
بقلم سيليا البحيري
بعد عدة أشهر.....
في القاهرة - مقر جهاز الاستخبارات العامة المصرية
داخل مكتب العمليات
شاشات رقمية... خرائط... خطوط اتصال... صور وجوه بعضها مموّه.
في المنتصف...
طاولة معدنية سوداء.
وقف عندها ريان.
ملف مفتوح أمامه...
لكن عينيه لم تكن تقرأ فقط...
كانت "تفكك".
خطوط السير.
نقاط الدخول والخروج.
زمن الاستجابة.
كأن عقله لا يحفظ المهمة... بل يعيد كتابتها.
الباب يُفتح.
يدخل اللواء جاسر الحديدي.
بخطوات ثابتة...
حضور يسبق صوته.
خلفه مباشرة...
جواد الدسوقي.
نظراته حادة...
لكن فيها شيء مختلف... ليس قسوة... بل تجربة.
جاسر (بهدوء عسكري): "إحنا مش هنا علشان نجرّب... إحنا هنا علشان نُنهي."
صمت خفيف يهبط على الغرفة.
ريان يرفع عينيه.
ثانية واحدة فقط...
لكنها كافية لقراءة رجل أمامه.
جاسر يتقدم، يضع ملفًا إضافيًا على الطاولة.
"اسم الشبكة... شبكة العنكبوت الأسود."
تتغير الإضاءة على الشاشة...
خريطة تتحول... نقاط حمراء تنتشر كعدوى.
جواد (يشير للشاشة): "نشاطها في 12 دولة...
تهريب... اغتيالات... غسيل أموال... واختراق مؤسسات إعلامية."
ثم ينظر إلى ريان مباشرة:
"بس اللي يهمنا... إنهم هنا."
تظهر صورة مبنى صحفي كبير.
جاسر: "الهدف الليلة... مش شخص."
توقف.
"الهدف... مفتاح."
يضغط زرًا...
تظهر صورة رجل في الخمسينات.
جواد: "مدير جريدة استقصائية.
معاه حقيبة فيها مستندات... كفيلة تفتح باب للشبكة دي."
ريان يتكلم أخيرًا.
صوته منخفض... ثابت:
"ولو وصل للشرطة؟"
جاسر ينظر له... نظرة تقيسه.
"مش هيوصل."
صمت.
ثم يضيف:
"وإنت السبب."
ثانية تمر.
لا توتر ظاهر على ريان...
لكن أنفاسه أصبحت أبطأ... أعمق.
جواد (بنبرة أقل رسمية): "دي أول مهمة ليك يا ريان... بس مش هنعاملك كطالب."
يقرب الملف نحوه.
"لو نجحت... هتترقى مباشرة."
ابتسامة خفيفة... حادة:
"ولو فشلت... مش هتحتاج شهادة أصلاً."
لمعة صغيرة مرت في عيني ريان.
ليست خوفًا.
شيء... أقرب للتحدي.
ريان: "المعلومة ناقصة."
جاسر يرفع حاجبه.
ريان يكمل: "الشبكة دي... مش بتتحرك بعشوائية.
في حد فوق... بيراقب... وبيختار التوقيت."
ينظر إلى الخريطة.
"الليلة مش مجرد تسليم حقيبة...
دي حركة محسوبة."
جواد يبتسم بخفة: "وأنت شايف إيه؟"
ريان: "كمين."
صمت.
ثم... ابتسامة بطيئة تظهر على وجه جاسر.
جاسر: "عشان كده اخترناك."
يتقدم خطوة.
صوته ينخفض... لكنه يصبح أثقل:
"إحنا مش عارفين مين الزعيم...
ولا حتى شكله."
تظهر على الشاشة كلمة:
UNKNOWN
جاسر: "بس عارفين حاجة واحدة..."
ينظر مباشرة في عيني ريان:
"هو دايمًا بيسبقنا بخطوة."
ريان يرد بدون تردد:
"يبقى نغير اتجاه اللعبة."
لحظة صمت...
ثقيلة... لكنها ليست فارغة.
جواد يضغط زرًا...
تظهر خطة التحرك.
جواد: "هتدخل لوحدك."
جاسر: "ومن اللحظة دي... مفيش اسمك."
ريان يغلق الملف.
ريان: "مفيش اسم... مفيش أثر."
جاسر: "ومفيش فرصة تانية."
ريان ينظر له...
نظرة طويلة... هادئة... لكنها تحمل وعدًا غير منطوق.
ريان: "مش محتاج."
يلتقط الملف...
يتجه نحو الباب.
قبل أن يخرج...
جاسر (بصوت منخفض): "ريان."
يتوقف... دون أن يلتفت.
جاسر: "الظل... هو أخطر مكان."
ثانية صمت.
ريان (بهدوء): "وأمانه الوحيد... إنه ما يتشافش."
يخرج.
الباب يُغلق.
جواد ينظر لجاسر:
"شايف فيه إيه؟"
جاسر يراقب الباب المغلق...
بعين خبير رأى الكثير... لكنه لم يرَ هذا من قبل.
جاسر: "شايف واحد..."
صمت.
ثم يكمل:
"يا إما هيكسرهم...
يا إما هيبقى أخطر منهم."
*********************
في مصر... داخل فيلا غيث وغزل.
ضوء خافت قرب سرير ياسين الصغير الذي نام أخيرًا بعد بكاء طويل.
غزل كانت جالسة بجانبه، واضحة عليها علامات الإرهاق.
فتح الباب بهدوء، ودخل غيث.
غيث (بابتسامة دافئة):
"نام أخيرًا...؟"
غزل (بهمس متعب):
"أخيرًا... يا رب ما يصحى دلوقتي.
حاسّة إني هنهار من التعب."
جلس أمامها، لمس خدها بلطف.
غيث:
"تعالي ارتاحي شوية. إنتِ لسه خارجة من ولادة، و شايلة البيت والولد وأنا فوقهم."
ابتسمت بخجل، دمعة صغيرة لمعت في عينها.
غزل:
"زمان لما كنت في غزة... لما اتضرب المكان فوق راسي... كنت فاكرة إن نهايتي هناك.
عمري ما تخيّلت إني أكون هنا... في بيت معاك... ومع يوسف-"
ضحك غيث بخفة.
"ياسين... يا حبيبتي... اسم ابنك ياسين."
ضربته بخفة.
"اتلخبطت... أنا شبه نايمة."
أخذ يدها بين يديه.
غيث (بصدق عميق):
"لو الزمن رجع بيا... كنت هختارك إنتِ برضه.
صحفية بتجري ورا الخطر...
بنت خافت من لورانزو...
و اتغصبت على الارتباط...
أم شايلة الدنيا في صدرها."
خفضت عينيها.
غزل:
"وأنا مش ندمانة إني بقيت معاك...
بس..."
غيث:
"بس إيه؟"
ترددت لحظة.
غزل:
"حاسّة بحاجة مش كويسة...
قلبي بيدق بطريقة غريبة... مش خوف على ياسين بس... حاجة أكبر... جاية من بعيد."
وضع جبينه على جبينها.
غيث:
"أنا هنا.
وأي حاجة هتقرب... هنتصدى لها. ما تخافيش."
غزل (بهمس):
"في حاجة... زي نداء... كأن جزء مني مش هنا."
احتواها بصمت.
غيث:
"يمكن تعب... يمكن آثار اللي مريتي بيه.
العمر قدامنا.
وأي خطر يمر فوقي قبل ما يلمسك."
ابتسمت بخفة، دفنت وجهها في صدره.
غزل:
"أنا بحبك يا غيث... انت الشيء الوحيد اللي حسّاني إني بخير."
غيث:
"وأنا روحي معلّقة بيكي وبابنّا."
نظرا إلى ياسين.
غزل:
"هو شبهك... وأنا زعلانة."
ضحك بصوت منخفض.
"أهو ربنا ستر."
قبّل جبينها.
غيث:
"يلا ننام شوية قبل ما ابني يعاقبنا تاني."
أغلقت عينيها... لكن القلق لم يغادرها.
لحظة صمت...
ثم قال غيث بهدوء:
"على فكرة... فيه حد هييجي بكرة."
فتحت عينيها.
"مين؟"
تردد قليلًا.
"خالتي."
جلست مستقيمة.
"أنت عندك خالة؟"
ابتسم باعتذار خفيف.
"أيوه. عايشة في الصعيد طول عمرها... مش بتحب القاهرة.
ما جاتش فرحنا، وانشغلت... وأنا ما جاش وقت أقولك."
ظلت تنظر له.
"هتيجي تبارك لياسين وبتمشي. مش هتقعد."
هزّت رأسها بهدوء.
"تمام. لما تيجي... نشوف."
اقترب وربت على كتفها.
"مجرد خبر... مش حاجة كبيرة."
لم ترد.
نظرت إلى ياسين... ثم إلى الفراغ.
الهدوء عاد للغرفة...
لكن داخلها،
كان هناك خيط قلق رفيع...
يمتد أبعد مما تتخيّل.
... إلى مكان آخر في العالم.
*********************
ملاحظة: المشهد في لندن، والحوار يُفترض أنه باللغة الإنجليزية.
مساء بارد في لندن.
مقهى زجاجي فاخر يطل على نهر التايمز، موسيقى هادئة، وأضواء المدينة تنعكس على الماء.
جلس آدم مع أصدقائه حول طاولة مستديرة.
كانوا:
أوليفر، ثيو، لوكاس،
ومن الفتيات: أميليا، صوفي... وشارلوت.
أوليفر قال ضاحكًا:
"أستاذ الاقتصاد اليوم كاد يطرد نصف الصف."
ثيو رد بسخرية:
"وأنت أولهم، لأنك لا تقرأ شيئًا."
ضحكوا جميعًا.
أما شارلوت، فكانت تنظر إلى آدم أكثر مما تشارك في الحديث.
شعرها الأشقر منسدل، وكأس نبيذ بين أصابعها، ونظرة جريئة لا تحاول إخفاء إعجابها.
مالت قليلًا نحو آدم.
شارلوت:
"آدم... ماذا عن شقيقك ريان؟"
ساد صمت خفيف.
الجميع يعلم أنها معجبة به، والجميع يعلم أن آدم لا يطيق ذلك.
آدم رفع عينيه إليها بهدوء:
"ماذا عنه؟"
ابتسمت ابتسامة واسعة.
"لا يزال يسافر كثيرًا؟ لا أفهم... ماذا يدرس تحديدًا؟ أم أنه لا يدرس أصلًا؟"
لوكاس ضحك:
"ها قد بدأ التحقيق."
شارلوت تجاهلته.
"أعني... لا أحد يسافر بهذا الشكل إلا إن كان غامضًا... أو خطيرًا."
قالت الكلمة الأخيرة وهي تنظر إلى آدم بتحدٍ واضح.
آدم أجاب بنبرة ثابتة:
"هو لا يحب أن يكون موضوع حديث."
شارلوت رفعت حاجبها:
"أنا لا أتحدث عنه... أنا معجبة به."
ثيو تمتم:
"فرقٌ شاسع فعلًا."
ابتسمت بخفة، ثم سألت مباشرة:
"هل هو مرتبط؟"
شدّ آدم فكه قليلًا.
"لا."
ابتسمت بانتصار واضح.
"كنت أعلم."
أميليا تبادلت نظرة سريعة مع صوفي.
شارلوت تابعت:
"يبدو من النوع الجاد... الصامت... وهذا يعجبني أكثر."
آدم نظر إليها نظرة باردة مهذبة.
"هو ليس كما تتخيلين."
"وكيف أتخيله؟"
"كرجل يمكن أن يكون مغامرة عابرة."
ضحكت ضحكة قصيرة.
"ومن قال إني أبحث عن شيء عابر؟"
آدم لم يبتسم.
"أنتِ تحبين الحفلات، السهر، الكاميرات، الضجيج..."
قاطعتْه بابتسامة ساخرة:
"وأنت لا تحب ذلك، أعلم."
"ولا هو."
ساد صمت خفيف.
شارلوت اقتربت قليلًا، تخفف من نبرتها:
"لماذا يسافر إذًا؟"
آدم أجاب بعد لحظة:
"أمور عائلية."
ابتسمت بخبث:
"هذا يبدو أكثر غموضًا مما ينبغي."
لوكاس حاول تغيير الموضوع:
"على أي حال، هناك حفلة السبت في منزل مارك. آدم، هل ستحضر هذه المرة؟"
"لا."
ثيو:
"أنت لا تأتي أبدًا."
"لدي تدريب صباحي."
شارلوت تمتمت بنبرة مستفزة:
"أم أنك تخشى أن نفسد أخلاقك؟"
نظر إليها مباشرة.
"أنا لا أفسد بسهولة."
ابتسمت ببطء.
"الجميع يفسد... في اللحظة المناسبة."
وقف آدم فجأة، التقط معطفه.
أوليفر:
"ستغادر الآن؟"
"نعم."
وقبل أن يتحرك، التفت نحو شارلوت.
صوته كان هادئًا، لكن فيه حدّة واضحة:
"لا تخلطي بين الصمت والغموض."
ثم خرج.
ساد الطاولة صمت لثوانٍ.
صوفي قالت بهدوء:
"إنه شديد الحماية."
شارلوت عضّت شفتها السفلى وهي تنظر نحو الباب.
"هذا أجمل ما فيه."
ثم أضافت بابتسامة واثقة:
"أحب التحديات."
وفي الخارج،
كان آدم يسير تحت أضواء لندن الباردة...
يفكر في أمر واحد فقط:
بعض الرجال...
ليسوا تحديًا.
بل نارًا إن اقتربتِ منها،
احترقتِ.
********************
في فيلا الحديدي - طاولة العشاء
كانت رائحة محشي غرام تلفّ المطبخ مثل دعاء قديم يعيد العائلة إلى أصلها. الطاولة ممتدّة، مُزدحمة بالأطباق وضحكات تتصادم كأكواب زجاجية. جلس الجميع، وكلّ كرسيّ يحمل تاريخه الصغير.
جاسر جلس في صدر الطاولة، كتفه العريض ما زال فيه أثر سنوات الخدمة التي تسللت إلى جسده ولم تغادر. بجواره غرام، صوتها دافئ كقهوة أول الصباح.
إلى اليمين: أسد وزوجته حور، وبينهما يوسف الذي يحاول أن يبدو رجلاً وغرام الصغيرة التي تأكل البطاطس المحمّرة كأنها كنز سري.
إلى اليسار: آسر وديما، وطفلهما الصغير جاد الذي يضرب الملعقة بالخلاط كأنه يؤسس لفرقة موسيقية مستقبلية.
وفي المنتصف تقريباً: أوس وشغف، بطنها المستدير يتحرك بخفة كقمر يتنفس، وأوس يضع يده حول الكرسي بحيث يبدو واضحاً أنه يحرسها من الهواء نفسه.
غرام (الأم) وهي توزع الدجاج:
- كل واحد ياخد بالراحة... شغف يا حبيبتي، خذي الجناح ده. يبني مخ وقلب.
شغف (تضحك):
- ماما غرام، أنا اللي محتاجة يبني مخ؟ ولا البيبي؟
جاسر وهو يرفع حاجبه:
- إنتو الاتنين. خصوصاً مع جوزك ده.
أوس (يرمي نظرة مستفزة على والده):
- يا بابا، العقل وراثة... يعني اللي شايفه قدامي السبب.
جاسر:
- هه... شايف نفسك مهضوم؟
أسد يتدخل سريعاً قبل انفجار ساخر جديد:
- كفاية يا جماعة... خلّوا العشاء يعدي من غير خسائر.
أوس:
- خسائر؟ ده أنا بالنسبة للبيت ده أهم مورد اقتصادي.
آسر ضحك:
- مورد؟ يا راجل ده حتى يوسف بيصرف عليك بدل ما إنت تصرف عليه.
يوسف يبتسم بانتصار صغير:
- أنا شاهد... ومش هاسحب شهادتي.
غرام الصغيرة:
- بابا، هو أوس بياخد مصروف؟
أوس:
- يا بنتي أنا كبير...
جاسر يقاطع:
- ده بياخد مصروف، وبيطالب بالزيادة آخر الشهر كمان.
ضحك الجميع، فيما أوس يكتفي بالنظر لوالده بنظرة "مش هرد دلوقت عشان مراتى حامل".
حور تميل نحو شغف:
- شكلك تعبانة النهارده يا روحي...
شغف تلمس بطنها:
- البيبي من الصبح بيعمل تمرينات قفز حرّ. وخايفة من الولادة يا حور... كل يوم أفكر فيها. بحسها معركة.
غرام (الأم) تمسك يدها:
- يا بنتي... الولادة وجع، بس بعدها حياة بتتولد. وإنتي قدّها.
ديما تهز رأسها موافقة:
- كلنا خوفنا. وحتى لو ارتجفتي شوية، ده طبيعي.
أوس فجأة يتدخل بنبرة خفيفة:
- متخافيش... لو الولادة صوتها عالي، أنا أعمل ألبوم تسجيلات.
شغف تحدّق فيه:
- أوس؟
أوس:
- إيه؟ الفن رسالة.
جاسر يهز رأسه:
- يا رب نجيب طفل يشبه أمّه... على الأقل عاقل.
أسد:
- يا أبي... ما تقلقش. العائلة عندها تاريخ طويل من الأطفال العقلاء... باستثناء واحد.
غرام تقطع اللقمة ضاحكة:
- لو سمحتم... بلاش نعمل جرد سنوي للعيلة على الأكل.
غرام الأم تلتفت لجاسر:
- بالمناسبة... ميار كلمتني وقالت إن غزل بخير.
جاسر يبتسم بفخر قديم:
- غزل بنت جدعة... أبوها صاحبي سليم راجل ما يتعوضش.
آسر:
- وغيث؟
جاسر:
- الولد محترم... وواقف في ضهرها. كويس إن عيلتنا بتتعامل مع ناس زيهم.
شغف:
- غزل طيبة... بحسها وردة ماشية في الشارع وما بتخافش تتفتح.
حور:
- وهي وغيث شكلهم لايقين مع بعض.
أوس يغمز بخفة:
- هو أنتم كل ما تشوفوا اتنين كويسين تقولوا لايقين؟
أسد:
- ده لأنك آخر واحد لايق في التاريخ.
جاسر ينفجر ضاحكاً:
- آخر واحد؟ ده حتى وهو بيعيط كان شكله مش لايق.
أوس يحاول يرد لكن شغف تمسك يده:
- خلاص... كفاية تنمّر عائلي، جوزي حساس في الحمل.
ديما:
- الله يرحم أيام ما كان حساس في الامتحانات بس.
غرام الأم :
- ماسة اتصلت من الإسكندرية... بتقول الجو عندهم زي طبق شوربة مغلي.
آسر:
- وهي بخير؟
- بخير و حمزة برضه... بس بتشتكي إن عيالها بيلعبوا كورة في الصالة.
أسد:
- طبيعي... توأمي دايماً كانت عندها روح التحدي.
غرام الصغيرة:
- وماما عشق؟
ديما:
- عشق تمام... والبيت الجديد في القاهرة شكله جميل.
جاسر:
- وھمس؟
غرام الأم:
- اتغدت مع يامان عند الياس و ديلان... وبعتت صور كتير.
أوس:
- وأنا؟ محدّش بيسأل عني؟
الكل في نفس اللحظة تقريباً:
- لااااا.
أوس يضع الملعقة:
- طيب... واضح إني لازم أكتب مذكراتي.
يوسف:
- أنا أنشرها لك... بس بدون صور رجاءً.
العشاء يمضي مثل نهر رائق.
شغف تضع يدها على بطنها... والطفل يركل بخفة، كأنه يشارك في المزاح.
وأوس يضع يده فوق يدها، بينما جاسر ينظر لهما بنصف ابتسامة، كأنه يحرس البيت بمجرد وجوده.
الليلة كانت عائلية... دافئة، متشابكة، وجميلة، كما لو أن فيلا الحديدي نفسها تتنفس معهم وتبتسم.
**********************
في فيلا الشرقاوي - جناح دارين وحازم
الغرفة مظلمة إلا من ضوء أصفر خافت يتدلّى من الأباجورة، كأنه مصباح تحقيق وليس مصباح نوم.
باب الغرفة يُفتح بعنف، ودارين تدخل مثل عاصفة، شعرها الأشقر يتطاير حول وجهها المتوتر. ملامحها الجميلة مشدودة، والهالة الرمادية في عينيها ترتجف بنزقٍ قديم.
كانت ترتدي ثوباً منزلياً حريرياً، لكن خطواتها فوق السجادة الثقيلة كأنها تمشي على حجارة.
حازم كان يجلس على حافة السرير، يخلع ساعته ببطء حين التفت إليها.
حازم ببرود محسوب:
- واضح إنك دخلتي كالعادة... رياح شمال.
دارين بصوت يقطر سمّاً:
- لو شفت اللي شُفتُه تحت، كنتَ فتحت نوافذ الغرفة كلّها.
حازم يرفع حاجباً:
- خير؟ مين قتلك المرّة دي؟
دارين تتقدم، تمسح على ذراعها بغضب:
- سليم... وميار.
كانوا في الحديقة... يتغازلان.
بهذا العمر؟! عيب. المفروض يكونوا قدوة، مش... مش عرض رومانسي مجاني تحت الشجر!
حازم يتنهد، يضع الساعة على المنضدة:
- هما جوزين يا دارين... وبيحبّوا بعض.
إيه المشكلة؟
دارين تضحك بخفوت، ضحكة مشروخة:
- إيه المشكلة؟
المشكلة إن سليم فاكر نفسه لسه شاب عشريني!
وهي... (تشهق باحتقار)
ميار... اللي صار عندها حفيد!
حازم يرد بنبرة ثابتة، و سخرية لاذعة ،كمن يضع كأس ماء فوق نار:
- هي أصغر منك يا دارين... بس أذكى منك.
وأنضج.
كانت الإجابة كالصفعة. وجه دارين ينكمش... ثم يشتعل.
دارين تصرخ بنبرة مخنوقة:
- انتَ آخر واحد يتكلم عن النضج!
مش راجل أصلاً!
عايش هنا في فيلتي... في بيت عيلتي... والمفروض تشكرني كل يوم!
تتقدم خطوة... خطوة أخرى.
الضوء الأصفر يجعل ظلّها على الجدار يبدو كحية تستعد للانقضاض.
حازم يقف.
صوته ينخفض... لكنه أكثر حدّة من شفرة مطبخ:
- اسمعي الكلام ده كويس يا دارين. كويس جداً.
يمسك ذقنها برفقٍ محسوب، لكن عينيه ثابتتان عليها كمن يمسك اعترافاً يريد أن يسمعه.
- أنا ساكن هنا عشان سارة.
مش عشانك.
وأنا اللي مستحمل... مش إنتِ.
وبلاش تعيّري حد بالبيت، لأن البيت ده مش هيحميك طول العمر.
دارين تساير القوة أول لحظة... ثم تتخشب.
تبلع ريقها بلا صوت.
حازم يقترب أكثر، يهبط صوته لكثافة تهديد صريح:
- وخليني أذكرك بحاجة... لو فكرتي، فكرة بس، تتصرفي تصرف واحد ضد سليم أو ميار؟
لو لمّحتِ، لو همستِ...
هقول للعيلة كلها إنّك لسه لحد دلوقتي بتحبي سليم.
صمت.
هواء الغرفة يصير أثقل.
دارين تشيح بوجهها، لكن ذقنها ما زال في قبضة يده.
حازم يضيف:
- وأنا ما لمستكيش من يوم ما سارة اتولدت... مش ندم.
بس احترام لنفسي.
وما عنديش مانع أكمّل بقية عمري كده...
لكن عندي مانع إنك تأذي حد.
يسحب يده ببطء... وكأنه يقطع خيطاً مسموماً.
تتراجع خطوتين، تمسك صدرها كأن قلبها انكسر من الداخل أو احترق.
تحاول أن تتكلم... لكن لا يخرج سوى:
- انت... اتعديت... خط حدودك.
وهتندم.
حازم يجلس، ببرود هادئ:
- أول ما تندمين إنتِ...
من 21 سنة.
تتجمد.
عيناه تقولان ما لم يقله اللسان.....
دارين تهرب إلى الحمام، الباب يُغلق بقوة.
ويبقى حازم وحده... ظهره للحائط، ووجهه يحمل صمت رجل يعرف أنه يعيش مع قنبلة مؤجلة، لكنّه يعرف أيضاً كيف يبقي صمام الأمان تحت إصبعه.
*********************
حمّام دارين كان يغصّ بالبخار... لكنه لم يخفِ ارتجاف كتفيها.
المرآة أمامها تلمع بقطرات الماء، وانعكاس وجهها يبدو كأنه نسخة أقدم وأكثر شراً منها... نسخة تعرف الحقيقة أكثر مما ينبغي.
أغلقت الباب خلفها بعنف، وكأنها تحاولُ حبس العالم في الخارج... أو حبس سرّها في الداخل.
تستند على الحوض، تنحني للأمام، أنفاسها سريعة... متقطعة.
ثم يصفعها صدى كلمات حازم:
"أول ما تندمين إنتِ... من 21 سنة."
تتجمد.
يدها ترتفع تلقائياً إلى فمها... وكأنها تمنع صرخة لم تولد بعد.
دارين (بهمس مذعور):
- مستحيل... مستحيل...
هو كان يقصد... لا... لا يمكن...
تشيح بعينيها إلى المرآة.
المرأة التي تنظر إليها من الزجاج ليست دارين الجميلة الخبيثة...
بل امرأة أخرى، مذعورة، كأن أحدهم أمسك بجرمها الصدئ ورفعه للضوء.
تفلت ضحكة خفيفة... مجروحة، مليئة بعدم التصديق:
- مستحيل يكون يعرف...
مافيش حد يعرف...
غيري أنا... والست الحقيرة اللي أخدت الفلوس... و******
(تشهق فجأة)
طب ما هو مات... مين هيتكلم؟!
تمسح وجهها بعنف، كأنها تحاول محو الذاكرة.
ترتجف أصابعها... وظهرها كله.
- 21 سنة...
أكيد كان يقصد حاجة تانية... أكيد...
حازم غبي... غبي!
مستحيل يربط حاجة... مش كفاية إنه أصلاً ما يعرفش... ما يفهمش... ما يحسّش.
تحاول أن تهدئ نفسها، تفتح صنبور الماء وتغسل وجهها.
لكن صوت الماء لا يغطي صوت أفكارها.
- يمكن... يمكن لمح حاجة... أو سمع كلمة... أو...
(تصفق كفيها بعصبية)
ركّزي يا دارين... ركّزي!
حتى لو لمح... مافيش دليل...
هو نفسه جبان... مش هيجرؤ يقول كلمة.
تتوقف.
قلبها يهبط كحجر.
- بس... لو واجهني؟
لو قال لحد؟
لو... لو وصّل سرّي لميار؟
لا...
لا... مستحيل... مستح-
تسقط يدها على الرخام بقوة، الصوت يرتطم بجدران الحمّام.
- أنا... اللي لازم أفتح عيني...
لأن دي...
لو اتكشفِت...
مش بس هدم حياتي...
ده هيكسرني...
وهيكسر... كل اللي بنيته.
تقترب من المرآة.
تقترب لدرجة أن أنفاسها تشوش انعكاسها.
وتهمس بصوت خافت... كأنه تعهّد مظلم:
- السر ده... هيفضل مدفون.
حتى لو اضطرّيت... أدفن أي حد معاه.
تبتسم ابتسامة صغيرة... ملتوية... لكنها ترتجف في نهايتها.
ثم تطفئ الضوء، وتخرج من الحمّام بخطوات متماسكة...
لكن داخلها، كانت تتداعى.
*☆يتبــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع☆☆*