رواية في قلبي انثي عبرية الفصل الخامس والثلاثون 35 بقلم خولة حمدي


رواية في قلبي انثي عبرية الفصل الخامس والثلاثون 35 بقلم خولة حمدي


أغمض عينيه ورحلت أفكاره إلى تلك الأيام القصية... كم تمنى أن يكون إسلامها على يديه وبفضله، لما كان عرف الخوف والقلق وهو يرى الامتنان يملأ خلجاتها كلما تحدثت عن أحمد. كم تمنى أن يكون من يتخذ الخطوة الأولى


في اتجاهها... لكن أحمد سبقه وفعل ما لم يقدر هو على فعله. لشد ما يحسده على شجاعته وصلابة موقفه. كيف واجه نظرات عائلته وأصدقائه وكل معارفه المستنكرة وهو يقدم على خطبة فتاة يهودية. أما هو فقد كان ممن حاولوا إثناءه عن عزمه، رغم إعجابه بها... ورغم رغبته في أن يكون مكانه. كان هو أول من تحدث إليها، شدته جرأتها وقوة شخصيتها. لكنه توقف عند ذلك الحد. لم يكن يملك إيمان أحمد وعزيمته. فتركه يشق طريقه إليها، يأخذ بيدها، ويقودها إلى الضفة الأخرى. لكن أحمد لم يكن هناك، ليقطف ثمار ما زرعه في قلبها... ولم يكن بإمكانه هو أن يفرط في الفرصة مرة أخرى، وقد أصبحت الثمرة ناضجة جذابة أمام عينيه. لا يمكنه أن يتركها الآن...


نهض من مرقده وفتح درج مكتبه السفلي. كانت هناك محفظة قديمة يحتفظ بها منذ سنوات. كانت لا تزال تحوي بطاقاته القديمة، منذ أيام الجامعة، وبعض قصاصات الجرائد التي كان يجمعها. تنقلت أصابعه بينها، ثم أخرج من بين طياتها صورة قديمة متهرئة، لكنها كانت أغلى ما يملك في ذلك الوقت.


صورة طريفة لبعض إخوانه المقربين. كان يقف مبتسما رفقة أيهم وأحمد وهم يتعانقون في حماس وود. هي الأخرى تحمل آثار التعذيب الذي ترك بصماته في أنحاء جسده. تمزق جزء منها في أثناء عملية التفتيش القاسية... الجزء الذي يحمل وجه ندی.


* * * * *


كان أحمد يذرع الغرفة جيئة وذهابا في نفاد صبر. كان لقاؤه يوم أمس بندی عجيبا. انفرد بنفسه بعد مغادرتها، وأخذ يسترجع كل كلمة من كلماتها، ويربطها بصور رسمتها في ذهنه رسائلها. كان سعيدا لأنه وجدها... رغم أنه لا يذكرها بعد، إلا أن وجودها في حياته أسبغ عليها ألوانا إضافية. هي تلك الألوان التي يراها بين عينيه الآن وهو يفكر فيها. إنها خطيبته! أليس من حقه أن يفكر فيها؟ لكن تأقلمه كان سريعا بصفة مدهشة. لم تكن موجودة بالأمس... كانت مجرد فكرة، صورتها في عقله تلك الرسائل. لكنها سرعان ما اتخذت شكلا حقيقيا ملموسا، وأصبحت واقعا بالنسبة إليه. رغم حداثة هذا الواقع، إلا أنه يجده مألوفا... ومريحا!


تأفف في ملل وهو يلقي بجسده على السرير. لماذا لم تصل بعد؟ قالت إنها ستعود بعد جلسة البارحة. قالت إنها ستحدثه عن كل شيء بالتفصيل الممل.


قضى معها ساعتين كاملتين، حاولت خلالهما أن ترد على مسامعه مختلف المواقف التي جمعتهما في الماضي. أنصت إليها بانتباه واهتمام. لكن اهتمامه كان منصبا على شخصها أكثر من أية تفاصيل أخرى ترده. يريد وبشدة أن يسترجع ماضيهما المشترك... لم يكن ينقصه غير ذلك حتى يستعيد نفسه بالكامل. لا شك أنها تحمل كل مفاتيح ذاكرته المفقودة.


كان يطالع الساعة بين الفينة والأخرى، ثم يحاول أن يلهي نفسه بأي شيء.


فتح كتبا عديدة، ثم أغلق كلا منها دون أن يفقه حرفا واحدا مما قرأ. ليس في مزاج يسمح له بالتركيز. تأخرها يجعله يفقد السيطرة على أعصابه دون وعي منه. ألن تأتي؟ ماذا لو غيرت رأيها؟ لا يدري لماذا تلح عليه هذه الهواجس. لقد جاءت خصيصا من تونس للقائه. قطعت المسافة كلها حتى قانا لتراه... فما الذي يجعلها تختفي فجأة؟ هدأته هذه الأفكار. لا شك أنها ستصل قريبا... لا داعي لكل هذا القلق. لماذا يدق قلبه بسرعة جنونية؟ لماذا يخشى فقدانها لهذه الدرجة؟ ما الذي يدور في رأسك بالضبط يا أحمد؟


تعالت طرقات خفيفة على باب غرفته، فهب مسرعا وعلى وجهه علامات التحفز.


كانت سماح تحمل إليه كأسا من الشاي. فوجئت وهي تراه بتلك العصبية.


تراجع خطوتين إلى الوراء ليفسح لها المجال، فتقدمت لتضع الطبق على المكتب، ثم بادرته في تساؤل:


- ما بك يا أحمد؟ لا تبدو طبيعيا...


تنهد وهو يجلس على طرف السرير محاولا الاسترخاء:


- لا شيء... لا شيء... فقط بعض الضغط النفسي...


ثم واصل مبتسما:


- جاء الشاي في الوقت المناسب.


عقدت سماح ذراعيها أمام صدرها وهي تقول في عتاب:


- رأيت أنك لا ترغب في مشاركتنا السمر في غرفة الجلوس، فأحضرت كأسك إلى غرفتك.


ابتسم مترفقا وهو يقول:


- ليس الأمر كذلك... لكنني أردت أن أنفرد بنفسي لبعض الوقت. أحتاج للتفكير في بعض الأمور، قبل أن أستعيد نشاطي بالكامل...


تناهى إلى مسامعهما صوت إغلاق الباب الخارجي، فتنبهت حواس أحمد ولبث للحظات مترقبا. لكن طال انتظاره دون أن يسمع أصوات بعض الزوار في الممر. علقت سماح موضحة:


- هذا أبي قد انصرف إلى جلسته الأسبوعية في مقهى الحي... ألا تذكر؟


هز رأسه في خيبة:


- آه، نعم... صحيح...


تأملته سماح في قلق. بوسعها أن تخمن سبب خيبته وترقبه. طالعت الساعة بدورها. هل تراها تعود اليوم؟ تنهدت بصوت مسموع، ثم اتجهت إلى باب الغرفة:


- صوت الأمومة يناديني، علي أن أهتم بصغيرتي بعض الشيء. فلست وحدك من يحتاج الرعاية...


قالت ذلك متصنعة المرح، ثم ابتسمت متابعة


- سأكون في الجوار إن احتجتني...


تابعها بابتسامة ممتنة. ثم استلقى مجددا على السرير... يقتله الملل...


* * * * *


هل كان عليها أن تذهب إليه اليوم؟ جلست على عتبة الباب الداخلي تطالع الممر المفروش بالحصى الذي يفصلها عن بوابة الحديقة. منذ ست سنوات، رأته هناك عند بابها، للمرة الأولى... ثم ودعته وهي لا ترجو لقاء جديدا. كانت تعيش تلك اللحظات من جديد وهي تحدثه بكل تفاصيلها طوال جلسة الأمس.


كانت تعيشها حقا... خفقات قلبها، العبرات في عينيها، الحمرة في وجنتيها، ارتجاف أناملها، كلها كانت تنطق بحياة تلك الذكريات فيها. حلقت معه عبر أحداث الماضي لمدة ساعتين. لمدة ساعتين نسيت نفسها، نسيت حاضرها، نسيت كل شيء يرتبط بواقعها... لكن ريحا قوية صفعتها وهزتها من الأعماق، حين رأت حسان يقف في الخارج... ينتظرها. انتظرها طويلا، وما زال. ألم يئن لانتظاره أن ينتهي؟


كانت قد وعدت أحمد بالعودة اليوم، لتواصل معه الرحلة عبر محطات ماضيهما المشترك. لكنها مذ غادرت منزله البارحة وهي في صراع نفسي مستمر. ما كانت تلك الأحاسيس التي غمرتها وهي تحدث أحمد؟ ألم تكن خيانة؟ ألمتها الكلمة مجددا. أحمد وكل الذكريات التي جمعتها به يجب أن تبقى جزءا من الماضي. سيكون كل شيء على ما يرام طالما تحبسها في ركن بعيد، بعيدا عن الشرايين التي تضخ الدماء لقلبها... لكن أن تعيش نفس الأحاسيس من جديد، فذلك الخطأ عينه. حاولت بعض الأفكار أن تسيطر على عقلها الواعي:


إنها تقوم بعمل نبيل، تحاول مساعدته على استرجاع ذاكرته! حين قررت السفر إليه، كانت تظنه فاقدا للذاكرة تماما. لكنها اكتشفت حال وصولها أن وضعه تطور واسترجع قسما كبيرا من ذكرياته. كل ما يفقده الآن هو الذكريات التي تخصها هي... لسبب تجهله. لكن أليس من الأفضل أن ينساها تماما وإلى الأبد؟ ماذا يفيده تذكرها؟ أليس من الأولى أن تساعده على بناء حياة جديدة لا وجود لندى فيها ... لأنها ببساطة لم تعد فيها.


تنهدت في حرقة. يكفي إلى هذا الحد. عليها أن تتراجع قبل أن تسقط في هوة لا قرار لها، وتفقد أغلى ما تملك... احترامها لنفسها. كانت الشمس قد مالت للمغيب منذ دقائق، واكتست السماء حمرة خفيفة تمهد للسواد القادم. یاه، أخذتها أفكارها وسهت عن صلاة المغرب. وقفت من مجلسها وسارت بخطوات وئيدة باتجاه غرفتها المظلمة. بدا المنزل كئيبا في غياب ساكنيه. من الغد ستتصل بوالدتها التعلمها بقرارها بتعجيل الزواج. ثم ستهتم بكل الترتيبات اللازمة... ستشغل نفسها بالتخطيط لحياتها المستقبلية، ولن تفكر مجددا في أحمد.


قاطع أفكارها رنين الهاتف في الصالة. من يكون المتصل في مثل هذا الوقت؟


ربما كانت سونيا تريد الاطمئنان لحالها في وحدتها. فوجئت حين وصلها صوت سماح المتردد:


- كيف حالك؟


كان عليها أن تتوقع اتصالها. غيابها دون تبرير سيجعلهم يقلقون بالتأكيد.


- كان علي أن أتصل وأعتذر...


- لا بأس، المهم أنك بخير...


حاولت أن تكون أكثر وضوحا:


- اعتذاري لا يخص زیارة اليوم فقط... لم يعد بإمكاني أن ألتقي أخاك مجددا لم تستطع أن تنطق اسمه. بادرت سماح بسرعة


- هل انزعج حسان من زيارتك البارحة؟ لمحت سيارته في شارعنا...


قاطعتها ندى مؤكدة:


- لا علاقة لحسان بالأمر... القرار نابع مني أنا. لقد فكرت كثيرا، ووجدت أنه لا فائدة من المحاولة...


قالت سماح بسرعة:


- بالعكس! أحمد استجاب بصفة كبيرة لجلسة البارحة، ولبث ينتظرك طوال النهار...


عصرت عينيها بقوة لتمنع العبرات من التسلل. هذا ما كانت تخشاه.


- سماح، ما قصدته هو أنه لا فائدة من استرجاعه للذكريات التي تخصني! لا حاجة له لوجودي بعد الآن. من الأفضل لكلينا أن ننسى الماضي الذي جمعنا، لأن علينا تخطيه بعد شهر واحد من الآن!


ساد الصمت لبضع ثوان، ريثما استوعبت سماح كلماتها. تمتمت في عدم تصديق:


- ستتزوجين؟


لم يكن الخبر جديدا عليها. خطبتها طالت، والزواج كان واردا بين لحظة وأخرى. لكنها كانت تأمل في انقلاب الموازين. الطالما رأتها كخطيبة أخيها، حتى بعد اختفائه. كانت من شجعها على قبول الارتباط بحسان، وساندتها حتى تتجاوز ألم فقدان أحمد وتبدأ مشوارا جديدا... وليست نادمة على ذلك.


لكن وهي ترى اليوم اللهفة والترقب على وجه أخيها، وهي تلمس التأثر في صوت ندی، راودها أمل بأن تعود الأمور مثل السابق... بأن تعود ندى إلى أحمد وأحمد إلى ندی.


- نعم، قررنا إتمام الزواج الشهر المقبل...


همست في محاولة يائسة:


- ماذا أقول لأحمد؟ إنه لا يزال ينتظرك...


أجابت في صرامة مصطنعة:


- قولي إنني سافرت... على أية حال، سأعود بعد يومين إلى تونس...


قررت السفر فجأة. خافت إن هي بقيت هناك، قريبة منه، أن تضعف وتهدم كل ما بنته من حدود بينهما. وضعت السماعة وتنهدت بقوة. الصلاة، الصلاة قبل أن تفوت. حثت الخطى إلى غرفتها وكل خلاياها تهتف بصوت واحد، ضعیف،


مختنق... يارب.


* * * * *


- ماذا بعد لقائك بها؟ هل تذكرت شيئا؟


- لست أدري يا دكتور... بعد أن رأيت صورها، ثم بعد أن التقيتها، أصبحت أرى صورا لها في ذهني... لست أدري إن كانت ذكريات أو مزيجا من خیالات ناتجة عما قرأته من رسائلها، وما روته لي من أحداث جمعتنا...


- هل من شيء يميز هذه الصور؟ هل تجد لها صدى معينا في نفسك؟


ركز أحمد اللحظات محاولا التذكر، وبعد صمت قصير تكلم ببطء، كأنه يصف مشهدا يراه أمام عينيه:


- في الصور التي أراها، شكلها يختلف عن صور حفل الخطبة وهي الصور الوحيدة التي رأيتها لها - ترتدي ملابس عادية، تختلف عن الملابس التي


ترتديها اليوم. أقصد أنها ملابس تخص اليهود أكثر من المسلمين، مع أنها تغطي رأسها أيضا...


تردد لثوان قبل أن يستطرد:


- هناك صورة محددة، أجدها تعاودني بكثرة... أراها مبتسمة... وأرى خلفيةومخضرة، كأنها تقف في الضيعة... قرب المنزل الريفي...


- ربما ترى تلك الخلفية لأن ظهورها في حياتك ارتبط بالضيعة... رسائلها كانت هناك...


لكن أحمد تابع في إصرار:


- الغريب في الأمر هو أن الصورة تظهر في ذهني ثابتة. ليست ذكريات بالمعنى الصحيح، ولا تهيؤات... فكلها في الغالب ترتبط بأحداث، حركات، أصوات... لكن هذه الصورة، لا حياة فيها ... كأنها صورة شمسية!


رفع الطبيب رأسه إليه في اهتمام، بعد أن دون كل كلمة قالها:


- ماذا أيضا؟ هل ترى أي شيء آخر؟


- بقية الصور متداخلة وغير واضحة الملامح... من العجيب أنني لا أجد صعوبة في وصف هذه الصورة بمنتهى الدقة! ما رأيك يا دكتور؟


ابتسم الطبيب مطمئنا:


- لا يمكننا الجزم بعد... لكن التطور يبشر بكل خير. والآن، هلا استرحت قليلا ريثما أتحدث إلى والديك؟


نهض أحمد متثاقلا، وتمدد على السرير كالعادة. لم يكن مزاجه جيدا اليوم.


مستاء وعصبي. لولا حاجته لاسترجاع ذكرياته المفقودة لما كلف نفسه عناء المجيء إلى جلسة العلاج هذه... ربما يمكن للطبيب أن يساعده في ظل غياب ندى المفاجئ. لماذا لم تأت؟ لماذا لم تأت؟ سؤال يلح عليه منذ البارحة. لماذا أخلفت بوعدها وتركته ينتظر؟ هل غيرت رأيها لأنه لم يتمكن من تذكرها؟ هل تراجعت بمثل هذه السهولة؟ ربما لم تجده كما توقعت... ربما تغير في نظرها بعد طول الغياب. ربما لم تجد في نفسها المشاعر القديمة فأثرت الانسحاب.


ربما، ربما، ربما... لا يملك إلا تعديد الاحتمالات وتخيل الخيارات. لم ينجح في إيقاف أفكاره تلك وصنع الفراغ التام في رأسه كما طلب منه الطبيب. حاول تنفيذ خطة التنفس المحكم، لكنه كان يخطئ في العد بسهولة، ويشرد نحو آفاق أخرى...


في الغرفة المجاورة، طلب الطبيب دخول والديه ليحادثهما على انفراد. بادره أبو أحمد بسرعة:


- طمئننا... كيف حاله يا دكتور؟


ابتسم الطبيب وهو يقول في ارتياح:


- صحته العقلية والنفسية على أحسن ما يرام، فقد تأكد لدي أنه استرجع هويته وكل مداركه ولا خوف عليه بعد الآن... حتى القسم المفقود من ذكرياته، فيمكنه أن يعيش حياة طبيعية دون أن يشكل ذلك خللا في نشاطاته وعلاقاته بصفة عامة... عدا الأشخاص القليلين الذين سقطوا من ذاكرته.


سألته الخالة سعاد:


- وماذا عن الصدمة النفسية التي تعرض لها؟


تنهد الطبيب وهو يضيف شارحا:


- سأكون صريحا معكم... اكتشاف أسباب الصدمة وملابساتها قد يكون مصدر ألم كبير بالنسبة إليه. لكنه في نفس الوقت سيمكنه من تجاوزها تدريجيا بوعي كامل، ومن التعامل بصفة مناسبة مع كل العوامل المرتبطة بها... لذلك فمن المهم أن ينكشف الحجاب عن هذه الحادثة، وأرى أنه متشبث بتذكر كل شيء، ومجيئه اليوم هو دليل قاطع على رغبته هذه...


تدخل أبو أحمد في قلق:


- وماذا لو صدم مرة أخرى حين يتذكر ما حصل معه مهما كان؟ هل سيفقد الذاكرة مجددا؟


قال الطبيب مطمئنا:


- سبق لأحمد أن فقد الذاكرة جراء حادثة معينة... بمعنى أن عقله اللاواعي سبق له وأن تعامل معها، فجعلها تختفي من وعيه وامتص معها كل الذاكرة.


لذلك فإن الكشف عن هذه الحادثة لن يؤثر في الأوعية هذه المرة، بل سيتم إيصالها مباشرة إلى العقل الواعي... ونتائجها، مهما بلغت من الألم، لن تصل إلى فقدان الذاكرة مرة أخرى.


أردف بعد صمت قصير:


- والآن، أخبراني... هل سبق لخطيبته أن ذهبت إلى الضيعة؟


أجابت الخالة سعاد:


- نعم، عدة مرات... كنا نجتمع هناك بضع مرات في السنة، مع عدد من أفراد العائلة والأصدقاء... وكانت ندى وعائلتها من المدعوين في كل مرة...


- طيب، وهل كنتم تلتقطون صورا في هذه اللقاءات؟ هل تحتفظون ببعض التذكارات عنها؟


فكرت للحظات في شك:


- لا أعتقد. ليس على حد علمي...


قاطعها أبو أحمد مذكرا:


- نعم، في إحدى المرات، أحضر صديق أحمد، حسان، آلة تصوير قديمة...


والتقط بعض الصور مع الأولاد...


شجعة الطبيب في اهتمام:


- هل كانت ندى تظهر في إحدى هذه الصور؟ هل تحتفظون ببعضها؟


- لا أعتقد. لم أر أيا منها على أية حال. بعد ذلك بفترة وجيزة وقع حسان في الأسر. ولم أسمع أحدا يذكر تلك الصور منذ ذلك الحين...


- حسن، إن توصلتم إلى شيء بشأنها فلا تترددوا في إعلامي...


* * * * *


كانت تجمع حاجياتها في ملل وتثاقل. لم تدم إقامتها في قانا سوى يومين اثنين، وها هي ستسافر مرة أخرى. اتصل بها حسان منذ قليل وأعلمته بما عزمت عليه. بدا متفاجئا من رغبتها في السفر. كان يريد الحديث في تفاصيل الاستعدادات للحفل، لكنها طلبت منه أن يؤجل كل التحضيرات ريثما تعود من تونس رفقة والدتها.


لم يكن لديها الكثير من الأغراض لتجمعها، فشغلت نفسها بمسح الغبار عن أثاث البيت وترتيب المفارش... تفعل أي شيء حتى لا تنفرد بها أفكارها المتمردة. لم تجد حجزا لليوم، لذلك عليها انتظار رحلة الغد. ولشد ما يرهقها الانتظار. ارتفع رنين الهاتف مرة أخرى. سارت إليه بلا رغبة وتناولت السماعة.


لكن ما إن جاءها الصوت المليء بالحيوية من الطرف الآخر، حتى هتفت في سعادة:


- سارا ! غير معق سول!!


كم كانت سعيدة بسماع صوت تلك الفتاة التي غدت من أحب الأشخاص إلى قلبها.


- كيف حياتك في أمريكا؟ حدثيني بكل التفاصيل...


استمعت إليها وهي تقص عليها طرائف متنوعة عن حياتها الجديدة. كانت في حاجة لاستعارة بعض حماسها لتعوض الفتور الذي غلب عليها في الأيام


الماضية. بادرتها سارا في فضول:


- وأنت؟ ما جديدك؟


ابتسمت وحاولت أن تبث الخبر بشيء من الفرح:


- سأتزوج الشهر المقبل!


تعالى صراخ سارا من الجانب الآخر وهي تقول في سعادة:


- مبارك عزيزتي... تهاني القلبية!


- شكرا لك...


تمنت لو تسري إليها عدوى السعادة، لكن البرود الذي أحسته جعلها تختنق فخرجت عبارات شكرها فاترة بلا روح. ساد صمت قصير قبل أن تسألها سارا في قلق:


- ما الأمر يا ندي؟ لا تبدين سعيدة بزواجك؟ هل اختلفت مع عائلة حسان بشأن تفاصيل الحفل؟


لم يعد بإمكانها أن تتوارى خلف ابتسامة مصطنعة وسعادة مختلفة. ترددت قليلا. هل تحدثها بكل شيء؟ ربما كانت بحاجة إلى مشورة شخص ما. إلى نصيحة قد تساعدها على اتخاذ قرارها. لكن سارا فتاة صغيرة صغيرة السن ربما، لكنها ناضجة بما فيه الكفاية لتستمع إليها. قد لا تفيدها كثيرا ، لكنها بفضفضتها ستخفف من الحمل الذي يرزح تحته صدرها.


قالت بصوت مرتجف:


- تذكرين الشخص الذي حدثتك عنه؟ الشاب الذي اختفى خلال أحداث التحریر سنة ألفين...


- خطيبك السابق؟


- نعم...


ثم أضافت في توتر:


- لقد عاد...


شهقت سارا من الدهشة، لكنها لم تعلق. تركتها تواصل حتى يكتمل فهمها لما يحصل.


- لكنه عاد فاقدا للذاكرة... أقصد کان فاقدا للذاكرة كليا، لكنه الآن استرجع جل ذكرياته... ما عدا تلك التي تخصني...


أصغت إليها سارا في اهتمام ودهشة متزايدين، ثم همست في تفهم:


- لا شك أن ذلك المك...


اعترفت ندی دون مواربة:


- كثيرا... ورغم ذلك فإنني أفكر فيه كثيرا مؤخرا... لا أستطيع تناسي وجوده، حتى إن كان لا يذكرني...


تركت تنهيدة طويلة تخرج من صدرها وتحمل معها أكواما من الآهات.


قالت سارا في حزم:


- ندى عزيزتي... إن كنت قد قررت الزواج، فيجب أن تكوني سعيدة بقرارك.


هذا مستقبلك، وهذا مشروع حياتك. لا تتهاوني بشأنه. إن كنت ترين من الأفضل نسيان خطيبك السابق والمواصلة مع حسان، فكوني سعيدة بذلك. إن لم تجدي السعادة في هذا القرار، فذلك يعني أنه القرار الخطأ! ربما ليس قرارا خاطئا بالكلية، لكنه ليس مناسبا لك في الوقت الحالي. أعطي نفسك المزيد من الوقت، حتى تتأكدي من الطريق التي فيها سعادتك. لا تتسرعي في القرار لمجرد الهرب...


قاطعتها في اضطراب:


- لكن حسان ينتظرني منذ زمن طويل... ليس من العدل أن أتركه ينتظر أكثر، بدعوى أنني لم أعد متأكدة من قرار الارتباط! لو رأيت مدى سعادته حين وافقت على طلبه...


- صدقيني، سيشكرك أكثر إن رحمته من هذا الزواج المبني على مشاعر المسؤولية والواجب أكثر منها على الاقتناع والحب. هل سيكون سعيدا بعد شهر أو شهرين من الزواج، حين يجد أنك لا تزالين تنظرين إلى الخلف


وتتحسرين على قرار تسرعت في اتخاذه؟ لن يكون أحدكما سعيدا بذلك؟


صمتت ندی متفكرة. سارا ، أنت على حق. لكنني لا أستطيع اتخاذ مثل هذا القرار. لا يمكنني أن أخذل الشخص الذي وقف معي كل هذا الوقت. کیف سأواجهه وأواجه نفسي؟


واصلت سارا محاولة إقناعها:


- لا تفكري في النتائج الفورية... انظري إلى المدى البعيد. إنه مستقبل حياة، ولا مكان فيه لقرار وليد اللحظة. اهتمي أكثر بالتخطيط لسعادتك.


تمتمت في تلعثم:


- لكن... لكن أحمد لا يذكرني حتى!


- أنا لم أقل تزوجي أحمد. قلت تريثي ! انتظري استقرار حالتك وحالته. ربماوتذكرك بعد أيام قليلة... وربما وجدت نفسك مع مرور الأيام أكثر اقتناعا


بحسان. فأحمد قد يكون تغير أيضا في السنوات الماضية ولم يعد الشخص الذي يناسبك... ألست أنت من علمني الاستخارة؟ استخيري الله في أمرك، وسييسر لك الخير إن شاء الله...


أحست بارتياح غريب وهي تنهي المكالمة. تلك الفتاة الصغيرة تدهشها بحكمتها في كل مرة. كيف سهت عن صلاة الاستخارة؟ صلت ركعتين، ودعت بقلب خاشع. سألت الله أن يبين لها الطريق الصواب. ثم غفت على سجادتها، وفي نفسها أمل وليد.


* * * * *


جلس أحمد إلى مكتبه، وقد وضع أمامه كل ألبومات الصور التي وجدها في البيت. حديثه مع الطبيب جعله يميل إلى فرضية الصورة الشمسية. أخذ يبحث بتأنٍ في كل صور العائلة عن وجهها. لكنه كان واثقا من غيابها فيها حين ألقي نظرة في المرة الأولى. الصور الوحيدة لها كانت صور حفل الخطبة... فأين رأی تلك الصورة التي تظهر في رأسه، أين؟ توقف عند صورة جمعته بعدد من أصدقاء الجامعة. أصبح بإمكانه الآن أن يذكر أسماءهم واحدا واحدا بسهولة ويسر. حاول أن يرسم حدثا أو مشهدا على كل وجه، ليتأكد من أنه يذكره جيدا... كان تمرينا جيدا لذاكرته، استغرق فيه لبعض الوقت.


تمهل وهو يمر بوجه مألوف. حاول أن يتذكر موقفا جمعه به، لكن الموقف الأقدم الذي يتبادر إلى ذهنه هو المجلس الذي جمعه بعدد من رفاقه بعد عودته من الخيام. عقد حاجبيه في تفكير. حسان... كان يتردد عليه كثيرا في الأيام الماضية. تصرفاته توحي بأن العلاقة التي جمعتهما في الماضي كانت متينة...


فلماذا لا يذكر شيئا عنه؟ عقد حاجبيه في تفكير... لماذا لا يذكر شيئا عن هذين الشخصين الذين كانا حاضرين جدا في ماضيه؟ ندی... وحسان. راوده إحساس غريب ، فوقف من فوره وتوجه إلى غرفة سماح.


كان بابها مفتوحا. رآها منكبة على جمع حقائبها. رمقها باستنكار وتساءل:


- ماذا تفعلين؟


ابتسمت وهي تقطع حركتها لتواجهه:


- أعود إلى بيت زوجي. أم تراك نسيت أنني تزوجت؟ يكفي ما أهملت المسكين لأهتم برعايتك. والآن، بما أنك تعافيت كما يقول الطبيب، فعلي أن أنظر في بقية مسؤولياتي...


ابتسم متفهما. رأی صور زفافها ضمن صور العائلة. لم يحضر هذا الحدث السعيد. لكنه لا يلومها لأنها لم تنتظر عودته... لم تكن أكيدة على أية حال. قال وقد تذكر ما جاء من أجله:


- كنت أريد أن أسألك...


قاطعته في ألم:


- عن ندى... أليس كذلك؟


بدا أن لديها ما تحدثه به، لذلك تركها تواصل في اهتمام. كانت قد أجلت حديثها على قدر المستطاع، ريثما تجد الكلمات المناسبة لتفسر بها وضعية ندى الجديدة التي يجهلها.


- عزيزي... في غيابك حصلت أشياء كثيرة. وتلك هي سنة الحياة. وندى أيضا تغيرت أشياء كثيرة في حياتها. لا شك أنك قد قرأت في رسائلها عما عانته من عائلتها بعد إسلامها. عن طردها وتشردها، ثم رحيلها إلى تونس عند بعض أقاربها... كانت فترة صعبة. كلنا وقفنا إلى جانبها وساندناها، لكننا لم نكن عائلتها... وهي كانت في حاجة إلى عائلة تحميها...


أنصت إليها في انتباه وترقب، ودقات قلبه تتسارع مع كلماتها. واصلت:


- في ذلك الوقت، تقدم إليها شاب مسلم على خلق... كان يريد أن يحميها ويحتويها حتى لا تضطر إلى الارتداد عن دينها...


قاطعها بصوت مفجوع:


- تزوجت؟


- ليس بعد... لكنها ارتبطت بهذا الشاب منذ زمن، وقد تقرر تاريخ زواجهما.


لذلك فإنها ترجو منك أن تنسى ما عرفته عنها ، ولا تحاول أن تتذكر علاقتكما الماضية... فذلك سيكون أفضل لكليكما...


همس بصوت متقطع، ارتجفت منه أوصال سماح:


- من يكون زوجها؟


تمتمت في وجل:


- حسان...


هل كان يتوقع ذلك الاسم؟ شيء ما بداخله كان يعرف الحقيقة. ومضت تلك الصورة في رأسه من جديد. صورة شمسية تحمل وجهها. ورن اسمه في مخيلته في نفس الوقت... حسان... حسان... اختلط الصراخ بضحكات غريبة.


مكان مقفر، أشخاص يركضون في جميع الاتجاهات. غبار متعال، وشخص يقف أمامه وبيده الصورة. مزيج غريب من المشاهد المتداخلة. ندی... وحسان.


حسان... وندى أحس بصداع شديد يداهمه. أغمض عينيه وهو يحس بدوار مصحوب بغثيان. ركض إلى دورة المياه ليتقيأ. كان صوت سماح يتبعه عن قرب. يسمع هتافها:


- أحمد... أنت بخير؟ أحمد أجبني!


تنفس بعمق بعد أن استفرغ. يحس بإجهاد بدني شديد. متعب. متعب من رحلته الطويلة تلك.....



           الفصل السادس والثلاثون من هنا 

          لقراءة جميع فصول الرواية من هنا

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة