
دخل مصطفى قاعة الجلسة بخطوات ثابتة وواثقة، بس ورا ثباته ده كان شايل مرار كبير وهو مخبي تضحيته الكبيرة، الواد وأد حلمه وباع أرض المزرعة في ثواني عشان يشتري أمان عيلته ويقف حيطة سد بين عمران وبين طرد أخوه.
لف مصطفى بجسمه كله لما حس بوقع خطوات حمزة المرتبكة وراه، واتفاجأ بملامح أخوه المخطوفة، كاد يُقسم إن حمزة اللي واقف قدامه ده مش هو الشاب العتيد اللي بيواجه السوق بصدر مفتوح، ده راجل الخوف بياكل في قلبه على مراته وابنه الصغير، وماشي ورا درع من العناد.
مقدرش يعدي سكوت حمزة من غير ما يسأله بصوت واطي وحاد :
-جرى إيه يا حمزة.. مالك واقف كأنك مستني حبل المشنقة ؟
هز حمزة كتافه بشتات وهو بيبص ناحية الباب :
-مش مرتاح يا مصطفى.. عمران جوة مع محامينه والضحكة مش مفارقة وشه.. تفتكر الشيك اللي في جيب الأستاذ جلال كافي يكسر الشر ده كله ؟
السيرة بتاعة عمران كانت بتجيب لحمزة الجنان، بس مصطفى قفش على كفه الضخم بقوة، وضغط عليها كأنه بيصب فيه شوية من نشاطه وصلابته وقال وعينه متثبتة على أوضة المداولة :
-القانون مفيش فيه لوع يا ابن الشناوي، إحنا دافعين تلاتة مليون جنيه كاش شقى وعرق، وحق الشفعة ثابت بالملي، الليلة دي المحل هيفتح والممر هيفضل بتاعنا، ومش عايز حد فيكم يتهز قدام القاضي !
---
على مقربة منهم، عند الدكك الخشب الطويلة، قعدت ميادة وهي بتضم ابنها يوسف لصدرها بأقوى ما عندها، وبتشم ريحته كأنها بتحميه من هوا القاعة الساقع. كانت بترتجف في هدوء، ودموعها بتنزل من غير صوت كل ما تفتكر نبرة عمران الخشنة في التليفون وهو بيوعد بيتها بالخراب والكسرة.
قربت منها كراميلا، وطبطبت على دراعها بحنان عشان تطمنها :
-وحدي الله يا ميادة، جمدي قلبك يا بنتي، طول ما مصطفى وحمزة واقفين زي الأسود قدام المنصة إوعي تخافي، الشقى مش هيروح، والواد ده هيكبر في الحارة غصب عن عين الكل.
هزت ميادة راسها بصمت من غير ما ترفع عينها اللي مليانة دموع، أما الحاج سالم فكان في عالم تاني خالص، ماسك عصايته بإيد بترتعش، وعينه الساهمة بتدور في المكان، عايش صراع جوة نفسه بين ماضي افتكره مات، وحاضر عياله بيدفعوا فيه تمن غلطات قديمة ملهمش ذنب فيها.
فجأة، تحرك الحاجب، وزعق بصوته الجهوري اللي زلزل الطرقة كلها :
-محكمة !
الضهر اتشد، والقلوب انقبضت، والرجلين بدأت تتحرك لجوة القاعة. دخل المستشار وقعد على المنصة، وعمران بيدور بيبص لولاد الشناوي بنظرة كلها ثقة وشماتة، ومحامين الشركة مجهزين العقود عشان يخلصوا المزاد الجبري لصالحهم.
وقف الأستاذ جلال قدام القاضي وفرد ورقة الشفعة ومعاها إيصال الخزنة الرسمية وزعق بثقة :
-يا سيادة المستشار، إحنا بنطلب إثبات دعوى الشفعة، وأودعنا تلاتة مليون جنيه كاش، كامل القيمة المكتوبة في عقود البيع على الشيوع، وبصفتنا الشركاء الأصليين والملاصقين، بنطلب وقف المزاد الجبري فوراً ونقل الملكية لولاد الشناوي غصب عن أي شركة أجنبية.
المحامي بتاع عمران وشه اتقلب أصفر وبدأ يتلجلج في الكلام ويطلب تأجيل، بس القاضي مسك الورق وبص فيه بدقة، وبص لعمران بيدور اللي كان واقف مصدوم ومش مصدق إن الفلوس دي اتجمعت في ليلة واحدة.
ضرب القاضي بالشاكوش ضربة هزت القاعة كلها ونطق بالحكم :
-حكمت المحكمة بقبول دعوى الشفعة شكلاً وموضوعاً، وبطلان المزاد الجبري، ونقل ملكية الحصص الشائعة في الممر والمخازن لورثة سالم الشناوي، وإلزام المدعى عليه بالمصاريف.
حمزة صرخ من الفرحة ودموعه نزلت، ومصطفى أخد نفس طويل كأنه بيزيح جبل من على صدره، والحاج سالم رفع إيده للسما بيشكر ربنا. عمران بيدور وقف مكانه زي الصنم، وعينه بتطق شرار، وبص لمصطفى بغل أعمى وجز على سنانه وهو خارج من القاعة وقال بصوت واطي :
-الورق كسبتوني فيه.. بس الحارة دي مش هتهدى، والي جاي بيننا دم يا ولاد الشناوي.
---
المحكمة خلصت والملكيت رجعت لأصحابها، بس تهديد عمران الأخير يقطع الأنفاس وواضح إن الحرب الجاية مش هتبقى بالورق خالص! مستنية رأيكم الحماسي وتوقعاتكم ا