رواية في قلبي انثي عبرية الفصل السابع 7 بقلم خولة حمدي


رواية في قلبي انثي عبرية الفصل السابع 7 بقلم خولة حمدي


اختلاف بينهم هز رأسه في اهتمام، يشجعها على الإفصاح عن 


قصتها... فقد استثاره كلام حسان عن أخيها 


المسيحي، وازداد فضولا مع كلماتها الأخيرة، ابتسمت 


ندى وهي تستند إلى الجدار، وترفع خصلات شعرها 


النافرة التي أطلت من تحت 


غطاء رأسها، لم تكن قط 


فتاة متساهلة في علاقتها مع الجنس الآخر، بل إنها 


إلى عائلة محافظة تعطي وزنا كبيرا للعاد ت 


والتقاليد، حتى إنها من بين الأقلية اليهودية التي تحافظ 


على غطاء الرأس للمرأة وزيها المحتشم. لكنها، وفي 


لحظات بسيطة، أحست بارتياح غريب تجاه أحمد، 


ووجدت نفسها تحاوره دون تردد وتحدثه عن عائلتها، 


ربما كان لملامحه الجادة ولنظراته التي التصقت 


بالأرض احتراما لها دور في ذلك، وقد سرها أن تجد من 


يصغي إلى حديثها بمثل ذاك الاهتمام، فتابعت: 




- ولدت من أم يهودية وأت مسلم... ربما لم يكن والدي 


ملتزما كثيرا بدينه، لكنه مسلم على أية حال، أما أمي 


فهي من أسرة يهودية محافظة تهتم بتطبيق الدين 


وإقامة شعائره، تعرفا في تونس، حيث جذور عائلتي، 


وتزوجا رغم معارضة الأهل، بعد قصة حب قوية. لكن من 


العجيب أن زواجهما لم يدم طويلا... بل اشتدت 


الخلافات بينهما، وانتهيا إلى الطلاق بعد أن جئت أنا 


وأختي دانا إلى الوجود... 


عادت ذاكرتها بها إلى الوراء، وأخذت صور من الماضي 


تنساب أمام عينيها وهي تحدث هذا الرجل الغريب عن 


حياتها، تذكر ذاك اليوم، حين جلست أمها إليها وأختها 


دانا في ساحة منزل جدتها العتيق، رغم سنواتها 


الأربع، فإن الكلمات كانت واضحة في ذهنها. والدتها 


حدثتها عن الشتات الذي كتب على اليهود، وعن ضرورة 




الرحيل وترك الأهل والأحباب، لأن ذلك هو قدرهم المحتم، 


الله كتب عليهم التنقل من مكان إلى آخر، وعليهم 


حتى تغفر خطاياهم. 


الانصياع مهما كان ذلك قاسيا، 


«الله أمرنا بتعمير الأرض، وأينما كانت هناك أرض، 


فسيكون عليها يهود، وأرض الله واسعة»، الحتمية 


والقدر، هكذا بررت سونيا رحلتها المفاجئة نحو الأفق 


البعيد، وإن كانت حقيقة دوافعها مختلفة، في تلك السن 


فكرت ندى أنها لم تكن تريد الرحيل، لكنها لم تكن تريد 


أن تغضب الله. 


كلما فكرت في مفاهيم «الحتمية» و(«القدر» الراسخة 


في معتقدات اليهود، ازدادت اقتناعا بأنها مثل أمها، 


ستواجه قدرها رافضة الاستسلام للحتمية، بالنسبة 


لأمها، يعتبر الانتحار حلا سهلا، يبعد كل البعد عن 


مفهوم الشجاعة، بالاضافة إلى كونه مضادا للطبيعة


الانسانية، لأنه يتناقض مع مشاعر الرغبة وغريزة البقاء 


البشرية، ومن يتحدون قدرهم بوضع حد لحياتهم ليسوا 


شجعانا كما يعتقد الجميع. لذلك فقد اختارت طريق 


الصراع المستميت لتغيير القدر. 


حتى وقت قريب، كانت تفاصيل حياتها تحاك في 


معظمها بأنامل أمها التي تهوى المعارك، ولا تنوي أبدا 


أن تخسر الحرب، كانت قد أعلنت الحرب على كل جنود 


الحتمية وهي تحمل إرادتها الصلبة كسلاح وحيد. هل 


يخلد التاريخ ذكرى الأشخاص أمثالها؟ لا، بالنسبة إلى 


أشخاص لا يغازلون الموت، يفال غالبا، فلان عاش 


سعيدا أو تعيسا، لقلة ماله أو ذكائه... لكننا لا نعتبر 


بطلا الا شخصا يموت شهيدا أو في شأن عظيم، أما 


الآخرون فإنهم يعيشون لتحقيق قدرهم لا غير. 


كانت أمها بطلة ذكرياتها دون منازع. ... حتى إنني لم أشعر يوما أنني أفتقد إلى وجود أبي الحقيقي في حياتي، فبابا جورج كان نعم الأب لنا أنا وأختي، بل إنه كثيرا ما كان يعاقب ميشال بدلنا، حتى لا يشعرنا بأي تفرقة بيننا، أمي كانت حريصة على تعليمنا الدين اليهودي، أما ميشال فقد رباه والده 


على المسيحية... لكننا تعلمنا أن ذلك لا يغير من أخوتنا 


شيئا... لأن الله واحد للجميع... 


رفع أحمد حاجبيه معبرا عن عجبه... الله واحد للجميع! 


هل يؤمن اليهود بذلك حقا؟! 


واصلت ندى مبتسمة: 


- كما أن تلك ليست التجربة الوحيدة في عائلتنا... 


فخالتي تزوجت من رجل مسلم أيضا... وخالي ارتبط 


بمسلمة، ثم أسلم من أجلها... ولا أظنهما حالتين 




استثنائيتين... خاصة أن عدد اليهود في تونس ليس 


كبيرا، لذلك فإنهم يندمجون بسهولة في المجتمع 


ويدزوجون من المسلمين... 


سألها أحمد في جديه: 


- ولكن... كيف يقبل في دينكم أن ترتبط المرأة برجل 


ليس على دينها؟ ففي الإسلام، يحل للرجل أن يرتبط 


بكتابية، لكن المرأة المسلمة لا يجوز لها أن تتزوج غير 


المسلم... 


أومأت ندى برأسها موافقة وهي تقول: 


- نعم أعلم ذلك... لكن في اليهودية الأمر مختلف. 


، يجب أن تكون الأم يهودية حتى يكون 


فبالنسبة إلينا 


الأطفال من اليهود. لأن الأم هي من يعلم الأطفال 


الدين... ولو لم يكن الأمر كذلك لدينا، لما أمكن للرجال 


المسلمين الزواج من يهوديات... 




بادرها أحمد على حين غرة: 


- وأنت؟ ما نظرتك للمسلمين؟ هل تقبلين بالزواج من 


رجل مسلم؟ 


بدا عليها التوتر والتردد، وخفضت رأسها في حياء. 


لاحظ أحمد اضطرابها فاستدرك على الفور في ارتباك: 


أنا آسف، أقصد أن أحرجك... ولكن أردت أن أعرف 


كيف ينظر الجيل الجديد إلى مسألة الزواج المختلطة... 


هل هي مقبولة عندهم، أم أنها كانت خاصة بزمن معين 


وثقافة معينة... وهل هناك فوارق في التفكير بين يهود 


تونس ويهود لبنان... هذا ما قصدته... 


كانت ندى تهم بالرد حين فتح باب المستودع، الذي ظل 


مواربا، ودخل حسان وقد ظهر الانشراح على أساريره. 


التفتا إليه في وقت واحد، وقد بدا على كليهما 


الاضطراب، في حين هتف حسان الذي كان منشغلا 




بما يحمله من أخبار: 


- السيارة جاهزة... أظننا سنغادر في الحال، وشكرا لك 


مجددا آنستي... 


همهمت ندى ببضع كلمات غير مفهومة، وسرحت 


نظراتها للحظات وهي تحس بانقباض لم تدر مصدره. 


أما حسان فتقدم على الفور ليساعد أحمد على الوقوف، 


دون أن يضيع لحظة واحدة، كأنه يستعجل المغادرة. 


تحرك أحمد من مكانه ببطء وهو يستند إلى ذراع 


صاحبه، لكن ما إن وضع ساقه المصابة على الأرض، 


حتى بدا على ملامحه ألم شديد لم ينجح في كتمانه، 


فأطلق صرخة قصيرة جعلت ندى تضم كفيها إلى 


صدرها في تعاطف، سارع حسان ليحيط خصره 


بذراعه، ويسهل خطواته الأولى... أخذا يسيران في بطء 




باتجاه السيارة التي توقفت أمام باب الحديقة، أما ندى 


فتبعتهما إلى البوابة لتودعهما، كأنها تودع بعض أهلها. 


فتح حسان باب السيارة، وساعد أحمد على الجلوس. 


وبعد إن اطمأن إلى استقراره، ركض إلى الجانب الآخر 


واتخذ مجلسه أمام عجلة القيادة، أدار المحرك ولوح لها 


مودعا، حركت ندى كفها في الهواء مودعة بدورها، لكن 


إحساسا غريبا كان يشد نظراتها إلى أحمد الذي بدا 


منشغلا بألمه عنها، لكن قبل أن تتحرك السيارة مبتعدة 


رفع عينيه إليها، وهتف كأنه قد تغلب على تردده أخيرا: 


- آنسة... 


ساعدته بقولها: 


- نل... 


- نعم، أنسه ندى... شكرا لك على كل شيء... 


انطلقت السيارة بسرعة لتبتعد عنها، حتى اختفت عن 


ثم 




ناظريها، لبثت أمام البوابة تنظر في الاتجاه الذي سلكه 


المسافران، وعلى شفتيها ابتسامة خفيفة، وفي صدرها 


شعور لذيذ... شعور لم تعرفه من قبل الفتاة ذات 


الثمانية عشر ربيعا. 


لقد اهتم بمعرفة اسمها....



                     الفصل الثامن من هنا 

            لقراءة جميع فصول الرواية من هنا

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة