رواية الماسة المكسورة 2 الفصل الاربعون 40 ج 2 بقلم ليله عادل


رواية الماسة المكسورة 2 الفصل الاربعون 40 ج 2 
بقلم ليله عادل


قصر الراوي،7م
غرفة نالا.
كانت الألعاب متناثرة في أرجاء الغرفة، بينما جلست نالا على الأرض ترتب دميتها، وجلس ياسين ولوجين إلى جوارها، يتبادلان نظرات مليئة بالسعادة.

ابتسم ياسين وقال بحماس: قوليلي يا نالا مش نفسك يبقى عندك أخ أو أخت صغيرة تلعبي معاها؟

رفعت رأسها إليه باستغراب، ثم قالت ببراءة: آه، بس ده هيحصل إزاي؟! إنت وماما خلاص مش عايشين مع بعض.

نظر ياسين إلى لوجين مبتسما، ثم عاد بعينيه إلى ابنته: لا يا حبيبتي، دي ملهاش علاقة.

قطبت حاجبيها: إزاي؟

أجابها بهدوء: أنا ولوجين متجوزين، لما نجيب نونو، هيبقى أخوكي، ما أنا برضو باباه.

نظرت إلى لوجين قليلا، ثم قالت بتردد: بس لوجين مش ماما.

ابتسمت لوجين وربتت على شعرها:أيوه يا حبيبتي، أنا مش مامتك، بس ده مايمنعش إنه هيبقى أخوكي من بابا.

سألت بفضول: ينفع كده؟

ضحك ياسين: طبعا ينفع.

هزت رأسها باستسلام: ماشي.

ابتسم ياسين بسعادة حماسية:  يبقى حضري نفسك بقى، بعد كام شهر هايجيلك نونو صغير، تلعبي معاه، ويشاركك كل الألعاب دي.

تبسمت بتوسع: يعني هيكون عندي اخ صغنن اللعب معاه..

اوما بابتسامة مشرقة: ايوة يا روحي..

نظرت نالا إلى ألعابها المنتشرة حولها، ثم سألت ببراءة شديدة: بس، هو هيلعب معايا ولا هاياخد كل حاجتي؟

ضحك ياسين وهو يضمها إليه: لا يا ستي، هو أصلا هيبقى صغير جدا، وهتيبقى عنده لعبه الخاصة.

سادت لحظة صمت قصيرة ثم نهضت نالا فجأة، واتجهت نحو لوجين انحنت لوجين تلقائيا نحوها، فإذا نالا تمد يدها بحذر، وتضع كفها فوق بطنها.

رفعت نالا رأسها وسألت ببراءة:: هو النونو هنا؟

ابتسمت لوجين ، ووضعت يدها فوق يدها الصغيرة: أيوه... هنا.

اتسعت عينا نالا بدهشة جميلة، ثم ابتسمت وقالت: ماشي، أنا مستنياه عشان يلعب معايا، هاتيه بسرعة بقى عايزة اللعب معاه.

ضحكت لوجين وهي تقبل رأسها: حاضر، أول ما يجي هخليه يلعب معاكي.

ألتقت عينا لوجين بياسين.

ابتسم كلاهما في صمت، وقد زال القلق الذي كان يثقل قلبيهما... ولكن نالا تقبّلت الخبر بكل حب.

ايطاليا بتحديد، جزيرة صقلية 4 عصرا بتوقيت ايطاليا.

مظهر عام لجزيرة صقليه الجميلة، بينما كان الزورق الأسود يشق البحر متجها نحو جزيرة معزولة.

كان عماد جالسا في المقدمة، يقبض على السياج الحديدي بقوة من شدة ارتطام الأمواج، وإلى جواره جلس حارس ضخم الجثة، يبرز سلاحه من تحت سترته، بينما لم تفارق عيناه عماد لحظة واحدة.
توقف الزورق.

نزل عماد على شاطئ صخري، وما إن وطئت قدماه الرمال حتى ظهرت أمامه الفيلا القابعة فوق الهضبة، محاطة بحراسة مشددة. رجال بوجوه صلبة، وأسلحة جاهزة، يراقبون كل حركة في المكان.
وفي الأسفل، على حافة البحر مباشرة، كان الصخب يعلو.
موسيقى صاخبة، وأضواء حمراء تتمايل، وفتيات ورجال يتراقصون في حفلة مجنونة، تفوح منها رائحة الخمر الفاخر.

وفي المنتصف، كان تيمو كان يجلس حافي القدمين على مقعد خشبي يطل على البحر، قميصه مفتوح، وكأس في يده، بينما يقف إلى جواره حارسان لا يتحركان.

تحرك عماد حتى وصل لاسفل، كاد ان يقترب من تيمو، فاعترضه أحد الحراس بإشارة صارمة.

رفع تيمور عينيه إليه، ثم ابتسم ابتسامة باردة: عماد كيف حالك يا رجل؟ قيل لي إنك تبحث عني منذ أشهر.

أجابه بهدو  هو يتوقف امامه مباشرة: أردت لقاءك بعيدا عن إريك.

أشار تيمو للحارس أن يبتعدوا، ثم سأله: ولماذا بعيدا عن إريك؟

أجاب: الأمر يتعلق بسليم.

تأمله تيمو طويلا، ثم ارتشف رشفة هادئة من كأسه ثم قال: تعالي.

نهض وسار معه مبتعدا عن الضجيج، حتى وصلا إلى حافة الهضبة، حيث لم يعد يُسمع سوى هدير البحر.

استدار تيمو إليه وقال: الآن، أخبرني.

عماد بهدوء شيطاني: هناك شيء غريب يحدث داخل عائلة الراوي، ولا بد أنك سمعت بالأخبار.

ابتسم بسخرية: بالطبع سمعت إنها أخبار سيئة بالنسبة إليكم، لكنها في غاية السرور بالنسبة إلينا، لكن بتأكيد أنت لم تاتي كي تخبرني بذلك؟!

اومأ بتفهم قائلا بثعلبة: أعلم أنك لا تزال تريد رأس سليم، لكن إريك يقف بينك وبينه..

استدار تيمو نحوه فجأة، ونظر إليه نظرة جعلت عماد يتراجع خطوة إلى الخلف دون إرادة منه قال بحسم: أنا لا أخشى أحدا عماد، أنا فقط أنتظر الوقت المناسب، وسليم الآن لا يمثل لي أي تهديد، بل إنني أشفق عليه أحيانا.

ضيق عماد عينيه بدهشة متسال: أتشفق على الرجل الذي قتل والدك؟ هذا يثير الدهشة؟!

ساد صمت ثقيل بينهما ثم قال تيمو ببرود: دعنا من هذا، ماذا تريد يا عماد؟

أجابه: حمايتك.

مال تيمو برأسه قليلا: ممن؟

مد وجه موضحا: من أي شيء وكل شيء، ومن عائلة الراوي تحديدا.

تأمله تيمو بهدوء ثم سأله: والمقابل؟

رد فورا: ما تريد.

ثم أضاف يحاول إقناعه: كما انني سمعت أيضا أن سليم وصل إلى معلومات قد تقوده إلى الحقيقة.

اقترب منه حتى كاد يلامسه، وقال بصوت خافت بارد كحد السكين: ماذا علم؟

حكّ عماد خده قليلا، فهو يكذب، لكنه مضطر إلى ذلك حتى يدفع تيمو إلى التعاون معهم، ثم قال بنبرة تحمل شيئا من المراوغة: لا أعرف بالتحديد، لكنني علمت أنه اقترب من الحقيقة.

عقد تيمو حاجبيه، ونظر إليه بدهشة متسائل: كيف وصلت إلى سليم تلك المعلومات؟ لو كان ما تقوله صحيحا، لكان إريك أول من يعلم، ولما ترك سليم الجميع يتحركون بهذه الحرية حتى الآن بل كان قتلنا جميعا دون رحمه..

تابع، دون أن يمنحه فرصة للكلام: كما أن إريك لم يعد يريد قتله، يرى أن الأمور انتهت، وأن ماحدث في الماضي يجب أن يبقى في الماضي.

ابتسم عماد ابتسامة بمكر: لكنني متأكد أنك لا تفكر مثله.

سكت لحظة، ثم مالت ابتسامته: ولهذا جئت إليّ.

اومأ بتوضيح: ليست بالتحديد، إنني جئت أطلب حمايتك كما قولت

رد بسرعه: وفي المقابل؟

أجاب: سأعطيك كل ماتريد.

رفع حاجبه بإبتسامة ذات معنى: مثل ماذا؟!

أومأ بتاكيد ممزوج بفحيح: سأعطيك معلومات عن سليم، وعن ماسة زوجته، وعن عائلتها، أستطيع أن أوصلك إليهم بسهولة، وأعطيك كل الطرق التي تمكنك من الوصول إليهم.

مالت شفتيه بإبتسامة متعجبة وهو يقول: هل تظن أنني إذا أردت قتل سليم، أو حتى قتل زوجته، كنت سأحتاج إليك؟

تجمد عماد تابع تيمو بهيمنة: ماسة استطاعت أن تختفي عنه شهورا في الإسكندرية، وأنت تظن أنني لم أكن أعرف مكانها؟

اقترب منه خطوة وهو ينظر  داخل عينه::كنت أعرف..

ثم أضاف بنبرة أكثر غموضا:  كنت أعرف الكثير، أكثر مما تتخيل..

ظل عماد صامتا، اضاف تيمو: لكنني لم أتحرك.

سأله متعجبا:  لماذا؟

ابتسم ابتسامة خالية من الدفء اجاب: لأنني لا أريد ذلك.

ثم أضاف بفهم: عماد أنت لم تأتِ إلى هنا، لأنك تملك صفقة عظيمة تقدمها لي، بل لأنك تريد الحماية فقط..

تغيرت ملامح عماد تابع تيمو على ذات الوتيرة: إنت تعرف جيدا انك من دون حماية، قد تصل عائلة الراوي إليك، وعندها لن يكون أمامك الكثير من الوقت..

اقترب منه أكثر وقال ببطء: لذلك جئت تساومني على سليم..

سكت لحظة، ثم هز رأسه: وهذه الغلطة التي ارتكبتها منذ أن وطئت قدماك هذه الجزيرة ، تظن أنني ما زلت ألهث خلف سليم كما كنت في الماضي؟ لقد تجاوزت تلك المرحلة منذ زمن...

ثم استدار عنه ونظر إلى البحر للحظات، قبل أن يقول: أسمعني جيدا يا عماد...

استدار إليه من جديد: أنا لا أريد سليم الآن.

زم عماد وجهه مستفسرا تابع تيمو بإبتسامة طمع: أنا أريد شيئا أكبر منه.

سالة باستغراب: مثل ماذا؟

قال بهدوء قاتل: ان اكون اعضاء في مجموعة الراوي.

اتسعت عينا عماد بصدمة: وكيف سأفعل ذلك؟

اقترب منه خطوة، ووضع يده على كتفه، قال بنبرة لها ألف معنى: لا تظن أنك تستطيع خداعي، أعلم جيدا أنك استوليت على أسهم صافيناز، و أنا أريدها كاملة، وحينها فقط أعطيك الأمان.

تسائل متعجبا: ماذا تريد من المجموعة؟ هي الآن تخسر الكثير.

مالت ابتسامته وهو يبتعد بجسده: يبدو أنك لم تعد تستمع لأخبار المجموعة جيدا، عزت منذ أن خرج من المشفى، وهو يعقد الكثير من المشاريع والمصالحات، حتى أنه وصل إلي مقبرة أثرية، ويبحث لها عن مشترٍ.

سأله: وماذا ستستفيد من تلك الأسهم؟

ابتسم  ابتسامة غامضة، ثم قال: لأنني لا أشتري أسهم مقابل المال، بل أشتري مكانا داخل عائلة الراوي..

صمت لحظة، ثم تابع بنبرة هادئة لا تخلو من العقلانية: المال يعوض أما أن تصبح شريكا في عائلة الراوي، وأن يكون لك مقعد على طاولتهم، فذلك ليس بالأمر الهيّن. وإذا جاءت الفرصة، فلا بد من اقتناصها.

ثم حدّق في عينيه وأضاف: وأنت تعلم ذلك جيدا فالجلوس على طاولة آل راوي امتياز عظيم، لكن ثمنه قد يكون حياتك.

مال برأسه قليلًا،  قائلا بشيطانية: ولهذا جئتَ إليَّ، أليس كذلك؟

صمت لحظة قبل أن يطرح سؤاله الأخير: فاختر، أتريد المقعد، أم تريد حياتك؟

تردد عماد لثانية، كان يدرك أنه بذل الكثير للحصول عليهم، لكن حياته الآن أهم، ويعرف جيدًا حجم المخاطرة بحياته وحياة أبنائه إذا دخل في صراع مع تلك العائلة؛ فالدخول في معركة كهذه يعني خسارة مؤكدة، مهما كان المقعد الذي يحلم به، لم يعد الأمر يهمه، فقد حصل بالفعل على الكثير من الأموال.

ثم قال بسرعة: موافق، أنا لا أريدهم، أعلم أنهم سيكلفونني كثيرا.

مال تيمو نحوه وهمس: من هذه اللحظة أصبحت أنت وأبناؤك في حمايتي.

تنفس عماد نفسها عميقا، طويلا لأول مرة منذ أشهر، شعر بالراحة، بانه اخيرا نال صك الأمان من المافيا، وأن الكابوس انتهى.

في الضفة الأخرى من روما.

في غرفة مظلمة، كان رجل يجلس أمام حاسوب محمول، يضع سماعات في أذنيه، كل كلمة قالها عماد وتيمو على تلك الهضبة، كانت تُسجل، ذلك الرجل الذي زرعه سليم خلف عماد
♥️________________بقلمي_ليلةعادل

مصر/  منزل مي7مساء.

وصل رشدي إلى منزل مي، وما إن توقفت السيارة حتى هبط منها مسرعا، وأغلق الباب خلفه بعنف، ثم اتجه إلى الداخل بخطوات متوترة. صعد الدرج بسرعة، حتى توقف أمام الباب وطرقه بقوة، لم تمر سوى لحظات حتى فُتح الباب.

ظهر حازم أمامه، وما إن وقعت عيناه عليه حتى نظر إليه من أعلى إلى أسفل باحتقار، وقال بضجر: وكمان جاي لحد عندنا؟! يا بجاحتك!

اندفع نحوه بغضب، وكاد أن يلكمه، لكن رشدي تراجع سريعا وتفادى الضربة: استنى يا حازم!

أمسكه حازم من ذراعه بعنف: استنى إيه؟!

حاول رشدي تخليص ذراعه منه:سيب إيدي يا حازم كده ماينفعش خلينا نتفاهم.

اقترب حازم منه أكثر، وصوته يزداد غضبا: آمال إيه إللي ينفع بعد إللي أمك عملته؟!

تجمد رشدي في مكانه بعدم فهم، تابع حازم بغضب:
تيجي لحد بيتنا تهددنا، وتهدد أبويا وإخواتي، وبعدها تيجي إنت كمان يا بجحتك؟! إيه؟ جاي تكمل؟

نظر إليه رشدي بصدمة: أمي عملت إيه مش فاهم؟!

ضحك حاتم بسخرية من خلف حازم: إنت بجد جاي تسألنا عملت إيه؟!

أومأ بسرعة: أيوه، جاي أفهم.

مد حاتم وجهه نحوه باستهجان: هعمل نفسي مصدقك، أمك يا محترم دخلت بيتنا وهددتنا اننا  لازم نسحب قضية الخلع، وهددتنا، وقالت لنا بالحرف إن عيلة الراوي فوق القانون.

اتسعت عينا رشدي: قالت لكم كده؟!

وقبل أن يجيبه أحد، جاء صوت مي من خلفهم: أيوه... قالت كده.

التفت الجميع إليها كانت تقف على بُعد خطوات، وملامحها هادئة بشكل مخيف، وعينيها تحمل حده غريبة لا تشبهها، تقدمت نحو رشدي ببطء حتى وقفت أمامه مباشرة، ثم قالت بعينين تحملان غضبا مكتوما: وقالت لأبويا كمان: «خلي ولادك حواليك أحسن مايحصل لهم إللي حصل لمامتهم».

تغير وجه رشدي تماما، وأختفى غضبه وحل محله الذهول:: مستحيل...

حازم فورا: مستحيل إيه؟! إحنا هانكدب عليك يعني؟!

ظل رشدي ينظر إليهم، ثم قال بصوت مرتبك:
طب هتعمل ليه كده؟

حاتم بحدة:علشان رفعنا عليك قضية خلع.

توقفت أنفاس رشدي للحظة، وحدق فيه وكأنه لم يفهم الجملة: إيه؟

ثم ألتفت إلى مي بسرعة متسال: إنتِ رفعتي عليا قضية خلع؟!

أومأت ببرود، وقالت بسخرية: أيوه، وطبعا فايزة هانم، إللي عايشة في البرج العالي، مستحيل تستحمل إن ابنها يترفع عليه قضية خلع..

ابتسمت بسخرية مريرة، ثم أكملت: أصل سمعتكم ، قصا الناس، وصورتكم قدام المجتمع،أهم من أي حاجة لدرجة ممكن تقتله عادي..

ثبتت عينيها في عينيه، وقالت بحدة: بس المرة دي الموضوع مختلف، أنا مش هسكت، ومش هعدي إللي أمك عملته كأن مافيش حاجة حصلت..

أخذت نفسا عميقا، ثم أضافت بثبات: إنتوا بدأتوا الحرب وأنا قبلت التحدي..

اقتربت منه خطوة بدون خوف: ومش هسيبك يا رشدي غير لما آخد حقي، كامل اوعى تفتكرني هخاف او هستسلم زي ماسة تبقوا اغبيه.

رمش رشدي بعينه بتاثر، واقترب منها خطوة قائلا بصدق بنبرة ضعيفه: صدقيني يا مي أنا معرفش أي حاجة عن الموضوع ده..

نظر إلى عائلتها، وكأنه يبحث في وجوههما عن أي ذرة تصديق: صدقوني يا جماعة،كل إللي حصل ده حصل من ورايا، أنا ماشفتش الهانم، ولا أعرف إنها جت هنا من الأساس، ومعرفش إن فيه قضية اترفعت عليا من الأساس..

عاد ينظر إلى مي، وانكسر صوته قليلا بعتاب: رفعتي عليا قضية خلع يا مي؟ للدرجة دي؟

ضحكت بسخرية، لكن عينيها كانتا ممتلئتين بالقهر: والنبي حبة التأثر دول وفرهم، لإنهم مش هيأثرو عليا..

ثبتت عينيها عليه بكره قالت من بين اسنانها: أنا بحتقرك يا رشدي ومش مصدقاك، إنت كداب، زي ماطول عمرك كنت بتكدب، وانا زي العبيطه بصدقك، وبقول رشدي مابيكذبش...

صمتت لحظة، ثم قالت: مش مصدقة ولا هصدق إنك ما بعتش أمك تهددنا.

صاح بصدق: والله ما بعتها!

ضيقت عينيها بشك: وحتى لو كنت فعلا صادق، ده برضوا مش هايغير حاجة! إللي عملته أمك كان سفالة ومش هعديه.

ابتلع ألمه، وسالها بصدق: طب أعمل إيه عشان تصدقي أن ما ليش يد في إللي حصل؟! وإن استحاله أسمح إن أي حاجة تمسكم، وأنا هحاسبها على كل حاجة عملتها معاكم؟!

نظرت إليه طويلا، ثم قالت: حتى لو أقسمت، مافيش حاجة هاتخليني أصدقك.

صاح بانفعال وكأنه يحاول إزالة تلك التهمة من عليه: مي، أنا لو كنت أعرف، مستحيل كنت أسمح لها تعمل كده، إنتِ عارفاني يا مي، أنا مش واحد ممكن يستخبى ورا أمه أو ورا عيلته...

اقترب منها خطوة، ثم تابع:وإنتِ أكتر واحدة عارفة أنا مين.

ضحكت  بألم ساخر: كنت فاكرة إني أعرفك، بس طلعت ماعرفكش، طلعت غبية.

رد برجاء صادق بعينين تلمع بدموع: مي، والله العظيم إنتِ ظلماني.

انفجرت فيه بغضب فهي لم تعد تتحمل تمثيله: ما كفاية كذب وتمثيل بقى! إنت إيه يا أخي؟! معقول فيه كده؟! مخلوق بالكذب! عمري ماشفت إنسان كده؟! كذاب، وملاوع، وعايش دور الضحيه..

توقفت لحظة، ثم قالت بقسوة: إنت زيك زي أهلك بالضبط، ماتفرقش عنهم في أي حاجة، بس إنت أسوأ وأقذر منهم يا رشدي..

أخذت نفسا عميقا، ثم تابعت بسخط لازع بشميزاز: على الأقل هما قذارتهم واضحة، لكن إنت بتخبي قذارتك ورا قناع. «كان غصب عني»، «ما كنتش أقصد»، «هما السبب»... كلام كل إللي زيك بيقولوه عشان يصعبوا علينا..

ثم نظرت إليه بثبات: لو إنت فعلا صادق في كلامك، ولو حتى واحد في المية، طلقني حالا، ساعتها يمكن أبصلك من غير ما أحس بالاشمئزاز.

نظر إليها للحظات يتأمل حديثها وغضبها الغريب الذي لا يفهم سبب، أخرج نفسا عميقا ثم قال: ماشي يا مي لو هو ده إللي هايرضيكي، أنا هعمله، بس أنا لازم أعرف ليه عايزة تتطلقي مني؟ وإيه إللي غيرك فجأة أوي كده؟

رفعت حاجبها بضجر: حاطط دي قصاد دي؟

أومأ مسرعا: لا والله بس أنا عايز أفهم.

قالت بتهكم: وتفهم ليه؟! بالعكس، أنا كده حاسة إني باخد حقي وانا شايفك متجنن عشان تعرف الاسباب.

رد بنبرة مهتزة بغلب: لو حقك هايتجاب بالطريقةدي،  بعذابي، أنا موافق بيه.

نظرت إليه من أعلى إلى أسفل، ثم أطلقت ضحكة ساخرة، وكأن إصراره على الحديث بهذه الطريقة أصبح يثير اشمئزازها أكثر مما يثير غضبها قالت وهي تهز رأسها بسخرية: إنت لسه مصمم تكمل في المسرحية البيخيه دي؟! نصيحة مني يا رشدي روح مثل بجد، هتبقى بارع.

نظر إليها بألم، وهز رأسه نافيا: أنا بقول الحقيقة يا مي وإللي يرضيكي أنا هعمله

تدخل حازم بحسم: يبقى تخرج بره، مش عايزين نشوف وشك تاني، وطلاقها هو ده إللي يرضينا. 

التفت إليه رشدي بنبرة ضعيفة حاسمة: ماشي، بس أنا مصمم إني أعرف أنا عملت إيه.

مي هتفت بغضب:  وانا مش هقولك.

رد بعند: وانا مصمم اعرف مش همشي قبل معرف.

هتف راشد بضجر: أطلع برة يا رشدي! وكفاية بقى لحد كده!

اعترض رشدي:يا جماعة، أنا من حقي أفهم!

حاتم بحدة:  مش من حقك أي حاجة.

ثم التفت رشدي إلى مي، وقال بنبرة حاول أن يخفي بها ألمه: على فكرة يا مي، طول ما إنتِ مش عايزة تقولي لي الحقيقة، طول ما أنا هفضل متأكد إنك بتحبيني وزعلانة مني، وعشان كده بتنتقمي..

صمت لحظة، ثم أكمل: كده كده هعرف الحقيقة والسبب، بس يكفيني إني همشي وأنا عارف إنك لسه بتحبيني عشان كده عايزة تجننيني.

رفعت عينيها إليه ببطء. بدا أنه استفزها بكلماته، فقالت بحدة: وأنا بقى هقولك يا رشدي، مش عشان إنت نجحت إنك تستفزني تؤ، بش الدكتور بتاعي قال لي إن طول ما أنا بفكر بالطريقة دي، يبقى أنا ماشية غلط، وأنا مش هاعيش تحت رحمة ذكرياتك المشوهة هقولك، تتاكد ان انا بكرهك وبحتقرك قد ايه..

ثم التفتت إلى والدها: بابا، لو سمحت أنا عايزة أتكلم مع رشدي لوحدنا.

نظر إليها حازم باستغراب: يعني إيه تتكلمي معاه لوحدكم؟ إيه إللي هتقوليه يعني؟ مش عايزانا نسمع؟

ردت برجاء: من فضلك يا حازم.

نظر إليها راشد للحظات، ثم تنهد: ماشي يا مي ماشي.

ثم أشار إلى الداخل: يلا.

اعترض حاتم:  هو إيه إللي يلا؟

راشد: أسمع الكلام يا حاتم يلا معايا.

وبالفعل، تحركوا جميعا إلى الداخل، بينما بقي رشدي ومي وحدهما في المكان.

تأكدت مي أنهم دخلوا إلى الداخل، فأخذت نفسا عميقا، ثم التفتت إليه.

كان رشدي ينظر إليها بصمت، منتظرا أن تتحدث ان تخرج ما في قلبها، حاولت أن تهدأ وتجمع شتات نفسها، ثم قالت: طبعا إنت بتسأل نفسك أنا ليه فجأة، بعد كل إللي كان بينا، اتغيرت؟

صمتت لحظة، ثم تابعت بصوت يحمل مرارة واضحة بخذلان: عارف يا رشدي أنا مش هنكر إني توقعت إنك شخص قذر، وإنك عملت حاجات غلط وحرام كتير في ماضيك، شربت خمر، لعبت قمار، عملت علاقات محرمة مع ستات، غير المخدرات، بس بصراحة، ماتوقعتش إنك بالجحود ده..

ابتلعت غصتها المرة بصعوبة: ماتوقعتش إن حقدك على أخوك، والمعاملة إللي كنت بتتعامل بيها زمان، توصلك إنك تعمل إللي عملته ده..

ابتلع ريقه، تبدلت ملامحه بتعجب تسال: عملت إيه؟

اقتربت منه خطوة بسخرية ساخطة: بلاش استعباط، أنا عرفت كل حاجة، مش أنا بس، حتى سليم عرف كل حاجة.

في تلك اللحظة، تصلب جسده، وشعر بقشعريرة غريبة داهمت معدته حاول أن يستوعب ما الذي يمكن أن تكون هي وسليم قد عرفاه، لكنه كان لا يزال يحاول ألّا يصدق أنها عرفت الحقيقة المره التي ظل سنوات يحاول يخفيها.

قال بصوت متوتر: تقصدي إيه يا مي؟

ابتسمت بسخرية، واقتربت خطوة أخرى حتى توقفت أمامه مباشرة: أقصد إللي إنت فهمته، عرفت بالحادثة إللي عملتها، وتهديدك لماسة، وقضية الزنا إللي لفقتهالها، وانك كنت عارف وسكت، وخنقك ليها عشان ماتتكلمش وتحكي لي لما هددتك، عرفت كل حاجة، كل حاجة، السر الكبير انكشف..

ارتجف جفن رشدي قليلا، لكنها لم تتوقف، بل واصلت بنبرة موجوعة، تحاول ألّا تضعف إلّا تسمح لدموعها بالانهمار: ده غير خيانتك ليا يا قذر، مع نورهان قبل فرحنا بيوم، ويوم ماكتشفت إنك مدمن، والناس إللي قتلتهم، وماسة إللي حاولت تتحرش بيها، والبنات إللي اغتصبتهم..

اقتربت منه أكثر بنظرات تمتلئ بلاحتقار والوجع أضافت: عرفت كل حاجة عن ماضيك الوسخ، ومش بس الماضي، حتى الحاضر بتاعك.

ظل رشدي ينظر  لها للحظات غير مستوعب ما يسمعه، اقترب منها فجاه وأمسك كتفها وقربها منه بعنف بنبرة متلعثمة: إنتِ بتقولي إيه؟! سليم عرف إيه؟!

نزعت يده عنها بضجر، ونظرت إليه باحتقار قالت من بين أسنانها: هو ده إللي همك؟! خايف من سليم؟

أومأ سريعا بنفي، وعيناه تحملان دموعا لا يعرف من أين جاءت قال مفسرا: لا يا مي أنا مش خايف من سليم، أنا كنت خايف عليك إنتِ، خايف إنك تعرفي فخسرك،  كنت بحارب عشان ماتعرفيش، بس بعد ما عرفتي، خلاص مبقاش فيه إللي أخاف منه..

نظرت إليه بمرارة غاضبة: طيب، أديك عرفت السبب إللي خلاني اكرهك وطلب الطلاق، ممكن بقى تطلقني؟

هز  رأسه بسرعة: بس إنتِ لازم تسمعي دفاعي.

ضحكت بسخرية ممزوجة بالألم: أسمع دفاعك؟! هو إنت أصلا عندك دفاع؟! هتقول إيه؟! هتقول إيه يا قذر بعد كل إللي عملته؟!

حاولت أن تحبس دموعها، لكن الصمود الذي كانت تخفيه خلف قواها الكاذبة بدأ ينهار، اغرورقت الدموع في عينيها، وأهتز صوتها وهي تقترب منه وتضربه على كتفه بغضب: هاتدافع عن نفسك تقول إيه يا بجح؟! هتقول إيه؟! فهمني!هو إنت ممكن تقولي حاجة واحدة تخليني أقتنع بكل القرف والقذرة إللي عملتها؟

أمسك يدها محاولا تهدئتها محاولا الدفاع عن نفسه أيوه وعندي، ولاظم تسمعيني 

  نزعت يدها منه بعنف، فابتلع غصته، وقال وعيناه تلمعان بالدموع، بنبرة مبحوحة تحمل محاولة يائسة للتفسير تابع: أنا عملت كده غصب عني ما كانش بمزاجي، بعدين كل إللي حصل كان في الماضي، قبل ماعرفك، قبل مايبقى عندي حد بحبه ويحبني ويحسسني إن حياتي ليها معنى، صدقيني يا مي، لو كنت عرفتك زمان، ما كنتش هعمل كل ده.

ردت وهي تبكي باشمئزاز: كل إللي زيك بيقولوا كده.

أومأ من بين دموعه بإصرار: لا يا مي، أنا وقتها كنت زي الأعمى، مش عارف أفكر، كرهي لسليم كان عاميني، وكان هو إللي بيحركني فايزة كمان شجعتني لما وافقت، أنا وقتها  كرهي لسليم كان المحرك الأساسي والله غصب عني وندمت..

صرخت فيه بغضب، وصاحت بنبرة مبحوحة: غصب عنك! تتفق على قتل أخوك؟! كان غصب عنك برضوا لما أخوك خرج من العربية سليم هو ومراته؟! ولما شوفتهم بيتذبحوا ماتدافعش عنهم؟!

رامقته من لأعلى لإسفل بإشميزاز بتقول: ندمت يا كداب..

دفعت صدره بيديها وهي تبكي وتصرخ بيه بغضب: إنت لو ندمت، كنت وقفت، كنت حاولت تصلح إللي عملته، بس إنت ماستكفتش! إنت كملت في أذاك يا رشدي، وفضلت تهدد في ماسة! روحت ضربت أبوها بالعربية، وهددتها بقتل إخواتها واغتصاب أختها... وبتقول ندمت وغصب عنك مافيش مبرر في الدنيا يخليك تعمل نص إللي عملته في سليم وماسة..

اهتز صوتها أكثر: ده سليم لو كان قتلك قتيل، ماكنتش هتعمل كل إللي عملته؟! طب ماسة ذنبها إيه؟! ذنبها إيه؟! في كل ده؟!

حاول مقاطعتها بتبرير: كل ده كان في الماضي يا مي، مش من حقك تـ...

اتسعت عيناها بصدمة، وضربته على صدره بقوة صاحت بعنف: مش من حقي إيه؟! هو إيه إللي مش من حقي يا حيوان؟! إنت مجنون؟! هو إللي عملته ده طبيعي؟! ويبقى مش من حقي أحاسبك عليه؟!

شهقت وهي تبكي: إنت حاولت تقتل أخوك ومراته الحامل! عارف يعني إيه؟! أخوك سندك! مهما كان إللي اتعمل فيك وإنتوا صغيرين، ده مايخلكش تفكر بالطريقة القذرة دي،  يا عديم الرحمة والإنسانية، هو برضوا ماكانش ذنبه اللى اتعمل فيك؟! هو كان مسكين زيك بالضبط!

ارتجف صوتها أكثر بأنين  هي تضع يدها على قلبها بوجع: طب ماسة ماصعبتش عليك؟! إزاي شفتهم بيغرزوا السكينة في بطنها وهي حامل وسكت؟! إزاي؟! هتجنن وأنا بحاول أستوعب إزاي شفت كل ده وهان عليك! ماعندكش قلب للدرجة دي؟! الواحد لو شاف واحد بيضرب كلب ولا قطة قدامه بيتجنن وبيعمل مشكلة ما بيقدرش يستحمل، إنت تشوف واحدة ست حامل بتطعن وتقف تتفرج.

قاطعها بتبرير غاضب: كانوا كتير مكنتش هقدر اعمل لهم حاجه كنت هترمي جثه جنبهم 

صاحت بغضب بشميزاز: خوفت على نفسك يا جبان يا عديم الرجولة، أتفو عليك وعلى إللي زيك..

رمش رشدي بعينيه، وقد اغرورقت عيناه بالدموع، وظهر الضعف جليًا على ملامحه، لم يعرف ماذا يرد أو ماذا يقول، فلم يعد لديه أي دفاع.

شهقت وهي تحاول التقاط أنفاسها، ثم تابعت بمرارة: طب لو كل ده من الماضي يا رشدي وانتهى، زي مابتقول؟! خيانتك ليا كانت ماضي برضوا؟! لما رحت نمت مع نورهان قبل فرحنا بليلة، بليلة واحدة، يا قذر! ده كان في الماضي قبل ماتعرفني؟

صمتت للحظة، ثم اقتربت منه خطوة، وسألته بعينين دامعتين:  ها؟ لا... دي كانت بعد ماعرفتني إيه مبررك؟ وقتها ها رد!

خفض عينيه إلى الأرض، عاجزا عن مواجهتها، وظهر الخجل والانكسار واضحين على ملامحه.

رفعت عينيها إليه، والدموع تنهمر على وجهها، ثم أضافت بصوت يرتجف من الوجع: ولما رفضت أسمعك، رحت خنتني تاني معاها! إيه؟ كنت بتعاقبني عشان مارضيتش أسمعك؟!

أومأ بلا بصمت موجوع، عاجزا عن إيجاد كلمة واحدة يقولها، لكنها واصلت دون انقطاع: ولا عشان إنت كده؟!

مسحت دموعها بحسم وبكراهية: إنت ماتستاهلش لا المسامحة ولا المغفرة، ولا تستاهل إن حد يعيش معاك..

ثم ابتعدت عنه خطوة، وقالت بصوت مكسور:
إنت مكانك تبقى لوحدك وبس.

رفع عينيه إليها، وقد عصف به الوجع، وظل ينظر إليها بحزن وانكسار ممزوج بندم والاعتذار.

رأت في عينيه اعتذارا وضعفا  لم تتحمله، فصرخت فيه وهي ترتجف من شدة الانفعال، حتى بح صوتها:
ماتبصليش كده! ماتبصش كده! ماتعملش فيها مسكين! إنت جبان، وقاتل، ومغتصب! وخاين..

شهقت وهي تبكي، ثم ضربت صدره بقبضتيها: إزاي عملت فيا كده؟! إزاي قدرت تعمل فيا كده؟!

انهارت دموعها أكثر: مافيش حاجة، مافيش حاجة غلط ماعملتهاش! ماسبتش حاجة واحدة، حاجة واحدة بس، أقدر أقول إني سامحتك عليها ماسبتش أي باب إلا ودمرته منه..

نظرت إليه بألم متساءلة بقهر متعجبه: كنت بتاخدني في حضنك وتبصلي إزاي؟! كنت بتبص دلي إزاي وإنت مخبي كل ده؟! قولي إنت ليك كام وش؟! كام وش يا رشدي؟!

وضعت يدها على صدرها وهي تبكي  قالت بقهر: أنا عملت فيك إيه عشان تعمل فيا كل ده؟! عملتلك إيه غير إني حبيتك وصدقتك؟! ووثقت فيك! وأديتك الفرصة مرة واتنين وعشرة!

ابتلعت غصتها بقهر، ثم تابعت: أمنتك على قلبي وثقتي! وقفت قدام الناس كلها عشانك! كلهم قالوا لي: «بلاش رشدي»... وأنا كنت بقول لهم: «لا... رشدي يستاهل الفرصة»

ضحكت من بين دموعها بمرارة: خليتني مكسوفة مكسوفة أقول لهم أنا ليه عايزة أطلق منك؟! عملت فيا كده ليه؟! ليه خذلتني؟!

ارتعش صوتها بضعف: ماسبتنيش في عالمي ليه؟! ليه عشمتني وخليتني أصدقك وأؤمن بيك؟! ليه خنتني؟! ليه عملت كده؟! فين كان عقلك وضميرك وقتها؟! للدرجة دى ماعندكش قلب..

ثم رفعت عينيها إليه، وقالت بصوت متهدج يحمل كل الوجع الذي عاشته معه: عمري ما هسامحك في حياتي، لا على إللي عملته فيا، ولا على كل الوجع إللي إنت السبب فيه، إنت خلتني أبطل أصدق في الحب، خلتني أبطل أصدق الناس، وبطلت أصدق إن حد ممكن يتغير...

شهقت، ثم قالت: قتلت ثقتي، قتلتني وأنا عايشة، خليتني أفضل عايشة مجرد نفس وخلاص، منك لله.. منك لله

نظرت إليه بكره صريح وهي تتك على كل كلمة: أنا بكرهك، بكرهك وبحتقرك، وبكره كل ثانية صدقتك فيها، وكل ثانية عشتها معاك.

كان يستمع إليها بصمت موجوع، فلم يكن هناك رد واحد يستطيع قوله، كانت عيناه تزرفان بالدموع، وقلبه يهتز من شدة الحزن والندم فكل كلمة تنطق بها كانت محقة، هو ظلمها، وخانها، ووجعها، وكسرها، وفعل بها أشياء لا يملك أمامها أي مبرر.

رشدي، الذي كان دائمًا يملك إجابة لكل شيء، يملك مبررا لكل خطأ، وقف أمامها هذه المرة عاجزا، كطفلٍ لا يعرف ماذا يقول؟! فقط ينظر إليها، بينما الألم يعصف بداخله..

يدرك أنه يخسرها أمام عينيه، وأن كل ما فعلته به الحياة لم يكن شيئًا أمام اللحظة التي اكتشف فيها أنه هو من أوصل المرأة الوحيدة التي أحبته بصدق إلى هذه الحالة.

ولم يعد يبحث عن دفاع، ولا عن شماعة يعلّق عليها أخطاءه كما كان يفعل من قبل، لم يكن يريد سوى شيء واحد: أن يعتذر لها، أن يخفف عنها ولو جزءا صغيرا من الوجع الذي كان هو سببه.

خرج صوته خافتًا مكسور: أنا آسف.

ضحكت من بين وجعها: آسف؟! آسف على إيه؟

أجاب بمرارة خجلا: عليهم كلهم... بس إنتِ لازم تسمعيني. اسمعيني لو مرة واحدة.

هزت رأسها بعنف: مش هسمعك، أي حاجة هاتقولها مالهاش مبرر عندي هاخدها وأرميها في الزبالة.

اقترب منها خطوة، وقال برجاء وضعف: صدقيني يا مي أنا مش عارف أنا خنتك ليه؟! ولا إزاي قدرت أعمل كده؟!  بس وقتها أنا ما كنتش الراجل إللي قدامك دلوقتي، أنا كنت شخص تاني، شخص ماكانش عارف قيمة إللي في إيده، ولا كان فاهم يعني إيه يكون عنده حد بيحبه وبيخاف عليه. 

سكت لحظة، ثم تابع بصوت مكسور صادق: أنا مش ببرر خيانتي، ومافيش أي مبرر يخلي إللي عملته صح، بس لما ببص لنفسي دلوقتي، مش قادر أفهم إزاي كنت قادر أعمل فيكي كده؟! أنا فعلا اتغيرت يا مي وعشان كده كل إللي بطلبه منك فرصة واحدة بس.

قاطعته بسخرية:  اتغيرت وفرصة؟!

أومأ بتأكيد يخرج بنبرة ضعيفه: أيوه، اتغيرت، دلوقتي مابقتش عايز غير فرصة واحدة، فرصة واحدة بس، هاخدك ونسافر، ونعيش حياة جديدة بعيد عن ماضي رشدي، حياة جديدة مع رشدي جديد. صدقيني..

نظرت إليه باحتقار: هو إنت لسه عندك وقت وبجاحة إنك تكمل في التمثيل؟

قال بسرعة من بين دموعه بصدق: مش تمثيل دي الحقيقة،  قولت لك كل إللي حصل، وإللي عرفتيه ده كان في الماضي، ماضي بندم وبلعن نفسه بسببه،  لكن دلوقتي كل حاجة مختلفة..

قاطعته بشدة: ماختلفتش.

اعترض بإصرار: اختلفت.

هزت رأسها، وقالت وهي تنظر داخل عينيه بتصميم: وأنا بقول لك: إنت هتفضل زي ما إنت، وحتى لو كلامك حقيقي، هو مش فارق معايا يا رشدي، أنا عمري ما هكون مع واحد زيك، اللي زيك ميستهلوش ربع فرصه، أنت مجرم خاين مجرد من الإحساس..
إللي زيك ما يعيشوش غير لوحدهم..

اقتربت منه وهي تبكي، ثم قالت باشمئزاز: هاتعيش وتموت لوحدك، ومش هاتلاقي حد يترحم عليك، ولا حتى يفتكرك، واللي هيفتكرك هيلعنك، ده أنا يا أخي، اللحظة إللي أنا واقفة فيها معاك دي قرفانة منك، مش قادرة أشم ريحتك، حتى نفسك بيخنقني..

مسحت دموعها بعنف، ثم تابعت: أوعى تفكر إني هحزن عليك، إنا هنساك. وهعيش حياتي، وهجوز، وصفحتك هتكون ماضي اتعلمت منه وانتهت، الواحد في حياته لازم يقابل شوية أشكال زيك عشان يتعلم منها..

أشارت إلى الباب بحسم: يلا، أطلع بره، مش عايزة أشوف وشك تاني، ولا حتى صدفة، وخليك راجل ومحترم لو مرة واحدة في حياتك... وطلقني..

ثم أضافت بصرامة وهي تشير باصابع: ولو ماطلقتنيش، مش فارق، هرفع عليك قضية خلع، وهروح لسليم وأقوله يحميني منك ومن عيلتك، وهطلع على الفضائيات وأحكي لهم كل قذاراتك..

أومأ بحزن، وعيناه تحملان وجعا واستسلاما:
مش محتاجة تعملي كل ده، هعمل لك كل إللي إنتِ عايزاه، بس أنا عايز أقول لك حاجة..

