رواية وجع الماضي الفصل الثانى 2 بقلم بسملة حسن


رواية وجع الماضي الفصل الثانى 2 بقلم بسملة حسن



كان الرسول ﷺ يقول لعائشة: حبي لك کْعقدٍةّ في حبل، لا يَسِتٌطِيَعٌ حلها أحد. فتضحك، وكل ما تمر عليه ﷺ تسأله: کْيَف حال آلَعٌقُدٍةّ؟ فيقول ﷺ: کْمًآ هي 🖇🥹🌸

الحب هو عندما قال الرسول ﷺ : يا عائشة إن عيناي تنام  وقلبي بحبك لا ينام🥹🌸

الحب هو عندما سئل رسول الله ﷺ :من أحب الناس إليك قال  :عائشة قالوا يا رسول الله من الرجال قال أبوها🥹🌸

الحب هو علي بن أبي طالب عندما قال : والله ما رأيت فاطمة إلا وذهب الحزن من قلبي 🥹🌸

اقرأوا عن قصص الحب ما شئتم لن تجدوا أعظم من قصة حب النبي للسيدة عائشة و الصحابة.🥹🌸
........................................................... 
الدكتور: بص يافندم الحمدلله مفيش حاجة تقلق بس لازم تخلي بالك منها شويه هيا ضعيفه جداً  والبيبي بياخد الفيتامينات منها فلازم تاكل وتشرب كويس جداً عشان ميحصلش مضاعفات فيما بعد

زين: يعني هي كويسه

ابتسم الدكتور ابتسامة مطمئنة، وهو بيجمع أدواته.

الدكتور: هي كويسه ... أنا كتبتلها شوية فيتامينات، وتلتزم بيها في مواعيدها. وأهم حاجة الراحة والأكل، لأنها ضعيفة جدًا. ألف مبروك، وإن شاء الله تقوم بالسلامة.

هز زين رأسه وقال باحترام:

زين: شكرًا يا دكتور.

خرج الدكتور من الأوضة، وساد المكان هدوء.

اتقدم زين ناحية السرير، ولما لقى سجدة فتحت عينيها ببطء، اتنهد براحة.

شال النقاب من على وشها برفق عشان تعرف تتنفس براحة، وقال بهدوء:

زين: الحمد لله... خوفتيني عليكي.

بصتله سجدة ثواني من غير ما تتكلم، ولسه التعب ظاهر في عينيها.

تنهد زين وقال بنبرة فيها عتاب:

زين: ينفع كده؟ كل ده ومبتاكليش؟ الدكتور قال إنك ضعيفة جدًا، والبيبي بياخد الفيتامينات منك. يعني لو فضلتي تهملي في أكلك هتتعبي أكتر.

سجدة ردت بصوت واطي:

سجدة: الحمد لله... أنا كويسة.

هز زين رأسه بالرفض.

زين: لا... مش كويسة. ومن النهارده هتاكلي في معادك، وهتاخدي دواكي، ومفيش أي مجهود.

سكت لحظة، وبعدين قال بجدية:

زين: وآه... مفيش نزول للحرم تاني.

رفعت سجدة عينيها بسرعة.

سجدة: يعني إيه؟

زين: يعني خلاص. عملتي العمرة، وكفاية كده. محتاجة راحة، والدكتور بنفسه قال كده.

اتغيرت ملامحها، وقالت برجاء وهي بتحاول تقوم:

سجدة: لا... والنبي يا زين... خليني أنزل.

بصلها باستغراب.

زين: تنزلي فين؟ انتي لسه تعبانة.

قالت وعينيها بدأت تلمع بالدموع:

سجدة: عايزة أقعد قدام الكعبة... بس أقعد أبصلها. والله مش هعمل أي حاجة، ولا هلف، ولا هتعب نفسي... بس سيبني أقعد هناك شوية.

فضل ساكت يبصلها، وهي كملت بصوت مكسور:

سجدة: بحس هناك إن قلبي بيرتاح... وكأني بنسى كل حاجة وجعتني. والنبي يا زين... متحرمنيش منها.

تنهد زين وهو بيبعد نظره عنها، واضح إنه محتار بين خوفه عليها، وبين رغبته إنه ميكسرش خاطرها.

زين: هشوف كلام الدكتور الأول... ولو وافق، هننزل. لكن لو قال لأ... يبقى مفيش نزول، وصحتك أهم من أي حاجة.

خفضت سجدة رأسها في هدوء، وهي عارفة إن الجدال معاه المرة دي مش هيغير قراره.

بعد حوالي نص ساعة...

كانت سجدة قاعدة على السرير، ساكتة، وعينيها سرحانة في الشباك.

دخل زين بعد ما كان برة شوية، وفي إيده كيس صغير.

حطه على الترابيزة اللي جنبها، وطلع منه علبة عصير، وزجاجة مية، وعلبة فيها أكل خفيف.

بصتله سجدة من غير ما تتكلم.

فتح العصير، ومده ناحيتها.

زين: اشربي الأول.

هزت رأسها برفض.

سجدة: مليش نفس.

رفع حاجبه وقال بهدوء:

زين: وأنا ماليش دعوة. الدكتور قال جسمك محتاج أكل وسوائل... والعصير ده لازم يخلص.

سكتت وهي باصة للعصير، لكنه فضل واقف مكانه.

بعد ثواني، زفرت بضيق، وأخدته من إيده، وشربت منه كام رشفة.

أول ما خلصت، مد إيده وخد العلبة منها من غير كلمة.

فتح علبة الأكل، وحطها قدامها.

زين: دوري بقى.

بصت للأكل، وبعدين بصتله.

سجدة: قولتلك مليش نفس.

اتنهد وهو قعد على الكرسي اللي بعيد عن السرير.

زين: وأنا قولتلك... مفيش دلع في الموضوع ده.

فضلت ساكتة.

عدت دقيقة كاملة، وهي لا لمست الأكل، ولا بصت ناحيته.

فرك زين وشه بإيده، وقام وقف.

زين: سجدة... متخلنيش أعصب.

ردت من غير ما ترفع عينيها:

سجدة: وأنا مش باكل غصب.

سكت شوية، كأنه بيحاول يسيطر على نفسه، وبعدين قال بنبرة أهدى:

زين: تمام... أنا مش بغصبك. بس حطي نفسك مكاني.

لو حصلك حاجة... هتستفيدي إيه؟

ولا البيبي ذنبه إيه؟

أول ما سمعت كلمة البيبي، نزلت عينيها على بطنها تلقائيًا.

فضلت ساكتة كام ثانية...

وبعدين مدت إيدها بهدوء، وخدت معلقة صغيرة من الأكل.

كان زين واقف متابعها من بعيد، ولما لقاها بدأت تاكل، ارتاح من غير ما يبين.

رجع قعد على الكرسي، وسابها تاكل براحتها، من غير ما يضغط عليها بكلمة.

بعد ما خلصت كام لقمة، حطت المعلقة وقالت بهدوء:

سجدة: شبعت.

بصلها زين، ثم بص للطبق اللي لسه فيه أغلب الأكل.

ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:

زين: المرة دي هعديها... بس من بكرة مفيش تفاوض.

لفت وشها الناحية التانية، وهي بتحاول تخبي ابتسامة صغيرة ظهرت غصب عنها... لكنها سرعان ما اختفت، ورجعت ملامحها هادئة.

عرف زين إنها لسه زعلانة...

وإن الطريق علشان تسامحه... لسه طويل.

ساد الصمت بين الاتنين لدقايق...

كان زين قاعد على الكرسي، وسجدة مدياله ضهرها.

فضل يبصلها شوية، قبل ما يتنهد ويقول بصوت هادي:

زين: هتفضلي لحد إمتى يا سجدة... بتكرهيني؟ ومش عايزة تسامحيني؟

غمضت سجدة عينيها، وكأن السؤال وجعها.

وبعد ثواني، ردت بصوت مهزوز:

سجدة: مش عارفة يا زين...

لفت تبصله، ودموعها بدأت تنزل.

سجدة: أنا... أنا بحبك، والله بحبك... بس أنت أذيتني أوي.

كل مرة أحاول أنسى... أفتكر.

من أول يوم خطفتني...

وحرمتني من أهلي...

وكل اللي عيشته بعد كده...

أنا تعبت يا زين...

آخر كلمة خرجت منها، وانهارت في العياط.

وقف زين مكانه، لكنه متحركش ناحيتها.

نزل برأسه وهو بيقول بصوت مليان ندم:

زين: أنا غلط...

ومش ههرب من غلطي.

وأعرف إن في حاجات عمرها ما هتتمحي بسهولة.

أنا فعلًا وجعتك...

وربنا شاهد إني كل يوم بندم على اللي حصل.

بس والله... في يوم من الأيام ما كان قصدي أكسر قلبك ولا أشوف دموعك.

رفعت سجدة عينيها له فجأة، زعقت وهي بتبكي:

سجدة: يعني إيه؟!

مش أنا اللي اتكسرت؟

مش أنا اللي كل ليلة كنت بنام وأنا خايفة؟

مش أنا اللي حياتي كلها اتغيرت؟

أنا السبب يا زين؟!

أنا اللي عملت في نفسي كده؟!

رد عليا!

شد زين على قبضته، وعينيه امتلوا بالغضب.

زين بعصبية: وطي صوتك يا سجدة... متعليش صوتك عليا.

أنا غلط... واعترفت بغلطي ألف مرة.

بس انتي كمان غلطتي.

كل مرة كنت أحاول أتكلم معاكي... كنتِ تقابلي كلامي بعند.

كل مرة كنت أمدلك إيدي... كنتِ تكسريها.

العند أخرتُه وحشة يا سجدة... وإحنا الاتنين دفعنا تمنه.

هزت سجدة رأسها بعنف، والدموع مغرقة وشها.

سجدة بصوت عالي: لا!

العند عمره ما يبرر اللي عملته.

أنا اللي عملت في نفسي كده؟!

أنا اللي خلتك تعمل فيا كل ده؟!

رد عليا يا زين!

اتجمد مكانه للحظات، وعينيه ثبتت فيها.

زين بغضب: أنا مقولتش إنك السبب...

أنا بقول إن كل حاجة بينا كانت بتزيد سوء يوم بعد يوم.

ولما الغضب سيطر عليا...

ضيعت كل حاجة.

وده ذنب هيفضل في رقبتي طول عمري.

سكت لحظة، ثم قال وهو بيبعد عينه عنها:

زين: بس برضه... لو كنا سمعنا بعض من الأول، كان زمان حياتنا بقت غير كده.

لفت سجدة وشها الناحية التانية، وهي بتبكي بحرقة.

سجدة: اللي اتكسر جوايا... مش عارفة أصلحه يا زين.

ساد الصمت بينهما من جديد...

زين أخد نفسًا طويلًا.

اتقدم ناحيتها خطوتين... لكنه وقف قبل ما يوصلها، محافظ على المسافة اللي بينهم، وكأنه بيديها الأمان إنها متخافش منه.

بصلها بهدوء، وقال بصوت مليان صدق:

زين: أنا... مش مستعجل يا سجدة.

ولا مستني إنك تسامحيني النهارده... ولا بكرة.

كل اللي بطلبه منك...

إنك تديني فرصة واحدة بس.

فرصة أثبتلك فيها إن زين اللي قدامك دلوقتي... مش هو زين اللي وجعك زمان.

وإني فعلًا اتغيرت.

رفعت سجدة عينيها ليه، ومسحت دموعها بطرف إيدها.

وبصوت هادئ، لكنه كان حاسم، قالت:

سجدة: محدش بيقول على نفسه إنه اتغير يا زين...

الناس هي اللي بتشوف التغيير.

والتغيير عمره ما كان كلام...

التغيير أفعال.

لو فعلًا اتغيرت...

أنا اللي هعرف من غير ما تقول.

سكت زين، وهو مستوعب كل كلمة خرجت منها.

هز رأسه بهدوء، وظهرت على وشه ابتسامة خفيفة، لأول مرة من غير وجع أو عصبية.

زين: عندك حق...

ومن النهارده...

مش هحاول أقنعك بكلمة.

هخلي أفعالي هي اللي تتكلم.

ولو بعد كل ده...

فضلتي مش قادرة تسامحيني...

هقبل قرارك.

المهم عندي دلوقتي...

إنك تبقي بخير.

بصتله سجدة للحظات...

من غير ما ترد.

لكن لأول مرة...

حست إن كلامه مختلف.

ورغم إن قلبها كان لسه مليان وجع...

إلا إنها قررت في سرها...

إنها مش هتصدق أي وعد...

لحد ما تشوفه بعينيها.

....................

في الصالة...

كان خالد قاعد على الكنبة، مركز في اللاب توب، وعمال يراجع شغل الشركة.

دخلت أسيل بخطوات هادية، ووقفت قدامه وهي مبتسمة.

أسيل: خلووودي...

رفع خالد عينه من على اللاب، وابتسم أول ما شافها.

خالد: يا عيون خلوودي.

قربت منه وقعدت على طرف الكنبة.

أسيل: ها بقى... هرجع الشغل إمتى؟

رفع خالد حاجبه، وقفل اللاب بهدوء.

خالد: شغل إيه؟

أسيل: الشركة يا خالد... هو أنا كنت بشتغل فيها قبل ما نتجوز ولا كنت رايحة ألعب؟

ابتسم وهو هز رأسه.

خالد: لا يا ستي... خلاص.

أسيل: خلاص إيه؟

خالد: يعني مفيش نزول شركة.

انفجرت أسيل وهي حاطة إيديها في وسطها.

أسيل: نعم يا أخويا؟!

يعني إيه مفيش نزول؟!

أمال هقعد في البيت أعد البلاط؟

ولا أقعد أبص في وشك طول اليوم؟

خالد ضحك وهو سند ضهره.

خالد: وإيه المشكلة؟ وشي وحش؟

ردت بسرعة وهي بتضحك.

أسيل: لا... بس بقالي شهر شايفاه الصبح والضهر وبالليل... خلاص شبعت منك!

فتح خالد بقه بصدمة مصطنعة.

خالد: يا قليلة الأدب!

ضحكت أسيل وقالت:

أسيل: أنا بهزر... بس بجد وحشني الشغل.

وحشتني الشركة... والمكتب... والبنات... وحتى رغي الموظفين.

خالد بص لها بحب وقال:

خالد: وأنا وحشني إنك تقعدي معايا من غير ما كل خمس دقايق تسيبيني وتروحي تجري ورا الملفات.

رفعت حاجبها بخبث.

أسيل: أيوة يعني... هحبسك في البيت؟

هز رأسه وهو بيضحك.

خالد: مش حبس... بس عايزك ترتاحي شوية بعد الجواز.

أسيل قربت منه وقالت بدلع:

أسيل: يا خالد... أنا هزهق.

وبعدين دي شركة أخويا، وأنا سكرتيرته من قبل ما تبقا  مراتك

ابتسم خالد وقال بمكر:

خالد: ما أنا عارف...

وعارف كمان إن نص موظفين الشركة كانوا بييجوا يسألوا على "الآنسة أسيل" أكتر ما بيسألوا على الشغل.

ضيقت عينيها وهي ضحكت.

أسيل: أهو... غيرت!

رد بسرعة:

خالد: جدًا.

قامت وقفت قدامه وقالت وهي بتشاور بإصبعها:

أسيل: اسمع يا أستاذ خالد...

أنا راجعة الشركة... سواء برضاك أو...

قاطعها وهو بيضحك:

خالد: أو إيه؟

ابتسمت ابتسامة واسعة وقالت:

أسيل: أو هشتكيك لزين.

خالد اتسعت عينه وقال بتمثيل:

خالد: يا نهار إسود!

بقيتي أول ما تختلفي معايا تجيبي أخوكي؟

أسيل ضحكت بصوت عالي.

أسيل: طبعًا... هو ينفع أضيع سلاحي الوحيد؟

هز خالد رأسه باستسلام، وقام من مكانه.

خالد: خلاص يا ستي...

هكلم زين، ولو وافق ترجعي، وأنا موافق. مكنوا كان مرتاح منك و من زنك

قفزت أسيل من الفرحة، وقالت وهي بتضحك:

أسيل: كنت عارفة إنك هتستسلم في الآخر.

ضحك خالد وهو بيبص لها:

خالد: لا استسلام ولا حاجة...

أنا بس عرفت إن الجدال معاكي خسايره أكتر من مكاسبه.
......

بعد مرور عدة أيام...

كانت شمس مكة دافية، والهواء مليان بالسكينة.

وسط الزحام...

كانت سجدة قاعدة على كرسي متحرك، بعدما رفض الدكتور إنها تمشي مسافات طويلة حفاظًا على صحتها وصحة الجنين.

أما زين...

فكان واقف وراها، ماسك الكرسي بإيده، وبيحركه بهدوء وهو ماشي بيها في صحن الحرم.

كانت عيون سجدة متعلقة بالكعبة، وابتسامة هادية مرسومة على وشها.

رفعت إيديها للسماء وهمست:

سجدة: اللهم تقبلها عمرة عن أمواتنا... وعن أموات المسلمين جميعًا... واجعل ثوابها يصل إليهم يا رب العالمين.

أمّن زين بصوت خافت:

زين: آمين يا رب.

لفت سجدة وشها للكعبة مرة تانية، وعينيها دمعت من شدة التأثر.

أما زين...

فكان بيبصلها من ورا بابتسامة هادية.

أول مرة يشوفها مرتاحة بالشكل ده من وقت طويل.

قال وهو بيحرك الكرسي بهدوء:

زين: مبسوطة؟

هزت رأسها من غير ما تبصله.

سجدة: الحمد لله...

أنا كان نفسي أعمل العمرة دي.

ابتسم زين وقال:

زين: أهم حاجة إنك مبسوطة.

ثم أضاف وهو بيبص للكرسي:

زين: والكرسي ده أحسن من إنك تتعبي.

ردت عليه بنبرة خفيفة لأول مرة من غير حدة:

سجدة: عارفة...

ولو كنت مشيت، كنت هدوخ من أول شوط.

ابتسم وهو قال بمزاح:

زين: أهو... أخيرًا اعترفتي إن كلامي صح مرة.

بصتله بطرف عينها، وقالت وهي بتحاول تخبي ابتسامتها:

سجدة: متفرحش أوي... دي أول وآخر مرة.

ضحك زين بخفة، وهو يكمل دفع الكرسي.

وكان كل همه في اللحظة دي...

إنها تفضل مرتاحة.

حتى لو كانت لسه مش قادرة تسامحه.

أما سجدة...

فكانت تشعر لأول مرة...

أن اهتمامه لم يعد مجرد كلام.

بل بدأ يتحول إلى أفعال...

وهي الأفعال التي طلبت منه أن يثبت بها تغيّره.
........
بعدما انتهوا من العمرة...

ما استعلجوش في الخروج.

دفع زين الكرسي المتحرك بهدوء، لحد ما وصل لمكان يقدروا يشوفوا منه الكعبة بوضوح.

وقف الكرسي برفق، وبص لسجدة.

زين: هنقعد هنا شوية؟

هزت رأسها بالموافقة، وعينيها كانت معلقة بالكعبة.

ساد الصمت...

لكن كان صمت مريح.

طلعت سجدة مصحفها الصغير من شنطتها، وبدأت تقرأ بصوت خافت.

أما زين...

فكان قاعد على الكرسي اللي جنبها، من غير ما يقاطعها أو يتكلم.

كل شوية يبص عليها، يتأكد إنها مرتاحة، ويرجع يبص للكعبة.

بعد وقت...

قفلَت المصحف، ورفعت إيديها تدعي.

كانت دموعها بتنزل في هدوء.

سجدة:
يارب... اجبر كسري.

واشرح صدري.

واحفظلي طفلي، ويتمم حملي على خير.

واغفر لأمواتنا... ولجميع أموات المسلمين.

وأصلح حالي... واهدِ قلبي لما تحب وترضى.

أمَّن زين بصوت منخفض:

زين: آمين يا رب العالمين.

فضلت سجدة تبص للكعبة، وكأنها مش عايزة اللحظة دي تنتهي.

بعد شوية، قام زين من مكانه.

سجدة: رايح فين؟

زين: دقيقة وراجع.

بعد دقائق رجع، وفي إيده كوبين من ماء زمزم.

ناولها واحد منهم.

زين: اشربي.

ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت:

سجدة: جزاك الله خيرًا.

رد بهدوء:

زين: وإياكِ.

شربت من زمزم، وأغمضت عينيها وهي تدعو في سرها.

أما زين...

فاكتفى بالنظر إلى الكعبة.

ورفع يديه لأول مرة منذ زمن طويل، وقال بينه وبين نفسه:

زين:
يا رب...

أنا عارف إني غلطت.

وعارف إن الطريق طويل.

بس ارزقني القوة إني أصلح اللي أفسدته.

واكتبلي رضاها... لو كان فيه خير لينا.

نزل إيديه ببطء...

انتهت رحلة العمرة...

وحان موعد العودة إلى مصر.

وبعد ساعات من السفر، وصلت الطائرة إلى مطار القاهرة.

أنهوا إجراءات الوصول، واستقلوا السيارة في طريقهم إلى الفيلا.

كانت سجدة جالسة في الخلف، ترتدي نقابها، تنظر من نافذة السيارة في صمت، بينما كان زين يطمئن عليها بين الحين والآخر.

وبعد حوالي ساعة...

توقفت السيارة أمام الفيلا.

نزل زين أولًا، ثم فتح الباب لسجدة، فنزلت بهدوء.

وما إن رأتهم دادا كوثر حتى خرجت مسرعة، والفرحة تملأ وجهها.

دادا كوثر: يا ألف حمد لله على سلامتكم... نورتوا البيت والله.

اقتربت من سجدة واحتضنتها بحنان.

دادا كوثر: وحشتيني يا بنتي... البيت كان وحش من غيرك.

بادلتها سجدة الحضن وهي تبتسم خلف نقابها.

سجدة: وإنتِ أكتر يا دادا.

ابتسم زين وهو يشاهد الموقف، ثم قال:

زين: يلا ندخل... سجدة محتاجة ترتاح.

هزت دادا كوثر رأسها بسرعة.

دادا كوثر: أيوة طبعًا... اتفضلوا.

دخلوا الفيلا، وأغلقت دادا كوثر الباب.

رفعت سجدة نقابها، وأخذت نفسًا عميقًا.

أول ما شافتها دادا كوثر من غير النقاب، اتصدمت من شحوب وشها وخسسانها.

دادا كوثر: يا حبيبتي... إيه اللي جرالك؟ وشك أصفر وخسيتي كده ليه؟

رد زين بهدوء:

زين: الدكتور قال إنها ضعيفة شوية، ولازم تهتم بأكلها وراحتها.

بصت دادا كوثر لسجدة بحنان، ومسكت إيدها.

دادا كوثر: من النهارده أكلك وشربك مسؤوليتي أنا... وهخليكي ترجعي أحسن من الأول بإذن الله.

ابتسمت سجدة ابتسامة خفيفة وقالت:

سجدة: ربنا يخليكي ليا يا دادا.

ابتسمت دادا كوثر وربتت على كتفها.

دادا كوثر: يلا اطلعي ارتاحي... وأنا هحضرلك أكلك بنفسي.

بعد ما دخلوا الفيلا...

كانت دادا كوثر طالعة تجهز الأكل، وزين كان لسه هيتحرك يطلع أوضته.

فجأة...

سجدة: زين...

وقف مكانه.

ولأول مرة من أيام...

يسمعها بتنادي اسمه بنفسها.

لف ناحيتها، وابتسامة خفيفة ارتسمت على وشه.

زين: نعم... يا حبيبتي؟

اتوترت سجدة شوية، وقالت بهدوء:

سجدة: كنت... عايزة أنزل الجامعة.

كفاية غياب لحد كده.

اختفت ابتسامته تدريجيًا.

فضل ساكت ثواني...

لدرجة إن سجدة بدأت تقلق من سكوته.

وأخيرًا قال بهدوء:

زين: لا...

مفيش جامعة دلوقتي.

عقدت حاجبيها.

سجدة: ليه؟

زين: لأنك حامل... ولسه تعبانة.

الدكتور بنفسه قال محتاجة راحة.

قربت منه خطوة، وقالت برجاء:

سجدة: والله أنا بقيت أحسن.

وهروح المحاضرات وأرجع على طول.

علشان خاطري يا زين...

خليني أنزل.

هز رأسه بالرفض.

زين: قولت لا يا سجدة.

مش هخاطر بيكي... ولا بالبيبي.

وفجأة...

اتغيرت ملامحها، وبدأت دموعها تنزل.

سجدة: هو إيه كل شوية حامل... حامل... حامل؟!

يعني البنت لما تحمل حياتها بتقف؟!

مش بتخرج؟

مش بتكمل تعليمها؟

مش بتعيش؟

كل حاجة بقت ممنوعة علشان أنا حامل!

ارتفع صوتها وهي بتمسح دموعها بعصبية.

سجدة: من ساعة ما عرفت إني حامل، وأنت مش بتقول غير كلمة واحدة...

لا.

أنزل؟ لا.

أروح؟ لا.

أعمل؟ لا.

حتى الجامعة... لا!

أنا حاسة إني مخنوقة.

وأنا بحب دراستي يا زين...

بحبها أوي.

ثم انفجرت في البكاء، وقالت بصوت متقطع:

سجدة: إنت... إنت مش بتحبني.

لو كنت بتحبني بجد...

كنت هتساعدني أحقق الحاجات اللي بحبها.

مش تمنعني منها.

مش كل حاجة تقول عليها لا...

لا...

لا...

هو مفيش عندك غير الكلمة دي؟

أنهت كلامها وهي تبكي بشدة، وكانت دموعها أكتر من حجم الموقف نفسه.

اتفاجأ زين من كلامها...

فضل يبصلها كام ثانية، وكأن آخر حاجة كان يتوقعها إنها تقول إنه مش بيحبها.

طلع نفسًا طويلًا، وقال بصوت هادي، لكن فيه وجع واضح:

زين: أنا... مش بحبك يا سجدة؟

هو ده اللي وصلِّك؟

ابتسم ابتسامة حزينة، وهز رأسه.

زين: بعد كل اللي بحاول أعمله... ده اللي فهمتيه؟

سكت لحظة، وهو بيحاول يسيطر على مشاعره، ثم قال بنبرة كلها عتاب:

زين: أنا عارف إنك لسه زعلانة مني...

وعارف إن عندك حق في حاجات كتير.

لكن متقوليش إني مش بحبك...

دي أكتر كلمة وجعتني.

لين صوته أكثر، وقال وهو يبصلها في عينيها:

زين: أنا يا سجدة... بخاف عليكي.

مش أكتر... ولا أقل.

ولما بقولك "لا"...

مبقولهاش عشان أضايقك.

بقولها عشان قلبي بيبقى مرعوب يحصلك حاجة.

صدقيني...

إنتِ بالنسبة لي أهم مليون مرة من حمل لسه في بطنك.

أيوة...

أنا فرحت لما عرفت إنك حامل.

وفرحتي بالبيبي كبيرة.

بس إنتِي...

إنتِي أهم.

لو خيروني بين إنك تكوني بخير، وبين أي حاجة تانية...

هختارك إنتِ من غير ما أفكر.

مسح على وشه بتعب، ثم أكمل بهدوء:

زين: وبالنسبة للجامعة...

أنا أصلًا مكنتش هقولك لأ طول العمر.

كنت هقولك استني شوية...

لحد ما ترتاحي، والدكتور يطمن علينا.

وبعدين انزلي براحتك.

أنا مش عايز أحرمك من دراستك.

ولا من أحلامك.

ولا من أي حاجة بتحبيها.

وبعدين ابتعد عنها خطوة، وكأن كلامها كسر شيئًا بداخله.

وقال بصوت منخفض مليء بالحزن:

زين: بس... عمومًا.

طالما ده هيخليكي مبسوطة...

انزلي الجامعة من بكرة.

وأكملي دراستك عادي.

أنا مش بمنعك من حاجة يا سجدة...

ولا عمري كنت عايز أمنعك.

كل اللي كنت عايزه...

إنك تكوني بخير.

ساد الصمت...

وبصتله سجدة.

لأول مرة...

شافت في عينيه حزنًا حقيقيًا.

حزن واحد خاف على الإنسانة اللي بيحبها...

لكن معرفش يوصل لها خوفه بالطريقة الصح.

أنهى زين كلامه...

واستدار في هدوء.

ولا استنى منها رد.

طلع السلم بخطوات بطيئة، وكل خطوة كانت تقيلة عليه.

أما سجدة...

ففضلت واقفة مكانها، تبص لطيفه وهو بيختفي قدامها.

أول ما اختفى من قدام عينيها...

حست بوخزة في قلبها.

قلبها:
مكنش ليه لازمة يا سجدة...

ليه قولتيله إنه مش بيحبك؟

إنتِ أكتر واحدة عارفة إنه بيحبك.

خفضت رأسها، وكأنها بتحاول تهرب من الصوت اللي جواها.

عقلها:
بيحبني؟

نسيتي عمل فيكي إيه؟

نسيتي وجعك؟

نسيتي اللي عيشتيه بسببه؟

اتجمعت الدموع في عينيها.

لكن قلبها رجع يتكلم بهدوء:

قلبها:
لا...

منستش.

بس برضه شوفي هو بقى عامل إزاي.

نسيتي قبل السفر؟

لما كان كل يوم يقف تحت بيتكم...

ويفضل يحاول يراضيكي بأي طريقة...

مرة يغني...

ومرة يجيبلك هدية...

ومرة يفضل مستني بالساعات، بس عشان يشوفك دقيقة.

نسيتي خوفه عليكي في الحرم؟

لما تعبتي...

كان وشه كله رعب.

ولما الدكتور قال إنك بخير...

حمد ربنا كأنه اتولد من جديد.

نسيتي إنه فضل أيام يخدمك بنفسه...

من غير ما يطلب منك حتى كلمة شكر؟

شد عقلها الكلام بسرعة.

عقلها:
بس هو اللي جرحني...

جرح مش سهل يخف.

أنا بحبه...

بس مش قادرة أسامحه.

رد قلبها في هدوء...

وكأنه بيطبطب عليها.

قلبها:
أيوه...

جرحك.

وغلط في حقك.

وده عمره ما هيتنسي.

بس شوفي...

من يوم ما قرر يتغير، وهو بيحاول يداوي الجرح ده كل يوم.

مش بالكلام...

بالأفعال.

وده اللي إنتِ بنفسك طلبتيه منه.

سكتت سجدة...

وأخذت نفسًا عميقًا.

أغمضت عينيها، وهي تفتكر نظرة الحزن اللي كانت في عينيه من شوية.

ولأول مرة...

حست إن الكلمة اللي قالتها...

وجعته بجد.

فتحت عينيها بسرعة.

وقالت لنفسها بصوت خافت:

سجدة:
أنا... غلطت.

مكنش ينفع أقوله إنه مش بيحبني.

رفعت رأسها ناحية السلم...

ومن غير ما تفكر أكتر...

جريت تطلع وراه.

كانت أول مرة...

تسمع صوت قلبها...

وتقرر تمشي وراه.

طلعت سجدة السلم بسرعة...

وقلبها بيدق بعنف.

وقفت قدام أوضة زين، ومن غير ما تفكر...

فتحت الباب ودخلت.

كان زين واقف قدام الدولاب، وكان لسه مغيرش هدومه بعد ما رجع من السفر.

أول ما سمع صوت الباب، لف بسرعة.

واتفاجئ بسجدة واقفة مكانها.

رفع حاجبه باستغراب، وقال بهدوء:

زين: سجدة؟

في حاجة؟

وقبل ما تستوعب...

وقعت عينيها عليه، فشهقت بخفة، ولفت وشها الناحية التانية بسرعة، واحمر وشها من شدة الكسوف.

انتبه زين، فأخذ أقرب تيشيرت كان على السرير ولبسه بسرعة، ثم قرب منها بخطوات هادئة.

وقف على مسافة مناسبة، وقال بقلق:

زين: مالك يا سجدة؟

في حاجة حصلت؟

رفعت عينيها له بخجل، ولسانها اتلخبط.

سجدة: أ... أنا...

ابتسم زين ابتسامة صغيرة وهو بيحاول يطمنها.

زين: اهدي...

وقوليلي يا حبيبتي، مالك؟

إنتِ تعبانة؟

عضت على شفايفها بتوتر، ثم قالت بصوت يكاد يُسمع:

سجدة: أنا... آسفة يا زين.

قالتها بسرعة...

ولفت وجريت برة الأوضة قبل ما تسمع منه أي رد.

وقف زين مكانه، وهو باصص ناحية الباب المقفول باستغراب.

وبعدين...

ابتسم، وهز رأسه وهو بيضحك بخفة.

زين:
شكلي هتعب معاكي يا طفلتي...

بس... يا رب يكون التعب ده آخره فرحة.


                   الفصل الثالث من هنا 

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة