
بقلم صباح عبد الله فتحي
يجيب فوزي قائلًا بنبرة ساخرة، بينما يرمق مراد بنظرات لم يستطع مراد تفسيرها، وبهدوء مستفز:
_لو مش مصدقني اسأل الأستاذ جاسر...
ثم يصمت للحظات، وهو يتأمل ملامح مراد المتوترة، وكأنه يستمتع بما يحدث داخل هذين الاثنين، وضربات قلوبهما المتسارعة كانت كافية لتثبت شدة خوفهما، بينما ارتسمت ابتسامة خبيثة على وجهه، وأكمل حديثه بمكر الثعالب قائلًا بسخرية:
_أوبس... قصدي الأستاذ مراد، مش جاسر. أيوة، إنت مراد صح؟ آسف، بس لما حضرتك دخلت بيتي قلت إنك جاسر، مش مراد، وأنا لحد دلوقتي مش عارف إيه السبب الحقيقي ورا الكذبة دي؟ وبصراحة نفسي أعرف إيه السبب اللي يخليكم تكذبوا وتقولوا إنك جاسر وإنت مراد؟
يرمق مراد كنوز بتوتر، وتسللت قطرات العرق إلى جبينه، ولم يعلم كيف يجيب على هذا الشخص الماكر أو كيف يتصرف في هذه اللحظة الملعونة، بينما شعر أنه مقيد اليدين والقدمين، ولا يعلم ماذا يجب عليه أن يفعل من أجل أن يخرج نفسه من هذا المأزق الذي ورطه فيه ذلك الماكر فوزي.
لكن كانت كنوز أسرع منه في النطق، وأردفت قائلة بتساؤل، وانهمرت دموعها على خديها من جديد، ولم تستطع السيطرة عليها أكثر من ذلك، بينما كان قلبها يتمنى أن يكون كل ما قاله هذا الماكر كذبًا أو مجرد لعبة من ألاعيبه:
_الكلام اللي عمو فوزي بيقوله ده حقيقي يا مراد؟ جاسر هو اللي كان السبب في موت ماما وبابا؟
يرمق مراد كنوز بعينين متسعتين، وازداد توتره وخوفه، وازداد ارتباكه من هذا السؤال الذي طرحته عليه كنوز، لأنه لا يعلم بماذا يجيب، هل يقول الحقيقة أم يظل صامتًا ولا يقول شيئًا ويعطي المجال لذلك الماكر بالانتصار عليه في هذه المعركة غير المرحب بها؟
_هو... يعني... بصراحة اللي حصل كان قضاء وقدر، ومش مقصود.
تنهمر دموع كنوز على خديها بغزارة، ولا تصدق ما يحدث الآن. هل حقًا هو الذي كان السبب في موت والديها، وهي مثل الحمقاء اعتبرته المنقذ لها ولإخوتها الصغار، لكنه في الحقيقة الشيطان الذي سلب منها ومن إخوتها الأمان وحنان الأبوين… أردفت كنوز قائلة من بين أصوات بكائها العالية، وهي ترمق مراد بحزن:
_يعني جاسر هو اللي كان السبب في موت ماما وبابا بجد؟
(باك)
تستيقظ كنوز من ذكرياتها المؤلمة على لمسات رقيقة على ظهرها… تنظر كنوز إلى تلك اليد الصغيرة التي تسير على ظهرها بلطف وحنان، وكأن صاحب هذه اليد يفهم مدى احتياجها إلى تلك اللمسات اللطيفة التي تشعرها بالأمان، وتطمئن قلبها بأنها ليست وحيدة في هذا العالم القاسي الذي لا يرحم أحدًا.. أردف زياد قائلًا:
_ما تخافيش يا كنوز، طول ما أنا معاكي مش هاسمح لحد يعمل لك حاجة.
تنظر كنوز إلى زياد، ولم تستطع السيطرة على عواطفها أكثر من ذلك، فتبكي بشدة، بينما انحنت على كتف شقيقها الأصغر منها بأحد عشر عامًا، تحاول أن تفرغ كل ما بداخلها من أحزان، وكانت أصوات بكائها كافية لأن يسمعها كل من يقف داخل المنزل.
بينما خرج جاسر من المنزل يركض اتجاه كنوز، متلهفًا أن يرى ما بها معشوقة قلبه، وأردف قائلًا عندما اقترب من كنوز وزياد:
_كنوز... اهدي، ما حصلش حاجة لكل ده. إنتِ والله فاهمة غلط، اهدي بس وأنا هفهمك كل حاجة حصلت. والله أنا ماليش ذنب في اللي حصل، والله كان قضاء وقدر.
ترفع كنوز رأسها من على كتف شقيقها، بينما رمقت جاسر بغضب، وعيناها تبرقان بالدموع، ثم وضعت أناملها على خديها تنزع آثار دموعها بعنف، وكأنها تكره نزول تلك الدموع التي تجعلها ضعيفة أمام الجميع، وأردفت قائلة بنبرة حادة مليئة بالغضب:
_أنا أهلي ماتوا الاتنين في يوم واحد، وحضرتك جاي تقول لي بكل بساطة اهدي يا كنوز، ما حصلش حاجة لكل ده؟ أمال عاوزني أعمل إيه؟ أضحك وأحمد ربنا، وأنسى وأسيب المجرم اللي قتلهم من غير عقاب؟ مش كده يا جاسر بيه؟
يرمقها جاسر بحزن، وأردف قائلًا بهدوء، عكس النيران المشتعلة داخل قلبه:
_أنا مش طالب منك السماح يا كنوز، بس كل اللي أنا بطلبه منك إنك تديني فرصة واحدة... فرصة واحدة بس أشرح لك اللي حصل. إنتِ فاهمة كل اللي حصل غلط، ومش عارف عمك قال لك إيه مخليكي ترفضي تسمعيني بالشكل ده، بس صدقيني يا كنوز، أنا والله ما كنت أقصد اللي حصل. والله هم اللي دخلوا في عربيتي، وكان باين إن والدك الله يرحمه ما عرفش يتحكم في العربية.
وقبل أن يكمل حديثه، يقاطعه صوت ذلك المزعج عصام قائلًا بغضب وصوت عالٍ:
_إنت لسه هنا بتعمل إيه يا بني آدم؟ إنت إيه مش بتحس على دمك؟ ده أنا طردتك أكتر من عشر مرات لحد دلوقتي من بيتي، وهي قالت لك إنها مش طايقة تشوف وشك. إيه، مش عندك دم للدرجة دي؟ بس أنا هعرف إزاي أطلعك من بيتي مذلول ذل الكلاب.
ثم ينادي على رجاله من أجل أن يخرجوا جاسر من المنزل… بينما أردف جاسر قائلًا، وهو يرمق عصام بشك:
_أنا نفسي أعرف إنتوا إيه اللي مخوفكم بالشكل ده، ومش عاوزين كنوز تعرف إيه اللي حصل؟
يقترب عصام من جاسر، وأردف قائلًا بهمس بالقرب من أذنه، وكان صوته أشبه بفحيح الأفاعي:
_علشان إحنا اللي قتلنا.
يحدق جاسر إلى كنوز بعينين متسعتين، وعلامات الدهشة والذهول لا تفارق ملامح وجهه، بينما أكمل عصام قائلًا بسخرية، وقد ارتسمت ابتسامة خبيثة على وجهه:
_إيه رأيك يا جاسر بيه؟ بس خلي السر بيني وبينك، مش عاوز مراتي تعرف حاجة عن الموضوع ده. أصل بصراحة أنا خايف تزعل مني ولا حاجة.
يقف جاسر وهو لا يقدر أن يقول شيئًا، وعقله لا يستوعب ما قاله له عصام منذ قليل، فقد كان ينظر اتجاه كنوز بنظرات لم تستطع كنوز تفسيرها.. بينما ابتعد عصام عن جاسر، وتقدم اتجاه كنوز، وأردف قائلًا بسخرية متعمدًا أن يغيظ ذلك العاشق بكلماته:
_إيه يا عروستي، الدموع دي كلها؟ معقولة في عروسة قمر كده تعيط يوم فرحها؟
ثم انحنى نحو خد كنوز، وقبّله، بينما أغلقت كنوز عينيها بشدة، ولم تستطع فعل شيء من أجل إبعاد ذلك الكائن المتوحش عنها، بينما استمتع عصام بضعف كنوز، وسيطرت عليه رغباته في إذلالها، فوضع يديه على خصرها وقربها إليه بعنف، وحاول الاقتراب منها أكثر، غير عابئ بمن يقف أمامه، ولا بذلك الطفل الذي كان يبكي خوفًا على شقيقته.
بينما كانت كنوز تبكي في صمت، وتضغط بقوة على يد جاسر الذي كان يقف بالقرب منها دون أن تشعر بذلك.. وفي هذه اللحظة انتبه جاسر إلى ما يحدث، واستيقظ من حالة الذهول التي سيطرت عليه، فوضع يده على كتف عصام، وأبعده عن كنوز بقوة، إلى درجة تمزق قميص عصام من شدة قبضة جاسر عليه، وقد احمرت عيناه من شدة الغضب، ثم لكم عصام لكمة قوية على وجهه جعلته ينزف الدماء من أنفه وفمه، وظل يوجه إليه اللكمات الواحدة تلو الأخرى، ولم يتركه إلا بعدما سقط جسد عصام أرضًا.
أتى فوزي ورجاله على الأصوات العالية، وأردف فوزي قائلًا بصوت عالٍ، بينما أمسك الرجال جاسر من ذراعيه بقوة حتى لا يستطيع الحركة:
_إيه اللي بيحصل هنا؟ وإنت يا دكر مفكر إن مافيش حد قادر عليك؟
وفجأة يصمت عن الحديث عندما صرخ جاسر بقوة، وأفرغ كل ما بداخله من غضب، فسقط كل من كان يمسكه من رجال فوزي أرضًا، ولم يستطيعوا النهوض مرة أخرى.
ثم تقدم اتجاه فوزي كالصاروخ على وشك الانطلاق، ووقف أمامه، ونظر إلى عينيه، فلم ير داخلهما سوى الخوف والتوتر، لكن فوزي كان خبيثًا إلى درجة أنه تظاهر بالشجاعة والثبات أمام جاسر حتى لا يظهر ضعفه وخوفه.
وقف فوزي فاتحًا قدميه، واضعًا يده اليمنى في جيب سرواله، بينما كانت اليد الأخرى تمسك سيجارة بيضاء اللون، ونفث الدخان في وجه جاسر بسخرية، محاولًا أن ينزع منه ثقته بنفسه.
لكن لم يسمح له جاسر بالنجاح في ذلك، فوقف بنفس هيئته، وأخذ السيجارة من بين أصابع فوزي، ووضعها في فمه، وأخذ نفسًا عميقًا منها، ثم نفث الدخان في وجه فوزي، كما فعل هو منذ قليل، وأردف قائلًا بالقرب من أذنه، لكن كانت كلماته لغزًا صعب التفسير بالنسبة إلى فوزي:
_جهز نفسك... لأن نهايتك هتكون على إيدي أنا.
بينما ينظر إلى عينيه بتحدٍ، ولم ير سوى الخوف في عيني ذلك الماكر، لكن فوزي كان يتظاهر بالشجاعة، ونظر إلى جاسر بكبرياء، وأخبرته نظراته أنه يقبل التحدي الذي يعرضه عليه الآن.
ابتسم جاسر ابتسامة جذابة في وجه عدوه، ثم استعد للرحيل، بينما أردف قائلًا قبل أن يغادر، موجهًا حديثه إلى كنوز، لكنه لم ينظر إليها، وكأنه غاضب منها ويعاقبها بهذه الطريقة، التي لا تدل إلا على الحب الصادق والسند الذي لا يميل ولا يخذل مهما كانت الظروف:
_خدي بالك من نفسك ومن إخواتك يا كنوز، ومش عاوزك تخافي من حاجة، أنا موجود معاكي، وهفضل معاكي لحد آخر نفس في عمري، ومش هسيبك، حتى لو إنتِ اللي طلبتي أسيبك، مش هسيبك يا كنوز.
كانت كلماته كافية لأن تعيد الأمان إلى قلب كنوز من جديد، ويطمئن قلبها أنها ليست وحيدة في هذا العالم القاسي الذي لا يرحم أحدًا، ولم يرحم قلبها الصغير الذي انفطر من شدة الأحزان التي بداخله.
ثم رحل دون أن يقول شيئًا آخر، بينما تنظر كنوز إلى آثار رحيله وهي تبكي في صمت، ويتمنى قلبها أن يصرخ بصوت عالٍ ويمنعه من الرحيل، ويخبره أنها بحاجة إليه أكثر من أي وقت مضى، لكن كبرياءها منعها من فعل ذلك.
ركض الطفل زياد خلف جاسر، وهو ينادي عليه، ثم أمسك بكفه الصغير يده، وأردف قائلًا بترجٍ وهو يبكي:
_بالله عليك يا عمو جاسر خليك معانا، ما تمشيش وتسيبنا. أنا وأختي كنوز ونادر ولوجين. إنت ما تعرفش هم هيعملوا إيه في كنوز أختي بعد ما تمشي. بالله عليك يا عمو جاسر، أفضل معانا وما تسيبش كنوز أختي لوحدها، علشان خاطري يا عمو جاسر.
ينظر جاسر بحزن إلى كنوز، بينما نظرت كنوز إلى الاتجاه المعاكس حتى لا يرى جاسر كم هي ضعيفة وبحاجة إليه… ثم ركع جاسر على ركبتيه أمام زياد، ووضع يده على خد زياد، يمسح آثار بكائه بحنان، وأردف قائلًا بلطف:
_ومين قال لك يا بطل إني هسيبك إنت وأختك كنوز ونادر ولوجين؟
يرد زياد ببكاء الأطفال:
_أمال إنت ماشي ليه دلوقتي، طالما مش هتسيبنا لوحدنا؟
ابتسم جاسر بهدوء، وهو ينظر إلى كنوز:
_هروح أجيب كام غيار ليا بس... وهرجع تاني.
ينظر كل من فوزي وعصام، الذي كان يقف مستندًا على كتف فوزي، بدهشة إلى جاسر، بينما شعرت كنوز بسعادة واطمئنان أكثر عندما علمت أن جاسر لن يرحل ويتركها وحيدة مع هذين الاثنين، فوزي وعصام… بينما أردف عصام قائلًا بغضب مكتوم:
_نعم يا خويا، إنت مفكر بيتي فندق خمس نجوم؟ يا مرحبًا بالزوار!
يقف جاسر على قدميه، بينما ينظر إلى عصام، وأردف قائلًا، وهو يضع يده في جيب سرواله:
_هعرض عليك صفقة هتجيب لك أرباح من غير أي مقابل. أنا هاجي أعيش في بيتك، وفي مقابل كل ليلة هكون موجود فيها في بيتك، هدفع لك مية ألف جنيه... إيه رأيك؟
للمع الجشع في عين عصام قائلًا.
_يألف مرحب بأخويا الغالي ده انا أحطك علي رأسي.
أبتسم جاسر ساخر منه ونظراته أحتقار.. بينما رامق فوزي عصام بغضب فأبتسم عصام مرتبكًا.
_بيقولك الليلة ب100الف جنيه.
_____
في منزل عصام... بعد مرور ساعة.. يجلس كل من فوزي، الذي يشتعل من شدة الغضب، وعصام الذي يجلس بهدوء.. أردف فوزي قائلًا بغضب، ونبرة صوته تؤكد ذلك:
_إنت اتجننت يا عصام؟ إيه اللي إنت عملته ده؟
يجيبه عصام بهدوء مستفز، وهو يحاول أن يتجاهل النظر إليه:
_كنت عاوزني أعمل إيه يعني؟ إنت مش سمعت بودانك قال إيه؟ ده هيدفع في اليوم الواحد مية ألف جنيه.
يرد فوزي، وهو يرمق عصام بغضب شديد جعل عصام يرتبك من تلك النظرات المرعبة:
_يعني إحنا نعمل ده كله علشان نبعد الزفت ده من طريقنا، وحضرتك علشان شوية فلوس تسمح له ييجي ويعيش معانا في نفس البيت؟
ينظر عصام إلى فوزي بارتباك، وأردف قائلًا، بينما يحاول أن يجد مبررًا مقنعًا لهذا التصرف، حتى لا يظهر جشعه في المال الذي عرضه عليه جاسر أمام صديقه المقرب:
_اهدى بس يا فوزي واسمعني، أنا عاوز أقولك حاجة.
يرمقه فوزي بنظرات حادة كنظرات الصقر، وأردف قائلًا بحنق:
_هات اللي عندك وخلص يا عصام، علشان أنا مش طايق أبص في وشك دلوقتي.
ينظر إليه عصام بمكر الثعالب، وأردف قائلًا:
_بقى كده يا فوزي؟ مش طايق تبص في وشي، وإنت لسه ما تعرفش أنا ليه عملت كده؟ وليه سمحت للزفت جاسر ييجي يعيش معانا في البيت؟
يتبع…