تنهد بألم، ثم اضاف بندم بدموع تهبط من عينه: أنا عارف إن مهما قولت الحكاية انتهت بينا، بس أنا والله حبيتك، حبيتك أوي، إنتِ كنتِ الحاجة الوحيدة الحلوة في حياتي، والسبب إللي كنت عايش علشانه، وخلاص راح مني..

سكت لحظة، ابتلع ريقه ثم قال بصدق: أنا ممكن أقولك إنهم أذوني، وإن إللي عشته وأنا صغير خلاني أبقى الشخص اللي بسببه عملت كل ده، وممكن أقولك إن أمي وأبويا زرعوا جوايا كره وحقد خلوني أعمل اللي عملته...

هز رأسه والدموع تنهمر من عينيه: بس لا، في الآخر، ده كله مش مبرر..

صمت لحظة، ثم تابع بصدق لاول مره يعترف بيه لنفسه قبلها: أنا إللي اخترت الطريق ده، وأنا إللي أذيت ناس ما كانش لهم ذنب في إللي حصل لي، وإنتِ أكتر واحدة ما كانش ليها ذنب..

نظرت إليه في صمت، بينما تابع بصوت مكسور:
أنا مش هقولك سامحيني، لإن حتى أنا مش عارف إزاي ممكن حد يسامح إللي أنا عملته، ومش هقولك إني اتغيرت عشان تصدقيني، لإن الكلام سهل وأنا أكتر واحد أثبت لك إن الكلام ممكن يبقى كدب..

سكت لحظة، ثم قال: بس الحاجة الوحيدة إللي مش بكدب فيها، إني حبيتك..واني بجد كان نفسي اتغير معاكي واكون انسان محترم..

أغمض عينيه للحظة، وكأنه يحاول منع نفسه من الانهيار: يمكن دي أول مرة في حياتي أحب حد من غير ما أفكر هكسب منه إيه؟؛ أو هاستخدمه إزاي؟! إنتِ الوحيدة إللي خلتيني أشوف نفسي وأكره الشخص إللي كنت عليه زمان..

ابتلع غصته بندم ممزوج بمرارة بقلب يعتصر من الالم: يا ريتني عرفتك قبل كل ده، بس الظاهر إن رشدي مكتوب له يفضل يدفع تمن كل حاجة عملها، ويفضل في الوحل..

ثم ابتسم ابتسامة موجوعة: علشان كده مش هطلب منك تفضلي، لو عايزة تطلقي، هطلقك، ولو عايزة تكرهي اسمي طول عمرك، من حقك..

صمت للحظة، ثم قال: بس صدقيني عمري ما هنسى إنك كنتِ أحسن حاجة حصلت لي، وأنا إللي بإيدي ضيعتها..

ظلت تنظر إليه والدموع تملأ عينيها، لكنها لم تلن، قالت بصوت خافت حاسم:  طيب أنا دلوقتي برضو مش عايزة أسمع لاندم، وتبرير، ولا عايزة أسمعك أصلا، عايزاك تخرج بره، ومش عايزة أشوف وشك تاني، ولا حتى صدفة..

تابعت بستهجان: وطلقني بقى عشان كل ما أفتكر إني لسه على اسمك، بحس إني كارهة نفسي.

مسح دموعه سريعا،ثم قال بصوت مرتجف مكتوم، خرج بصعوبة شديدة: حاضر هعملك اللي عايزة 

ظل صامتا لثوانٍ، يحاول أن يجمع شتات نفسه، أن  ينطق بها، لكن صوته خانه أكثر من مرة، ابتلع غصته بصعوبة، وحاول أن يتكلم، إلا أن الكلمات اختنقت في حلقه، كان يشعر وكأنه ينتزع قطعة من قلبه، أو يقتلع شريانًا من جسده بيديه كأنه  ليس ينطق بكلمه سهله في نطقها لكنها مريرة بشعورها، فكان أضعف من أن يقولها.

أغمض عينيه للحظة، ثم فتحهما ونظر إليها للمرة الأخيرة، وكأنه يحاول أن يحفظ ملامحها في ذاكرته، قبل أن يقول بصوت متهدج، بالكاد خرج من بين شفتيه: إنتِ طالق.

ارتعشت شفتاه، وحاول أن يخفي انهياره، ثم أضاف:
هفضل أحبك يامي ولعن الماضي اللي بسببه خسرتك... حاولي تسامحيني.

لم ينتظر ردها، استدار وتحرك نحو الخارج بخطوات ثقيلة، وكأنه يجر جسده جرا.

أما مي، فظلت واقفة في مكانها، موالية ظهرها له، تحاول بكل قوتها أن تمنع نفسها من الانهيار، حتى سمعت صوت الباب يُغلق خلفه عندها فقط انهارت كل مقاومتها.

سقطت على الأرض، وانفجرت في بكاء مرير، بكاء خرج من أعماقها، وكأنها كانت تحبس كل هذا الألم منذ سنوات.

وفي الخارج، كان والدها وإخوتها يقفون في الممر، وقد سمعوا كل شيء  أسرعوا نحوها.

اندفع راشد إليها، وجثا بجوارها وضمها إلى صدره 

بقوة، بينما وقف إخواتها حولها مذهولين، لا يزالون غير مستوعبين كل ما سمعوه.

أخذ راشد يربت على ظهرها وهو يقول بحزن:
خلاص يا بنتي... خلاص.

لكن مي لم تستطع الرد، كل ما استطاعت فعله هو البكاء أكثر، وهي تختبئ في حضن والدها، وكأنها للمرة الأولى منذ وقت طويل سمحت لنفسها أن تنهار.
♥️_____________بقلمي_ليلةعادل

سيارة رشدي

كان رشدي يقود بجنون، لا يكاد يرى الطريق أمامه من شدة الدموع التي غطت عينيه، يضغط على دواسة البنزين بقوة، بينما قبضتاه تعتصران عجلة القيادة حتى ابيضت مفاصل أصابعه، وأنفاسه تخرج متقطعة، مضطربة، وكأن صدره لم يعد يتسع لكل هذا الألم، لم يستطع أن ينسى كلمة واحدة مما قالته مي.
"إزاي عملت فيا كده؟! ليه مسبتنيش في عالمي منك لله"

ارتجفت شفتاه، وانهمرت دمعة ساخنة على خده وقال بصوت مبحوح: أنا ما كنتش عايز أوصلك لكده يا مي...

لكن صوتها عاد إلى رأسه من جديد: «خليتني أبطل أصدق في الحب... خليتني أبطل أصدق الناس، وبطلت أصدق إن حد ممكن يتغير.»

شهق، وشد على المقود أكثر، كانت الجملة تطعنه دون رحمه

هو بالفعل تغير أو هكذا ظن، فمنذ أن عرف مي، وبدأ يحاول أن يتوقف عن كل شيء كان يدمره، لأول مرة في حياته كان هناك شيء يريد أن يعيش من أجله، شيء يخاف أن يخسره، امرأة جعلته يرى نفسه بطريقة مختلفة..

كانت الشيء الوحيد الجميل الذي حدث له، الشيء الوحيد الذي جعله يريد أن يصبح أفضل.

والآن، خسرها، بسبب كل ما فعله، بسبب الماضي الذي عاد ليطارده..

وبسبب سليم.

لحظة سكوت، تغيرت ملامحه فجأة، رفع عينيه إلى الطريق، وشيء مظلم بدأ يتشكل داخله.

**- "سليم"**، هو الذي كشف الحقيقة لمي، هو الذي جعلها تعرف كل شيء عنه، لكن الفكرة لم تتوقف عند ذلك.

بدأ عقله يعود إلى الماضي، إلى الكراهية التي زُرعت داخله منذ طفولته، إلى كل مرة شعر فيها أن سليم أخذ منه شيئا، وكل مرة خسر فيها شيئا، وكل مرة تحول فيها غضبه إلى حقد، وكل مرة اتخذ فيها قرارا أسوأ من الذي سبقه.

- «كرهي لسليم كان عاميني...»

كانت هذه الجملة التي قالها لمي قبل قليل تدور في رأسه لكن شيئا ما انقلب داخله، لم يعد يسمعها كاعتراف بل بدأ يسمعها كاتهام، خرج صوته خافتًا وهو يهمس لنفسه:

أيوه إنت السبب..

ضغط على أسنانه وقال بغضب مكتوم: كل ده بسببك.

تسارعت أنفاسه، بدأ يصدق الفكرة، لو لم يكن سليم موجودا، لو لم يكرهه، لو لم تبدأ تلك الحرب بينهما

لو لم يكن موجودا، لما أصبح ذلك الشخص، لما كان ليقتل، لما ليؤذي، لما كانت مي الآن تبكي بسببه.

ضرب المقود مرة أخرى، ثم صاح بجنون وصوته يرتج: إنت السبب في كل حاجة!

ارتد صوته داخل السيارة: كل وجع، كل مصيبة، كل حاجة حصلت لي، إنت السبب فيها!

توقفت دموعه للحظة، وحل مكانها شيء آخر.
غضب بارد، غضب جعل عينيه تشتعلان بشرارة خطر.

تذكر نظرة مي الأخيرة إليه وهي تقول له إنها ستنساه، وستعيش حياتها، وستتزوج، وأنه لن يكون سوى صفحة من الماضي.

جز على أسنانه وعيناه غامت بسواد خطر وقال بتوعد:مش هسيبك تاخدها مني، وتدمرني وتمشي كأنك ما عملتش حاجة.. هقتلك..

ضغط على دواسة البنزين أكثر، ولم يعد يعرف إن كان ذاهبا للانتقام من سليم، أم ذاهبا ليعاقب الشخص الذي أقنع نفسه بأنه السبب في كل خراب حياته.

مد يده إلى هاتفه، وأجرى اتصالا بسليم وجدها مغلق زفر بغضب، ثم قام بالاتصال بمكي.

على إتجاه آخر 

كان مكي لا يزال متوقفا في الحديقة، شاردا في الحديث الذي دار بينه وبين سليم، حين رن هاتفه.

نظر إلى الشاشى، وما إن رأى اسم رشدي حتى ضيق عينيه فرشدي متعجبا، لم يقوم بالاتصال به إلا كانت هناك مصيبة..

أجاب: إيه يا رشدي؟

جاءه صوت رشدي من الطرف الآخر، مشحونا بغضب مكتوم: إنتوا فين؟

تغيرت ملامح مكي قليلا، وسأله بحذر: ليه؟ فيه حاجة؟

رد بضجر: أنا عايز سليم.

صمت مكي للحظة، ثم قال: عايز سليم في إيه؟

جاءه صوته أكثر حدة: مكي، خلصني هات عنوان الفيلا؟

نظر مكي أمامه، ثم سأل: انت عايز تيجي فيلا؟

رد بغضب شديد: أيوة ماتخلص.

صمت مكي للحظات وهو يفكر، يعرف رشدي جيدا، ويعرف أنه لم يكون بكل هذا الإصرار من أجل أمر عادي، نبرة صوته كانت تحمل شيئا غريبا، شيئا جعله يشعر بأن هناك مصيبة على وشك الحدوث.

تنهد، ثم قال بحذر: طب استنى، هابعتلك اللوكيشن.

أغلق مكي المكالمة، وظل للحظات ينظر إلى الهاتف، ثم رفع عينيه نحو الفيلا، ثم تحرك إلى الداخل بخطوات سريعة، حتى وصل إلى مكتب سليم.

طرق الباب، ثم دخل دون انتظار كان سليم يجلس خلف مكتبه، رفع عينيه عن الأوراق التي أمامه، ونظر إليه باستغراب: فيه إيه يا مكي؟

اقترب منه وقال مباشرة: رشدي كلمني.

توقفت يد سليم عن تقليب الأوراق: رشدي؟

اومأ: أيوة، عايز يعرف إحنا فين، وعايزك بس صوته مايطمنش.

ظل سليم صامتا لثوانٍ، وكأنه كان يتوقع تلك اللحظة منذ فترة.

ثم قال بهدوء: أديله العنوان.

نظر إليه باستغراب: نعم ابعتله العنوان؟

أومأ ببساطة: أيوة.

بتعجب: متأكد؟

رفع عينيه إليه، وقال بثبات: أممم خليه ييجي.

مكي بتوتر: بس يا سليم رشدي مش جاي في خير بنسبة كبيرة  هو جاي يقتلك.

عاد بظهره إلى مقعده، وقال بهدوء وكأنه كان يتوقع الأمر منذ البداية: عارف، كدة كدة المقابلة دي كانت هتحصل، خليه ييجي، ونخلص من لعبة القط والفار.

نظر إليه مكي بقلق، ثم قال: طب مانخلي المقابلة دي تحصل في مكان تاني؟

رفع عينيه إليه، وقال ببساطة: مش هاتفرق كتير مكاني مش سر، وهو هيعرف يجيبه في كل الأحوال. أبعت له العنوان وخليه ييجي.

ظل مكي ينظر إليه للحظات، ثم أومأ بعدم رضا:
طيب.

أخرج هاتفه، وأرسل الموقع إلى رشدي، ثم رفع عينيه إلى سليم مرة أخرى، بينما ظل سليم هادئا بشكل غريب، وكأنه لا ينتظر إلا لحظة وصوله.

مكي بصوت منخفض: خلاص العنوان اتبعت.

أومأ سليم: تمام.

رفع سليم هاتفه، ثم أجرى اتصالا بماسة، في غرفتها، كانت ماسة تجلس بجوار حور على الأرض، تساعدها في رسم بعض الأشكال، بينما كانت سلوى تجلس معهما تراقبهما بابتسامة.

رن هاتف ماسة، فنظرت إلى الشاشة، وما إن رأت اسم كراميل حتى ابتسمت وأجابت: إيه يا حبيبي؟

جاءها صوته هادئا: بقولك إيه يا حبيبي، ماتخرجيش إنتِ والبنت بره الأوضة خالص، وماتخليش حد كمان من إللي عندك ينزل.

ضيقت عينيها باستغراب: ليه يعني؟

صمت لحظة، ثم قال ببساطة: رشدي جاي.

تغيرت ملامحها فورا بقلق: جاي يعمل إيه؟

اومأ بكذب: مش عارف، تقريبا جاي يكلمني على مي وإللي حصل.

ابتلعت غصتها بشك: إنت متأكد؟ ممكن يكون مي حكت له، وجاي في شر.

رد مسرعا: لا، لا، كلمني وصوته كان جدا، وأنا اديته العنوان وقزلت له تعالى.

تنهدت بتوتر: أنا مش مطمنة، رشدي قلبه أسود.

ضحك ضحكة خفيفة كي يطمئنها: بقول لك يا بنتي جاي يشتكيلي همه، أهم حاجة إنتِ والبنت متخرجوش، وماتخليش حد ينزل، أهم حاجة البنت طبعا هم لسة ما يعرفوش حاجة.

نظرت ماسة إلى حور، ثم قالت باستسلام: طيب خلاص... ماشي، حاضر بس اوعدني تاخد بالك من نفسك ها متعملش اي حاجة تعرضك لاخطر.

صمت لوهله ثم قال: حاضر.

أغلق سليم المكالمة، ثم وضع الهاتف أمامه، ورفع عينيه إلى مكي، الذي كان يجلس قبالته بملامح عميقة.

مكي بضيق: والله أنا مش عارف إنت بتفكر إزاي.

رفع سليم حاجبه: فيه إيه

رد باستهجان: إللي هيحصل ده ممكن يبقى خطر، وإنت قاعد كأن مفيش حاجة.

أخذ سليم نفسا هادئا، ثم قال: إللي هيحصل ده كان هيحصل عاجلا أو آجلا، يحصل دلوقتي أحسن.

صمت لحظة، ثم أضاف بنبرة حاسمة بتعب: أنا عايز اقفل من كل الدفاتر القديمه، عايز آخد مراتي وبنتي وأمشي، عايز أنهي كل حاجة، بدري بدري.

نظر إليه للحظات، ثم سأله بقلق: طب سلاحك فين؟

أجابه بهدوء: مش هستخدم سلاح، ولا إنت كمان.

قاطعه بحسم: مش هاستخدمه، بس لو اضطريت هستخدمه، رشدي جاي يقتلك.

ابتسم سليم ابتسامة صغيرة، وقال: يا أهلا بيه.

على اتجاه  اخر في الغرفة 

أغلقت ماسة المكالمة، ثم عادت بنظرها إلى حور،
كانت حور منهمكة في رسمتها، فقالت لها ماسة بابتسامة: الله  رسمة حلوة أوي يا حور كملي يلا.

رفعت حور رأسها بحماس: هخلصها وأوريها لبابا.

ابتسمت ماسة: ماشي.

ثم التفتت إلى سلوى وقالت: بقول لك إيه، روحي  قولي لبابا وماما ماحدش ينزل تحت.

ضيقت عينيها متعجبه: في حاجة.

اومات بايجاب ثم قالت بحركه شفايف: رشدي جاي مش هينفع يشوف البنت ولا يشوفكم.

اتسعت عينا سلوى بقلق: رشدي؟!

أومأت: أيوة.

رفعت حاجبيها: جاي ليه؟

ضحكت بسخرية: يعني جاي عشان يشكي أحواله لسليم.

قلبت شفتيها باستهجان: ده من إمتى ده ان شاء لله؟ صمت للحظه تابعت بشماته: أحسن! خليه يدوق نفس إللي دوقهملكم، والله نفسي أنزل وأتف في وشه.

ضحكت ماسة: استني بس أما نشوف سليم هيعمل إيه؟! وبعدين كلنا هانتف في وشه، أهم حاجة روحي قولي لهم ماحدش ينزل، علشان ما ينفعش رشدي يشوفكم.

أومأت سلوى: طيب

هزت راسها بايجاب، كادت تهم بتوقف لكنها توقفت لحظة ونظرت إليها، وأضافت بسخرية بانزعاج: بس جوزك ده تنح بجد والله العظيم. صدقته،وإنتِ رايحة معاه!

ضحكت ماسة: يا بنتي أنا أصلا في أول أقسم بالله ما فهمت، بعدين بدأت أستوعب بقى وأفهم قولت أجارية إنتِ اللي غبية.

ضحكت سلوى: والله العظيم اترعبت!  

نهضت: يلا هروح أنا، حور ارسمينى معاكم

رفعت راسها: لا انت في الرسمه الجايه 

ضحكت: ماشي.

ثم خرجت من الغرفة، بينما عادت ماسة إلى مكانها بجوار حور، وأمسكت القلم من يدها، وبدأت 
تساعدها في إكمال الرسم.

قالت حور بحماس: بصي يا ماما، أنا هرسم هنا كمان.
شجرة..

ابتسمت ماسة: أرسمِي يا حبيبتي... براحتك.

ولم تكن ماسة تعرف أن تلك الرسمة الصغيرة التي تحاول ابنتها إكمالها الآن ستصبح بعد دقائق آخر شيء طبيعي في هذا المساء.
♥️____________بقلمي_ليلةعادل 
قصر الراوي8م.

غرفة ياسين ولوجين.

ما إن أغلق ياسين باب الغرفة خلفهما، حتى تنهد براحة، ثم ابتسم وهو ينظر إلى لوجين.

قال وهو يخلع ساعته: الحمد لله... كنت خايف نالا تزعل أو تغير لما تعرف.

ابتسمت وهي تجلس على طرف الفراش:
ليه يعني؟ نالا بنت هادية وسوية جدا، ومافيش أي حاجة تخلينا نحس إنها ممكن تغير من بيبي لسة مجاش.

وأومأ برأسه ثم قال بحماس: خلاص بقى،من بكرة نبدأ نجهز أوضة القمر الصغير.

عقدت حاجبيها بتعجب: أوضة إيه يا ياسين؟ هو إحنا هنفضل عايشين هنا؟

نظر إليها باستغراب: أمال؟

أجابت بحسم: لو هنجهز حاجة، تبقى في فيلتنا إنما هنا لا.

اقترب منها وجلس بجوارها: أنا كنت فاكر إننا هنستنى شوية.

قالت بهدوء: لو عايز تشتري كام حاجة وتفرح، ماعنديش مانع، لكن أنا مش ناوية أربي ابني هنا، إنت كمان بعد إللي إحنا عرفناه لازم يكون ده قرارك، أنا متأكدة إن إللي جاي هايكون حرب وأنا مش هحب أبدأ أربي ابني بأجواء زي دي..

صمت للحظات فأكملت وهي تنظر إليه بجدية:
لازم تبدأ تتكلم مع هبة، وتشوف حل لموضوع نالا.

تنهد وهو يسند ظهره إلى السرير: الموضوع مش سهل يا لوجين.
.
أومأت بتفهم: عارفة.

تنهد وهو يوضح لها: مهما كانت هبة غلطت، أنا مش من الآباء إللي ياخدوا بنتهم من أمها، نالا مالهاش ذنب، نفسي تكبر وهي حاسة إن عندها أب وأم محترمين بعض، مش إننا بنشدها بينا.

ردت بتعقل: وأنا مش بطلب إنك تاخدها منها، خليها تعيش معانا.

نظر إليها باستغراب: معانا؟

اومأت بإيجاب: آه... في الفيلا، الملحق موجود، وهبة تقدر تقعد فيه.، ونالا تبقى بينا طول الوقت.

هز رأسه ببطء: هبة هترفض.

اومات باعترض: مش هاترفض في الآخر، البنت هتبقى مع أمها، وفي نفس الوقت معاك، وبعدين هناك هيبقى زي القصر بالظبط.

ظل صامتا يفكر ثم قال: هشوف، هحاول أظبط الدنيا، أهم حاجة عندي دلوقتي نالا، وبعدها نقرر هننقل إمتى.

ابتسمت لوجين، ثم وضعت يدها فوق بطنها بحنان.
وأنا أهم حاجة عندي، إن ابننا ييجي على بيت كله راحة، بعيد عن أي مشاكل.

ابتسم ياسين، ومد يده يمسك يدها، وهو يشعر أن أصعب المعارك لم تبدأ بعد.

فيلا سليم،8 ونص مساء.

غرفة ماسة وسليم.

كانت حور قد انتهت أخيرا من رسمتها، ورفعتها أمام ماسة بحماس، بينما جلست ماسة إلى جوارها تتأملها بابتسامة: بصي الرسمة حلوة إزاي؟

اقتربت ماسة منها، وأمسكت الورقة تتأملها بإعجاب حقيقي: تحفه يا حوريتي.

أشارت حور إلى الرسمة بحماس: دي أنا وإنتِ والنونو وبابا وإحنا في البحر.

ابتسمت، وقبّلت رأسها: جميلة يا روحي انتي راسمتى نونو بنت عايزها بنت.

هزت رأسها: اممم  عشان اعرف اللعب معاها..

ثم أخذت الورقة منها، ثم قالت فجأة: أنا عايزة أروح لبابا أوري له الرسمة.

ردت بابتسامة: شوية كده.

هزت رأسها بإصرار: لا، هروح له دلوقتي علشان أعمل رسمة تانية فيها شمس وسمكة وبحر، وفيها فيل وأرنوب كمان.

مسحت ماسة على شعرها بحنان: ما هو دلوقتي عنده شغل كتير، مش هينفع تروحي له، استني شوية.

قطبت حاجبيها بضيق: لا.

ردت بجدية: حوري، أسمعي الكلام.

أومأت بعناد وعقدت حاجبها بغضب: لا... أنا عايزة أروح له دلوقتي، أنا أصلا هخليه يزعقلك عشان إنتِ مش بتخليني أروح له.

اتسعت ابتسامة ماسة رغما عنها: بابا هو إللي قال لي أخلي حور تسمع الكلام، وما أنزلكيش غير لما يخلص شغله.

عقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت بجدية طفولية: أنا هزعل منه يوم ويوم ويوم.

ضحكت ماسة: بابا بيحبك بي مشغول.

هزت رأسها بتزمر طفولي: إنتِ كمان زعلانة منك يوم ويوم ويوم؟

اتسعت عيناها بدهشه: طب أنا عملت لك إيه؟

مدت شفتيها: علشان مش عايزاني أروح لبابا، وأناوهخليه كمان يخاصمك يوم ويوم ويوم.

ضحكت ماسة وهي تهم بتوقف: أنا داخلة الحمام بس، وبعدها نشوف الكلام ده.

ثم أشارت إلى الشرفة الصغيرة المطلة على الحديقة: أقعدي هنا شوية، واتمرجحي لحد ما أرجع.

نظرت حور إلى الأرجوحة الصغيرة، ثم قالت بتذمر: أنا عايزة أروح أتمرجح برة.

ماسة بحسم لطيف: روحي اتمرجحي في المرجيحة دي قولتك برة لا.

زفرت: أووووف بقى!

لم تهتم ماسة لتزمرها، بينما ذهبت حور وجلست على الأرجوحة الصغيرة في الشرفة، وأخذت تتأرجح ببطء وهي ما زالت مقطبة جبينها.

وقفت ماسة عند الباب للحظة، ثم قالت بتنبيه: خليكي قاعدة هنا، وأنا هدخل الحمام وأرجع لك.

أدارت حور وجهها عنها وقالت وهي عاقدة حاجبيها: مش تكلميني... عشان أنا مخاصماكي يوم ويوم ويوم.

ضحكت ماسة: ماشي يا ستي، بس أقعدي مكانك وماتخرجيش من الأوضة، فاهمة؟

أومأت حور.

دخلت ماسة إلى الحمام بعد أن أغلقت باب الغرفة بالمفتاح، فهي تعرف أن حور، بحماسها المعتاد، قد تحاول الخروج والبحث عن والدها، لدون أن تنتبه أنها تركت الباب الزجاجي المطل للحديقة مفتوحا.

أما حور، فظلت جالسة على الأرجوحة، تدفع نفسها بقدميها ذهابا وإيابا.

وفي تلك اللحظة... على الجانب الآخر من الفيلا،

توقفت سيارة رشدي أمام البوابة الخارجية للفيلا فجأة، وأخذ يضرب على الكلاكس بجنون، صوته يمزق هدوء المكان، وهو يصرخ: أفتحوا الباب! أفتحوا الزفت ده!

ارتبك حارس البوابة وهرع احد يلتقط هاتفه ويتصل بالداخل: سليم بيه، رشدي بيه وصل وبيزعق على الباب!

جاءه الصوت من الداخل: دخله.

اوما بايجاب ثم أعطى لهم إشارة، ففتحت البوابة الإلكترونية ودخل رشدي بسيارته بسرعة إلى الداخل.

بينما على إتجاه آخر.

 كان سليم قد أغلق الهاتف بهدوء، ونظر إلى مكي الواقف بجواره: وصل.

أومأ مكي برأسه، وتحرك بخطوات ثابتة ليستند إلى الحائط **بجوار الباب**، ذراعاه متشابكتان، مستعد للتدخل في أي لحظة.

نظر له سليم باستغراب: إيه إللي انت عملته ده؟ وقفت عندك ليه

مكي بنبرة لا تحمل نقاش: ده شغلي، لحد هنا ومالكش دعوة.

تبسم سليم ببرود: تمام.

في الخارج 

 كان رشدي قد وصل للداخل، أوقف السيارة بعنف أمام مبنى الفيلا، ثم ترجل من سيارة وصفق الباب خلفه بقوة.

كان الغضب يعصف بملامحه، وعيناه محمرتان من شدة الانفعال والبكاء الذي لم يتوقف منذ خروجه من عند مي.

مد يده إلى خصره، سحب مسدسه، ثم اندفع إلى الداخل بخطوات سريعة، لم يحاول حتى أن يخفي نواياه، كان يريد سليم.

في تلك اللحظة..

كانت حور ما تزال جالسة على الأرجوحة الصغيرة في الشرفة، وفجأة، لمحت من بعيد سيارة توقفت أمام مبنى الفيلا.

توقفت عن الحركة، ورفعت رأسها بفضول، ثم اتسعت عيناها بسعادة عندما رأت رشدي يهبط من السيارة.

هتفت بسعادة: رشددددي!

قفزت من مكانها بحماس، ولوحت بيدها وهي تناديه، لكن المسافة كانت كبيرة ولم يسمعها.

ركضت حور نحو باب الغرفة، وأمسكت المقبض وحاولت فتحه. أدارته مرة، ثم مرة أخرى، لكن الباب لم يتحرك. فصاحت: أفتح بقى!

وفي الوقت نفسه...

كان رشدي قد وصل إلى باب مبنى الفيلا، وبدأ يطرق عليه بعنف.

فتحت له الخادمة، فدخل إلى الداخل وهو يصرخ بصوت رجولي هز أرجاء المكان: سليم!

اقتربت الخادمة وهي تشير بيدها بتوتر: هو في مكتبه.

أندفع رشدي نحو المكتب ودفع الباب بقوة حتى أرتطم بالحائط.

كان سليم جالسا على مكتبه بهدوء غريب، وكأن شيئا لم يكن.

ورغم أن رشدي كان يمسك مسدسه والغضب يكسو ملامحه، إلا أن هدوء سليم كان أشد استفزازًا.

توقف رشدي عند الباب لثوانٍ، ثم رفع مسدسه ووضع إصبعه على الزناد، وأتجه نحوه بخطوات بطيئة وهو يهتف بتهكم: قاعد هنا كده ولا على بالك؟
حينها فقط، رفع سليم عينيه ببطء نحوه لكنه ظل ثابتًا في مكانه، رد بهدوء مستفز: كنت مستنيك.

وفي نفس اللحظة، كانت عينا مكي معلقتين على رشدي، واقف في مكانه بجوار الباب لا يتحرك، عضلاته مشدودة، مستعد للانقضاض والتدخل في أي لحظة إذا تهور رشدي لكن رشدي لم ينتبه لتوقفه.

ضحك رشدي ضحكة قصيرة خالية من أي فرحة، ثم اقترب أكثر: مستنيني؟

رفع المسدس أمام عيني سليم مباشرة ، وصوته يرتجف من شدة الغضب قائلاً من بين اسنانه: إنت عارف أنا جاي ليه؟

مالت شفتي سليم بابتسامة باردة تقتل أكثر من الرصاص التي يهدده بيها شدي، ثم نهض وتحرك ببطء حتى وقف أمام فوهة المسدس، وكأنه لا يراه.

قال بنبرة متملكة ثابته بشكل يحبس الانفاس:
طبعا عارف، أوعى تكون فاكر إنك جاي هنا بمزاجك، أنا إللي جايبك لحد عندي، أنا إللي برسم الخطوة والكلاب إللي زيك هي إللي بتمشي عليها، بس إنت غبي... مابتتعلمش الدرس.

ارتجفت شفتي رشدي بالغضب، خانته دموعه قبل صوته، اقترب خطوة، ثم صاح بوجع رجل خسر آخر شيء ثمين لديه: ليه يا سليم؟! ليه خدت مني آخر حاجة كانت مخلياني بني آدم؟! لية خدت مي، خدت عيلتي؟! دمرت حياتي كلها يا سليم!

أشار سليم بيده بضجر بارد: أنا عملت فيك نفس إللي إنت عملته فيا دوقت من نفس الكأس.

هنا قلب رشدي وجهه بشر غريب، واشتد قبضته على المسدس حتى أبيضت مفاصله، ورفع ذراعه في إتجاه سليم، وصوت طقة التعمير هز المكتب كله

صرخ بجنون وعيناه محمرتان من الدموع والغضب: أنا مش هسيبك تطلع من هنا عايش! ده آخر يوم في عمرك يا سليم، وربنا ما هتطلع من هنا حي، أنا هقتلك!

كاد أن يضغط على الزناد، لكن في نفس اللحظة اندفع مكي من جانبه، وقبض على معصمه بيد من حديد، ولوى ذراعه إلى أعلى بعنف، فأفلت المسدس من يد رشدي وسقط على الأرض بعيدا.

ألتفت رشدي إليه بعنف، ولف ذراعه محاولا الإفلات، ثم وجه له لكمة قوية في وجهه.

 أمسك مكي بذراعه قبل أن يوجه الثانية، بينما اندفع سليم  وقذفه المسدس بعيدا بركلة من قدمة.

بينما دفع رشدي مكي بكل قوته للخلف، فترنح  خطوة للخلف فداسَت قدمه فوق المسدس الواقع على الأرض فانزلق، وفقد توازنه وارتطم رأسه بحرف المكتب الرخام بعنف وسقط أرضا.

تجمد سليم للحظة، ثم أسرع نحوه وهو يصيح بخوف: مكي!

كان مكي فاقدا للوعي، والدماء بدأت تسيل من جانب رأسه.

انحنى سليم بجواره محاولا إفاقته، لكن رشدي استغل اللحظة وانقض عليه.

حاول سليم إبعاده، إلا أن رشدي باغته بلكمة قوية في وجهه، فتراجع وسقط إلى جوار مكي.

ثم إنحنى رشدي بسرعة محاولا الوصول إلى المسدس، لكن سليم مد قدمه وركله فأبعد، ثم نهض سريعا.

استدار رشدي إليه، وانقض عليه مرة أخرى.

اصطدم الأثنان ببعضهما، وبدأت معركة شرسة، بلا أي محاولة للتهدئة...

إنهال رشدي على سليم بضربات حاقدة، فرد عليه سليم بضربة أطاحت برأسه إلى الجانب، ثم أمسك بقميصه ودفعه بعنف حتى اصطدم بالحائط.

عاد رشدي إليه بعنف بكل قوته، وأمسكه من قميصه، ثم رفعه ودفعه بعنف، فطار سليم واصطدم ظهره الطاوله الخشبيه، فنكسرت الطاولة من المنتصف وسقط سليم وسط الخشب المتكسر.

وقف رشدي فوقه وهو يلهث، ثم انحنى وأمسكه من عنقه بخنقه بعينين لن تعرف الرحمه وهو يصيح: إنت السبب في كل اللي حصلي! إنت أخذت مني أغلى حاجة في حياتي! أخذت الحاجة الوحيدة إللي كانت ممكن تخليني إنسان محترم!

دفعه سليم بعيدا عنه بكل قوته حتى ترنح رشدي للخلف، وقف سليم وهو يميل للأمام ويضع يده خلف ظهره من أثر الوقعة، يلتقط أنفاسه بصعوبة، ومسح الدم من طرف فمه، ثم قال بغضب: وإنت فاكر إنك ما أخذتش مني حاجة؟! إنت أخذت مني ست سنين! سرقت مني ست سنين يا كلب! عرضتني أنا ومراتي للموت!

اشتعلت عينا رشدي قال بوعيد: هقتلك يا سليم!

واندفع نحوه، ثم مد قدمه فجأة وضرب سليم بقوة على قدمه التي كان يظن أنها مازالت مصابة 

لكن سليم ظل ثابتًا، اندهش رشدي.

تبسم سليم باستفزاز: هو أنا ماقولتلكش؟ عملت العملية وخفيت.

جز رشدي على أسنانه بغل اكبر، واندفع فيه كثور هائج، وبدأت المعركة هذه المرة، كان القتال أعنف بكثير.

لم يعد أي منهما يحاول التراجع، تحولت الغرفة إلى ساحة فوضى، والغضب المتراكم لسنوات ينفجر دفعة واحدة.

تبادلا الضربات بجنون، هوى رشدي بقبضته على وجه سليم فترنح الأخير، لكنه استعاد توازنه وردها بأخرى أصابت فك رشدي، ثم أمسكه من قميصه ودفعه حتى اصطدم ظهره بحافة المكتب: إنت السبب في كل إللي حصلي!

دفعه سليم بعنف بقدمه: إنت السبب في إللي حصلك، بسبب أنانيتك!

ألتقط رشدي المزهرية الثقيلة من فوق الطاولة وهوى بها على رأس سليم، حاول تفاديها لكنها أصابت جانب رأسه استغل رشدي ترنحه، وانقض عليه وأطبق بكلتا يديه على عنقه، ضغط بكل غله: هقتلك يا سليم! هقتلك وأخلص منك!

أحتقن وجه سليم وبدأ الهواء ينقطع عنه، حاول إبعاد يديه لكن قبضة رشدي كانت كالحديد، كان عينا  رشدي سوداتين بشكل مخيف لا يسمع لا يرى غير انتقامه

بينما بدات عروق رقبت سليم برزت وعيناه جحظتا وهو يقاوم،بدأت  نفاسة تزهق وهو مازال يقاوم، 

حتى جمع كل قوته وضرب رشدي في بطنه ضربة قوية أجبرته على إفلاته، تراجع سليم بظهر مسرعا وهو يسعل بقوة ويتنفس بصعوبة، حاول أن يسند ظهره على الحائط ليقف، لكن رشدي لم يمهله.

انقض عليه مرة أخرى الأسد المسعور، ركله بقوة في صدره فسقط سليم على الأرض، ثم جثا فوقه وأمسكه من قميصه ورفع قبضته بدا يهوى  بها على وجهه...

وفي الوقت نفسه، في غرفة ماسة وسليم.

كانت حور مازالت تحاول فتح الباب، لكنها لم تستطع.

عبست بضيق، ثم نظرت حولها، وكأنها تبحث عن حل، فوقعت عيناها على الكرسي الصغير الموضوع بجوار الحائط.

ابتسمت فجأة: عرفت!

سحبت الكرسي بصعوبة حتى أصبح أمام الباب الزجاجي، ثم صعدت فوقه، ومدت يدها إلى المقبض.
حاولت فتحه مرة، فلم يتحرك.

شدت عليه بكل قوتها، حتى تحرك المقبض أخيرا.

اتسعت عيناها بسعادة: فتحته!

نزلت عن الكرسي بسرعة، وفتحت الباب، ثم خرجت منه وهي تضحك: رشدي..!

كانت ماسة في تلك اللحظة مازالت داخل الحمام، بينما كانت حور قد خرجت من الغرفة دون أن تنتبه إليها.

ركضت حور في ممر الحديقة، وهي تمسك برسمتها بكلتا يديها.

كانت تريد فقط أن تصل إلى رشدي الذي اشتاقت إليه، تظن أنه جاء ليراها وقام بعمل لها مفاجأة.

وفي اللحظة نفسها، خرجت ماسة من الحمام وهي تنادي: حور؟

لم يأتها رد.

توقفت للحظة، ثم نظرت حولها: حور؟

لا شيء.

تقدمت نحو الغرفة، ثم اتسعت عيناها عندما وجدت الباب الزجاجي مفتوحًا: يا نهار أسود!

اندفعت نحو الباب، ونظرت إلى الخارج.

رأت حور تركض بعيدا في الحديقة: حور!

ركضت خلفها بأقصى سرعتها: حور! استني!

لكنها لم تسمعها، وظلت تركض وهي تضحك.

كانت ماسة تركض خلفها، وقلبها يخفق من الخوف: حور! أرجعي هنا!

لكنها كانت قد وصلت بالفعل إلى مدخل الفيلا
كان الباب مفتوحا.

دخلت إلى الداخل دون تردد، وهي تمسك رسمتها وتبتسم: بابا! رشدي..

وفي الجهة الأخرى من المكان...

كان مازال رشدي جالسا فوق سليم وبدأ يوجه إليه اللكمات المتتالية.

ضربة، ثم أخرى، ثم ثالثة.

رفع سليم ذراعه يحاول حماية وجهه، بينما كان رشدي يضربه بعنف: إنت خدت كل حاجة مني!

لكمة أخرى بعينين تحمل وجع وغضب: حب العيلة واحترامهم!

لكمة أخرى وهو يصيح بقهر: حتى مي، خدتها مني، دمرت حياتي! عملت كده ليه؟

صاح بغل وكرهية تخرج من عينه: هقتلك هقتلك وأخلص من لعنتك..

أمسك رشدي رأس سليم بكلتا يديه، وهو يهوي بها إلى الأرض بغل شديد، مرة ثم أخرى، حاول الثالثة، لكن سليم قاوم بكل ما بقي لديه من قوة، ودفعه من وجهه وهو يقرب اصابعه من عينه، فانقلب رشدي إلى جانبه.

استغل سليم اللحظة، وأمسك به ودفعه أرضا، ثم أصبح هو في الأعلى.

رفع قبضته، ووجه إليه ضربة قوية، ثم أخرى. كان غاضبا، مجروحا، ومشتعلا من كل ماحدث، لكنه رغم ذلك لم يكن يقاتل بعقلية القتل التي سيطرت على رشدي، فقط يدافع عن نفسه.

أما رشدي، فكان ينظر إليه بعينين ممتلئتين بالحقد والجنون: هقتلك يا سليم.. هدمرك زي ما دمرتني..

هنا قبض سليم على قميصه وهزه بعنف وصاح والدم يقطّر من شفته: ماتعملش فيها شريف! إنت كمان حاولت تقتلني أنا ومراتي!

ثم هزه مرة أخرى: إنت إللي بدأت، إنت إللي بعت أخوك عشان كرسي!

وهوى بقبضته مرة أخرى بغضب، وصاح في وجهه: رشدي أنا مش عايز أتغابى عليك، أنا عاهدت نفسي مش هقتل تاني.. بس إللي إنت بتعمله ده يخليني أقتلك فأمشي أحسنلك.

نظر له رشدي بسخرية ممزوجة بجنون وقال: يا قاتل يا مقتول يا سليم.

صرخ سليم من بين أسنانه بضجر: يبقى مقتول!

وفي تلك اللحظة، لم يعد أيّ منهما يسمع شيئا خارج تلك الغرفة.
لا صوت الفوضى.

لا حتى صوت العالم كله.

فقط صوت أنفاسهما المتقطعة... وصوت غضبهما.

رفع سليم قبضته وبدأ يهوي على وجه رشدي 

بضربات متتالية، وكأنه يتذكر كم السنوات التي سرقها منه رشدي بتهديده لماسة ومحاولته قتلهما، حتى نزف وجه رشدي، وتحول المشهد كله وأصبح بين يدي سليم بعد ما كان بين يدي رشدي.

وفي اللحظة نفسها جاء صوت طفولي من خلفه، مليء بالفرحة: رشدي!

تقدمت حور بخطوات صغيرة، تبحث بعينيها عنه.
وقعت عيناها عليه فأضاء وجهها بسعادة عارمة:
رشدي!

وفي اللحظة التي نطقت فيها الصغيرة باسمه، توقفت قبضة سليم في الهواء والتفتت نحوها ببطئ

تجمد كل شيء. استدار رشدي برأسه ببطء، كانت حور واقفة أمامه، تبتسم له بسعادة.

قالت بفرحة طفولية: رشدي... وحشتني! أخيرا جيت.

اتسعت عينا رشدي، توقفت أنفاسه.

نظر إليها وكأنه يحاول التأكد أن ما يراه حقيقي، وهمس:  جنة...؟

وفي اللحظة نفسها، كانت ماسة قد وصلت إلى باب المكتب، وهي تلهث من شدة الركض، نظرت بتعجب إليها ثم إلى رشدي، ثم عادت تنظر إلى حور.

أما سليم، فظل في مكانه، ويده ما زالت معلقة في الهواء، وعيناه مثبتتان على الطفلة بدهشة.

حتى مكي، الذي بدأ يستعيد وعيه، رفع رأسه بصعوبة ونظر إلى المشهد أمامه.

أربعة أشخاص، أربع صدمات مختلفة، لكن السؤال نفسه كان يصرخ داخل عقولهم جميعا:
كيف تعرف حور رشدي؟ وكيف عرف سليم مكانها.
تفتكرو ايه اللي هيحصل 



تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة