
رواية في قلبي انثي عبرية الفصل السادس 6 بقلم خولة حمدي
فتح جاكوب عينيه في فزع، واستوى جالسا في فراشه
وهو يلهث بشدة، ظل يحدق أمامه في الفراغ وهو يضع
كفه على صدره، محاولا السيطرة على انفعاله... كان
كابوسا مريعا، ألقى نظرة على تانيا التي كانت تغط في
نوم عميق. لم توقظها حركته، فلطالما كان نومها ثقيلا.
أزا ح اللحاف وغادر الفراش، سار على أطراف قدميه
إلى باب الغرفة وفتحه في هدوء، والكلمات الأخيرة التي
سمعها في كابوسه لا تزال ترن في رأسه.
كان البيت هادئا تماما، حانت منه التفاتة إلى الساعة
الحائطية في الممر، كانت الساعة قد تجاوزت الرابعة
بعد منتصف الليل ببضع دقائق، سيقوم بجولة ليتفقد
الأطفال، ثم يخلد إلى النوم من جديد. ما زال أمامه
بضع ساعات قبل موعد العمل، كانت الغرفة الأقرب الى
غرفته هي غرفة باسكال، فتح بابها وأطل برأسه،وبخشوع
لصغير نائما وقد انحسر عنه الغطاء، أعاده الى وضعه
وسحب منه الآلة الحاسبة التي كان يحتضنها، ابتسم
في دهاء وهو يتناول دمية دب من الحجم الكبير من بين
الدمى المصففة على رفت الخزانة في نظام، كان قد
اشتراها له منذ سنتين، لكنه لم يره يلهو بها أبدا...
وضعها إلى جانب الولد، وجعل ذراعه تحتضنها، ثم
انصرف في رضا.
كان يهم بدخول غرفة سارا حين تناهت إليه همهمة
منخفضة، قادمة من غرفة ريما الواقعة في الجانب
الآخر من المنزل، اقترب في حذر، فلمح ضوءا صادرا
الفتحة تحت بابها، يبدو أنها مستيقظة في هذا
الوقت! أدار مقبض الباب وفتحه بلطف... تسمر في
مكانه حين ألفى الفتاة تجلس على سجادتها، وتمسك
بين يديها كتابا، كانت تقرأ منه بصوت رخيم وبخشوع
مؤثر. كتاب قرآن، لبث جاكوب يتأملها في صمت وقد
انتابه إحساس غريب، لم يكن يصغي إلى الكلمات التي
تنطق بها، لكن ترتيلها كان ذا لحن شجي لامس جدار
قلبه القاسي، انتبه حين توقفت عن القراءة، أغلقت
كتابها والتفتت إليه مبتسمة، فبادرها:
- ما الذي تفعلينه في مثل هذا الوقت؟
- استيقظت لصلاة الفجر...
- هاه؟ هل هي صلاة جديدة؟
وقفت وطوت سجادتها وهي تقول موضحة:
- بل هي صلاة قديمة... لكنني لم أكن أدرك قيمة أدائها
في وقتها... فأصليها قبل شروق الشمس بقليل... لكن
الشيخ يقول إن ركعتي الفجر خير من الدنيا وما فيها...
هم بأن يتكلم، لكته تذكر الكابوس الذي رآه منذ دقائق
وسمع صوت والدة ريما وهي تهتف في أذنيه «الأمانة
يا جاكوب... الأمانة!!» كان ذاك النداء ما أخرجه من
نومه فزعا. تمالك نفسه واقترب من الفتاة ليربت رأسها
في حنان وهو يقول:
- حسن يا صغيرتي... والآن هيا إلى النوم... ما زال
الصباح بعيدا...
استلقت ريما في سريرها، وغطاها جاكوب في حرص،
ثم قرب كرسي مكتبها وجلس إلى جانبها، لبث يتأمل
قسمات وجهها البريئة للحظات وهي تبتسم في وداعة.
ولم يستطع أن يقاوم رغبة مفاجئة في أن يسمعها أغنية
نومها التي كان يغنيها لها عندما كانت طفلة دون
السادسة... الأغنية التي تحمل اسمها للسيدة فيروز.
يالله تنام ريما يالله يجيها النوم
يالله تحب الصلاة يالله تحب الصوم
يالله تجيها العوافي كل يوم بيوم
يالله تنام، يالله تنام أذبح لها طير الحمام
كانت ريما تحب تلك الأغنية كثيرا، وتحب أن يغنيها لها
جاكوب، فهي كانت تذكرها بوالدتها الراحلة، تشبث
بذرا ع جاكوب وهمست وقد امتلأت عيناها بالدموع:
- بابا يعقوب... أنا أحبك كثيرا...
امتقع وجهه فجأة، وهز رأسه في صمت، صارت كلما
حبها تخيفه في الفترة الأخيرة........
انشغلت ندى بترتيب المنزل وغسل الأواني في سويعات
الصباح الأولى، كانت دانا قد انصرفت إلى جامعتها
منذ أكثر من ساعة، ولم ينصرف ميشال إلا بعد أن
أعطاها درسا في الحذر والتعامل مع الغرباء، وبعد أن
وعدته بجعل الشابين ينصرفان في أقرب وقت. أما هي
فقد امتنعت عن الذهاب إلى جامعتها في ذلك الصباح،
حتى تنتهي مما يشغلها.
أتمت تجفيف الأطباق ورمت المنديل على المنضدة وهي
تتنهد، ربما عليها أن تتفقد ضيفيها، وتطمئن على حال
الشاب الجريح، قبل أن تطلب منهما المغادرة. ولكن
ا الضيافة أن تقدم إليهما فطور
عليها أولا من و جب
الصباح، سارعت بملء كأسين بالحليب الدافئ،
ورصفت بضع قطع من الكعك على طبق صغير، وخرجت
باتجاه المستودع.
طرقت الباب لتعلن عن وصولها، انتظرت قليلا، ثم دفعت
الدفة بلطف، وما إن خطت إلى الداخل حتى وقعت
نظراتها على أحمد الذي استوى جالسا على الطاولة
وساقه المصابة ممددة أمامه، كان يحدق في الباب
بنظرات حذرة متحفزة، لكن حين رآها تحمل طبق
ر سترخت ملامحه، وخفض بصره عنها، تقدمت
الإفطاا "
في هدوء وهي تجيل عينيها في المكان، ثم قالت وهي
تضع الطبق على الكرسي الخشبي:
- أين صديقك؟
أجاب أحمد دون أن يرفع رأسه إليها:
- خرج لتغيير إطارات السيارة وإصلاح عطبها... لا
نريد أن نثقل عليكم أكثر مما فعلنا...
أضاف في امتنان:
ث
- حسان أخبرني بما فعلتم من أجلي... لست أدري
كيف أوفيكم حقكم من الشكر...
ابتسمت ندى وهي تضع كوب الحليب على الطاولة
بالقرب منه، وهمست في حياء:
- لم نفعل إلا الواجب
ثم قالت وهي تقرب منه طبق الكعك:
- تفضل بعض الكعك... سيساعدك على استرداد
عافيتك...
وضعت الطبق أمامه، وأخذت تجمع الأغطية وترتبها.
أطرق أحمد في تردد وهو يراقب حركتها بطرف خفي.
كان يصارع الفضول الذي استبد به، وصار يلح عليه
حتى يعرف حقيقة أمرها، كانت تهم بالانصراف حين
استوقفها وقد أوشكت على تجاوز العتبة.
توقفت ندى والتفتت إليه في اهتمام.
- آنستي... أنت يهودية، أليس كذلك؟
نظرت ندى على الفور إلى نجمة داود التي كشفت
أمرها منذ البداية، ولم تعلق.
- إذن... لماذا تساعديننا؟
رفعت عينيها في انزعاج وهتفت:
- وما شأن ديانتي بالعمل الإنساني؟ ألا يحثك دينك
على الرحمة والرأفة وتقديم يد المساعدة إلى من
يحتاجها، مهما كان انتماؤه وعقيدته؟ أليست تلك رسالة
جميع الأديان السماوية؟
ارتبك أحمد وقد أدهشه ردها ،وخفض رأسه في خجل
من نفسه. فتاة يهودية تلقنه درسا في الأخلاق!! لم يملك
ألا ان يتمدم في اعتذار:
- أنا آسف... لم أقصد الاهانة..
استطردت ندى في عدم اكتراث.
- لا عليك..، فما يحصل حولنا ينسينا أننا نعبد إلها
واحدا... وإن اختلفت التفاصيل والملابسات...
سرح أحمد للحظات، وهو يحاول استيعاب كلماتها التي
صدمته بقوة. لم يكن قد تقرب قبلا من اليهود العرب، ولا
عرف شيئا عن طريقة تفكيرهم، والفكرة الطاغية لديه
هي أنهم يضمرون العداء للمسلمين، لكن هذه الفتاة
التي تقف أمامه تقول كلاما لم يتعود عليه، كلاما يضع
الكثير من المسلمات لديه موضع تشكيك،
قاطع صوتها أفكاره وهي تقول موضحة:
- لا تستغرب ما أقول... فأنا نشأت في عائلة تختلط
فيها كل الديانات... اليهودية والمسيحية والإسلام.......