
رواية الماسة المكسورة 2 الفصل الثاني والاربعون 42 ج 2بقلم ليله عادل
أمام أحد المطاعم النيلية الفخمه،6م
هبط سليم وماسة وحور من السيارة بإطلالات أنيقة؛ ارتدت حور فستانا وردي وتركت شعرها منسدلا كما تحب، بينما ارتدت ماسة فستانا باللون نفسه، زاد من جمالها، مع بعض الإكسسوارات الرقيقة وشعرها المنسدل، وظهرت بطنها التي بدأت في البروز، أما سليم، فكان ببدلته الأنيقة، وفي سيارة أخرى، ترجلت سلوى ومكي؛ ارتدت سلوى فستانا بيبي بلو، وتركت شعرها منسدلا حول كتفيها، بينما بدا مكي أنيقا ببدلته، وانضمت إليهم والدة مكي وعائلة ماسة، الذين وصلوا في سيارة أخرى، وبالطبع، كان الحراس يحيطون بهم من كل جانب، وبدت العائلة في أبهى صورة.
استقبلهم مدير المكان بابتسامة رسمية: حمد لله على السلامة يا سليم بيه، اتفضلوا، كل حاجة جاهزة زي ما مكي باشا أمر.
ابتسم سليم بمزاح: أنا مليش دعوة، كلامك مع مكي، أنا جاي ضيف.
ابتسم مكي وتقدم قائلا: تمام، شكرا.
وبالفعل، دخل الجميع إلى المطعم.
كان المكان فارغا تماما، وفي منتصفه طاولة كبيرة وطويلة أشبه بمائدة احتفالية، وقد تزين المكان بالبالونات والورود، وكأنه أُعد خصيصا لهذا اليوم.
نظر مكي من حوله، وقد أعجبته الزينة، فقال برضا:
خلاص، تمام، كل حاجة تمام.
ثم سحب كرسيا لسلوى وأجلسها بجانبه، وبدأ الجميع في أخذ أماكنهم حول الطاولة.
سألته سلوى وهي تنظر حولها بإعجاب: أنت عملت كل ده إمتى؟
ضحك بخفه: دي حاجة بسيطة، المهم إنها عجبتك.
ابتسمت برقة: بصراحة عجبتني أوي.
وبدأت الموسيقى تعلو في أرجاء المكان، بألحان هادئة ولطيفة، بينما أخذ الجرسونات يضعون المقبلات الخفيفة والعصائر أمامهم.
نظرت حور إلى ماسة وسألتها بملل طفولي: هو إحنا مش هنعمل حاجة؟ هنفضل قاعدين كدة بس؟
ضحكت ماسة: لا، دلوقتي الأكل هييجي، وبعدين نرقص علي أغاني حلوة.
رفعت حور حاجبيها: بس كده؟
تبسمت ماسة وهي تطعمها مكسرات: أيوة، بس كده، أنتِ عايزة حاجة تانية؟
فكرت قليلا ثم أجابتها: هو بس مفيش عيال قدي ألعب معاهم.
مسحت ماسة خدها: لا، مفيش عيال قدك تلعبي معاهم، بس عادي، ممكن تلعبي مع بابا.
نظر سليم إليها بابتسامة: أيوه، أنا وإنتِ هنلعب مع بعض.
حور بطفولة وهي تزم شفتيها: طب يلا قوم ألعب معايا دلوقتي شوية قد كده 🤏
مال عليها وقبلها من خدها: استني شوية لما ناكل الأول.
أومأت برأسها: طب هاتلي آيس كريم مانجا وفانيليا وشوكولاتة.
مد يديه الأتنين وضم وجهها بين كفيه: بس كده؟ حاضر يا أميرتي.
ثم وضع قبلة خاطفة على شفتيها، ونادى الجرسون وأعطاه الطلب: وهات واحد تاني شوكلت على فراولة.
تبسمت ماسة بدلال: منسيتنيش.
أمسك يديها وقبلها: أنا أقدر أنساكي يا قطعة السكر؟
تبسما لبعضهما بحب، ثم بدأوا يأكلون المكسرات والشيبسي.
على إتجاه آخر
تحدثت ليلى بسعادة: إزيك يا أم عمار؟ إزيك يا أبو عمار؟ أنا عارفة إني سلمت عليكم، قبل ما نطلع العربيات، بس كان سلام كدة على السريع.
ابتسمت سعدية: الحمد لله يا حبيبتي, إنتِ عاملة إيه؟ والله وحشتينا، خلاص بقى، مش عايزين مشاكل تاني.
ليلى وهي تنظر لسلوى: إن شاء الله، ربنا يهديها سلوى.
وقبل أن تكمل، نظر سليم إلى ماسة وهمس: سكتي والدتك بسرعة علشان ليلى متعرفش حاجة عن الشغل القديم.
أومأت بسرعة، ثم أمسكت يد سعدية وقالت بهمس: ماما، طنط ليلى متعرفش حاجة خدي بالك.
نظرت إليها سعدية وضحكت: أنا عارفة يا بت سلوى مفطماني.
في تلك اللحظة نظرت ليلى لعمار: وإنت بقى يا عمار هتتتجوز إمتى؟ ده أنت بقالك كتير خاطب
تبسم على مضض: لا ما هو أنا مفركش بقالي فترة كبيرة، داخل على سنة أهو.
ليلى بحزن: ليه كدة يا أبني؟
مجاهد وهو يحتسي الماء: مينفعش يفضل رابط البنت جنبه، هو كان لسه بدري عليه وكان بقالهم أكتر من سنتين مخطوبين.
نظر سليم لعمار: لا إحنا الفترة الجاية نشتغل ونعوض كل إللي فات، زي ما اتفقنا قبل كدة، هنرجع نفتح شركة السياحة تاني وإنت ويوسف هتمسكوها، والشغل الجديد اللي بجهزه هحتاجكم فيه، وهجيب قرايبكم من مصانع العيلة وكل واحد يمسك إللي يناسبه.
هزت سعدية رأسها بحماس: والله فكرة حلوة يا سليم، تجمع العيال كلهم مع بعض.
تدخل يوسف: ظبط إنت بس يا سليم وشوف عايز إيه؟! وإحنا معاك أنا وعمار.
رفع عمار حاجبه بثقة: أنا خلاص اتخرجت السنة دي فهبقى معاك.
اتكأت ماسة على الطاولة ونظرت لسليم بدلال متزمر: عقبال ما أتخرج أنا كمان، كراميل عايزاك تقدملي في الجامعة، آخدها منازل مش مهم، بس عايزة أتخرج.
ضحك عاليا: ما قولتلك اشتريلك الشهاده، انت اللى غاوية وجع قلب ، عامة هقدملك بكرة حاضر.
ثم ألتفت لحور وشدها لحضنه: ونقدم كمان للحلوة الصغننة دي في كي جي 1.
رفعت حور يديها لأعلى بفخر: أنا كنت في الحضانة وحافظة واحد اتنين وA B و1 2 وتفاحة Apple!
ضحك سليم وصفق لها: برافو، بس إحنا هنروح حضانة حلوة وهنعرف حاجات كتير بالـ English كمان والـ French، وهتتكلمي زينا كلنا.
اتسعت عينيها بفرحة: زيك إنت وماما وكلكم.
قبلها من خدها: وأحسن كمان يا قلبي.
ثم قالت ليلى وهي تنظر لمكي: يلا يا مكي، ماتلبس خطيبتك الشبكة؟
ابتسم وأخرج من جيبه علبتين؛ إحداهما صغيرة والأخرى طويلة.
قال وهو يفتح إحداهما بمزاح: جبتلك الدبلة والمحبس بتاعها وخاتم كمان، أصلي بصراحة حوار الخاتم الالماظ ده مبيجيش معايا سكة، بحس إني مش خاطب، خطوبة بالنسبالي يعني دبلة ومحبس، واديكي شوفتي لما جبتلك خاتم فشكلنا..
ضحكت عاليا: أنا برضو بقول كدة.
أمسك يدها وبدأ في إلباسها الخاتم، ثم ألبسها المحبس.
تأملت سلوى الخاتمين في يدها وقالت بابتسامة: بصراحة، أنا كمان عاجبني الشكل ده.
ثم أخرج علبة أخرى، وفتحها ليظهر بداخلها سوار من الألماس.
شهقت سلوى بإعجاب: الله!
ابتسم مكي مازحا: ده بقى الماظ عشان نتماشى مع المستوى بتاعنا متقوليش عليا بخيل.
ضحكت: تحفة
ألبسها السوار، بينما كانت تبتسم بسعادة وتنظر إلى يديها.
صفق سليم وقال ضاحكا: مبروك يا مجنون ياللي مجنني معاك! ومبروك يا سلوى يا إللي أجن منه.
ضحك الجميع، بينما قالت حور فجأة: هو ليه مش بيحطوا أغاني حلوة نرقص عليها؟
نظر يوسف لها: عندك حق والله، أنا هروح أخليهم يحطوا أغاني حلوة نرقص عليها.
تحرك يوسف نحو أحد الجرسونات وتحدث معه قليلا، وبعد لحظات بدأت الموسيقى تتغير وترتفع أجواؤها.
نهضت حور ووقفت في منتصف المكان، وبدأت ترقص بفرحة، فالتف الجميع حولها وهم يصفقون لها ويشجعونها.
ثم اقتربت سلوى منها، وأمسكت بيدها وبدأت ترقص معها، بينما اكتفت ماسة بالتصفيق وتشجيعهم من مكانها بسبب حملها.
وفي الجهة الأخرى، شارك سليم مكي الرقص وسط ضحكات العائلة وسعادتهم، بينما كانت الأجواء مليئة بالفرحة والمرح.
وبعد قليل، بدا الجرسونات يضعون الطعام على الطاولة، بينما جلس الجميع يتناولون العشاء وسط الأحاديث والضحكات، وبعد أن انتهوا، ابتعد مكي وسلوى قليلا عن الجميع، ووقفا وحدهما عند السور المطل على النيل.
كان الهواء هادئا، ونسيم الليل يحرك خصلات شعرها المنسدل أمام عينيها.
ابتسم مكي، ومد يده يبعد خصلة شعر عن عينيها برفق: تعرفي إني مش مصدق إن إحنا بقينا مع بعض تاني؟
ابتسمت برقة: وأنا كمان أكتر منك، خصوصا إن أهلي في البيت اتعاملوا مع الموضوع عادي أوي، أنا كنت متخيلة إن إخواتي ممكن يعترضوا، او بابا يطول في الكلام معاك، مش الموضوع ينتهي في أقل من دقيقة خصوصا لما ماسة الكلبة قالت لبابا إني عارفة.
ضحك معلقا: هو أصلا بديهي يكون فاهم إني مستحيل آخد خطوة زي دي من غير ما أكون مكلمك؟ خصوصا إنك أصلا كنتي رفضاني لما حاولت كتير، يعني للي عملته ماسة صح؟!
ابتسمت وهي تؤمئ برأسها بصمت، فسألها: طب مجبتيش سيرة خالتي سعدية ليه؟
ابتسمت موضحة: ماما كانت عارفة ومتقبلة من البداية..
صمتت لحظة، بعينين تحمل حبا كبيرا: أنا قولتلها إني سبت طارق علشان بحبك، ومش عارفة أبقى مع حد تاني غيرك، وهي ادتني فرصة، ولما حصلت حوارات ماسة الأخيرة قالتلي خلاص بقى، هو مش عايزك إنسي، بس أنا كنت واثقه إننا هنرجع لبعض وأهو رجعنا.
ابتسم، ومرر أصابعه برفق على ملامحها: بلاش نتكلم عن الماضي.
نظرت إليه بهدوء، فتابع وهو يركز النظر في عينيها بحب: خلينا في الحاضر والمستقبل وبس.
سلوى بابتسامة هادئة: وأنا مش عايزة مستقبلي غير معاك، بس هو إحنا هنتجوز إمتى؟
أجابها موضحا: زي ما قولت لعمي إمبارح، مجرد ما الحوارات بتاعة سليم تخلص، هنتجوز علطول.
زمت شفتيها: لازم يعني؟
اومأ بتأكيد: علشان أخدك ونسافر، ونقضي هاني مون حلو، ونظبط المكان اللي هنعيش فيه، كمان مش هينفع أسيب سليم لوحده خالص، إحنا لسه قدامنا كوارث جاية.
تغيرت ملامحها بقلق: كوارث إيه تاني؟
أمسك يدها بابتسامة مطمئنة: متخافيش حبيبك أسد.
سألته بابتسامة: طب قولي كده يا أسد، لما نتجوز هتعمل إيه؟ هتقدملي إيه؟
رد بسرعة وحماس: والله أنا هخليكي أسعد واحدة في الدنيا، هخليكي دايما مبسوطة..
مد يده ولمس غمازتها قائلا بغزل ونبرة مليئه بالحماس: والغمازات الحلوة دي تفضل ظاهرة علطول! وأي حاجة هتطلبيها، أو حتى مش هتطلبيها، هتلاقيها قدامك بصي هخليكي تتجنني من السعادة، هخليكي سعيدة بس.
كانت تتأمله بابتسامة سعيدة وهي ترى الحماس يلمع في عينيه وهو يتحدث.
وفجأة، تبدلت ملامحه، ونظر إليها نظرة مختلفة، تحمل حبا ورجاء: بس في طلب واحد عايزه منك.
اومأت باهتمام: إيه هو؟
ابتلع ريقه، وثبت عينيه عليها وكأنه يترجاها ألا تخذله مرة أخرى، صوته خرج مبحوحا ومتقطعا: خليكي جنبي علطول، متبعديش عني مهما حصل، ولو سمعتي أي حاجة، أو عرفتي أي حاجة، تعالي وقوليلي، متخبيش عني حاجه..
دقق النظر في ملامحها، وأكمل بصدق: لازم تعرفي إن أهلك زي أهلي بالظبط، باباكي ومامتك في مقام بابا وماما، وإخواتك إخواتي، مستحيل أسمح إن أي أذى يحصل لحد فيهم.
هزت رأسها، وقالت بابتسامة: أوعدك، خلي عندك ثقة فيا.
تأمل ملامحها لثواني، وكأنه يحاول حفظ تلك اللحظة في ذاكرته، فهمت هي بحب صادق: بحبك.
أجابها بعشق: وأنا بموت فيكي.
ثم أمسك يدها وطبع قبلة دافئة عليها، فتبادلا ابتسامة صامتة لثواني.
ظل مكي يتأملها بنظرات تثقل الأنفاس، عيناه مسمرة عليها لا تتزحزح، وكأنه يحاول أن يقول بعينيه كل ماعجز قلبه عن البوح به، وكل ما خان لسانه التعبير عنه.
لم تحتمل سلوى ثقل تلك النظرة، فخفق قلبها بعنف حتي كاد يُسمع نبضه، واستدارت سريعا نحو النيل، تخفي ارتباكها وهي تتظاهر بتأمل مياهه في صمت.
تابعها مكي بنظراته للحظات بابتسامه متفهما خجلها، ثم التفت هو الآخر إلى النيل، وببطء وهدوء، أحاط كتفيها بذراعه، كأنه يعلن احتواءه لها.
وظلا واقفين معا أمام النيل، صامتين، لكن قلبيهما يقولان كل شيء..
قطع شرودهما صوت ضحكة حور العالية وهي تصرخ من الداخل: يلا يا بابا! أرقص معايا كده!
ابتسم مكي لسلوى: يلا نرجعلهم.
ضحكت: بصراحة حور عاملة جو جامد، يلا بينا.
عادا معا إلى الداخل، فركضت عليهما حور بسعادة وأمسكت بيديهم: سوسكا تعالي أرقصي معانا، وإنت يا عمو مكي يلا!
تحركا معها، وأخذ يرقصون سويا، اندمج الجميع في الرقص، يقضون وقتا جميلا معا، وكأن الليل قرر أخيرا أن يمنحهم تلك السعادة التي طال انتظارها
♥️_______بقلمي_ليلة_عادل _______♥️
فيلا سليم وماسة،12ص
كانت الأضواء خافتة في الشرفة المطلة على الحديقة، كان سليم وماسة قد بدلا ملابسهما بأخرى منزلية، ويحتسيان العصير في هدوء، بينما كانت حور بجانبهما تتأرجح على أرجوحتها الصغيرة، تحتضن دميتها وترفض النوم.
كان الجو لطيفا وهادئا، يليق بليلة انتهت للتو.
ابتسم سليم وهو ينظر إلى حور: الحفلة كانت حلوة أوي، وحور إيه طلعت رقاصة.
ضحكت وهي تتبع نظراته نحوها: مبطلتش رقص فعلا، عمالة أقولها نامي مش عايزة تنام، عايزة تلعب.
ارتشف من كوبه وعينه ما زالت على حور: سيبيها تلعب براحتها..
ثم نظر اليها بإبتسامة: أنا مبسوط أوي، أخيرا سلوى ومكي رجعوا لبعض، مكنتش هسامح نفسي لو مرجعوش، كنت حاسس إني السبب بنسبة كبيرة.
تنهدت: وأنا برضوا كنت حاسة بالذنب، بس الحمدلله إنهم رجعوا.
ساد الصمت للحظات، ثم اعتدل سليم في جلسته وقال بنبرة أكثر جدية: أنا الفترة الجاية هضطر أسافر.
قطبت جبينها بقلق: هتسافر فين؟
أجابها: إنجلترا، وبعدها روما، عشان اخلص موضوع إريك وعماد.
اعترضت بقلق: يا سليم مش لازم..
قاطعه بحسم: لا لازم يا ماسة، علشان نقفل كل ده بقى ونعيش مرتاحين.
اقتربت منه وأمسكت يده، وعيناها تلمعان بالخوف: طب خد بالك من نفسك، وترجع بسرعة.
ابتسم لها تلك الابتسامة التي تطمئنها دائما، وربت على يدها بحنان: حاضر.
ثم نظرت إليه فجأة، وتذكرت ما سمعته: صحيح، أنا سمعتك بتقول لمازن يحضر ورقة تنازل لمنى ناوي على إيه؟!
تنهد وهو يعود بظهره على المقعد: هقولك، بس من غير اعتراض، أنا طلبت من مازن يعمل ورقة تنازل عن كل حاجة تملكها منى باسمي، دي أكتر حاجة بتوجع منى، إنها تخسر كل حاجة بتملكها، ووجع طه لما يكتشف حقيقتها قدامه.
عقدت حاجبيها: مش فاهمه برضو هتعمل ايه؟!
اخذ نفس عميق وبدا بسرد ما يود فعله وبعد الانتهاء..
أومأت بعدم اقتناع: معتقدش إن منى غبية كده علشان تقع في الفخ ده!
مده وجهه وهو يحتسي العصير: هنشوف..
هزت رأسها وهي تأخذ رشفة، ثم ألتفتت تنظر إلى حور، ووضعت يدها لا إراديا على بطنها، وقالت بصوت خافت حزين: مش عارفة إمتى هنخلص من كل ده بقى ونعيش مرتاحين؟! أنا نفسي نعيش مرتاحين يا سليم، نفسي نبقى اتنين متجوزين طبيعيين، تروح الشغل وترجع الساعة 4أكون محضرة الغدا، ونقعد نتغدى سوا وتحكيلي عملت إيه في يومك، وأنا أحكيلك عملت ايه في يومي، ونشرب كوباية شاي وإحنا قاعدين كدة علي النيل، وبعدين ننام ونصحى تاني يوم نعمل نفس الكلام، ونخرج كل أسبوع وأزور عيلتي وأسافر البلد، ونتخانق خناقات متجوزين بقى.
ضحك بدهشة: إيه خناقات متجوزين دي؟
تبسمت وهي تمد شفتيها: مش عارفة، بس يعني مثلا أقول حاجة متعجبكش فترد عليا ونشد سوا، أو مثلا ترجع من الشغل ترمي هدومك على الكرسي وأنا أعلقها، ترجع تاني يوم ترميها تاني، فأقولك يا ابني ده الكرسي مش دولاب! تقولي براحتي أعمل اللي أنا عايزه وإنتِ لازمتك إيه؟! أو مثلا أبقى بكلمك وإنت ماسك الموبايل وعمال تقلب فيه ومش سامعني، فأقولك يا كراملتي أنا بكلمك! فتقولي ثانية بس ببعت ميل مهم، فأقوم لاويه بوزي، وبعدين تيجي تصالحني وتقولي حقك عليا يا أم حور وتبوسني من خدي وتجيبلي شيكولاتاية، وأنا لما أزعلك، أقولك حقك عليا يا أبو حور وأبوسك من راسك، اتنين متجوزين طبيعيين.
ابتسم ابتسامة واسعة، ومد ذراعه ليجذبها إلى حضنه: إن شاء الله قريب هنعيش كل حاجة حلوة نفسك فيها، من غير خناقات متجوزين، هنعيش مبسوطين وبس، كفاية خناقات لحد كده..
ابتسمت ومالت برأسها على كتفه، فطبع قبلة طويلة على رأسها وأضاف بنبرة دافئة: هنعيش حياة مرتاحة قريب أوي، في بيت حلو على بحيرة وشلال، وأنا متأكد إن ده هيحصل قريب، صدقيني أنا بعمل كل ده عشان نعرف نعيش الحياة دي، يا أم حور وجاسر..
ابتسمت ونظرت له بدموع تلمع في عينها: إن شاء الله كل ده هيحصل، أنا بثق فيك.
بقيا في عناق صامت، يتأملان ضحكات صغيرتهما وهي تتأرجح، كأنهما يعيشان الحلم الذي تمنياه.
على إتجاه آخر في غرفة سلوى
كانت ممددة على الفراش، تتحدث في الهاتف بابتسامة واسعة.
سلوى: إنت كمان وحشتني، لا بجد إنت المرة دي راجع رومانسي أوي.
اثناء ذالك سمعت طرق خفيف على الباب، ثم دخل والدها.
مجاهد: بتعملي إيه يا سلوى؟
اعتدلت بتوتر طفيف: مفيش يا بابا، بتكلم مع مكي.
جلس أمامها وابتسم: طب ممكن تقفلي معاه دقيقتين عايزك.
رفعت الهاتف: طب يا حبيبي هقفل دلوقتي، بابا عايزني هكلمك بعدين، سلام.
وضعت الهاتف جانبها ونظرت إليه بتركيز: أتفضل يا بابا.
تنهد وقال بحنان: بصي يا بنتي، إنتِ دلوقتي 25 سنة، كبرتي ما شاء الله واتخرجتي يعني بقيتي قد أي قرار بتاخديه...
تابع بحكمة: أنا عارف إنك زمان كنتي صغيرة وعنيدة ودماغك ناشفة، ولما زعلتي وقفلتي الباب وقلتي مش هرجع، ده كان هيضيع من إيدك راجل بيحبك.
صمت لحظة ثم نظر لها بلين: وأنا فاهم والله إن كان عندك حق، وكنتي خايفة علينا وكان عندك أسبابك، وأنا مقدر ده كويس، بس اللي أقصده يا بنتي إن بعد كده متخافيش، خلي قلبك قوي، أنا وافقت أرجعك لمكي لإنه راجل محترم وكان مظلوم، وعارف إنكم بتحبوا بعض، وهو حاول كتير يرجعلك، فعايزك تتعلمي من كل إللي فات، ومنعدش العند بتاع زمان تاني، اتعودي تسمعي وتفهمي وبعدين تتكلمي، لإن يا بنتي كلمة واحدة منك إنتِ وأختك كانت هتغير كل حاجة.
أومأت بتأييد: عندك حق يا بابا، أنا عارفة إني كنت عنيدة وبقفل وداني، بس والله اتغيرت وكبرت، اللي فات علمني كتير، وبقيت أعرف أواجه وأحل، مش ههرب تاني، متقلقش عليا.
ابتسم وربت على يدها بحب: هو ده اللي كنت عايز أسمعه منك يا قلب بابا، ربنا يسعدك يا حبيبتي
قصر الراوي،12ص
كانت فايزة ترتدي قميص النوم، وتدلك يديها بكريم الترطيب، وعزت يجلس بجانبها علي الفراش ببيجامة أنيقة، بينما حقيبة السفر موضوعة على الأرض بجانبهم.
سألته: يعني أنت موافق إن رشدي يروح مصحة؟
أجابها بهدوء: لازم يا فايزة، وبعدين خلاص، إحنا بقينا حديث الصحافة كل يوم مفرقتش، المهم رشدي يكون كويس.
هزت رأسها بموافقة: خلاص، تمام.
وأثناء حديثهما، صدر صوت وصول رسالة من هاتف عزت الموضوع على الكومودينو.
مد يده وأمسكه، ثم فتح الرسالة، ظهرت أمامه صور لسليم وماسة وحور والعائلة وهم يترجلون من السيارة أمام أحد الأماكن في الاحتفالية.
تأمل عزت الصور، ثم قال بإبتسامة تحمل خيبة أمل: واضح إن سليم صدق ماسة واللعبة انتهت.
نظرت إليه باستغراب: ليه بتقول كده؟
ناولها الهاتف، فتصفحت الصور بتركيز، ثم ابتسمت بسخرية: شيء متوقع، هو هيمان بيها، المهم أنه ميوصلش لأي معلومه يا عزت.
نظر لها وقال بضجر ممزوج بندم: إحنا أصلا غلطنا لما فكرنا نعمل كده.
ردت باعتراض لازع: كان لازم نعمل كده علشان يقتلها، والسر يموت معاها.
قبض وجهه بخزي: صلحنا الغلط بغلط أكبر يا فايزه!
ظل يتصفح الصور واحدة تلو الأخرى، قبل أن يتوقف فجأة عند إحدى الصور لحور، وهي تمسك بيد ماسة وسليم.
قال وهو يدقق النظر بتساؤل: هو حد من إخوات ماسة خلف؟
إجابته وهي تضع الكريم على ساقيها: على حد علمي لا، محدش فيهم متجوز اصلا، اشمعني؟!
أجابها هو يركز النظر في ملامح حور: في بنت صغيرة معاهم، ماسكة في إيد ماسة وسليم.
عقدت بين حاجبيها، فأعطاها الهاتف، أمسكت به، ثم قربت الصورة وركزت في ملامح حور.
ساد الصمت للحظات، قبل أن تقول بدهشة: دي فيها شبه كبير من ماسة وهي صغيرة..
ثم أضافت بتوتر: أنا عارفة شكل ماسة وهي صغيرة، كنت بشوفها لما كنت بروح المزرعة.
انتقل نظرها إلى صورة أخرى لماسة وكان يظهر فيها حملها ثم توقفت فجأة: استنى...
قربت الصورة أكثر، ثم قالت بصدمه: ماسة حامل؟!
اتسعت عينه وهو يقول: بتقولي إيه؟!
أخذ الهاتف منها، وظل يتأمل الصورة بتركيز، ثم قال بدهشه: بس أزاى؟ سليم مبيخلفش؟!
تبادلا النظرات بصمت، زم عزت شفتيه لحظه: استني
ثم رفع هاتفه، وأجرى اتصالا، ما إن جاءه الرد حتى قال بلهجة حازمة: عايزك تعرفلي حكاية البنت اللي مع ماسة وسليم دي بأي طريقة، اسأل رجالته دور ورا الموضوع، حتى لو معلومة صغيرة، عايز أعرف البنت دي مين، وإيه علاقتها بيهم تديني معلومة بأسرع وقت ممكن فاهم، وأعرفلي ماسة حامل ولا إيه؟ وكانوا فين وبيعملوا إيه؟! أنا مش عايز صور بس عايز معلومات فاهم.
أغلق الهاتف ونظر لها بنظرة ذات معنى: يومين والمعلومات كلها هتوصلنا وهنعرف مين دي.
فكر قليلا: تفتكري تكون بنتهم وكانوا مخبينها كل السنين دى، ولا اتبنوها وجابوا بنت شبهم؟
أومأت بعدم فهم: مش عارفه!
بينما صمت عزت للحظة وهو ما زال يحدق في الصورة والسؤال يدور براسه: في حاجة غلط ومش مظبوطة، ولازم نفهمها.
تبادلا النظرات طويلا بتفكير، وسؤال واحد يدور في ذهنهما، من تلك الطفلة؟ وما سر حمل ماسة؟
مجموعة الراوي،9ص
دخل سليم المجموعة بهيبته المعتادة، وما أن دخل بدأ الجميع في مصافحته والترحيب به، بعد غياب طويل.
إتجه إلى المصعد، وبعدها إلى مكتبه، وما إن فتح الباب حتى توقف للحظة، فقد وجد تيم يجلس في مكانه، بينما كانت منى تجلس على المقعد المقابل للمكتب.
نظر سليم إليه باستغراب، ثم أمال رأسه قليلا، وما إن رآه تيم حتى نهض مسرعا: أنكل سليم، تعالى اتفضل أنا آسف لو قعدت مكانك.
أشار له بيده، وقال بهدوء: إيه التوتر ده كله؟ خليك زي ما إنت، صباح الخير.
ابتسمت منى وقالت بفخر واضح: شفت تيم شاطر إزاي؟ عزت باشا بنفسه هو اللي قاله: أقعد على مكتب عمك سليم، مش أي حد.
نظر إليها بطرف عينه، يعرف طبعها الوصولي جيدا، ويعرف أنها لا تفوت فرصة تستعرض فيها مكانة أبنائها.
ابتسم ابتسامة جانبية، ثم نظر إلى تيم من جديد، بينما جلست منى تراقبه وكأنها تنتظر منه تعليقا آخر يرضي غرورها المعتاد لكنه لم يفعل.
جلس سليم على المقعد المقابل للمكتب، وقال وهو ينظر إلى تيم: إيه الأخبار؟
أجابه بهدوء: الأمور ماشية تمام يا أنكل، الباشا ظبط حاجات كتير، بس لسة طبعا الأمور مش زي الأول، البورصة مش أحسن حاجة، وعلينا مديونيات والتزامات بعقود.
سأله بعملية: في تفاصيل ورقية بالكلام ده؟
أومأ بتأكيد: أيوه، نور هتتجيبلك تقرير شامل بكل إللي حضرتك عايزه.
هم بالنهوض: أنا هقوم بقى على مكتب بابا حمد لله على سلامتك ماتتاخرش علينا تاني.
تبسم سليم: الله يسلمك.
خرج تيم من المكتب، ثم نهض سليم وأتجه إلى مقعده، وجلس مستندا إلى ظهره، بينما كانت منى تتابعه بصمت.
ظل سليم شاردا للحظات، يفكر في خطته وكل خطوة سيتخذها من الآن فصاعدا.
أما منى، فكانت عيناها تتفحصانه من أعلى إلى أسفل بنظرة تحمل الكثير، قبل أن تقول بنبرة تحمل شيئا من الاهتمام: لسة حزين؟ نفسي أشوف ابتسامتك بتاعة زمان.
عاد من شروده، ونظر إليها باستغراب: بتقولي إيه؟
تبسمت وقالت بنبرة ذات معنى: بقولك نفسي أشوفك بتضحك زي زمان.
ابتسم ابتسامة خافتة بلا فرح، وقال بسخط: إنتي شايفة يعني إن فيه حاجة مفرحة علشان أضحك؟ في اللي إحنا في ده؟
أومأت برأسها، وكأنها تتحدث عن الماضي، بينما كانت كلماتها تحمل معنى آخر: ماهو مافيش حاجة بس على الأقل لو كان معاك زوجة بتحبك وواقفة جنبك، كانت هتصبرك على كل إللي بيحصل ده، إنما إنت! شوف اخترت مين؟ واحدة خاينة، واحدة ماعرفتش تقف وسط العيلة وتشتريك.
تغيرت ملامحه قليلا، وقال بحزم: بلاش الكلام ده يا منى.
رفعت أحد حاجبيها باستغراب: هو أنا اللي بقوله غلط؟
سكتت لحظة، ثم مالت برأسها قليلا، وارتسمت على شفتيها ابتسامة ذات معنى، قبل أن تضيف بنبرة تحمل تلميحا واضحا: شوفت بقى لو كنت سمعت كلامي زمان، وبقيت مع واحدة تستاهلك، كان زمانك دلوقتي إمبراطور كبير، ماحدش يقدر عليك.
ظل ينظر إليها للحظات، وكأنه يزن كلماتها على مهل كانت تلك هي الفرصة التي انتظرها؛ فقد ألقت بنفسها الخيط الذي يستطيع أن يمسكها به، لكنه لم يكن مستعدا للتحرك قبل أن يتأكد تمامًا من نواياها.
قال بهدوء وهو يتنهد بمرارة مصتنعة: الماضي انتهى يا منى، والماضي مابيرجعش.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة ذات معنى قالت: مين قالك كده؟ الماضي بيرجع، لو إحنا عايزينه يرجع.
توقفت عيناه عليها للحظة كانت تلك الجملة وحدها كافية لتؤكد له أن خطته يمكن أن تنجح.
وقبل أن يقول شيئا، فتح باب المكتب، ودخلت نور وهي تحمل ملفا: حمد لله على السلامة يا فندم جهزتلك التقارير إللي مستمر تيم قالي عليها.
اقتربت منه ومدت إليه الملف قال وهو يأخذ منها: شكرا يا نور اتفضلي، وبلغي كل المديرين إن عندنا اجتماع الساعة...
نظر في ساعته ثم قال: الساعة حداشر وبلغي فريدة وياسين.
أومأت بإحترام: أمرك يا فندم.
خرجت نور، فعادت منى بنظرها إلى سليم وقالت:
أنا متأكدة إنك هتفرح أوي بتيم.
هز رأسه وهو ينظر لها بعينه: أكيد يا منى.
نهضت واتجهت إلى الباب: طيب، أنا همشي بقى بس كلامنا ماخلصش.
رفع عينيه إليها، وارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة ذات معنى: ده أكيد.
خرجت وأغلقت الباب خلفها، وما إن اختفت من أمام عينيه، حتى أسند سليم ظهره إلى المقعد من جديد، وظهرت على شفتيه ابتسامة مختلفة تماما.
ابتسامة رجل أدرك أخيرا أن الخطة التي ظل ينتظرها طويلا بدأت تأخذ طريقها الصحيح.
لقد أعطته منى بنفسها خيط، والآن، سيبدأ الانتقام الحقيقي.
♥️____________بقلمي_ليلةعادل
الفيلا التي يقطن بها مصطفى10ص
كانت آلاء تجلس في الصالون، يبدو عليها الضيق، فمصطفى لم يأتي منذ ليلة أمس، ولم يطلقها كما اتفقا.
نظرت لها أنهار التي كانت تجلس أمامها وقالت بضجر: والله ما أنا عارفة إنتي عاملة في نفسك كده ليه؟! انتي نكدية يا شيخة، يارب يطلقك عشان يخلص من نكدك ده.
لم ترد عليها، ظلت تنظر أمامها، في تلك اللحظة دفع الباب الخارجي ودخل مصطفى قائلا: السلام عليكم.
أنهار بترحيب: وعليكم السلام يا ابني، حمدالله على سلامتك.
قال وهو ينظر في ساعته: الله يسلمكم، صاحيين بدري ليه، الساعة 10.
وقفت آلاء وقالت بحدة: هو إنت إمبارح ماجيتش ليه زي ماتفقنا؟
نظر بعينه لأعلى منزعجا من طريقتها ثم نظر لها
أجابها بلا مبالاة: زي ما إنتي شايفة لسه جاي، كان عندي شغل مهم.
ردت بعند: خلاص إحنا على ميعادنا النهاردة؟
أطالعها بنظرة ضجر من أعلى لأسفل، لم يعقب فقط استدار نحو الدرج وصعد في صمت، وكأن الجدال معها عبء يفوق طاقته
ضربت أنهار كفا على كف: والله تستاهلي النظرة اللي بصهالك، أنا ماكنتش أعرف إنك نكدية كده!
هتفت آلاء بدموع: أنا مش نكدية يا ماما، أنا عندي كرامة، أنا مش هاعيش مع واحد مش عايزني حتى لو بحبه، الحاجة الوحيدة اللي بملكها هي كرامتي.
نظرت لها إنهار طويلا ثم شاحت بوجهها في إتجاه آخر دون رد.
مستشفى شمس الحياة،1م
كانت رشدي محتجز في غرفة عزل، جدرانها وأرضيتها مكسوة بالفوم، وزجاجها سميك ومقاوم للكسر، لا يوجد بها سوى فراش من الفوم مثبت في الأرض، خالية من أي شيء قد يستخدمه المريض لإيذاء نفسه.
كان رشدي نائما، وجهه شاحب، وأنفاسه ثقيلة إلى جانبه جهاز مونيتور يرصد نبضات قلبه غير المنتظمة، ومحاليل عديدة معلقة في وريده، وقناع أكسجين يغطي أنفه، كان في سبات عميق بفعل الأدوية والمهدئات.
فجأة، بدأ تتحرك عينه، ويتمتم بكلمات غير مفهومة، ثم فتح عينيه فزعا، وجلس فجأه ينظر حوله بفزع، ثم بدا يحاول نزع المحاليل والأسلاك عن جسده بأنفاس متسارعه.
دخل الطبيب ومعه أثنان من التمريض الرجال سريعا وحاولوا تثبيته.
الطبيب: أهدى يا رشدي بيه! إنت في المستشفى!
رشدي بصراخ مبحوح وهذيان: خرجوني من هنا! أنا كويس! عايز أخرج!
الطبيب وهو يثبته على فراش مع أحد الممرضين: حضرتك مش كويس خالص، السم لسه في دمك، إنت جاي بجرعة كبيرة أوي كانت هتموتك، وعندك تسمم حاد!
رشدي وهو يقاومهم: إنتو حابسني ليه؟! فاكرني مجنون؟! أنا مش مجنون!
كان يهذي ولا يدرك أين هو، تلك هي أعراض الانسحاب والهذيان بعد الجرعة الزائدة.
الطبيب بمهاودة: طب اهدى وأنا هشيلك كل الحاجات دي، عشان متجرحش نفسك.
رشدي: يلا بسرعه.
أشارت الطبيب للممرضة بعينه، فاقتربت من الخلف بهدوء، ثم حقنته بمهدئ عضلي في كتفه.
رشدي بتلعثم ونظرات تائهة: يا... يا جبنا... بتغدوروا بيا... أنا هوريكم ..هم تك أنا رشد....
لم تمر ثوانٍ حتى بدأ جسده يرتخي، وعادت أنفاسه ثقيلة، ثم غاب في النوم مرة أخرى قام أحد الممرضين بعدل جسده على فراش.
بينما تنهد الطبيب وعدل له المحاليل.
الطبيب للممرض: أول ما المحلول ده يخلص بلغني ولازم حد من أهله ييجي، مينفعش يفضل كده لوحده.
كل ذلك حدث، دون أن يلاحظ أحد أنها هناك، تقف في إحدى زوايا الممر، بعيدا عن الأعين، تراقب مايحدث في صمت مثقل بالحزن، (( مي)) رغم أنها من طلبت الطلاق، وأنها من أقسمت أنها تشمئز منه ولا تريد رؤيته مرة أخرى بعدما عرفت حقيقته العفنة، إلا أنها جاءت.
توقفت على جانب، تشاهد صراخه وهياجه ثم سقوطه نائما، لا تعرف لماذا شعرت بذلك الضيق والحزن من أجله لكنها شعرت..
وعندما تأكدت أنه غاب في النوم تماما، تحركت ببطء، حتى وقفت أمام الزجاج من الخارج، تتأمله من أعلى لأسفل، وهو نائم، هزيل، ومعلق بالمحاليل، رمشت بعينيها بقوة، وكأنها تجبر قلبها ألا يضعف، وعينيها ألا تبكيا
انتبه لها الطبيب من خلف الزجاج، رمقها متعجبا، ثم قال شيئا للممرضة وخرج إلى الخارج واقترب منها.
اعتدلت هي في وقفتها.
الطبيب برسمية: مساء الخير.
مي بابتسامة مقضتبة: مساء النور، لو سمحت ممكن أعرف حالته؟
سالها: حضرتك مين؟
ابتلعت ريقها: صديقة.
أومأ وهو يجيب بعملية: هو الحمد لله في تحسن، بس بسبب نسبة المخدر الكبيرة إللي كان واخدها، محتاج يفضل على المحاليل وياخد كورس أدوية معين لمدة 48 ساعة.
تساءلت بقلق: يعني مفيش خطر على حياته؟
مد وجهه موضحا: الخطر المباشر لأ، بس للأسف هو عنيف جدا وعصبي، وده مش مساعدنا.
تساءلت باهتمام: طب ولو فضل كده إيه اللي هيحصل؟
أجابها: ممكن ينتكس، وممكن يحصل مشاكل في بعض الأجهزة الحيوية.
زمت شفتيها بأسف: طب وبالنسبة للحادثة؟
أومأ بنفي: عملنا أشعة والحمد لله مأثرتش عليه، هي بس شوية كدمات والتواءات، بس هو من الغضب والمسكنات مش حاسس بيهم.
هزت رأسها بتفهم: تمام، شكرا يا دكتور.
انصرف الطبيب، بينما بقيت هي أمام الزجاج، تنظر إليه بحزن وخذلان وضيق.
تمتمت لنفسها بصوت خافت لم يسمعه أحد: مش عارفة إيه اللي يخليك توصل للي إنت فيه ده؟! كسبت إيه من اللي عملته غير إنك فضلت لوحدك؟ كل اللي عملته إنك زرعت كراهية ونفور في قلوب كل الناس اللي حواليك، حتى الرحمة محدش هيحب يديهالك...
زمت شفتيها بحسرة: يا خسارة.
قالت كلماتها تلك ثم تحركت إلى الخارج.
♥️____________بقلمي_ليلة_عادل.
قصر الراوي،3م
دخل سليم من بوابة القصر، فتصادف بفايزة أمامه، نظرت له بنظرة يملؤها الاستغراب: بقيت بتيجي كتير أوي، في حاجة؟
توقف وخلع نظارته ببطء، ثم رمقها بنظرة باردة:
عندك مشكلة؟
ابتسمت بإصفرار: لا أبدا، هو ده اللي أنا كنت عايزاه طول عمري..
كاد أن يتحرك، لكنها أوقفته قائلة: على فكرة الباشا سافر...
تراجعت خطوة إلى الوراء ووقفت أمامه، ثم تابعت برجاء: أرجوك لو في حاجة بتعملها قولها، أنا متأكدة إنك ماعملتش أي حاجة تساعد المجموعة ترجع تاني، حتى العيل الصغير هيفهم ده، ليه بتعمل كدة؟
نظر لها بابتسامة تحمل استفزازا أكثر، ثم قال: خليكي فاكرة كده، والإجابة هتفضل أنا عملت كتير.
تنهدت بإختناق من عنده، ثم قالت: عموما أنا هروح أشوف رشدي، ولو الدكتور سمح إننا ننقله المصحة هبلغك.
أومأ بإيجاب، ثم تحرك للداخل، فصادف أحد الخدم فقال لها: قولي لطه إني مستنيه في الصالون.
بينما ظلت فايزة تنظر إليه باختناق من عنده، ثم تحركت نحو سيارتها التي كانت متوقفة أمام الباب، فتح لها الحارس الباب، فدخلت وانطلقت.
في الصالون.
جلس سليم في إنتظار طه، وبعد دقائق، فُتح الباب ودخل طه، وما إن وقعت عيناه على سليم حتى ارتسم الاستغراب على ملامحه.
قال بتوتر: خير يا سليم؟ في إيه؟ قلقتني.
نهض سليم من مكانه، وإتجه نحوه، ثم قال بصوت خافت: المهم... متكونش قلت لحد إني هنا.
نظر إليه باستغراب: ماقولتش.
سأله بشك: متأكد إنك ماقولتش؟ المرة دي مافيهاش كذب حاول مرة ماتبقاش كذاب يا طه.
رفع يده، وقال بصدق ممزوج بضيق: والله العظيم ماقلت، أصلا منى بتاخد شاور لما إنت كلمتني.
أومأ سليم برأسه: تمام.
ساد الصمت للحظات، تحرك سليم قليلا وهو يعطي ظهره لطه، بينما الأخير أخذ يراقب تحركاته بصمتٍ مستغرب، ثم استدار سليم وسأله بمغزى: قولي يا طه.. هل في زوجة في الدنيا تستاهل إن الأخ يتفق على قتل أخوه؟
فور سماعه تلك الكلمات، شعر طه بغصة خوف زرعت بقلبه، وقشعريرة سرت في جسده، قبل أن تتسع عيناه ويرمش أكثر من مرة، ثم قال بتلعثم: إيه اللي إنت بتقوله ده.
تقدم سليم خطوة ثبت عينيه عليه، وقال بمرارة: بقول إيه؟ بقول الحقيقة يا طه، بقول إن أخويا كبير قعد مع إخواتي الصغيرين، ومع أمي ومراته، واتفقوا على قتل مراتي الحامل.
اتسعت عينا طه حتى كادتا تخرجان من محجريهما، وقال بصوت خرج بصعوبة: إنت عرفت؟
ارتسمت على شفتي سليم نصف ابتسامة باردة:
أيوه... عرفت.
هز طه رأسه بسرعة، وكأنه يحاول أن يبرئ نفسه قبل أن يتهم: أنا ماكنتش أعرف حاجة، أنا ماعرفش أي حاجة، صدقني ماعرفتش غير بعدها.
ساد الصمت بينهما للحظات، بينما كان كل منهما يحدق في الآخر؛ سليم بعينين تحملان عتابا وأسئلة كثيرة، وطه بعينين خجلتين يثقلهما الحزن.
تحرك طه خطوة إلى الأمام، وعيناه قد اغرورقتا بالدموع قال بتفسير: أنا ماكنتش عارف، والله ماكنت عارف، هما اقترحوا الفكرة، وأنا وقتها اعترضت، والله العظيم اعترضت، وعملت مشكلة معاهم كلهم..
توقف لحظة، ثم تابع بصوت متهدج بتوضيح: لما رشدي اقترح فكرة قتل ماسة، أنا اعترضت، وهما ضحكوا عليا بعدها، وقالوا لي إنهم خلاص مش هيعملوا كده، وإنهم خايفين منك، والهانم أكدت لي الكلام ده بنفسها..
بدأت دموع تهبط على وجهه، فمسحها سريعا، استرسل: وأنا صدقتهم، وافتكرت إن الموضوع اتقفل على كده، وبعد ما الحادثة حصلت، عملت معاهم مشكلة كبيرة، قولتلهم إن أنا هتكلم، الأذى طال سليم كمان، ساعتها رشدي هددني بعيالي وأنا خفت عليهم..
خفض عينيه، وقال بألم: سكت علشان خفت على عيالي..
أبتلع ريقه، ومسح فمه بظهر يده، ثم اقترب منه خطوة حتى توقف أمامه مباشرة، أضاف بصوت خافت، وكأنه يذكره بشيء كان كلاهما يعرفه جيدا:
لو تفتكر، بعد ما إنت فقت من الغيبوبة ورجعت القصر، حاولت أقولك، بس كنت كل ما أفتكر تهديد رشدي، أسكت.
نظر إليه سليم طويلا، ثم سأله بمرارة: ماكنتش بصعب عليك وأنا عامل زي المجنون بدور؟
رفع عينيه إليه، وقال فورا بنبرة مهتزة تعصف بها مشاعر العجز والخوف: كنت بتصعب عليا، والله العظيم كنت بتصعب عليا، بس حط نفسك مكاني، إنت لو عندك عيال واتهددت بيهم، كنت هتفهم يعني إيه حد يهددك بضناك.
أومأ برأسه، وعيناه تلمعان بدموع تأبى الهبوط، ثم قال بصوت خافت:ما أنا كان هيبقى عندي، بس إنت عارف هما عملوا فيها إيه؟! وبسبب الحادثه دي اتحرمت من الخلفه سنين.
نظر إليه بخجل، ثم أخفض رأسه، عاجزا عن الرد عليه.
بينما أخذ سليم نفسا عميقا، وأومأ برأسه بإيجاز، كأنه يحاول أن يبتلع ما عجز عن قوله: عموما، يا طه أنا مصدق إنك ماشتركتش معاهم، وإنهم عملوا كده من وراك، وإنهم هددوك...
ثم تقدم خطوة حتى وقف أمامه مباشرة، وثبت عينيه على وجهه، ثم سأله بصوت هادئ يحمل خلفه الكثير من العتاب أضاف: بس عندي سؤال؟! كملت مع منى ليه؟ مش دي اللي اشتركت في قتل أخوك ومراته؟ وهي اللي ضحكت عليك وقالتلك إن الموضوع اتقفل! ليه بعد ما عرفت إنها اشتركت معاهم، ما طلقتهاش؟ ليه ماسبتهاش؟
نظر طه إليه للحظات، ثم طأطأ برأسه إلى الأرض، عاجزا عن الإجابة.
أكمل بهدوء قاسٍ وهو يمد وجهه باسى٦: ماعندكش إجابة طبعا..
سكت للحظة، ثم ضيق عينيه، استرسل بنبرة ذات معنى: بس أنا عايز أقولك حاجة ياطه، الست إللي زي منى دي، ماتستاهلش أي حاجة من اللي إنت عملتها عشانها، وأوعى تكون فاكر إن منى بتحبك!
منى مابتحبش غير الفلوس، واسم العيلة وبس..
رفع طه رأسه ونظر إليه غير مقتنع، فتابع سليم بفحيح شيطاني: إنت تعرف إن منى كانت بتحبني زمان؟ كانت عايزة تتجوزني، وحاولت معايا، وأنا رفض.
اتسعت عينا طه بصدمه بتقول إيه؟!
أومأ برأسه مؤكدا، بابتسام باردة، قبل أن يتابع بنبرة هادئة، خبيثة، يتسلل من بين كلماتها شيء أشبه بفحيح أفعى سامة: حتى بعد الجواز، حاولت معايا مرة، وأنا طردتها وضربتها بالقلم ومشيتها، وعدت سنين كتير، لدرجة إني نسيت الموضوع، وكنت فاكر إنها هي كمان نسيته، بس...
توقف قليلا، متعمدا أن يترك كلماته تستقر داخل طه،
ثم اقترب منه نصف خطوة، ابتسم ابتسامة جانبية شيطانيه، تابع بنبرة أكثر إيحاءا: بس اتضح... إنها مانسيتش.
تطايرت الشرارات من عيني طه، أمسك سليم من كتفه بعنف، وصاح به مذهولا غاضبا: إنت... إنت كداب.
هز سليم رأسه بابتسامة جانبيه بارد كثلج وهو ينزل يده قال: لا، أنا مش كداب، وإنت عارف إن سليم مابيكدبش، هي حاولت معايا، وأنا وقفتها عند حدها، بس النهاردة عرفت إن منى مانسيتش.
مد وجهه قليلا وهو يواصل: وتقريبا عندها خطة في دماغها إيه هي؟ ماعرفش! لكن أنا متأكد يا طه، زي ما أنا متأكد إني شايفك قصادي دلوقتي، إني لو عرضت على منى إننا نكون مع بعض! هتوافق..
اشتدت نبرته وهو يضيف بإبتسامة مستفزة: وهتوافق أوي كمان.
صاح به بعينين مشتعلتين قال بانفعال: إنت بتقول إيه يا سليم؟! أنا عارف إنك زعلان ومتعصب، وليك حق، بس مش للدرجة دي! مش للدرجة إنك تشك في سلوك وشرف مراتي!
رد بثقه غريب وهو يضع عينه داخل عينا: أنا هوريك، هوريك بعينك مراتك اللي بعت أخوك عشانها، هتبيعك إزاي.
هز طه رأسه، رافضا تصديقه: أنا مش مصدقك، ومش هصدقك يا سليم، أنا عارف إن منى فيها عيوب كتير، بس دي لا.
سليم بهدوء: خلينا نشوف، أنا هروح دلوقتي اكلمها إنت اسمع وشوف...
قال كلماته وخرج من الصالون، ظل طه متوقفا مكانه للحظة، محاولا استيعاب ما سمعه، كان متأكدا أن منى، مهما كانت عيوبها، مستحيل تخونه.
ثم تحرك خلف سليم، حتى صعدا إلى الدور الثاني.
توقف سليم بالممر، ثم ألتفت إليه: خليك هنا أنا هروح أسأل عليك، وهتكلم معاها... وإنت تقف تسمع تمام؟
نظر إليه طه بضيق، وقال: أنا مش هسامحك على إللي إنت قولته ده وتخليك تدخل تجرب عشان تخسر راهنك.
ابتسم سليم بسخرية خفيفة ممزوجة بمرارة: والله أنا مش عارف إيه البجاحة دي! هو مين اللي المفروض يسامح مين؟
قال كلمتها تلك، ثم اتجه إلى غرفة طه وطرق على الباب بينما اختبئ طه خلف عمود.
جاءه صوت منى من الداخل: اتفضل.
فتح سليم الباب ودخل، كانت منى تجلس أمام التسريحة، ترتدي بيجامة منزلية من الستان، وقد انعكست ملامحها في المرآة، بينما كان شعرها مبللا.
نظرت إليه عبر المرآة بابتسامة، ثم استدارت نحوه: سليم... تعالى.
تحرك بضع خطوات، ثم سألها: طه فين؟ كنت عايزه؟
تساءلت بهدوء: في حاجة؟
رد: يعني... حاجات تخص الشغل.
ردت بهدوء: هو قال لي نازل الجنينة، بس هييجي دلوقتي.
أخرج نفسا عميقا، ومسح على شعره متصنعا الاختناق: طيب ماشي، أنا هروح أشوفه.
تبسمت: طب ماتقعد تستناه هنا، مش هيتأخر.
أخرج نفسا عميقا مرة أخرى اومأ بالموافقة، ثم جلس على المقعد.
ساد الصمت لثوان، بينما استدارت منى وأكملت تصفيف شعرها.
كان طه يقف خلف الباب، يستمع لكل شيء، بينما جلس سليم متصنعا الهموم والاختناق.
نظرت منى إليه عبر المرآة، مرت ثواني الصمت يعم المكان، ثم وضعت الفرشاة جانبا، ونهضت لتجلس بجواره سألته باهتمام: إيه بقى؟ هتفضل مكتئب كده كتير؟
نظر إليها سليم بابتسامة: في إيه يا منى؟ مالك مركزة معايا الفترة دي ليه؟ من إمتى الاهتمام ده؟
ردت بنبرة ذات معنى: أنا طول عمري مركزة معاك.
نظر لها بطرف عينه يحاول استدراجها: حاسس إن المرة دي زيادة أوي..
أجابته بتوضيح: ولا زيادة ولا حاجة، إنت بس اللي مش واخد بالك مني زي زمان،لما حد بيسالك مالك تقول ملكش دعوه، مش مطلوب ابرر..
صمتت للحظة، ثم تساءلت بفضول: عملت إيه مع ماسة؟ ماقتلتهاش ليه؟
تنهد، وعاد بظهره إلى الخلف، وأخذ ينظر أمامه، متعمدا إظهار الحزن والوجع: عشان هي مصرة إنها ماعملتش حاجة، وإن حد خطفها، وأنا فعلا دورت ووصلت للخيط، بس ده برضوا ماغيرش أي حاجة...
توقف لحظة، ثم قال بصوت مثقل بالحزن: عارفة إيه أكتر حاجة وجعاني؟ إنها وقفت قصادي، وقالتلي: أنا مابحبكش وبكرهك، بعد كل الحب اللي حبتهولها ده، وبعد كل اللي عملته علشانها حبتوغيري..
نظر إليها، وكأنه وجد الجملة التي ستفتح له الباب الذي يريده، ثم قال بصوت بقهر مصتنع: المشكلة إن في عز ما أنا محتاج ليها، ومحتاج لحد يحتويني ويخفف عني كل اللي بيحصل ده، هي بتتشفى فيا..
زفر بوجع يعصف بها بعينين تلمع بدموع تماسيح: أنا مخنوق أوي، ومش لاقي حد أتكلم معاه، تقريبا إنتِ الوحيدة اللي كل شوية تسأليني: مالك؟ هنفضل مكتئبين؟ كل اللي يوشفني بيسألني: وصلت لإيه؟ عملت إيه؟ وصلت لإيه؟ عملت إيه؟ بس كاني إله.
عبست بحزن، ثم أمسكت يده ومسحت عليها باهتمام: أنا معاك يا سليم، أحكيلي أنا قولتهالك وهفضل أقولهالك، ماسة مش هي الست اللي كان ينفع تتجوزها، مش عشان فقرها! لكن عشان مش زينا، لو كنت اتجوزتني زمان، كان زماننا أنا وإنت ملوك العالم ماحدش قدر عليك ووقفت جنبك قصاد العيلة.
ابتسم ابتسامة خافتة، وكأنه أدرك أخيرا أنها بدأت تخطو بقدميها نحو الفخ الذي نصبه لها، ثم قال بنبرة هادئة: الظاهر يا منى كان عندك حق.
لم تتوقع رده، فسألته بدهشة: عندي حق إزاي؟
نظر لها وهو يرسم الندم قال كثعبان: أنا فعلا كان لازم أتجوز واحدة زيك، واحدة تقدر تتحمل أي ضغط، مش تبعني في أول محطة، بس خلاص بقى بعد إيه؟
رفعت عينيها نحوه بابتسامة: على فكرة، إحنا لسه فيها.
ابتسم ابتسامة مصطنعة، وقال وكأنه يسأل بدافع الفضول: عندك عروسة ولا إيه؟
ابتسمت، ونظرت إليه نظرة ذات معنى، ثم قالت بثقة: والله العروسة موجودة، بس فيه مشكلة.
رفع حاجبه، متصنعا عدم الفهم، فيريدها أن تقولها بنفسها: مين بقى العروسة؟ وإيه المشكلة؟
نظرت إليه بثبات، ثم قالت دون تردد: أنا العروسة.
تجمد للحظة، متصنعا الاندهاش، ثم قال: إنتي؟
أومأت بابتسامة واثقة: أممم.
كان طه يستمع إلى حديثهما مذهولا، والغضب يتصاعد داخله حتى بدأ جسده يرتجف.
أومأ سليم، ثم سألها وكأنه يريد أن يدفعها للاعتراف بكل ما يدور في رأسها: ده إزاي يعني؟ وطه ده هنعمل فيه إيه؟
ضحكت باستخفاف، وقالت وكأن الأمر لا يعني لها شيئا: أبقى حرم المرحوم.
رفع حاجبيه بدهشة مصطنعة: حرم المرحوم؟! إنتِ عايزاني أقتل أخويا؟! اتجننتي يا منى؟
أومأت بلا مبالاة، وكأنها وجدت الحل الأبسط: خلاص، بلاش أبقى حرم المرحوم. هتطلق عادي ونتجوز.
ثم مالت نحوه قليلا وقالت بثقة: هو إنت عايز تفهمني إنك لو وقفت قصاد الكل وقلت ليهم: هتجوز منى، حد يقدر يعترض؟! إنت مش عارف قيمة نفسك ولا إيه يا سليم؟
ثم ابتسمت ابتسامة ساخرة، وأضافت: وطه؟ مجرد ما تثغّر له الثغرة؟! يعملها على روحه زي العيال الصغيرة.. مش بيفتح بقه..
نظر إليها طويلا، ثم قال وهو يمد وجهه بفحيح: ماتوقعتش يا منى إنك لسه بتفكري فيا بعد كل السنين دي! أولادك خلاص بقوا في الجامعة..
ابتسمت بسخرية ممزوجة بالوصولية: لازم أفكر، أفكر في الراجل إللي بجد، مش في الهلهولة اللي أنا متجوزاه.
لم يحتمل طه أكثر من ذلك، كانت النيران قد اشتعلت في داخله، وفجأة اندفع إلى داخل كالبركان، وصوته يسبق خطواته: هو مين ده إللي هتتجوزيه؟ ومين إللي عايزة تقتليه؟! يا مجرمة... يا منحطة!
تجمدت منى في مكانها، وما إن التفتت إليه حتى اندفع طه نحوها كالثور الهائج، وأمسك بذراعها، ثم انهال عليها بعدة صفعات متتالية بقسوة، وكأنه فقد السيطرة على غضبه تماما وكأن هذا طه آخر تماما لم نعرفه من قبل..
الرجل الذي ظل سنوات يتنازل ويصمت ويبرر لها كل شيء، يقف أمامها الآن بعينين مشتعلتين، بوجه لم ترى من قبل، رجلا قد طُعنت كرامته في أكثر نقطة تؤلمه.
راح يصرخ فيها، وكل كلمة تخرج منه محملة بسنوات من القهر والغضب وهو يصفعها: بعد كل إللي عملته عشانك؟! بعد كل الحب اللي حبيتهولك؟! تعملي فيا كده يا قذرة؟! يا واطية.
صفعها مرة أخرى وهو يتابع بصراخ، وقد بلغ غضبه ذروته: تعملي فيا كده يا قذرة؟! عايزة تتجوزي أخويا وتقتليني؟.
حاولت منى الإفلات منه وهي تصرخ: سيبني يا طه! أوعى!
لكنه لم يتركها ينهال عليها بالصفعات بلا رحمه، حتى نزفت شفتاها، صاح بغضب حتى برزت عروقه: أوعى! ده أنا هقتلك وأخلص منك.
أما سليم، فظل واقفا في مكانه يراقب المشهد بهدوء غريب، وارتسمت على شفتيه ابتسامة نصر، لقد حصل أخيرا على انتقامه الذي جاء من أجله.
سليم بهدوء، وهو يضع يده في جيبه بشماتة: شفت؟ صدقتني؟ هي دي منى اللي بعت أخوك عشانها خاينه
التفت طه إليه، وأنفاسه متلاحقة، بينما أكمل سليم: منى طول عمرها كده، مستعدة تبيعك وتقتلك عشان توصل للي هي عايزاه.
ضيقت منى عينيها تحاول أن تستوعب الفخ الذي صنع لها، بينما، نظر طه إليها، وعيناه ممتلئتان بالصدمة والغضب والوجع قال معاتبا: ليه عملتي كده؟! أنا كنت بحبك! عملت كل حاجة عشانك، أديتك كل حاجة! كنت مستعد أموت عشان تبقي مبسوطة، وفي الآخر تطلعي عايزة تقتليني عشان تتجوزي أخويا؟!
ثم صاح بغضب: يا واطية! يا سافلة..
صفعها بقوة، فترنحت من شدة الصفعة وسقطت على الأرض.
صرخت منى في وجه طه ببجاحة: أيوة ! أنا بكرهك! وعمري ماحبيتك!
تراجع طه خطوة، وكأن كلماتها كانت أقسى من كل ما سمعه قبلها.
تابعت بإنفعال يكشف حقيقتها الشيطانية: كنت متجوزاك عشان فلوسك، فلوسك وبس! إنت أصلا عمرك ما مليت عيني! ولا عمرك حسستني إنك الراجل اللي أقدر اعتمد عليه! ده إبنك الصغير أرجل منك.
صاح بوجهها والجنون يملأ عينيه وهو يصفعها: أنا مش راجل يا حقيرة، علشان كنت بحبك وعايز رضاكي يا سافلة! أبقى مش راجل؟! أنا بقى هوريكي إني راجل، هقتلك.. هقتلك وأخلص منك!
ثم أنقض عليها يخنقها بكلتا يديه، وعروق رقبته تكاد تنفجر وعينيه محمرتين من الغضب، وهو يهتف باسمها: هقتلك يا منى.. هقتلك!
اتسعت عيناها، وراحت تقاومه بيدين مرتجفتين، تحاول دفعه، لكن جسدها كان يخونها ويضعف شيئا فشيئا
بينما وقف سليم متجمدا للحظات، يراقب المشهد من بعيد، وكأنه يتذوق أخيرا طعم انتقامه يتلذذ، وهو يشاهد تلك العلاقة الدنسة التي كلفته الكثير وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة.
لكن حين أدرك أن الأمر تجاوز التهديد وأنها على وشك مفارقة الحياة! لم يشعر بنفسه إلا وهو يندفع، ويجذب طه بقوة إلى الخلف، صارخا: أوعى يا طه! ما تستاهلش تقتلها وتوسخ إيدك بدمها!
صرخ طه وهو يخنقها: سيبني يا سليم! دي خاينة وتستاهل الموت!
شد سليم قبضته أكثر وقال: الموت راحة ليها واللي زي دي ماتموتش موتة نظيفة، اللي زي دي تترمي في الشارع.
تمكن سليم من سحبه، فسقطت هي أرضا، تلتقط أنفاسها بصعوبة، صدرها يعلو ويهبط بسرعة.
صرخ طه وهو لا يزال يريد الوصول إليها وسليم واقف أمامه بمنع: سيبني أقتلها يا سليم!
سليم بعقلانية: تقتلها؟ وبعدين؟ هتقول لولادك إيه؟ مامتهم اتقتلت ليه؟
تابع بهدوء وهو يركز النظر في عينه يحاول إقناعة: مش هينفع، مش علشانها، علشان ولادك، وبعدين الموت راحة ليها، مش هو ده إللي هيحرق منى.
اقترب أكثر منه، بفحيح شيطاني: اللي يحرق منى بجد إنك ترجعها شحاتة تاني، تخرجها بالبيجامة اللي عليها دي لأهلها وترجع تاني تقول سيدي طه، بس طبعا قبل ماخرج من القصر، تمضي على تنازل عن كل حاجة، وبعدها تروح ترميهالهم وتقولهم بنتكم خاينة، ساعتها تبقى حرقتها بجد، لكن الموت راحة ليها وللي زيها.
سكت طه للحظة، وكأنه يفكر في حديث سليم.، ظل سليم ينظر إليه بعينين ثابتتين، كأنه يريد إقناعه بتلك الفكرة، فمقتل منى الآن ليس مايرضيه، وهذا كان غريبا.
كان صدر طه يعلو ويهبط بشدة، وعيناه مشتعلتين بغضب جارف، وهو يجز على أسنانه، بينما ظل سليم واقفا أمامه يحاول أن يقرأ مدى تأثير حديثه عليه.
تابع سليم بنبرة هادئة لكنها حاسمة:صدقني يا طه هو ده الحل الصح..
ثم نظر إلى منى وأشار إليها بيده باحتقار: الخاينين إللي زيها الموت رحمة ليهم.
نظر طه إليها نظرة مطولة، نظرة مليئة بالاشمئزاز والقرف، ثم هز رأسه موافقا، وهو يمسح يده في بنطلونه كأنه يمسح شيئا مقززا علق به، ثم قال ببرود رعبها أكثر من الخنق نفسه: عندك حق يا سليم أنا مش هوسخ إيدي في واحدة زي دي..
أضاف وهو يتحرك ويعطييها ظهره: أعمل فيها اللي إنت عايزه أهي عندك..
ثم أكمل بضجر: واحدة باعت جوزها وعايزة تقتله علشان أخوه، دي تنداس بالجزم، ما تتقتلش.
كانت تلك الجملة بنسبة لها كالصفعة أقسى من كل الضرب.
ابتسم سليم، فقد كان هذا بالضبط ما يريده، ثم حول نظره إليها، وهو يمرر أصابعه أسفل ذقنه ببطء، يفكر، وعيناه تلتمعان بخبث، وقال بنبرة باردة مرعبه:
تفتكري هعمل فيكي إيه؟!
رفعت رأسها بصعوبة، ومسحت الدم عن شفتها بظهر يدها، ورغم ضعفها حاولت أن ترسم على وجهها القوة، وقالت بضعف مصطنع: إنت مفكرني زي مراتك وأهلها؟ لا يا حبيبي، أنا لحمي مر، ومر أوي يا سليم أنا منى رفيق الحسيني فاهم.
ضحك سليم ضحكة ساخرة، وفجأة تنقلب ملامحه إلى قسوة مخيفة، واشتعلت عيناه بنظرة مرعبة، وبدون أي إنذار، هوى عليها بصفعة عنيفة أسقطتها أرضا من جديد، فارتطم جسدها بالأرض، ومال رأسها بقوة من أثر الضربة، بينما سال الدم من جانب فمها، وبقيت للحظات عاجزة عن استيعاب ما حدث.
انحنى فوقها وأمسكها من شعرها بقسوة، وقال بصوت منخفض مرعب لكنه بارد كالثلج: اسم مراتي مايجيش على لسانك الوسخ ده.. فاهمة؟
ضحك بسخرية، وهو ينظر إليها من أعلى لأسفل نظرة مليئة بالتقليل والاحتقار، كأنها شيء عفن مقزز لا يستحق حتى أن يلمسه، ثم قال: وبعدين إنتي كنتي فاكرة إيه؟ فاكرة إني ممكن أبصلك؟
خرجت منه ابتسامة ساخرة صغيرة وهو يتابع:
من أول ماشوفتك زمان وأنا عارف إنك ست رخيصة، وقولتله بس هو ماصدقنيش، حبه كان عنيه، إنتِ عمرك ما مليتي عيني، أنا مش شايفك أصلا، إنتي غبية أوي يا منى.. فاكرة نفسك ذكية وإنتي غبية.
صرخت فيه وهي تبكي بغيظ: هقتلك يا سليم وهندمك.. مابقاش أنا منى!
ضحك ضحكة عالية أكثر مستفزة، يملؤها السخرية والثقة:مش هتعرفي تعملي حاجة، وبابي اللي إنتِ بتتكلمي عنه ده، بيجي قصادي وبيقول لي سيدي سليم بيه، وهفضل طول عمري سيدك وسيده..
تنهد وهو يتابع بنبرة أهدأ، لكنها ما زالت ممتلئة بالقوة والسيطرة: أنا كنت مجهز أوراق التنازل، عارفك واطية يا منى..
مد يده داخل بدلته وأخرج بعض الأوراق، ثم ألقاها أمامها: يلا يا رخيصة أمضي، ولعلمك...
مال برأسه قليلا مستفزا إياها، ونظر لها بعينين لا تعرفان الرحمة، مهددا بصوت منخفض مرعبا: الفقرة إللي قضيناها مع بعض دي، اتصورت صوت وصورة، وحراسي كلهم بيتفرجوا دلوقتي، صدقيني أنا ماعنديش مشكلة أذيعها وأطلعك ست خاينة قدام أولادك.
ثم سألها بنبرة لا تحمل أي مجال للنقاش: ها.. هتمضي من سكات، يا بعد تلات ثواني الرسالة هتوصلهم، تحبي تجربي؟
نظرت إليه بعينيها وكأنها لم تصدق ما تسمع، فبادلها النظرة ببرود وأشار بيده: مش مصدقاني؟ الكاميرا هناك فوق أهي.
رفعت عينيها ببطء، فوجدت بالفعل عدسة كاميرا حمراء صغيرة تلمع في السقف نظرت إليه بغل وحقد دفين.
زاح أمامها الأوراق والقلم بحدة آمرا:أمضي يا رخيصة، أمضي.. واحد.. اتنين..
ارتجفت يدها بشدة، ثم أمسكت القلم ووقعت بسرعة.
ابتسم بإنتصار بارد وقال وهو يشدها من كتفها بقسوة: شاطرة، يلا قومي..
وفجأة تغيرت نبرته، أمسكها من شعرها بقوة يسحبها من على الأرض وهي تصرخ من الألم، هتف ببحة رجولية جوهرية: يلا معايا، قومي، غوري في ستين داهية مش عايزين نشوف وشك هنا تاني.. ولو فكرتي ترجعي إنتي عارفة أنا هعمل فيكي إيه!
حاولت أن تثبت مكانها وتتمسك بأحد المقاعد وقالت بذل وعناد: لأ إوعى.. أنا مش هخرج كده! أنا هلبس هدومي وهخد كل حاجتي!
لكنه شدها أكثر، فوقعت على الأرض، وظل يسحبها من ذراعها حتى كاد أن يخلعه في يده قال من بين أسنانه: ولا ليكي أي حاجة هنا.
بدأت تصرخ وهي تنظر إلى طه الذي يعطيها ظهره: طه! يا طه! ألحقني، هتسيب أخوك يضربني؟ يا طه رد عليا!
لكن طه لم يلتفت، ظل واقفا يعطيها ظهره كأنها غير موجودة.
صاح بها سليم بشدة: ولسه ليكي عين تنادي عليه يا مجرمة يا سافلة..!
جن جنونها، وراحت تصرخ في سليم بوعيد: مش هسيبك يا سليم سامع؟ هقتلك.. هدمرلك حياتك زي ما دمرتني
ظل يسحبها وهي تزحف على الأرض وتحاول أن تتشبث بأي شيء، وملابسها تتمزق، حتى وصل إلى الباب أوقفها، فتح الباب، ثم دفعها خارجه بقدمه، فسقطت في الطرقة.
وقال بصوت حاسم: أمشي من سكات بدل والله ما أخلي الحراس يرموكي بره، وأولادك جوة، بلاش يحسوا بحاجة ويشوفوا أمهم وهي بالمنظر ده!
نظر إليها ببرود وهم أن يغلق الباب في وجهها، لكن قبل أن يغلقه تماما، سمع صوت طه من الخلف يقول: أستنى يا سليم.
رفعت رأسها بسرعة، ونظرت إليه بإبتسامة فرحة وأمل، فقد ظنت أخيرا أنها وجدت النجدة.
لكن طه نظر إليها بقرف واشمئزاز، وقال بصوت قاطع: إنتي طالق.. طالق بالتلاتة.. يا أوسخ وأزبل بني آدمة قابلتها في حياتي.
ثم أغلق الباب في وجهها بقوة.
ظلت في الخارج تبكي وهي تقول بوعيد: والله العظيم ما هسيبك يا طه إنت ولا سليم وهدفعكم التمن.. مابقاش منى رفيق الحسيني!
أخذت تلتقط أنفاسها بصعوبة، وهي تنظر حولها في اضطراب، بينما كان صدرها يعلو ويهبط بسرعة من شدة انفعالها، نهضت على عجل، وشعرها مبعثر من أثر ما حدث، وعيناها ممتلئتان بالدموع والغل.
صرخت بأعلى صوتها، وهي تتجه إلى الخارج: هندمك يا سليم، وربنا لهندمك! والله لحرقلك قلبك..
ثم مسحت دموعها وتحركت هبطت الدرج مسرعة وهي تركض، لا تريد أن يراها أحد، ظلت تركض حتى الحديقة، بينما كانت الخدم والحراس يرمقونها بنظرات متعجبة، حتى تجاوزت بوابة القصر واختفت عن أنظارهم.
في إتجاه آخر، عند طه وسليم.
ظل طه واقفا في منتصف الغرفة، عاجزا عن استيعاب ماحدث وماسمعه للتو؟ لم يتوقع يوما أن تكون منى بهذا السواد وتلك القذارة.
كان يعلم أنها طماعة، وأنها لم تكن تحبه بالقدر نفسه الذي أحبها به، لكنه لم يتخيل أبدا أن يصل بها الأمر بأن تفكر في التخلص منه من أجل الزواج من أخيه الصغير..
كان قلبه يعتصر من الألم، وعقله يكاد ينفجر من شدة الوجع، بينما هبطت دموعه كسيل ساخن على وجهه.
ظل سليم واقفا لثواني، ينظر إليه بصمت، كان يعرف جيدا ما يشعر به الآن، لقد شعر بهذا الوجع من قبل
ومع ذلك، لم يشعر نحوه بالرحمة أو الشفقة.
فلو تحدّث منذ البداية، ولو امتلك الشجاعة ليقول الحقيقة في وقتها، لما آلت الأمور إلى كل هذا.
أخذ نفس عميقا تحرك خطوة وهو يقلب الورق بين يديه قال: الورقة ده فيها تنازل عن كل حاجة.
استدار طه إليه، بعينين حمراوين من شدة البكاء، وصوته مبحوحا ومكسورا وهو يهز رأسه بوجع ويضرب على صدره من القهر:
تنازل إيه؟ إنت فاكرني بفكر في الفلوس؟! أنا مش بفكر غير في الخاينة الفاجرة، إنها كانت عايزة تقتلني عشان تتجوزك! ولا كأن كان بينا عشرة ولا أولاد! ولا كأني كنت بحبها في يوم، دي لو كانت مربية كلب، وعاش معاها نص اللي أنا عشته معاها، ما كانتش فكرت تعمل فيه كده.
تبسم سليم إبتسامة باردة، واقترب منه خطوة وهو يشير بإصبعه في وجهه، وكأنه أمرا عاديا: عادي يا طه ما إنتوا قعدتوا نفس القعدة قبل كده، واتفقتم على قتل ماسة وهي حامل.
شهق طه، وسقط على ركبتيه، ووضع يده على وجهه، خرج صوته مخنوقا بالدموع: يا سليم، حرام عليك كفاية وارحمني!
إنحنى عليه سليم، حتى أصبح وجهه أمام وجهه مباشرة، ومال برأسه متعجبا قائلا بجمود ممزوج بسخط: حرام عليا أنا؟! إنت فاكر إني عملت كل ده عشان إنت صعبان عليا ومش عايز أعيشك مغفل؟!
ضحك بسخرية، وتبدلت نظرة عينيه إلى نظرة مليئة بالغضب وقال بشماته: لا يا حبيبي، أنا عملت كده عشان أشوف الوجع إللي في عينك ده، عشان أحس إني أخدت حقي، وهي وجعتها من الحتة اللي بتوجعها، الفلوس..
أضاف من بين أسنانه وعيناه تلمعان: إنت وجعك بإنك تتحرم منها وتعرف إنها عمرها ماحبتك وإنك كنت مغفل، وهي اتوجعت لما اتحرمت من الفلوس إللي طول عمرها بتحاول تجمعها، أنا كده أخدت حقي..
ثم رفع ظهره بابتسامة واسعة، وكأنه أخيرا شعر بالراحة، وقال بعينين لا تعرفان الرحمة: أنا كده مبسوط، أشربوا من نفس الكاس اللي أنا شربت منه سنين...
ثم اقترب منه وعيناه غارقتان بالسواد، قائلا بصرامة وتهديد: بس أنا عايز أقولك على حاجة يا طه! إنت لو فتحت بوقك.. الفيديو معايا هذيعه.
رفع طه عينيه إليه باستغراب وقال: إنت بتقول إيه؟!
أجابه ببرود موضحا: بقول إنت لو فكرت تقول لمنى إني عرفت الحقيقة بتاعت الحادثة، أو قولت لأي حد، الفيديو ده هينتشر.
شهق طه بعينين متسعتين، وكاد أن يقف، وصاح به:
إنت مجنون؟!
ابتسم سليم إبتسامة باردة صغيرة، ووضع يديه على كتفه من فوق وأجلسه مرة أخرى، وقال بهيمنته المعتادة: بقولك إللي سمعته، هعرف الناس كلها إن منى الحسيني، مرات طه، كانت بتبص لأخوه..
ساد الصمت للحظات، قبل أن يقول سليم بنبرة حادة كالسيف، وكأنه يتصدق عليه برحمته: وعلى فكرة، إللي عملته معاك ده رحمة، عشان إنت ماقتلتش بإيدك، لكنك كنت عارف وسكت..
ثم اقترب منه أكثر وقال بنبرة مخيفة: واللي سكت، بنسبالي شارك.
ارتجفت شفتا طه، بينما تابع سليم بنبرة مهتزة، وعيناه متجمعتان بالدموع لكنه أبى أن يهبط نظرة أمامه وقال بمرارة: عيشتني سنين بدور على عدوي، وأنا عدوي قاعد معايا، بياكل على نفس السفرة! وإنت عارف وساكت...
ثم نظر إليه وهو يشير إليه باتهام وكأنه يطلق عليه الرصاصة بخذلان واصل: إنت كمان مش بريء يا طه، يمكن مافرقتش كتير عنهم، رغم إني عمري ما كنت أتوقع منك تعمل كده فيا..
خفض طه رأسه، وبدأت دموعه تهبط بصمت وندم
تابع سليم علي نفس ذات الوتيرة بعتاب: أوعى تكون فاكر إن القتل لازم يكون بالإيد، أو بالاتفاق، السكوت خيانة يا طه، إنت كمان قتلتني زيهم بالظبط...
مسح تلك الدمعة التي هبطت على خده، وابتلع تلك الغصة التي تكونت في حلقة، أضاف بتشفي: أنا دلوقتي مبسوط؟ لإنك عايش الوجع اللي عشته سنين، لما عرفت حقيقة الرخيصة اللي سكت عشان تحافظ على حياتك؟
رفع طه عينه بحسرة قائلا بصوت منكسر: يا ريتك قتلتني... وماعملتش فيا إللي عملته ده.
ابتسم بقسوة ومرر العين عليه قائلا: أقتلك ليه؟ وأقتلها ليه؟ ولا أقتل حد فيكوا ليه؟ القتل بالنسبة لكم رحمة..
تغيرت ملامحه، وظهر الوجع القديم في عينيه أضاف بنبرة مهتزة برغم إنه كان متمسك بهيمنته وقوته: أنا عشت أكتر من خمس سنين وقلبي مذبوح على بنتي، وعلى مراتي، وعلى نفسي، وأنا مش عارف مين اللي عمل فيا كده، ومين إللي دمر حياتي..
مالت شفتيه بنصف ابتسامة ساخرة بسخط وهو يتوقف: معلش، أدفعوا بقى تمن خمس سنين من عمركم، عيشوا الخوف، والوجع، والندم. وبعدها نتحاسب..
ثم أشار إليه بتحذير لا يعرف النقاش: وأوعى تفتكرني بهوش، ولادك مش هيكونوا عندي أغلى من بنتي.. أقسم بالله يا طه، لو لسانك ده اتفتح، هوريهم الفيديو..
نظر له من أعلى لأسفل باحتقار وواصل: إنت عشت طول عمرك جبان، كمل بقى في جبنك.
قال سليم كلماته الأخيرة، ثم استدار وغادر إلى الخارج.
ظل طه جالسا في مكانه للحظات، يشعر بنيران تلتهم كل شيء بداخله، كل كلمة قالها سليم كانت تصفعه بالحقيقة؛ كل ماحدث كان بسبب جبنه وخوفه ولامبالاته التي عاش بها طوال تلك السنوات، كل شيء حدث له بسبب اختياراته، والآن، كل ماحاول الهروب منه يعود إليه من جديد.
مال إلى الأمام، وأجهش في البكاء، وقد انهارت كل مقاومته أمام الوجع والندم.
الفيلا التي يمكث بها مصطفى،5م
كان يقف أمام المرآة يهندم قميصه استعدادا للخروج، انفتح الباب ودخلت نبيلة تتساءل: بتلبس كده ورايح علي فين؟ عندك شغل ولا إيه؟
نظر لها من المرآة، وقال ببرود: لا، رايح أطلق آلاء!
تنهدت بإنزعاج ثم جلست على طرف الفراش وقالت بضجر: استغفر الله العظيم يا رب، لسة برضوا مصممين على العبط ده؟ طب هي شكلها مجنونة، إنت تبقى مجنون زيها؟
أضافت بعقلانية حنونة: يا ابني ماحدش يسمع كلام الستات لما تطلب الطلاق، أمال ليه ربنا خلى العصمة في إيد الراجل؟ علشان المهابيش إللي زيها، تخيل كانت تبقي العصمة في ايديهم كانوا طلقوا رجالتهم كل يوم 20 مرة.
ضحك رغما عنه، تحرك وجلس بجانبها وقال بهدوء: يا ماما، الكلام ده لو إحنا الاتنين كنا متجوزين بجد، لكن أنا وآلاء حاجة مختلفة، الموضوع كله كان إتفاق.
نظرت له بنصف عين ثم قالت بنبرة ذات مغزى: بس أنا ماكنتش حاسة بده خالص، كنت حاسة إن في حاجة جواك، وبصراحة اتكلمت مع أختك وأكدت احساسي، روح قولها.
أشاح بوجهه، وتساءل ببحة: أقولها إيه؟
نظرت له بتصميم: قولها إللي جواك، وفهمها إنك لما سيبتها ومشيت، ماكنش هروب ولا لحظة ضعف، قولها بحبك وعايزك.
اختنق ونظر إلى السقف، ثم عاد ببصره إليها وقال بحدة: عائشة قالتلي نفس الكلام، وعملت كده وحاولت أكلمها، بس هي مادتنيش فرصة وهي مصممه على قرارها، أنا مش هقلل من نفسي..
أمسكت يده بحنان وقالت بعقلانية: يا إبني يا حبيبي أفهمني، أنا مقولتش تتحايل عليها، أنا بقول يبقى فيه بينكم تفاهم، بص يا مصطفى، وخدها مني، تلت تربع الستات المطلقة، وتلت تربع الناس إللي بينهم مشاكل، عشان محدش فيهم قال إللي جواه واتكلم بصراحة، عشان مافيش بينهم حوار وتواصل، وكل واحد فاهم حاجة حطها في دماغه وكبرها وعاش عليها، مع إن الحقيقة حاجة تانية خالص ومختلفة.
نظر لها بدهشة، متعجبا من كونها هي من تقنعه الآن بأن يمنح فرصة لآلاء: هو إنتِ من أمتى بتقولي الكلام ده؟ ده إنتِ أكتر واحدة كنتي عايزاني ماكملش معاها وماكنتيش طيقاها.