رواية غيوم تحجب القمر الفصل السابع والعشرون 27 بقلم منى السيد


رواية غيوم تحجب القمر الفصل السابع والعشرون 27 بقلم منى السيد


جالت قمر بعصبية في أرجاء المشفى بغير هدف وهي تذهب و تعود لنفس المكان الذي بدأت منه مرة أخرى، وهي تفكر انها بقسوتها ستكون السبب في ان يفقد أدهم أمه للمرة الثانية وتلك المرة ستكون حقيقية!! 
ملك تجلس في الزاوية ترتعد وتنتحب وتردد " انا السبب انا السبب متسبنيش يا ماما انا مليش حد غيرك"
توجهت قمر إليها وجلست بجانبها ورغما عنها احتضنتها " 
متخافيش ياملك دلوقتي الدكتور هيطلع ويطمنا متخافيش"
تشبثت بها ملك 
" انا آسفة يا قمر مش هاعمل حاجة وحشة تاني يا قمر، انا آسفة بس قوليلهم ينقذوا ماما ارجوكي يا قمر" 
مع انهيار ملك التام خرج الطبيب يهدئها 
" متقلقيش يا آنسة، ماما بخير دي غيبوبة سكر والحمد لله عدت على خير بس خلو بالكم من نظام أكلها ومن حالتها النفسية وطبعا الدوا، بس كده بسيطة متقلقوش" هتفت ملك:
"يعني ممكن نشوفها يا دكتور" 
- الطبيب " ايوة طبعا اتفضلوا هي فاقت خلاص وهتخلص المحلول وتاخدوها وتمشوا على طول"
تنفست قمر الصعداء وأسرعت ملك إلى الغرفة بلهفة:
" ماما حبيبتي ايه اللي جرالك سامحيني يا ماما انا آسفة سامحيني" 
ربتت ليلى على يد ابنتها تهدئها وتقدمت قمر بخجل :
"انا اتمنى ان حضرتك تسامحيني انا لأن كلامي كان قاسي جدا وياريت تقبلي اعتذاري"
هزت ليلى رأسها بطيبة وحنو ثم تحدثت بصعوبة
" خلاص يا بنات اللي حصل حصل المهم دلوقتي اللي جاي" 
هتفت ملك " اوعدك يا ماما والله ما هاعمل حاجة تانية لأدهم ولا لأي حد وهبعد عنه خالص لو عاوزانا نرجع انجلترا كمان انا موافقة"
تدخلت قمر في الحديث:
" بعد إذنك انا بطلب منكم تسيبوا اللي جاي عليا انا" 
ثم نظرت لملك وأردفت:
" ومفيش حد هيبعد عن حد ولا حد هيرجع انجلترا. آن الأوان بقا تتجمعوا وتتلموا وترجعوا اخوات من تاني، حد يبقا عندو اخوات زي القمر كده ويسبهم، ولا ايه يا طنط" 
هزت ليلى رأسها بابتسامة واهنة
" عندك حق يا قمر عندك حق لازم ملك ترجع لاخواتها وتشوفهم وانا كمان اشوف ولادي نفسي آخدهم في حضني اوي"
ربتت قمر علي يدها :
" ان شاء الله ربنا هايعوضكم كلكم عن كل اللي حصل دا وترجعوا عيلة جميلة من تاني" استأذنت قمر
" بعد اذنكم بقا عشان هاكلم حد يجي يوصلنا عشان الوقت اتأخر وملك مش هتعرف تسوق" 
************ 
" الو ايوة يا ماجد بقولك ايه تعالى دلوقتي احنا في مستشفى (...) - ماجد بحماقة " انتو انتو مين هو انا هالف اجيبك م المستشفيات يا قمر ما تقعدي تستريحي في بيتكو يا بنتي"
-قمر " هو ايه اللي احنا مين انا وملك ومامتها ليلى" 
شعرت قمر بأصوات صدمات على الهاتف فهمت منها انه سقط منه !!" .... الو ... الو يا ماجد انت روحت فين؟؟" 
التقط ماجد الهاتف مرة أخرى وقال بتلعثم
" ايوة ايوة انا اهو. انتي اتأكدتي يعني انهم هما" 
تحدثت قمر بنفاذ صبر:
" ماجد هاتيجي تاخدنا ولا اروحهم في تاكسي"
- ماجد بلهفة " لا لا خلاص انا جاي انا أصلا قريب منكم ١٠ دقايق وهكون عندك" 
دلفت قمر إلى الحجرة مرة أخرى 
" بقولك ايه يا ملك ما تسيبي طنط تستريح شوية وتعالي معايا برا" 
أجابت ملك:
" لا خليني هنا انا هاقعد مع ماما"
أصرت قمر وهي تجز على أسنانها وتغمز لها بإحدى عيناها:
"يابنتي طنط تعبانة ومحتاجة تستريح وانا كنت عاوزة اقولك حاجة مهمة"
فهمت ملك بصعوبة ثم خرجت معها فبدأت قمر الحديث مباشرة "
انا كلمت ماجد يجي يوصلنا"
كادت ملك ان تقع فاستطردت قمر:
" يابنتي امسكي نفسك شوية امال لما يجي هتعملي ايه هايغمى عليكي"
فرحت ملك وتلعثمت " ط.. طب شكلي حلو ؟؟ الطرحة مش مظبوطة صح؟ وشي بايظ من العياط مش كده؟ يعني هو كمان كان فاكرني ميتة ؟ طب هاقوله ايه هاقوله ان انا عايشة ازاي"
ابتسمت قمر بعد ليلة عصيبة " اهدي اهدي بس ادخلي الحمام اغسلي وشك وظبطي نفسك وانا مستنياكي وهو هيعرف انك عايشة لوحده، هو قال ١٠ دقايق وهيوصل تكوني جمعتي الكلام في دماغك"
- ملك " اييييه ١٠ دقايق!! مش هالحق، كده مش هالحق" 
دفعتها قمر نحو دورات المياه 
" يابنتي ادخلي متتعبنيش معاكي"
خرجت ملك بعد قليل وهي خجلة:
" قمر انا بجد مش عارفة اقولك ايه انتي طيبة اوي " 
ابتسمت قمر:
" انا مش طيبة ولا حاجة انا شريرة وشريرة اوي كمان خلي بالك مني بقا احسنلك" ابتسمت ملك:
" لا والله حرمت خلاص"
ولم تكد تكمل جملتها حتى رأته يسير في الرواق باحثا عنها ثم توقف تماما حين رآها. وكأنه يراها طفلته ذات السبعة عشر عاما، وكانها تراه رجلها الذي تربت على يديه. ظلا واقفين ينظران لبعضهما البعض وقد بدأت الدموع تنهمر مرة أخرى من عيني ملك فتدخلت قمر:
" يوووووه انتو هاتضيعولنا اليوم كده هاتفضلوا باصين لبعض وتعيطوا"
اقترب ماجد بشوق السنين وخطوات قدميه تحثه على أن يقترب ليصدق انها أمامه. أن فرحة لُقياها ستطغى على ألم فقدانها لسنوات. ليصدق أن لا دموع بعد اليوم.. لا شوق..لا بُعد ... لا عذاب. 
ويداها المرتجفتان وعيناها التائهتان وقلبها المرفرف يخبرونها بأنه لازال على الوعد. بأنه أوفى إلى حبهما حتى ولو اعتقد انها ليست معه في هذه الدنيا. أي حب سيكفي هذا الرجل؟ وأي عشق يستحقه؟ 
تقدم ببطء وفرت دمعتان من عينيه دون إرادة وبصوت مجهد من الشوق ومفعم بالأمل قال:
" ملك ... حمدا لله على سلامتك.. نورتي دنيتي من تاني" 
انسحبت قمر في هدوء لتترك لهما المجال للالتقاء بعد عذاب السبع العجاف. نظرت له ملك وقد احمر وجهها وعيناها وانفها من البكاء مرة أخرى:
" ماجد.. وحشتني وحشتني اوي" 
أمسك بيديها وكأنه يتأكد من وجودها أمامه حقا ثم قال :
" لو تعرفي انا نفسي اعمل ايه دلوقتي ، لو تعرفي انا كان عندي استعداد اعمل ايه عشان بس اسمع صوتك او اشوفك مرة كمان، بس خلاص مفيش تفكير في اللي فات. عشان كل اللي جاي بتاعنا"
اغمضت ملك عينيها وابتلعت ريقها وابتسمت رغم دموعها وهزت رأسها عدة مرات وهي تكاد تعتصر يديه في يديها من شدة الفرح والشوق والأمل. ولكنها جذبت يدها بسرعة حين انفتح باب حجرة والدتها وخرجت ليلى متعجبة من هذا المشهد. ثم ابتسمت الأخيرة ووجهت كلامها لابنتها 
" عشان كده بقا... هو دا سبب كل اللي عملتيه"
تنحنح ماجد وهو لا يفهم عن ماذا تتحدث ليلى. ثم مد يده يحييها :
" حمدا لله ع السلامة يا مدام ليلى"
مدت ليلى يدها بالمقابل وهي تحاول تذكر اسمه :
" الله يسلمك يا..ماجد مش كده"
- ماجد " ايوة يافندم ماجد" 
تأبطت ليلى ذراعه واستندت عليها :
"طب يالا بقا تعالى وصلنا عشان انا تعبانة دلوقتي وابقو كملوا لقاء السحاب دا بعدين" تلعثم ماجد من صراحة ليلى
" ا..اتفضلي يافندم" وصل الجميع لمنازلهم وكل منهم لديه شوق.. وأمل ..وحلم.. بلقاء من يحب في اليوم التالي.
في النيابة نظرت قمر إلى أدهم نظرات تطمئنه بها انهما سيكونا معا اليوم. وهي تفكر كيف تزف إليه خبر وجود والدته واخته على قيد الحياة.
قاطع افكارها بدء النائب في استعراض احداث القضية من وجهة نظره. وقمر وعلي المحامي ينتظران تتابع الأحداث ليصل النائب إلى الدليل الجديد ولكن لا جدوى فقد انتهى النائب من حديثه ولم يذكر الدليل الجديد لا من بعيد ولا من قريب وهنا تدخل علي:
" احب اعرّف حضرتك اننا لقينا دليل جديد وسلمناه لحضرة الظابط(...) وتم التأكد من صحته بمعرفته يافندم وهو بدوره أرسله للمختصين. تدخل الظابط:
" للأسف يا جماعة الدليل ضاع"
ساد الهرج والمرج في المكان واعترضت قمر: " ضاع !! يعني ايه ضاع ؟ احنا مسلمينه ليك امبارح" 
أدار الضابط وجهه غير عابئا بها وتوجه بحديثه لوكيل النيابة
" امبارح أمين الشرطة اللي أخد الأحراز والأدلة للأسف ضيع الدليل دا وتم اتخاذ اللازم معاه يافندم"
ابتسم محسن المحامي ابتسامة خبيثة لعلي وكانه يقول له لقد حذرتك. زفرت قمر وهي تطلق نظرات نارية تجاه كلا من الضابط والمحامي الذئب ثم تقدمت إلى وكيل النيابة 'بفلاشة ' صغيرة وهي تقول
" الحمد لله أدهم قالي اعمل نسخ كتيره من الدليل وكويس اني سمعت كلامه اتفضل حضرتك نسخة تانية أهي"
ثم نظرت للمحامي البدين:
" وفيه نسخة تالتة ورابعة وخامسة لو حضرتك عاوز، ممكن نوزعها عليكم كمان" تنحنح المحامي ونظر إلى الأرض والضابط ينظر إليه وكأنه يقول 《لقد فعلت كل ما لدي وليس بيدي حيلة 》. 
التقط وكيل النيابة 'الفلاشة' وشاهد المشاهد المهمة وأسرع من باقي المشاهد حتى وصل لاستيقاظهم من النوم وتجادلهم مع بعضهم البعض ثم خروج ميرا غاضبة.
أمر وكيل النيابة بإخلاء سبيل أدهم بضمان محل إقامته، كما أمر بضبط وإحضار المدعوة ميرا. وقمر تكاد تقفز فرحا لانتهاء هذا الكابوس.
وبسرعة هاتفت ملك وهي تختبئ خلف أحد الحوائط :
" الو ايوة يا ملك هو انتي مكلمتيش المحامي المنيل دا عشان يبعد عن القضية؟" شهقت ملك:
" يا خبر انا نسيت خالص مع تعب ماما ومقابلة ماجد وكده نسيت اكلمه امبارح هاكلمه دلوقتي حالا"
- قمر " تكلمي ايه دا كان هيودينا في داهية لولا أدهم قالي اعمل كذا نسخة من الفيديو المهم دلوقتي تكلميه خليه ينسحب خالص، خليهم بقا يلفوا حوالين نفسهم لحد ما يلاقوا محامي تاني وأصلا خلاص القضية تعتبر اتقفلت في صالح أدهم"
-ملك بلهفة:
" بجد!! يعني خلاص أدهم خرج افرح ماما يعني"
- قمر " ايوة يا ملك ادهم خرج وفرحي طنط بس عاوزين نتقابل عشان نشوف هنمهد ليهم موضوع انكم عايشين دا ازاي" أسرعت ملك تقول
" ماشي ماشي ياقمر انا هاروح افرح ماما دلوقتي اهو".
انتهت الإجراءات وخرج كلا من أدهم وقمر وعلي المحامي ليجدوا ماجد وآدم ينتظراهم بالخارج. وهما يشاهدان باستمتاع ادهم وقمر وهما يتيهان في عيني بعضهما البعض بنظرات العشق المتيمة. وأيديهم المتشابكة كعقدة البحار. التفت أدهم على صوت والده وهو يصعد الدرج امام مقر النيابة
" ايه يا أدهم ايه اللي حصل دا؟؟ انت حقيقي كنت محبوس"
- اندهش أدهم " بابا!! انت ايه اللي جابك هنا "
ثم التفت إلى آدم
" انا مش قولتلك تخلي بالك يا آدم ومتخليهوش يعرف ولا يحس بحاجة"
رفع آدم كتفيه وحاول ان يتحدث ولكن قاطعه أكرم 
" لا برافو يا أستاذ آدم أديت دورك على أكمل وجه هو انا عشان تعبت شوية هاتخلوني طيشة وسطيكم ولا ايه؟ ازاي دا يحصل من غير ما اعرف، ازاي؟؟"
- أدهم " اهدى بس يا بابا اهدى وانا هافهمك على كل حاجة بس انا عاوز اعرف انت عرفت منين"
التفت الجميع على صوت مديحة
" انا اللي قولتله عشان ميبقاش نايم على ودانه كتير وعشان يجي يتفرج عليك وانت مترحل ع السجن"
كانت تقول كلماتها بتشفي واضح وميرا تقف بجانبها بعد ان أعادت ترتيب وجهها، وبسرعة وخفة انسحب علي المحامي إلى داخل مقر النيابة. دققت مديحة في يده ولم تجد الأصفاد ففزعت
" ايه دا امال فين الكلبشات هما ازاي يسيبوك كده، هو ايه اللي حصل بالظبط" توجه إليها أدهم بكل غضب الأسبوعيين الماضيين " 
هو المحامي بتاعك مكلمكيش ولا ايه يا... يا طنط" 
تلعثمت مديحة وهي تحاول فهم ما يحدث" يكلمني يقولي ايه؟ هو حصل ايه؟" وتدخلت ميرا في الحديث بغضب وهي تشير لقمر
" ودي ليه ساحبها وراك ان شاء الله ولا هي كانت جاية تعملك ديكور هنا كمان ولا ايه؟؟ ولا انتو..." 
قاطعها أدهم بحدة وفخر في ذات الوقت 
" دي مراتي يا ميرا، مدام أدهم الصاوي الأصلية والحقيقية والوحيدة" 
زمّت ميرا شفتيها وقبل أن تنطق كان علي يخرج بصحبة بعض أفراد الشرطة
" اتفضل يا حضرة الظابط نفذ امر النيابة" وللمرة الثانية وُضِعت الأصفاد في يد ميرا وهي لا تفهم شيء وتنظر لخالتها لنجدتها والأخيرة لا تفهم شيء هي الأخرى وتهمهم بكلمات غير مفهومة. تركها الجميع كلٍ إلى سيارته فنادت مديحة على أكرم 
" أكرم انت هتسيبني" 
اقترب منها أكرم مبتسما وبلطافة قال لها
" معقولة انا اسيبك؟ انا مش هاسيبك بس يا ميمي انا هاطلقك... انتي طالق يا..... يا مديحة !!" 
ثم تركها وغادر بمنتهى الوداعة والتفت التفاتة أخيرة " اااااه واللي اتفقتي عليه مع ادهم ابني ستنفذ وألا بنت اختك هتعفن ف الحبس وبكرة هاجي الفيلا انا والمأذون حضري نفسك"
ثم تركها وركب سيارته وتوجه الجميع إلى البيت الكبير.
على بوابة الفيلا كان عم عوض يهرول إلى السيد أكرم وهو يقول
" حمدا لله ع السلامة يا أكرم بيه، حمدا لله ع السلامة يابشمهندس أدهم، حمدا لله على سلامتكم كلكم يظهر الشمل هيرجع يتلم من تاني والكل يتجمع"
ثم نظر عم عوض إلى قمر التي ظلت تغمز له بعينيها وحاجبيها وهو مازال مسترسلا في حديثه وهو ينظر إليها 
" على ايدك انتي يا وش الخير ووش السعد يا مجمعة الحبايب"
ربت أكرم على كتف عم عوض وهو يتكلم بحسرة واضحة
" تسلم يا عوض تسلم، والله حتى انت وحشتني يا راجل انا بقالي سبع سنين مخطتش الفيلا دي"
أكمل عوض ولم تفلح معه إيماءات قمر نهائيا
" ما هو الخير على قدوم الواردين" 
دلف الجميع إلى الداخل وأدهم يضع يده على كتف قمر وهو يضمها إليه ويهمس في أذنها
" ايه حكاية لم الشمل ومجمعة الحبايب دي؟"
تلعثمت قمر " هه ابدا دا يمكن من فرحته عشان شاف أكرم بيه"
سمعها أكرم تهمس باسمه
" بعد اللي عرفته واللي عملتيه يا قمر من النهاردة انا مش أكرم بيه انا بابا أكرم او بابا بس زي ما تحبي"
ترقرقت دموع الفرح في عينيها فهي لا تذكر تفوهها بتلك الكلمة الحبيبة منذ كانت في التاسعة.
مسح أدهم دمعتيها :
" لا لا احنا قولنا من هنا ورايح مفيش دموع وبعدين انا جعان اوي وعاوز شوربة"
ضربته في كتفه باسمة من بين دموعها ثم التفت لآدم :" آدم بجد انا جعان اوي اطلبلنا وليمة انا حاسس اني عاوز آكل كل حاجة حواليا "
قالها وهو ينظر بلؤم إلى قمر التي همست في أذنه
" اتلم شوية لو سمحت انا معرفش انا ممكن اعمل ايه ادام الناس كده" 
- أدهم " هاتعملي ايه هتأكليني شوربة" نهرته قمر " أدهم عيب اللي انت بتعمله دا" غمز لها بصفاقة " العيب لسه هايحصل"
فرت هاربة من نظراته وإيحاءته
" انا هاروح اعمل عصير لمون لحد ما الاكل يجي".
دلف أدهم إلى المطبخ ورائها خلسة واحتضنها مطبقا يديه على خصرها من الخلف وهو يستنشق رائحة شعرها ويقول من بين أنفاسه التي يأخذها من عبير رقبتها " وحشتيني وحشتيني اوي يا قمر "
نهرته وهي تحاول الفكاك منه
" أدهم عيب كده الناس برا"
- أدهم بغيظ مضحك
" هو انا مسكتني غير ان فيه ناس برا ، بس انا عاوز اسألك سؤال يا قمر" 
التفتت قمر بانتباه منصته لنبرته الجادة 
" لما انتي شوفتي اللي حصل يومها وكمان كان معاكي تسجيل باللي حصل ليه مشيتي؟ ليه مقولتليش في ساعتها؟"
ارتبكت قمر قليلا " بصراحة انا مش عارفة ايه اللي حصلي يومها يمكن مجرد اني شوفتكم على سرير واحد دا جنني، دا غير ان التيلفون اتكسر ومكنتش عارفة هتصدقني من غير دليل ولا لا" 
ثم تحولت نبرتها إلى الحدة وهي تشير إليه بالسكين الذي تقطع به الليمون وعيناها متسعتان في شر:
"وكمان حضرتك كان عندك إصرار غريب على انك تتجوزها رغم كل اللي بيحصل ما بينا فكنت بتغاظ منك واقول طب اشرب بقا، غريزة الانتقام اللي جوايا كانت شغالة حتى معاك انت بردو بس انت اللي انتقمت مني ف الآخر وخليتني احبك
" احتضنها مرة أخرى وهو لا ينوي فك أسرها " ايه انتي قولتي ايه" ضحكت قمر من قلبها ثم رددت بشجاعة وهي تضغط على حروف كلمتها 
" ب.ح.ب.ك" 
قهقه أدهم وهو يحتضنها
" أحلى انتقام دا ولا ايه" 
ضحكت قمر بعد ان نجحت في الابتعاد عنه " طيب يالا بقا عشان تشرب العصير عشان عاوزة اكلمك في حاجة مهمة جدا جدا جدا" - أدهم " يا سلام دا ايه التأكيد دا كله طيب اتفضلي يا ستي"
خرجت قمر تحمل أكواب العصير وقدمتها للجميع وجلست لتطرح فكرتها وهي تشير لماجد لتستمد منه العون في دعمها 
" بص يا أدهم انا عاوزة اعملك حفلة بمناسبة خروجك وهنعزم الناس القريبين واللي بنحبهم بس وانا هاعزم ناس انت بتحبهم اوي وهيبقوا مفاجأة" 
اعترض أدهم
" حفلة خروجي ايه بس يا قمر هو انا خارج من مؤبد" 
نهرته قمر " ايه دا بعد الشر انا بتكلم جد" ونظرت لماجد الذي بدأ بالكلام
" ايوة يا أدهم والله قمر عندها حق احنا اتنكدنا اوي الايام اللي فاتت ومحتاجين نفصل شوية " 
- ادهم وهو يوجه الحديث لقمر :
" ايوة بس انا كنت هاخدك ونسافر شوية" قفزت قمر من مكانها فَرِحة ثم وكأنها تذكرت شيئا فجلست مرة أخرى ولاحظ هو ذلك ورفع حاجباً متعجباً.
تلعثمت قمر قليلا ثم استجمعت نفسها مرة أخرى وقالت 
" طب نأجل السفر شوية عشان تستريح، عشان خاطري يا أدهم انا نفسي اعملك الحفلة دي"
تدخل أكرم " متسيبها تعمل الحفلة يا أخي وبعدين ابقوا سافروا ، خلينا ننبسط شوية" ثم وجه حديثه إلى قمر:
" ها قوليلنا بقا يا قمورتي هاتعمليها فين ومين الناس الحلوين اللي هاتجبيهم دول" اعترض أدهم 
" ايه قمورتي دي يا بابا" 
- أكرم " اتلم يا واد هو انا هبصبص لمرات ابني يعني؟ وبعدين انا حرمت وبطلت بصبصة، ودي بنتي دي قمورتي الحلوة اللي هتعوضني عن..."
وتوقف عن الحديث وساد الحزن في عيون الجميع الا قمر وماجد الذي قال :
" لا مفيش تعويض ولا حاجة" 
نظر إليه الأب وابنه مندهشان فاستدرك
" قصدي يعني مفيش حاجة تعوض يعني.. ال.. "
وكأنما دخل في هوّة ويريد من ينقذه تدخلت قمر بسرعة
" ايه يا استاذ ماجد مش عجباك انا ولا ايه" - ماجد " لا ابدا ابدا مش قصدي. المهم هتعملي الحفلة فين؟" 
- ادهم هو انتو خلاص كلكوا اعتبرتوا اني وافقت على موضوع الحفلة دا؟"
جلست قمر بجانبه وهي تنظر في عينيه كجرو حديث الولادة 
" عشان خاطري يا دودو" 
انطلق الجميع في الضحك مع نظرات أدهم الضائعة في عينيها التي تمثلان البراءة فابتسم هو الآخر مرددا دون ان يحيد عن عينيها
" عيون دودو"
صفقت بيديها ثم طبعت قبلة سريعة على وجنته واندهاشه يزيد من جرأتها تلك وهو يفكر يبدو انها تخلصت من عقدها البغيضة ... ثم ابتسم متفاخراً وهو يفكر ... على يده!!!
تنحنح ماجد كثيرا ليحاول التحدث 
" انا بعد اذنكم يعني كنت عاوز اخد رأيكم في حاجة
" انتبه الجميع له فبدأ الحديث بصعوبة
" هو انا يعني ... كعريس يعني.. لو اتقدمت يعني مثلا مثلا ليكم انتم كعريس تقبلوني؟؟!"
- أكرم " عريس لينا ازاي يعني يا ماجد انت عارف احنا معندناش قرايب بنات أصلا "
- ماجد " يعني لو كان عندكم قرايب وقريبين اوي كمان هتوافقوا عليا" 
- أدهم " انا مش فاهم منك حاجة ما تتكلم بصراحة يا ماجد"
- ماجد متلعثما "منا بتكلم بصراحة اهو ، يعني لو كانت بنت حضرتك عايشة يا أكرم بيه وانا اتقدمتلها دلوقتي حضرتك هتوافق؟" 
كست ملامح الحزن وجه الجميع هذه المرة وتنهد أكرم
" انت شاب كويس اوي يا ماجد وطموح وبتشتغل على نفسك دا غير انك محترم ونعرفك من زمان أكيد كنت هوافق. بس للأسف..." 
لم يستطع إكمال جملته وترقرقت دمعتان من عينيه فأسرعت قمر بالقول: 
" بصوا بقا احنا قولنا عاوزين نفرح مش نزعل ايه رأيكم انا عاوزة اعمل الحفلة في الجنينة بتاعت الفيلا هنا ايه رأيكم كل اللي عنده فكرة حلوة يقولها عشان انا اللي هاشرف على كل اللي يخص الحفلة بنفسي" بدأ الجميع في طرح الافكار محاولين الابتعاد عن هذا الموضوع المؤلم، ثم أتى الطعام وأكل الجميع ثم استأذن ماجد للذهاب فتبعه أدهم وهو يجذب أخيه للخارج حتى يوصل ماجد للبوابة 
" ماجد مالك؟ انت فيك حاجة غريبة مش هتقولي!! " 
- ماجد " حاجة غريبة ايه بس يا ادهم منا زي ما انا اهو"
هز أدهم رأسه غير مقتنع ثم قال:
" طيب براحتك" 
ثم ودّعه ونظر لآدم 
" آدم انا عاوز اعمل مفاجأة لقمر بس مش عارف أبدأ منين وازاي وانت يعني مريت بالحاجات دي فأكيد عندك خبرة "
آدم: " مفاجأة ايه بالظبط وانا اقولك اذا كنت هاقدر اساعدك ولا لا "
- أدهم "تعالى انا هفهمكك بالتفصيل" 
دلف أدهم بعد أن أنهى محادثته مع آدم وودّعه هو الآخر ليجد والده يقول له
" معلش يا أدهم هاتلي هدوم من عندك عشان هبات هنا النهاردة مش قادر اروح الفيلا التانية دي مش طايق"
زم أدهم شفتيه " حاضر يا بابا"
- أكرم " ايه يا واد مش عاجبك اني هبات معاكم هنا ولا ايه متخافش انا هبات تحت هنا في أوضة الضيوف مش هضايقكم" احمرت وجنتا قمر ودلفت إلى المطبخ دون ان تنبس ببنت شفة.
تحدث أدهم : 
" لا ازاي اللي انت بتقوله دا يا بابا انت تنورنا وبعدين اطلع نام في اوضتك فوق دا بيتك يعني أصلا "
هز أكرم رأسه بأسى :
" كان بيتي"
ثم أردف بحزن :
" ومش هاقدر ادخل الأوضة دي تاني يا ادهم، انا هاستريح كده وبكرة ابقا اشوف حد يوديني المزرعة تاني"
دلفت قمر وتدخلت في الحديث " لا لا مزرعة ايه انت هاتقعد معانا هنا "
- أكرم " لا يا قمورتي مش عاوز ازعجكم"
- قمر " ازعاج ايه بس وبعدين دي الحفلة بعد بكرة يعني مفيش داعي تروح وتيجي وكده" وضع أدهم يده على كتف قمر وهو ينظر لها:
" اهو شوفت قمورتك بتقول كلام صح اهو اسمع كلامها بقا" 
هز أكرم رأسه في سعادة
" ربنا يهنيكم يابني يارب" 
****************
في صباح اليوم التالي ذهب أكرم إلى فيلته التي تقطن بها مديحة ومعه المأذون والشهود وما إن دلف حتى وجد مديحة دون أي مستحضرات تجميل ويبدو عليها السهر والإجهاد يبدو أنها كانت تفكر مليا فيما ستفعله بعده.
-أكرم: " اتفضل يا أستاذنا اتفضل " 
تمتمت مديحة ببرود: 
" ومالك مستعجل اوي كده ليه وجاي من صباحية ربنا" 
-أكرم وهو يأخذها من يدها ويبتعد بها عن مرأى ومسمع المأذون والشهود:
" أنا قولت انتي اكيد هاتكوني مستعجلة اكتر مني عشان تسلميلي أوراق الشركة وتطلعي بنت اختك م اللي هي فيه"
وقفت مديحة بكبر: "انا مش هاسلم لحد حاجة واللي عندكو اعملوه واذا كان على ميرا فنصيبها كده بقا" 
رفع أكرم حاجبيه متعجبا من نفسه أكثر من تعجبه منها. كيف كان يعيش مع تلك الحية دون أن يشعر بقسوتها وشرها حتى على أقرب الناس إليها؟؟ 
" يعني انتي مش ناوية تسلميلي الشركة يا مديحة ؟" 
-مديحة وقد نفرت عروق وجهها وهي تحاول إخفاض صوتها وهي تضغط على أسنانها:
" اسلمك ايه انت اتجننت الشركة دي انت كتبتهالي عشان تأمنلي مستقبلي لما قولتلك انك ممكن تعمل فيا زي ما عملت في المرحومة مراتك.
دي اللي كنت بتموت في دباديبها بهدلتها وكنت السبب في موتها امال انا كنت هاتعمل معايا ايه؟ انت فاكر اني صدقت ولا حسيت للحظة واحدة انك حبتني انا كنت بالنسبة لك تحدي انك تقدر تخرج من دوامة ليلى مش اكتر، لكن انا وانت عارفين انك محبتش غيرها وكنت بسمعك كل ليلة وانت بتناديها في احلامك. 
الشركة دي تأمين وتعويض عن سنين عمري اللي ضيعتها معاك ومش ممكن افرط فيها ابدا." 
ابتسم أكرم:
" ولا حتى عشان خاطر بنت اختك لحمك ودمك!!" 
-مديحة " انا قولتلك قبل كده بنت اختي اللي حصلها دا نصيبها، ونتيجة أفعالها انا مش مجبرة اني ادفع تمن افعالها دي"
ابتسم أكرم مرة أخرى وهو يهز رأسه وهي تنظر له بحيرة كيف يكون بمثل هذا الهدوء رغم كل ما تقوله.
وأخيرا تحدث وهو يجذبها ناحية المأذون والشهود مرة أخرى
" طب اتفضلي اقعدي هنا عشان نتمم إجراءات الطلاق." ثم وجه حديثه المأذون والشهود " اتفضل يا مولانا احنا متفقين على كل حاجة، مش كده يا مديحة" هزت مديحة رأسها وهي تقول بغرور " أيوة اتفقنا على كل حاجة خلاص"
-أكرم "على فكرة يا مديحة انا هاسيبلك الفيلا دي والعقد بتاعها موجود هنا معايا ابقي امضي عليه بعد ما تمضي على ورقة طلاقنا عشان تعرفي انا اد ايه كويس معاكي لآخر لحظة" 
رفعت مديحة حاجبيها دهشة ولكن لمعة الفرح ظهرت في عينيها دون إرادتها ولذلك انكبت تمضي على الأوراق بنهم لتنتهي من هذا الموقف بسرعة وتنظر بلهفة إلى عقد الفيلا بعد أن وقّعت على الكثير من الأوراق وهي تكاد تطلق 'زغرودة' غير عابئة بأنها طُلقت منذ لحظات. 
- أكرم " فرحانة يا مديحة؟!"
انتبهت له مديحة وهي تحاول ان تنزع عينيها عن العقد الذي بيدها بصعوبة 
" هه.. كل شيء قسمة ونصيب يا أكرم واحنا قسمتنا لحد كده، بس انت فعلا راجل محصلتش حتى وانت بتطلقني بتجيبلي هدية زي ما كنت زمان بتشتريني بالهدايا عشان تداري على حبك لمراتك اللي ماتت"! 
قالت كلماتها بقسوة فابتسم أكرم:
"طب ومش هتسألي نفسك انا بداري على ايه المرة دي" 
نظرت له مديحة نظرة مبهمة وكأنها غير مستعدة لفهم أو للنقاش في أي شيء وكأنها ارتاحت أخيرا حين تخلصت منه بإمضائها على بضعة وريقات. 
- أكرم " انتي عارفة انتي مضيتي على ايه جنب ورق الطلاق يا ميمي" 
اتسعت عينا مديحة وكأنها تنتظر خبر موتها. فهز أكرم رأسه:
" أيوة هو اللي انتي بتفكري فيه مضيتي على تنازل عن الشركة وعن الفيلا اللي ورقتها في ايدك دي حالا والشهود شهدوا ومضوا على كده كمان وانتي قولتي بلسانك ادامهم اننا اتفقنا على كل حاجة خلاص" 
هنا رأسها نافية
" لا لا لا انت اكيد بتهزر صح انت بتهزر" أكمل أكرم بلهجة المنتصر المتلذذ بانتصاره: " المأذون اللي طلقنا خرج ومعاه كل الأوراق، والشهود اللي كانوا معاه موظفين ف الشهر العقاري يعني كل حاجة تمت في لمح البصر" واستدار خارجا كالقائد المنتصر بعد هزائم عدة وهي تصرخ قائلة: 
" لا يا أكرم مش ممكن انت مش ممكن تعمل كده"
التفت إليها وتحدث بقوة لم تعهدها فيه "بكرة الفيلا دي تكون فاضية منك ومن كل متعلقاتك وألا هاتطلعي بالقوة الجبرية يا ميمي" وابتسم خارجا وهو يسمع صوت صرخاتها وقهقة ضحكاتها الهستيرية التي تشابكت ببعضهما حتى أصبح لا يستطيع التفريق بين ضحكاتها وصرخاتها التي يبدو أنها لن تتوقف ابدا. 
***************
استيقظت قمر متأخرة ظهرا على أصوات جرس الباب وطرقات لا تهدأ. لم تجد أدهم بجانبها فاستغربت وتساءلت إلى أين ذهب،ونزلت الدرج بسرعة لترى من الذي يطرق الباب بهذا الجنون...




تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة