
بقلم صباح عبد الله فتحي
وقفت ميرفت تحدق برعب إلى زوجها الذي يصرخ من شدة الألم وعقلها الصغير لا يستوعب ما حدث بينما ترمق ذلك الشيطان الذي على وشك القضاء عليها وهي تشعر بحركة السلاح البطيئة على جبينها ثم أردفت قائلة بنبرة متقطعة كأن حنجرتها لا تقدر على استكمال ما تريد قوله وهي تراقب يد فوزي التي تتحرك بالسلاح فوق جبينها بعينين متسعتين أوشكتا على الهروب من مكانهما
_ هو هو يا باشا الباشا عصام باشا كان
يقاطعها فوزي بصراخ جعل قلبها يسقط بين قدميها
_ كان إيه أخلصي يا بت إنتي مش فاضي لدلعكم ده
ترد ميرفت بتلعثم وهي تبكي من شدة الخوف
_ هو بصراحة يا باشا محروس هو اللي كان السبب في كل حاجة وأنا ماليش دخل والله العظيم وعصام باشا نايم في الأوضة اللي قدام حضرتك دي هو كتر في الشرب علشان كده نام من غير ما يحس بأي حاجة
يذهب فوزي إلى محروس الذي يبكي من شدة الألم وهو لا يرى أمامه من فرط غضبه على ذلك الكاذب الذي يلهث بشدة ثم يمسكه ويصرخ فيه
_ بقى أنا يضحك عليا يا روح أمك ومن مين من واحد كلب زيك
لكن محروس كان على وشك فقدان وعيه بسبب الدم الكثير الذي يتسرب من كتفه وعندما شعر فوزي بارتخاء جسده بين يديه ألقاه أرضًا دون رحمة ثم اتجه إلى الغرفة التي أشارت إليها ميرفت ليرى عصام الغارق في سبات عميق من كثرة شرب الكحول ولا يشعر بشيء مما يحدث حوله
أما ميرفت فهرولت إلى زوجها الذي سقط أرضًا كأنه جثة هامدة وظلت تبكي وهي ترتجف من الخوف
_ حذرتك يا محروس كتير ليه ما سمعتش كلامي لما قلت لك العالم دي إحنا مش قدها شوف أخرة عنادك وغبائك وصلتنا لفين
❈-❈-❈
في مكان آخر… كانت تنام كنوز مثل الملاك على فراش من الحرير الأبيض وينسدل شعرها البني الداكن المبعثر عشوائيًا فوق كتفيها وتغطي خصلاته نصف وجهها وترتدي فستانًا أبيض من الحرير كأنها عروس في ليلة زفافها
يدخل جاسر إلى الغرفة التي توجد بها كنوز ويسير عن يمينه رجل طويل القامة عريض الجسد قمحي اللون وعيناه سوداوان كسواد الليل وجفونهما منتفخة كأنه لم ينم منذ زمن وأنفه عريض وشفاهه ضخمة ولحيته السوداء كثيفة وشعره مجعد كثيف ويرتدي بدلة سوداء
ويقف عن يساره رجل آخر طويل القامة عريض الصدر أحمر البشرة عيناه خضراوان وأنفه صغير وشفاهه رقيقة وشعره الذهبي الطويل يصل إلى أسفل أذنيه وتغطي ذقنه لحية قصيرة صفراء ويرتدي هو الآخر بدلة سوداء
أما جاسر فكان يتقدمهما بخطوة ويرتدي قميصًا أبيض وسروال جينز أسود وشعره الأسود المبعثر يلامس جبينه وعيناه تشبهان عيني الصقر ورغم قصر قامته مقارنة بهذين الرجلين بدا كطفل يقف بين جبلين. أردف جاسر وهو ينظر إلى كنوز النائمة بعمق
_ هي اذهبوا واتركونا وحدنا أريد أن أبقى معها بمفردي
يجيب أحد الحراس دون أن يخفض بصره أو يغير وضع يديه المضمومتين
_ أعتذر منك سيدي لكن أوامر السيد جورج أن نظل معك أينما ذهبت وألا نتركك مهما حدث
يرمق جاسر الرجلين اللذين يقفان كالجبلين بضيق وهو يعلم أنه مهما فعل فلن يتحركا من مكانهما إلا إذا صدرت لهما أوامر من سيدهما ثم قال بهدوء
_ حسنًا أريدكما أن تديرا وجهيكما إلى الخلف وأن تخفضا أبصاركما عن زوجتي المستقبلية لا أريد لأحد أن يراها وهي في هذه الحالة
يجيب الرجل الأشقر باحترام
_ حسنًا سيدي لك ما تريد نحن لا نستطيع مغادرة المكان لكننا سننفذ ما أمرتنا به
ينظر الأشقر إلى رفيقه كأنه يأمره بالتنفيذ فيستديران معًا نحو باب الغرفة ويعطيان جاسر ظهريهما
يتقدم جاسر إلى الفراش الذي تنام عليه كنوز ويجلس بجوارها ويمسك كفها الصغير بين يديه ويطبع قبلة رقيقة عليه ثم يبعد خصلات شعرها عن وجهها التي كانت تحجب ملامحه عنه ويقول بحزن
_ أنا آسف يا كنوز على كل اللي حصلك كان بسببي وآسف على اللي هيحصل بعد كده بس لازم تعرفي إن كل اللي هاعمله علشانك وعلشان أحميكي من كل اللي عاوزين يؤذوكي
يقاطعه رنين الهاتف.. رن رن رن
فيخرج الهاتف من جيب سرواله وينظر إلى الشاشة فيجد أن المتصل هو صديقه مراد فيهمس قبل أن يجيب
_ نسيت أعرف مراد إني عرفت كنوز فين
❈-❈-❈
في مكان مجهول..عبارة عن منزل ضخم لا يقل عن قصر من قصور الملوك القدماء. داخل هذا المنزل خلف الأسوار وتحت سماء فائقة الجمال والشمس الصفراء التي تظللها الغيوم البيضاء توجد هذه الحديقة الضخمة التي تغطيها أعشاب خضراء قصيرة مليئة بالزهور الخلابة من جميع الأشكال والأنواع. يوجد زهور حمراء وبعضها صفراء وبعضها بيضاء وزهور بنفسجية وزهور وردية اللون وألوان أخرى طبيعية ذات أغصان طويلة مليئة بأشواك حادة جاهزة أن تمزق جسد أي أحد يتجرأ على الاقتراب منها وقطفها والقضاء على جمالها الطبيعي الخلاب. تحاوطها أوراق خضراء من كل جانب.
يوجد بعض الأشجار الخضراء البازغة الجمال في كل جانب يصدر من بين فروعها أصوات زقزقة العصافير التي تتنقل من شجرة إلى أخرى بألوانها الخلابة وصوتها العذب لتشكل بأصواتها التي يتميز كل منها عن الآخر أعذب الألحان الطبيعية.
يوجد في الجانب الأيمن من الحديقة حمام سباحة ممتلئ بالمياه الزرقاء الهادئة التي تبرق تحت أشعة الشمس واللون السماوي الرقيق لأرضية حمام السباحة زاد المنظر جمالاً. ويوجد في الجانب الأيسر من الحديقة حمام سباحة آخر بنفس المنظر الخلاب. من يرى هذا المنظر وهذه الحديقة الخلابة البازغة الجمال يظنها لوحة فنية صنعها فنان بارع.
تختفي هذه الحديقة الخلابة خلف سور ضخم مزخرف بأشجار الورود الطبيعية ذات اللون الوردي الجميل التي تغطي فروعها وأوراقها الخضراء وزهورها الخلابة السور بالكامل. يحاوط هذا السور رجال كثيرون ذوو البشرة السوداء والبيضاء ووجوههم ضخمة مخيفة وأجسادهم عملاقة حتى إن من يراهم يظنهم أصناماً ضخمة وليست بشراً من لحم ودم. يرتدون جميعاً بذلات سوداء ويحمل كل منهم سلاحاً جاهزاً للقتال في أي لحظة.
في منتصف هذا السور بوابة حديدية سوداء منقوشة بماء الذهب والفضة. أمام هذه البوابة طريق طويل مزخرف بأفخم أنواع السيراميك غالي الثمن التي تعبر نقوشه عن لوحة فنية لا يقدر على رسمها غير فنان بارع. وفي آخر هذا الطريق درج مكون من خمس درجات فوق بعضها. على رأس هذا الدرج في الجانب الأيمن تمثال ضخم على هيئة أسد مزخرف بماء الذهب ذو شكل عنيف يدل على الخطر الذي يحيط بحياة كل من يتجرأ على دخول هذا المنزل وأن كل هذه المناظر الخلابة ملوثة بالدماء. وفي الجانب الأيسر يوجد نفس التمثال بنفس هيئته العنيفة. ويوجد على رأس هذا الدرج باب خشبي باللون البني الداكن.
داخل المنزل..
يتكون هذا المنزل الضخم من طابقين. الطابق الأول عبارة عن قاعة ضخمة كما لو كانت قاعة فندق خمس نجوم وليست قاعة منزل. في منتصف هذه القاعة سلم ضخم مصنوع من الزجاج البراق حتى إن من يراه يظنه من الماس وليس زجاجاً من شدة لمعانه.
في الجانب الأيمن من هذه القاعة مائدة طعام ضخمة تحيط بها كراسٍ سوداء من الجلد الطبيعي وعلى رأس هذه المائدة كرسي مزخرف بالمجوهرات الثمينة كما لو كان عرشاً لأحد الملوك القدماء.
أما الجانب الأيسر فهو عبارة عن صالة اجتماعات ضخمة مليئة بالكراسي السوداء يتوسطها مائدة خشبية كبيرة وفي منتصف المائدة مجسم خشبي مليء بالزهور المزخرفة وعلى رأس المائدة نفس الكرسي المزخرف بالمجوهرات.
يجلس على هذا الكرسي المزخرف رجل في الستين من عمره أبيض اللون وجهه مستطيل ذو ذقن طويلة وملامح وجهه مرعبة رغم تقدمه في العمر لكن لا يوجد أي تعبير على ملامحه يدل على أن قلباً ينبض بداخله. عيناه زرقاوان مثل بحر هادئ في منتصف الليل وجفونهما منتفخة تحيط بها التجاعيد من كل جانب. بين عينيه المجعدتين أنفه الصغير المنحوت وتحت أنفه شفاه رقيقة حمراء. شعره الذهبي تتخلله خصلات بيضاء تدل على تقدمه في العمر. طويل القامة عريض الصدر نحيف من الأسفل ويرتدي بذلة سوداء تثبت هيبته ورجولته القاسية.
أردف هذا الرجل قائلاً بنبرة هادئة لكنها أرعبت جميع الرجال الذين يجلسون أمامه كما لو كانوا في اجتماع مهم وسوف يعلن رئيسهم قراره النهائي بمن سوف يظل على قيد الحياة ومن سوف يفارقهم إلى الأبد. بينما علامات التوتر والخوف لا تفارق ملامح وجوه الجميع كما لو كانوا قد أتوا إلى هذا الاجتماع وهم يعلمون ما الذي سوف يحدث معهم ومن سوف يظل حياً يرزق ومن سوف يكون هذا آخر اجتماع يحضره في حياته.
وخلف كل من يجلس على كرسي يقف أحد رجال هذا المجهول يحمل بندقية وينتظر أن ينظر إليه سيده فقط من أجل أن يستعمل سلاحه ويقضي على حياة من يجلس أمامه
_ أريد منكم جميعاً أن تأتوا لي بأكبر عدد ممكن من الأسلحة النادرة. لقد سمعت أن هناك نوعاً جديداً من الأسلحة في روسيا. أريد أن أجرب هذا النوع بنفسي...
يقاطعه عن الحديث ذلك الأحمق الذي سوف يفقد حياته بلا شك..
_ حسناً سيدي لك ما تريد لكن لدي سؤال مهم أريد جواباً له. هل من الممكن أن أطرحه عليك؟
يرد عليه ذلك الذي يرامقه بضيق وصوته الخشن يثبت ذلك..
_ حسناً اسأل كما تريد لكن.. احذر يا عزيزي أن يكون سؤالك تافهاً أو شيئاً لا يعنيك.
يرامقه الآخر برعب وهو يحدق إلى الشخص الذي يجلس على يمينه بينما يبتلع ريقه بصعوبة وهو يشعر بغصة في حنجرته ويتمنى أن يتراجع عما قال لكن.. لا مفر من مصيره الآن. أردف قائلاً بتلعثم..
_ كنت أريد أن أسألك سيدي عن سبب قدومك إلى مصر. ولماذا قررت أن يكون هذا الاجتماع المهم في دولة غريبة عنا مثل مصر؟
يرد الشخص دون مقدمة قائلاً بينما رفع نظره وأعطى إشارة إلى ذلك الذي يقف خلف ذلك الأحمق الذي تجرأ وتعدى حدوده..
_ إنني حذرتك يا عزيزي من قبل ألا تسأل عن شيء لا يعنيك. أليس كذلك؟
وهنا علم الجميع ما مصير ذلك الأحمق. وقبل أن يرتد طرف عين إلى أحد كان ذلك الحارس الذي يقف وعلى كفه ملك الموت قد استعمل السلاح الذي في يده وأطلق رصاصة أصابت رأس من يجلس أمامه بينما لطخت دماؤه وجه الشخص الذي يجلس أمامه على الطرف الآخر من المائدة.
يخرج الشخص من جيبه منديلاً أبيض اللون ويمسح الدماء عن وجهه في صمت. ولم يتجرأ أحد على قول حرف آخر بعد ما حدث. وسيطر صمت مرعب على الجميع حتى اختفت أصوات أنفاسهم. يقطع هذا الصمت صوت أنثوي قائلاً برقة وصاحبة الصوت تحني رأسها احتراماً إلى سيدها..
_ سيد (جورج) لقد حان موعد العشاء.
يقف ذلك الجورج على قدميه ووقف الجميع من بعده. وأردف قائلاً بهدوء كما لو لم يحدث شيء منذ قليل..
_ حسناً عزيزتي (جومانة) إنني قادم لكن.. أريدك أن تذهبي إلى الطابق الثاني وتخبري ابني سمو الأمير (جاسر) أنني أريد أن أتناول العشاء معه اليوم.
ترد مديرة خدم هذا القصر قائلة باحترام..
_ أمرك سيدي. سوف أذهب الآن. هل تسمح لي بالذهاب؟
(جورج) والد (جاسر) أكبر رجال المافيا في العالم أو بالأخص ملك المافيا. إنه أكثر شخص ثراءً ورعباً في العالم. شخص هادئ الطباع بارد الدم يقتل دون أن يهتز له طرف عين. عكس (جاسر) الذي يكره رؤية الدماء وهذا ما يجعله يختلف عن والده كاختلاف السماء والأرض. وطبع (جاسر) الهادئ والحنون يجعل والده يغضب عليه في كل شيء ويتمنى لو كان مثله من أجل أن يخلفه في عرشه من بعده. لكن.. الشيء الوحيد الذي لا يعلمه أن ولده يكون أكثر منه وحشية عندما يغضب والدماء عمرها ما كانت ماء.. يرد (جورج) قائلاً بهدوء وهو يتقدم اتجاه مائدة الطعام..
_ حسناً عزيزتي (جومانة) اذهبي. وليذهب الجميع أيضاً. لقد انتهى هذا الاجتماع. أراكم في اجتماع آخر قريباً.
في الطابق الثاني من المنزل وهو مكون من ست عشرة غرفة. ثماني غرف في المنتصف وأربع على الجانب الأيمن ومثلها على الجانب الأيسر. ويفصل بينهم صالة ضخمة في المنتصف يوجد على رأسها أول السلم الذي يصل إلى الدور الأول من المنزل.
داخل إحدى الغرف يجلس (جاسر) على طرف الفراش يحمل الهاتف في يده بينما تستلقي (كنوز) على الفراش وما زالت تغط في سباتها العميق. أردف (جاسر) قائلاً مجيباً على الهاتف بصوت رخيم..
_ أيوة يا مراد…
يتبع