
بقلم صباح عبد الله فتحي
كان يقول ذلك وهو ينظر إلى كنوز التي تقف على أول الدرج في الدور الثاني وهي تسمع وترى كل ما يحدث بين جاسر وعصام بينما تحاول أن تظل قوية من أجل ألا تخسر في هذه المعركة التي أدخلت نفسها فيها دون أن تفكر في عواقب ما سوف يحدث في المستقبل.
بينما يلاحظ عصام نظرات جاسر التي أثبتت له أن هناك شيئًا ما يحدث خلف ظهره لا يشعر به فينظر إلى الخلف قليلًا من أجل أن يكتشف ما يحدث خلفه ليتفاجأ بوقوف كنوز على الدرج في الدور الثاني ثم يرجع نظره إلى جاسر ليشعر بالغيرة والحقد أكثر على ذلك الذي يرمق زوجته بعمق وتكشف عيناه مدى عشقه لها.
يضغط عصام على كف جاسر الذي ما زال بين يديه بقوة وأردف قائلًا بهدوء عكس البركان الهائج بداخله
_هستنى حضرتك يا جاسر بيه في الحفلة وأتمنى حضورك وما تكسفنيش.
ينظر مراد إلى يد جاسر التي ازرقت من قوة قبضة هذا المتحجر الذي حبس دماء يده في مكان واحد. يضع مراد يده على يد عصام ويحرر كف صديقه من هذه القبضة العنيفة التي سوف تتسبب في تمزيق عروقه من الداخل وأردف قائلًا وهو يمسك كف عصام بين يديه بنفس العنف بينما يبتسم بهدوء عكس كلماته التي كانت مثل عاصفة تدمر كل ما يقف أمامها
_طبعًا هنحضر يا عصام باشا إنت ما تعرفش المدام كنوز غالية علينا قد إيه وطبعًا هنحضر ونفرح لها بس يا ترى المدام سعيدة بقدوم طفلك إلى الحياة.
يرد عصام قائلًا بينما سحب يده من قبضة مراد التي كانت على وشك تحطيم عظام يده وهو يرمقه بغضب
_ليا الشرف إن مراتي تكون محبوبة بين الناس يا أستاذ مراد وطبعًا يشرفني قدومك إنت وجاسر بيه.
ثم ينظر إلى كنوز بنظرات حادة تدل على شدة غضبه لكنه لم يظهر ذلك لأحد وأردف قائلًا بهدوء الأفاعي متعمدًا إغاظة جاسر بكلماته
_إيه يا كنوز يا حبيبتي مش هتحضري لي الفطار أنا ميت من الجوع وعندي شغل كتير في الشركة وعاوز أنزل علشان عندي شغل متراكم من امبارح كنت طول الوقت قاعد معاكي وما قدرتش أفكر في حاجة تانية غيرك يا اللي سرقتي مني عقلي وقلبي.
ترمق كنوز عصام بغضب بينما أردفت قائلة بانفعال
_اللي عايز حاجة يعملها لنفسه أنا مش الخدامة اللي حضرتك جبتها ببلاش.
ثم تعود أدراجها ولم تهتم بما يحدث داخل المتعجرف عصام بينما ضحك جاسر باستهزاء متعمدًا أن يزيد اشتعال نيران عصام ويصب البنزين على النار بكلمات لا تدل إلا على السخرية
_واضح قوي يا أستاذ عصام إن مراتك حبيبة قلبك بتحبك جدًا.
يلتفت عصام إلى جاسر بينما يرمقه بغضب شديد واحمرت عيناه من شدة غضبه ثم يذهب دون أن يعير أي اهتمام إلى كلمات جاسر التي جعلت دماءه تحترق داخل عروقه… وبعد أن ذهب عصام أردف مراد قائلًا بتساؤل
_هتعمل إيه يا جاسر دلوقتي كنوز حامل من الزفت عصام.
ينظر جاسر إلى أثر رحيل كنوز بينما رد على سؤال صديقه قائلًا بهدوء
_أنا متأكد إن في حاجة غلط بتحصل.
يقطعه صوت مراد قائلًا بانفعال
_غلط إيه بس يا جاسر فوق بقى ده بيقول لك حامل فاهم يعني إيه حامل فوق بقى من أحلامك اللي مسيطرة عليك دي قبل ما يفوت الأوان وشوف إحنا لازم نعمل إيه لما أبوك ينزل مصر.
ثم يترك مراد جاسر ويذهب دون أن يقول حرفًا آخر بينما ينظر جاسر إلى أثر رحيل مراد ثم نظر إلى الدور الثاني من المنزل وأردف قائلًا بشرود محدثًا نفسه
_أنا متأكد إن في حاجة غلط في اللي بيحصل ولازم أعرف إيه هي.
ثم يتقدم جاسر اتجاه الدرج وصعد إلى الدور الثاني متجهًا إلى الغرفة التي توجد فيها كنوز.
❈-❈-❈
داخل الغرفة
يجلس إخوة كنوز على أطراف الفراش بجوار بعضهم بينما تسير كنوز في الغرفة بشكل عشوائي وهي تفرك يديها والتوتر واضح على وجهها كوضوح الشمس وهي تفكر بصوت عال
_يا رب أعمل إيه وإيه المشكلة السودا اللي أنا وقعت نفسي فيها دي إيه بس اللي خلاني أقول للزفت عصام إني حامل وأنا ولا حامل ولا نيلة كنت بس عاوزة أوقعه في الفخ بس لما اعترف لي إنه ما قربش مني انا كدا وقعت نفسي في مصيبة أكبر من اللي انا فيها دي. هيفكر في اي دلوقتي لما عرف اني حامل وهو ما لمسنيش زي ما قال.. يا رب ساعدني ألاقي حل أطلع من المشكلة دي.
يرد عليها زياد قائلًا
_اهدي بس يا كنوز وإن شاء الله هتلاقي حل لكل مشاكلك ما تخافيش.
يردف نادر قائلًا ببراءة وهو لا يعلم ماذا تعني كلماته
_ما نقتل الزفت عصام ده ونخلص منه هو وعمه فوزي يا كنوز.
أردفت لوجين قائلة ببراءة
_أيوه يا كنوز اقتلي عمو عصام وفوزي علشان هم شريرين وأنا مش بحبهم واتجوزي عمو جاسر وعم مراد لأني بحبهم أوي.
وفي هذه اللحظة يدخل جاسر إلى الغرفة بعد أن سمع كل شيء تفوهت به كنوز وهو يرسم ابتسامة خفيفة على وجهه وقد شعر بارتياح بعد أن اكتشف أن حبيبته ما زالت ملكًا له وفهم ما الذي كانت تنوي فعله بينما أردف قائلًا وهو ينظر إلى كنوز بحب
_أيوه قولي لها والنبي يا لوجين هانم توافق تتجوز عمه جاسر لأنه والله العظيم بيحبها أوي.
تركض لوجين اتجاه جاسر وأردفت قائلة بسعادة طفلة وجدت من يحن ويعطف عليها
_عمو جاسر وحشتني أوي.
يحمل جاسر لوجين بينما وضعت لوجين قبلة رقيقة على خده بينما ينظر جاسر إلى كنوز بحب والسعادة تغمر قلبه الحزين وأردف قائلًا وعيناه على كنوز فقط
_وإنتي كمان وحشتيني أوي أوي أوي أوي ونفسي أخدك في حضني دلوقتي وأعرف العالم كله قد إيه أنا بحبك.
تشعر كنوز بالخجل للحظات وغمرت السعادة قلبها الصغير من اعتراف جاسر لها بحبه في ظروف مثل هذه لكن سرعان ما تخفي كل هذا وراء ملامح الغضب وأردفت قائلة بانفعال
_إنت بتعمل إيه هنا ومين سمح لك بدخول أوضتي إنت كنت بتتجسس على كلامي على فكرة عيب أوي التصرفات دي من واحد زيك.
يضع جاسر الصغيرة لوجين على أطراف السرير بجوار كل من نادر وزياد وهو ينظر إلى كنوز بتعجب بينما يبتسم ببرود وأردف قائلًا باستفزاز
_فكرة بقى يا آنسة كنوز العيب عند حضرتك مش عندي أولًا إنت اللي كان صوتك عالي وإنت بتتكلمي ثانيًا باب أوضتك كان مفتوح مش مقفول يعني إنت اللي غلطانة مش أنا.
ترد كنوز على جاسر وهي تقطب حاجبيها بضيق وتنظر إليه بطرف عين بينما ضمت يديها إلى صدرها بكبرياء ونبرة صوتها تثبت مدى كبريائها
_وده مش يديك الحق إنك تدخل كده من غير استئذان وكمان تقول كلام فاضي زي اللي حضرتك قلته ده وحاجة تانية أنا مش آنسة أنا بقيت مدام متجوزة ياريت ما تنساش حاجة مهمة زي دي مرة تانية لو سمحت.
يضحك جاسر بصوت عال بينما تقدم عدة خطوات ووقف أمام كنوز بنفس الطريقة التي تقف بها هي وضم ذراعيه إلى صدره وعقد حاجبيه يحاول أن يقلد هذه الصغيرة التي عذبت روحه وقلبه وسيطرت على عقله وشغفه وخطفت منه أنفاسه بينما ترمق كنوز تحركات هذا المزعج الذي يحاول تقليدها في كل شيء بينما أردف جاسر قائلًا بمغازلة ممزوجة ببعض السخرية
_أيوه فعلًا إنت هتكوني مدام بس مدام لجاسر بيه مش لواحد غيره يا آنسة كنوز
تشعر كنوز بسعادة وصدق في كلمات هذا العاشق لكن كبرياءها كأنثى يمنعها من الاعتراف بذلك بينما أردفت قائلة بصوت رقيق بالقرب من أذن جاسر الذي أغلق عينيه من أجل أن يستمتع برائحة عطرها التي أصبح يعشقها إلى حد الجنون وصوتها الذي يشكل له أفضل الألحان
_نصيحة مني لحضرتك لو بتحلم احلم وإنت نايم علشان ما فيش حد يفكرك مجنون
يبتسم جاسر ابتسامة جانبية تظهر غمزته اليتيمة التي توجد في خده الأيمن بينما اقترب هو من أذن كنوز وأردف قائلًا بهدوء وكانت كلماته ثابتة وصدقها واضح كوضوح الشمس
_جهزي نفسك يا آنسة كنوز لأنك هتكوني مراتي قبل ما الساعة تيجي عشرة مساء
تبتعد كنوز عن جاسر خطوة واحدة وهي تنظر إلى عينيه بعمق تحاول أن تجد أي شيء بداخلهما يثبت أن هذه الكلمات التي سمعتها منذ قليل ليست صادقة لكن أرهقها البحث فأردفت قائلة بعد أن شعرت باليأس من البحث عن الشيء الذي تريده
_يعني إيه هكون مراتك قبل الساعة عشرة
يرد جاسر قائلًا وهو ينظر إلى عيني كنوز ببرود
_يعني معاكي بس اتناشر ساعة على ما تجهزي وتكوني أجمل عروسة في الدنيا كلها يا كنزي الغالي والجميل
ثم يقترب من أذن كنوز وأردف قائلًا بشغف بينما يحاول أن يسيطر على بركان المشاعر الذي سيطر عليه وتسارعت أنفاسه المشتعلة تحرق عنق كنوز بينما أغلق عينيه مستمتعًا بلذة هذه المشاعر النادرة التي لا يحصل عليها الكثيرون
_بحبك يا كنوز سيدك المخفي بيعشقك من يوم ما اتعرف عليكي
ترجع كنوز رأسها إلى الخلف قليلًا بينما تنظر إلى جاسر بدهشة واتسعت عيناها من شدة الصدمة وأردفت قائلة بذهول بينما ابتعد عنها جاسر وهو ينظر إليها بعمق ويرسم ابتسامة جذابة على وجهه
_إنت مين
يرد جاسر قائلًا بحب يظهر في نبرة صوته وعيناه تكشفان ما بداخل قلبه
_السيد المخفي يا فتاتي التي لا تعلم المستحيل
ترد كنوز بدهشة قائلة وهي لا تصدق أن ما يقوله لها جاسر حقيقي
_إنت إزاي
يرد عليها جاسر قائلًا وهو يتجه نحو الباب ينوي الرحيل
_وأنا ذات نفسي يا زوجتي المستقبلية مش عارف إزاي بس عرفت إنك فتاتي التي لا تعلم المستحيل صدفة وكانت أجمل صدفة حصلت لي
يقول ذلك وهو يقف على باب الغرفة يمسك بمقبض الباب بيده ويعطي كنوز ظهره بينما ترمقه كنوز بدهشة كبيرة وهي ما زالت لا تستوعب ما يحدث الآن ولا تصدق أن ذلك جاسر الذي اعتبرته مجرمًا قاتل أبويها هو نفسه أكثر شخص تحبه وترتاح إليه وبعد لحظات من الصمت ومن شدة دهشة كنوز لم تستطع أن تحرك لسانها وتقول ما تريد قوله وبعد أن استجمعت قوتها العقلية وتحكمت في أعضائها الخارجية والداخلية أردفت قائلة
_صدفة إزاي استنى عندك أنا عاوزة أفهم كل حاجة وأعرف إنت مين بالظبط
يلتفت جاسر برأسه إليها وظهرت غمزته على خده وأردف قائلًا
_والله يا كنوز ما بيحصل غير اللي ربنا سبحانه وتعالى عاوزه وأنا عرفتك صدفة وربنا جمعني بيكي على طريق ظروف صعبة زي دي علشان أثبت حبي ليكي مرة واتنين وعشرة وهفضل أثبت حبي ليكي لحد ما أموت يا كنوز
❈-❈-❈
في الشركة وبالأخص في مكتب فوزي
يدخل عصام دون استئذان وهو لا يطيق نفسه من شدة الغضب ويجلس على المقعد أمام فوزي بينما يراقب فوزي تصرفات عصام بضيق وأردف قائلًا بصوت خشن
_خير يا زفت إيه اللي حصل علشان جاي منفوخ بالشكل ده
يرد عصام قائلًا بانفعال وهو يخبط بيده على سطح المكتب بقوة إلى درجة اهتز كل شيء فوق المكتب
_أنا خلاص زهقت وقرفت من بنت أخوك الأمورة طلعت حامل يا أستاذ فوزي هتعمل إيه دلوقتي
يقف فوزي من مقعده وهو يرى شياطين العالم بأكملها تقف أمامه الآن وفي لمح البصر كان يقف أمام عصام وأمسكه من قميصه وأردف قائلًا بصوت عال مليء بالغضب
_إنت اتجننت يا عصام إيه اللي إنت بتقوله ده هي مين دي اللي حامل يا زفت إنت
يبعد عصام يد فوزي عن قميصه بعنف وأردف قائلًا بانفعال
_هو أنا اللي عملت فيها كده روح يا خويا اتشطر على اللي كان السبب طالما إنت حماسي وعامل فيها راجل قوي كده
ينظر فوزي إلى عصام بدهشة بينما ذهب عصام ولم يبالِ بما يحدث داخل ذلك الشيطان ولا بالبركان الذي على وشك الانفجار من شدة غضبه يقف عصام على باب المكتب بينما أمسك بمقبض الباب بيده ولف رأسه اتجاه فوزي الذي يقف لا يستوعب شيئًا مما يحدث وأردف قائلًا بنبرة تهديد وهو يرفع إصبعه السبابة في وجه فوزي بتحذير من بعيد
_أنا هطلق الأمورة كنوز ومش عاوزها إنت فاهم مش عاوزها وما يهمنيش إيه اللي هيحصل فيك أو فيها ويا دار ما دخلك شر فيكم وفي مشاكلكم اللي ما بتخلصش
يرد فوزي بصوت عال والدهشة لا تفارق ملامح وجهه ولا يصدق أن من يتحدث إليه الآن هو نفسه عصام صديقه الذي لم يتجرأ على رفع عينيه في عينيه قبل هذا اليوم
_إنت اتجننت يا عصام إزاي تتكلم معايا بالشكل دي.؟
ينظر إليه عصام باحتقار ثم يذهب من أمامه ولم يعِر أي اهتمام لكلامه وفجأة يرن هاتف فوزي
ينظر فوزي إلى أثر رحيل عصام بينما أردف قائلًا بغضب قبل أن يجيب على الهاتف
_ماشي يا عصام الكلب أنا هعرفك إزاي تتكلم معايا بالشكل ده مرة تانية.
يتبع