاص همشي على الحيط."
جاسر:
"اطمّن... غزل بنت قوية... وبنتك دي فايتة نار قبل كده. وهتطلع من العمليات وهزعل لو ما لقيتش ياسين ماسك شعر الدكتور."
ضحكة خفيفة تخترق الجو.
شغف تتجه لغيث
شغف (تمسك يد غيث):
"غيث... هي هتبقى بخير... صدقني. غزل ما تنهزش. انتم هتطلعوا من هنا بثاني أجمل طفل في الدنيا."
غيث يحاول يبتسم:
"وتاني أجمل؟"
شغف ترفع حاجبها:
"أكيد بعد ابني أنا وأوس."
أوس:
"ده كلام يا شغف؟ لأ... ابننا هيبقى الأول طبعًا، بس ياسين ممكن يبقى المركز الثاني."
غيث (يمسك رأسه):
"حتى هنا بتنافسوني؟"
أوس يربت على كتفه:
"دي أهم لحظة في حياتك يا صاحبي... لازم أهزر علشان ما نجنّش."
*********************
باب العمليات يفتح فجأة...
يتجمّد الجميع في مكانه.
ويخرج الطبيب بملابسه الخضراء وكمامته الملطّخة ببعض آثار العمل.
غيث يقف أول واحد، يكاد قلبه يخرج من صدره:
"دكتور... غزل؟ ابني؟"
الطبيب يبتسم بهدوء مطمئن:
"أولاً... مبروك يا جماعة. الأم والطفل الاتنين بخير."
غيث يغمض عينيه بقوة:
"الحمد لله... الحمد لله."
سليم والد غزل يرفع يده للسماء:
"يا رب لك الحمد."
الجدة صفاء تمسح دموعها:
"كنت عارفة إنها قوية... بنتي حبيبتي."
الجميع يصفّق ويضحك ويعانق بعضه... التوتر كله يتبخر في ثانية.
زين الذي كان متوترًا بشدة، يتقدم خطوة للطبيب ويصافحه باحترام.
زين:
"معلش يا دكتور... أنا د. زين الشرقاوي، طبيب نسا وتوليد برضه.
عايز أطمن على حالة بنت أخويا من ناحية طبية... هل حصل نزيف؟ الضغط كان ثابت؟"
الطبيب يهز رأسه باحترام واضح:
"تشرفت يا دكتور زين.
بصراحة... كانت ولادة صعبة شوية لأن الطفل كان كبير، لكن غزل تعاونت كويس جدًا.
مفيش أي نزيف، وكل علاماتها الحيوية ممتازة. رحمها رجع لطبيعته بسرعة، ومفيش أي خطر عليها."
زين يتنفس براحة واضحة:
"الحمد لله... ألف مرة الحمد لله.
غزل قوية من يومها."
سليم والد غزل يقترب:
"يعني... نقدر نشوفهم إمتى يا دكتور؟"
الطبيب:
"غزل هتتنقل لغرفة التعافي خلال عشر دقايق. تقدروا تدخلوا واحد واحد.
أما البيبي... ياسين... فهو زي القمر ومية مية."
أوس يرفع يده عاليًا:
"الله!! ياسين وصل يا جماعة!"
شغف تضحك وتمسح دموعها:
"الحمد لله... كنت هموت من الخوف."
جاسر الحديدي يضع يده على كتف سليم الأب:
"أهو اتكتب له عمر جديد... زي أمه."
رمزي والد غيث يحتضن ابنه بشدة:
"مبروك يا ابني... بقيت أب رسمي."
شيرلين تمسح دموعها بفوطة صغيرة:
"My baby boy is now a father... congratulations, habibi."
غيث:
"دكتور... غزل كانت تعبانة آخر يومين. ده ما أثرش؟"
الطبيب يبتسم:
"متقلقش... غزل هترجع أقوى من الأول.
بس خلي بالك منها... الأم محتاجة راحة أسبوعين على الأقل."
غيث nods بقوة:
"هحافظ عليها بعنيا."
**********************
في مصر في المشفى
كانت الغرفة هادئة إلا من صوت جهاز مراقبة نبضات القلب... ضوء خافت يتسلل من النافذة، ووجوه كثيرة تحيط بالسرير بقلق.
تتحرك أصابع غزل قليلًا... ثم تفتح عينيها ببطء.
ترتفع أنفاس الجميع دفعة واحدة.
ميار (والدتها) بصوت يختنق بالدموع:
غزل... حبيبتي! صحصحت؟
سليم (والدها) يمسك يدها بسرعة:
يا روحي... الحمد لله... الحمد لله.
غزل بصوت متعب، مبحوح:
ماما... بابا... انا... فين؟
عادل (جدها):
إنتِ بخير يا بنتي... الحمد لله عدّى على خير.
صفاء (جدتها) تمسح رأسها بحنان:
نور عيوني... خوفتينا قوي.
مازن (خالها):
أهو احنا كلنا حوالينِك... ما تخافيش من حاجة.
زين (عمها الآخر):
أوعي تفكري في أي حاجة دلوقتي... أهم حاجة صحتِك.
تقى (زوجة زين بابتسامة دافئة):
الحمد لله إنك فقتي يا غزل.
إدهم (خالها):
وحشتينا يا بنت أختي... قوميلنا بقى.
سليم الشاب (ابن عمها) يضحك بخفة:
عملتي قلبنا سبعة مليون حتة يا غزل... قومي بقى نرجع نضحك زي زمان.
ميار (ابنة خالها) تمسك يدها بلطف شديد:
الحمد لله... كنت خايفة عليكِ قوي.
غيث :
ألف سلامة يا غزل... ربنا نجاكي.
شيرلين (أم غيث):
يا عمري إنتي... قلّبتيلنا يومنا كلنا.
رمزي (والد غيث):
قومي بالسلامة يا بنتي.
غزل تغمض عينيها لحظة... ثم فجأة تتسع عيناها في ذعر.
غزل بصوت مرتعش:
يـــاســيـــن!!
ابني... أنا... أنا كنت... ولدت...
هو فين؟! هو كويس؟!
عيّط؟! تنفّس؟! هو... هو عايش؟!
ينهار صوتها بالبكاء.
ميار بسرعة، تمسك وجهها:
حبيبتي اهدّي... ياسين بخير... بخير يا روحي.
غزل تبكي:
عايزة أشوفه... لو سمحتوا... ابني...
أنا... أنا حسيته لحظة وراح...
غيث يقترب بابتسامة كبيرة، صادقة، تلمع عيونه فرحًا:
غزل... ياسين زي القمر.
مولود من 3 ساعات ودخل الحضانة بس علشان وزنه صغير شوية.
والله بخير... شوفتِه؟ جميييل... شبهك!
غزل ترتجف، تدمع عيونها أكثر.
غزل:
طيب... طيب عايزة أشوفه... أرجوكم... أرجوكم.
ميار تمسح دموعها وتضم رأس ابنتها لصدرها بحنان الأم:
هتشوفيه يا قلبي... هتشوفيه دلوقتي...
بس اهدي... انتي لسه خارجة من تعب كبير...
إحنا كلنا معاكي، ومش هنسيبك لحظة.
سليم (والدها) يربت على كتفها:
أول ما الدكتور يسمح... هنروح كلنا لياسين.
غزل تبكي وتضحك في نفس اللحظة:
ابني... ابني بخير...
ميار بابتسامة دافئة:
أيوه بخير... ومستني يحضن ماما.
تغمض غزل عينيها ثانية، لكن هذه المرة بارتياح...
وكل من حولها يبتسم، والدموع في عيونهم.
***********************
كانت غزل قد هدأت قليلًا بعد أن عرفت أنّ ياسين بخير في الحضانة، ووالدتها حور ما تزال تمسح على شعرها.
ميار بابتسامة دافئة:
"هتشوفيه حالًا يا حبيبتي، الأطباء بس بيطمنوا عليه... أهم حاجة تهدي."
غزل تهز رأسها بخفة:
"ماشي... بس عايزة أشوفه أوي..."
وفجأة يُفتح الباب بسرعة ويظهر أوس وهو يلهث قليلاً، وبجانبه شغف الحامل في شهرها الخامس تمسك بطنها بخوف.
شغف بقلق واضح:
"يا نهار أبيض يا غزل! كنتي هتموتينا... إنتي كويسة؟!"
غزل تبتسم رغم إرهاقها:
"أنا؟ أنا زي الفل... شوفي شكلي! ينافس العرسان يوم فرحهم."
شغف تضحك وهي تقترب منها:
"إنتي مجنونة... والله العظيم قلبي وقع!"
أوس يقترب ويقف بجانب غيث، يربت على كتفه:
"ألف مبروك يا غيث... بقى عندك فارس صغير رسمي."
غيث بابتسامة فخور:
"ده ابني... أول ما شوفته... قلبي وقع. بس الحمدلله... أهم حاجة غزل بخير."
غزل تنظر لشغف بخبث:
"بس يا شغف... إنتي اللي خوفتيني... داخلة كده ماسكة بطنك ومتشنجة! دي مش طريقة أم مستقبلية!"
شغف تفتح فمها بدهشة وخوف:
"غزل! إنتي مش شفتي اللي حصل! إنتي كنتي بتصرخي... وأنا حامل! طبيعي أخاف!"
غزل تمسك يدها وتبتسم بخبث لطيف:
"طب اطمني... الولادة سهلة... أهو أنا أهو... عايشة! بس... مش قادرة أضحك... بطني واجعاني."
ميار التي كانت واقفة خلف شغف تضحك:
"أقسم بالله إنتي سبب رعب الأمومة عند شغف من دلوقتي."
شغف تضع يدها على خاصرتها:
"وأنا هخاف... أديني شايفة الوش اللي صارلك بعد الولادة!"
غزل تدّعي الصدمة:
"يا بنت إنتي! ده أنا طلع عليا نور!"
ميار تقترب وتقبل رأس غزل:
"أنا اللي قلبي وقع لما عرفت... الحمدلله إنك بخير... الحمدلله."
غزل تبتسم لها بحنان:
"يا قلبي يا ميار... إنتي كنتي هتعيّطي؟"
ميار بخجل واضح:
"لا طبعًا... أنا ما بعيّطش..."
سليم الشاب (خطيب ميار) يغمز:
"لأ... هي كانت بتعيّط فعلاً."
ميار بصوت منخفض:
"سلييييم! ليه تفضحني؟!"
ينفجر الجميع ضاحكين.
غزل تشير بين الثلاث بنات:
"بصوا بقى... أنا خلفت... يبقى إنتي يا شغف بعدها... وبعدين الدور على الموهوبة ميار."
شغف بسرعة:
"يا بنتي روّحي! أنا لسه عايشة مرحلة الخضة!"
ميار تلوّن خديها:
"لا لا... أنا لسه بدرّي عليّ..."
غيث يضحك:
"والله لو تسمعوا صوتهم وهما مستعجلين على الفساتين والبوكيهات، تعرفوا قد إيه بيدّعوا."
ميار الأم بصوت أم حنونة تنظر للبنات الثلاث:
"ربنا يسعدكم يا بناتي... ويكملكم على خير."
سليم والد غزل يقف عند طرف السرير، ينظر للمشهد كله بعين فخور:
"شوفوا... دي العيلة اللي أنا بحب أشوفها... ضحك ولمّة."
زين (عم غزل) يضحك:
"غزل رجّعت الضحك وهي لسه طالعة من عملية!"
تقى بابتسامة:
"هي روحها الحلوة كده دايمًا."
مازن :
"بس لازم ترتاح... يا جماعة كفاية عليها كلام."
غزل ترفع يدها:
"أهوه... شايفين؟ مازن لسه شايفني طفلة!"
صفاء تقف بجانبها:
"وحتفضلي طفلتنا... حتى لو بقى عندك طفل."
تتسع عينا غزل بفرحة وحنان عندما تتذكر ياسين من جديد.
غزل بصوت خافت:
"ماما... عايزة أشوفه... بالله عليكي..."
ميار تمسك يدها:
"هتشوفيه حالًا يا روحي... هروح أكلّم الدكتورة."
وتخرج مع سليم بينما الجميع يبقون حول غزل، ضاحكين ومحاولين تهدئتها... خصوصًا شغف التي جلست تحمي بطنها بخوف، وغزل لا تتوقف عن مشاكستها.
*********************
في مكان آخر نذهب له في أول مرة في لندن....فيلا هادئة تطل على حديقة واسعة.
صباح بارد، ضوء الشمس يتسلل عبر الزجاج الكبير.
رائحة قهوة طازجة تعبئ المكان.
ليان تقف في المطبخ، شعرها مرفوع بإهمال جميل، ترتدي سترة صوفية بيضاء.
تضع الفطائر في طبق، تلتفت مبتسمة:
- "ياسر... هل أيقظتَ ريان؟"
ياسر، بملامح رجل هادئ يحمل وقارًا غريبًا، يطالع هاتفه قبل أن يضعه جانبًا.
- "ريان لا يُوقظ... هو يستيقظ حين يقرر."
تضحك ليان بخفة.
في تلك اللحظة...
صوت خطوات على الدرج.
ريان ينزل ببطء.
شعره مبعثر قليلًا، يرتدي قميصًا رماديًا وبنطالًا داكنًا.
ملامحه حادة... تشبه والده كثيرًا.
آدم يسبقه إلى الطاولة وهو يتذمر:
- "إن تأخرتُ اليوم، سيجعلني المدير ألقي خطاب الانضباط أمام المدرسة كلها."
ريان يجلس بهدوء، يسكب قهوته بنفسه.
- "جرب أن تصل في وقتك إذًا."
آدم يرمقه:
- "وأنت؟ أليست لديك محاضرات؟"
ريان بابتسامة جانبية خفيفة:
- "لدي ما هو أهم."
ليان تلاحظ نبرة صوته...
لكنها لا تسأل.
ياسر يراقب أبناءه بصمت.
شيء في عينيه لا يشبه هذا الصباح الهادئ.
يقترب من ريان، يضع يده على كتفه للحظة قصيرة.
- "انتبه لنفسك."
ريان ينظر له مباشرة...
نظرة طويلة... مفهومة بين رجلين.
- "دائمًا."
آدم يضحك:
- "أقسم أنكما تتحدثان بلغة سرية."
ليان تقترب، تمسح على شعر آدم بحنان:
- "كفاكما دراما صباحية."
لحظة عادية.
عائلة دافئة.
ضحكات خفيفة.
لكن...
حين يخرج الجميع، يبقى ياسر واقفًا أمام النافذة.
السيارات تتحرك في الشارع بهدوء.
ليان تقترب منه من الخلف، تحتضنه برفق.
- "أنت تفعل ذلك مجددًا."
- "ماذا؟"
- "تنظر للماضي وكأنه سيعود ليأخذ شيئًا منا."
صمت.
عيناه تبتعدان نحو الأفق الرمادي.
ثم يقول بصوت منخفض جدًا:
- "الماضي لا يعود ليأخذ...
هو يعود ليسترد."
**********************
في مكان آخر في احدى الفلل الفخمة في الصعيد
على كرسي جلدي ضخم... يجلس عليه شخص لا يظهر وجهه.
ظهره فقط...
ط
أمامه شاشة كبيرة...
تعرض صورة... غزل وهي تحمل طفلها ياسين... تبتسم.
صمت...
ثم...
تتحرك أصابع اليد ببطء... تضغط زرًا.
تُعاد اللقطة...
مرة... ومرتين... وثلاث.
صوت أنثوي هادئ... ناعم... لكنه يحمل سمًّا واضحًا:
"حتى بعد كل اللي حصل...
لسه بتضحكي يا غزل؟"
صمت قصير...
ثم ضحكة خافتة... باردة.
"حلو اوي......"
تنهض ببطء...
الكعب العالي يضرب الأرض بإيقاع محسوب.
تقترب من الشاشة...
تمد يدها... تلمس صورة الطفل.
"ياسين..."
تنطق الاسم وكأنها تتذوقه...
ثم تبتسم.
"اختيار موفق...
بس مؤسف."
تدير ظهرها... تمشي ببطء نحو الطاولة.
تلتقط ملفًا أسود... تفتحه.
صور... تقارير... تحركات...
كل شيء عن غزل... وغيث... وعائلتهم.
تتوقف عند صورة سليم وميار.
صوتها ينخفض... يصبح أثقل... أعمق:
"فاكرين إنكم كسبتوا؟
فاكرين إن اللعبة خلصت؟"
تغلق الملف بقوة خفيفة.
"لا...
إنتوا لسه حتى ما دخلتوش اللعبة."
تتجه نحو النافذة...
تنظر إلى المدينة تحتها... الأضواء كأنها نجوم مكسورة.
"زمان... كنتوا بتاخدوا مني كل حاجة...
واحدة واحدة."
صمت...
أنفاسها تهدأ... لكنها تصبح أخطر.
"دلوقتي...جه دوري."
تبتسم... ابتسامة لا تُرى... لكن تُشعر.
"هخليكم تعيشوا نفس الإحساس...
بس الفرق..."
تلتفت نصف التفاتة...
الضوء يكشف جزءًا صغيرًا من شفتيها... ابتسامة حادة.
" مش هرحم حد"
تنظر مرة أخيرة إلى صورة غزل وطفلها على الشاشة...
"خلوها تضحك شوية كمان...
علشان السقوط... هيكون ابشع"
*☆يتبــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع☆