رواية في قلبي انثي عبرية الفصل السادس والثلاثون 36 بقلم خولة حمدي


رواية في قلبي انثي عبرية الفصل السادس والثلاثون 36 بقلم خولة حمدي


الناس يركضون في جميع الاتجاهات بلا تمييز. يتدافعون ويتعثر بعضهم ببعض، ومن حين لآخر يأخذهم الحماس فتعلو الهتافات: الله أكبر... الله أكبر...


شق أحمد طريقه عبر الأمواج البشرية المتلاطمة وهو يصرخ ملء صوته:


- حسان... حسان، أين أنت؟


كان صوته يضيع وسط الضوضاء العامة، ليصبح واحدا من مئات النداءات التي يبتلعها الزحام. لكنه كان مصمما على إيجاد صديقه ورفيق عمره. لا شك أنه هنا في هذه الساحة، بين المعتقلين الذين تم الإفراج عنهم بعد تحطيم أبواب المعتقل. بحث عن وجوه يعرفها... قد يكون أحد الرفاق قد وصل إليه قبله.


افترق عنهم حال وصوله إلى التجمع الكبير أسفل التلة. أعداد كبيرة من البشر كانت تعسكر هناك، ولم يكن من السهل الحفاظ على الصفوف منظمة.


كان يسير على غير وجهة، يحاول إيجاد طريق إلى بوابة السجن الرئيسية.


وبعد طول مشقة، تمكن من العبور ليصل إلى باحة المعتقل. كانت الأبواب جميعها محطمة وقد اشتعلت النيران في بعض الزنازين الخالية. لم يبق الكثيرون بالداخل، فالأحداث المهمة كانت في الخارج، حيث أحيط كل محرر بأحبابه بعد طول غياب. كان هناك بعض الفضوليين الذين لم يكن لديهم اهتمام شخصي بلقاء السجناء السابقين، بقدر ما شغفوا باكتشاف داخل غرف السجن التي فتحت للمرة الأولى للعموم. انهمك بعضهم في البحث عن أشياء ذات قيمة، قد يكون خلفها حراس السجن أو المعتقلون خلفهم.


رأى مجموعة من الشباب يقفون على مقربة من القسم الإداري، فاقترب منهم عله يجد عندهم بعض الإجابات. كانت أصواتهم تزداد وضوحا مع كل خطوة يتقدمها.


- أليست جميلة؟


- بلی... مليحة...


- أين وجدتها؟


- كانت مع أحد المساجين، لا يتركها أبدا، يطالعها آناء الليل وأطراف النهار...


لا شك أنه فقدها أثناء فراره.


ضحك أخر وهو يتقدم ليلقي نظرة على الصورة التي اجتمعوا حولها.


- لا حاجة له في الصورة، ما دام سيعود ليجد الأصل ينتظرها


علق آخر مشككا:


- لكنها يهودية، ألا ترى غطاء رأسها؟


قال الأول في استهانة:


- قد تكون حبيبته أو خليلته... وفي ذلك لا تختلف اليهودية عن غيرها من النساء... لو رأيته كيف يطالعها ! أقسم أنه واقع في غرامها حتى النخاع


سأله أحدهم مستنكرا :


- بالله عليكم، كيف يلتقي حب النساء بالجهاد في سبيل الله؟ هل أنت متأكد


من أنه من مساجين المقاومة؟


أطلق أخر صفيرا طويلا ثم تكلم بثقة:


- اسمع... هناك من يقاوم الإيمان في قلبه، وهناك من يندفع سأما من حياته.


سلني أنا، أعرف الكثيرين من الصنف الثاني. ثم يا أخي، المقاومة شيء والعاطفة شيء آخر ! ليسوا ملائكة! الرجل منا يقاتل في ساحة المعركة بقلب من حديد. لكن حين يعود إلى دياره، يعيش حياته ! ثم، ألا تدري ما الذي تفعله الوحدة في السجن بالشباب؟ إنها خير مذك للغرائز الحيوانية، وفي ذلك لا يختلف الزاهد والفاسق؟


كان أحمد قد اقترب منهم بقدر كاف. كان يستمع إلى كل كلمة يقولونها في انتباه وقد أثار فضوله حديثهم عن الفتاة اليهودية. كان يحسب نفسه المسلم الوحيد الذي تعلق بفتاة يهودية، لذلك شدته القصة. أراد أن يلقي نظرة على الصورة... لا يدري لماذا ساورته رغبة في رؤية وجهها. ربما ليتأكد من خطأ الإحساس الغريب بالخطر الذي راوده في تلك اللحظة. يتثبت من كونها فتاة أخرى، مختلفة.


لكن نظرة واحدة، كانت كافية لتفقده صوابه. ما إن وقع بصره على الصورة، حتى أظلمت الدنيا أمام عينيه. لم تكن الفتاة التي على صورة غريبة عنه. نعم، كان يعرفها جيدا ... أكثر مما كان يتوقع. كانت صورة ندى نفسها... صورة خطيبته ندي. كيف وصلت إلى أيديهم؟ ما الذي جاء بصورتها إلى هذا المكان؟


ومن ذا السجين الذي يتحدثون عنه؟ ما علاقته بندی؟ كانت في رأسه إجابة واحدة، لم يكن هناك احتمال آخر... انقض على الصورة ليخلصها من بين أيديهم ثم هجم على الرجل الذي رآه يقود الحديث وقد سيطر عليه الغضب وغيب عقله. شده من ياقة قميصه بقسوة وهو يصرخ بصوت هادر، وعيناه تطلقان شرار مخيفا:


- من أين جئت بها؟ تكلم الآن؟ كيف وصلت إليك الصورة؟


تدخل الآخرون الذين فوجئوا بظهوره ليخلصوا رفيقهم من براثنه بسرعة. تراجع أحمد إلى الخلف وهو يلهث بشدة وكل خلاياه تفور من الغضب. تكلم الرجل بعد تردد:


- اسمع يا هذا... لا علاقة لي بالصورة... ووجدتها على الأرض بعد رحيل الجميع..


صرخ فيه في نفاد صبر:


- ما اسمه؟ ما اسم ذاك السجين؟ تكلم!


تلفت الرجل حوله في توتر وهو يحس بالتهديد في صوت أحمد ، ثم قال في تلعثم:


- لست أدري... لا أذكر...


لكن أحمد كان منهارا ، كان اسم واحد يتردد في ذهنه طوال الوقت، وكانت تلك الأفكار ترهقه، تدمره... حاول أن يتهجم على الرجل من جديد وهو يصرخ في اختناق:


- تكلم... تكلم...


لكن الشباب الحاضرين كبلوه وأبعدوه عن رفيقهم. وجد نفسه على الأرض، خائر القوى. تحامل على نفسه بصعوبة. رآهم يبتعدون، يفرون، حتى تلاشوا في الزحام. كان قد استفرغ كل طاقته، فلم يعد قادرا على الوقوف من وقع الصدمة. استند إلى الجدار القريب، وخطا بجهد وهو يلهث. زاغت عيناه وهو يمد بصره باتجاه الجموع التي تموج في الخارج. لا شك أنه هناك، بينهم، منذ قليل، كان يبحث عن رفيق عمره الذي اشتاق إلى رؤياه... لكنه الآن يبحث عن غريمه ليقتص منه. خرج صوته مبحوحا وهو ينادي من جديد:


- حسان... أين أنت؟ اظهر أيها الجبان!


سار في جميع الاتجاهات، يجر قدميه جرا. أصبحت الوجوه تظهر أمامه ضبابية غير واضحة المعالم. تراقصت الصور أمام عينيه واختلطت الأصوات الخارجية بالأصوات التي تصرخ بداخله وتملأ رأسه. لم يدر کم تواصل تنقله العشوائي بلا هدف، لكن قدمه زلت فجأة أم تراها الأمواج البشرية دفعت به؟


لا يدري. لكنه شعر بالعالم يتداعى من حوله مع توقف إحساسه بالأرض الصلبة تحت قدميه، وتهاوی جسده عبر المنحدر الزلق إلى الهاوية. ارتطم جسده بالحجارة وتعفرت ثيابه بالأتربة مع تدحرجه إلى السفح البعيد. لا يدري کم دام ذلك الإحساس المقيت الدامي بالعجز، وقد فقد كل سيطرة على جوارحه التي غمرتها الرضوض والكدمات. حين سكن جسده أخيرا بلا حراك، كانت ضوضاء البشر قد أصبحت على بعد أميال كثيرة منه.


* * * * *


فتح عينيه وهو يلهث. حبات العرق تغطي وجهه وتغرق جسده الذي عاد إحساسه به للتو. تلفت حوله في اضطراب. كان يتمدد على سريره، في غرفته.


لا يزال يتنفس بصعوية. سالت الدموع على وجنتيه في مرارة وألم. تذكر كل شيء. أصبحت الصورة واضحة في ذهنه الآن. أبعد اللحاف عنه، وقام من مرقده على الفور. لا مجال للراحة قبل أن ينفذ ما برأسه.


قبل أن يقف على قدميه، دخلت والدته تحمل طبق الفطور. هتفت وهي تراه يحاول النهوض:


- استرح يا بني... حرارتك لا تزال مرتفعة... أحضرت لك بعض الحساء الساخن...


أزاحها عن طريقه برفق وهو يقول في هدوء:


- هناك مشوار مهم، كان يجب أن أقوم به منذ سنوات... دعيني أذهب أرجوك...


وضعت الطبق على المنضدة قرب سريره وتبعته في دهشة:


- إلى أين يا بني؟


تمهل للحظات عند سؤالها. إلى أين؟ منذ أربع سنوات، كان حسان يقيم في صيدا. يعرف منزل والديه، قرب السوق. لكن هل سيجده هناك بعد أن يكلف نفسه عناء الرحلة؟ راه مرارا خلال الفترة الماضية، مما يعني أنه قد يتواجد في مكان أقرب... لكن أين؟ هل يعمل في قانا أو في إحدى المدن والقرى المجاورة؟


التفت إلى والدته متسائلا:


- حسان... أين يمكنني أن أجده؟


تطلعت الخالة سعاد إلى الساعة ثم قالت:


- ربما يكون في مكتبه... أو ربما يكون في طريقه إلى شقته في مثل هذا الوقت...


هتف في نفاد صبر:


- وأين تكون شقته؟


هزت كتفيها علامة الجهل التام وهي تجيب:


- لا أدري... انتظر، سأنادي سماح...


كانت سماح قد وصلت لتطمئن على حال أخيها بعد أن تركته في الصباح في حال يرثى لها. كانت تحاول مساعدة ريما على النوم حين سمعت صراخ أحمد قادما من غرفته، فركضت إليه. قابلتها والدتها عند باب الغرفة، وقبل أن تتمكن من استفسارها عما يحصل، بادرتها الخالة سعاد:


- سماح، هل يزال أيهم هنا؟


- نعم، إنه يجلس مع والدي في الحديقة...


أشارت والدتها إلى أحمد الذي يقف متوثبا ينتظر الإجابة من إحداهما:


- هل يعرف عنوان حسان الجديد؟


هزت رأسها علامة الإيجاب وهي ترقب أحمد في توجس:


- نعم بالتأكيد، فقد ساعده في نقل أثاثه إليها و...


قاطعها أحمد متعجلا:


- أعطني العنوان بسرعة!


كانت لهجته مخيفة، وشكله مريبا. لا شك أن لذلك علاقة بزواج ندى المرتقب. كم لامت نفسها على إخباره بذلك. لم تكن تتوقع منه ردة فعل بمثل هذا العنف وهو


لم يذكرها حتى. سترك يا رب.


- انتظر، سيوصلك أيهم بالسيارة...


خرجت مسرعة لتحدث زوجها. لا يمكنها أن تترك أحمد يغادر البيت بمفرده وهو على تلك الحال من الاضطراب. طلبت من أيهم أن يكون معه في كل خطوة ولا يتركه قيد أنملة. لم يسبق لها أن رأته بمثل هذا الانفعال.


انصاع أحمد لاقتراح شقيقته، وركب السيارة إلى جوار أيهم. لا يمكنه أن يرفض طالما توفرت لديه وسيلة نقل تضمن له الوصول بأسرع وقت ممكن. ساد الصمت في السيارة طوال الطريق. لم يحاول أيهم أن يتدخل وهو يرى تدهور حالة أحمد إلى تلك الدرجة. كان يرمقه خفية من حين إلى آخر، ويلحظ توتر فك السفلي وتشنج عضلات وجهه. لم يكن على ما يرام.


أوقف السيارة أمام بيت حسان الجديد ، ثم التفت إلى أحمد قبل نزوله:


- انتظرني هنا... سأنظر إن كان قد وصل من عمله.


لكن قبل أن ينهي عبارته، كان أحمد قد فتح البوابة ونزل، متجاهلا كلامه بالكامل. تنهد أيهم وهو ينزل بدوره، ويضغط جرس الباب. مرت لحظات عصيبة من الانتظار، قبل أن ينفرج الباب قليلا وتظهر والدة حسان. ابتسم أيهم وهو يحييها ثم سألها:


- خالتي، هل عاد حسان إلى البيت؟


هزت رأسها علامة الإيجاب وهي تقول:


- لقد عاد مبكرا... ثم غادر ثانية...


ألقت نظرة جانبية على أحمد الذي تعرفت عليه رغم طول مدة غيابه، وقالت في حذر وهي تدرك ما للأمر من حساسية:


- ذهب ليودع خطيبته التي تسافر اليوم...


لم يستطع أحمد أن يتمالك نفسه أكثر وهتف بقوة:


- تسافر اليوم؟ إلى أين؟


ازدردت المرأة ريقها في توتر وهي ترقب انفعالاته في جزع:


ستستقل حافلة الساعة السابعة المتجهة إلى بيروت... ومنها تركب الطائرة إلى تونس...


نظر أحمد إلى ساعته التي أشارت عقاربها إلى الساعة السابعة إلا عشر دقائق، ثم شد أيهم من قميصه بقوة وهو يصرخ:


- بسرعة... إلى محطة الحافلات!


تمتم أيهم بكلمات اعتذار، وهو يحيي والدة حسان مودعا، ثم ركب السيارة التي كان أحمد قد أدار محركها استعدادا لانطلاقة سريعة. شيعتهما السيدة بعينيها حتى توارت السيارة عن أنظارها. سبق وحذرت حسان من مغبة هذا الارتباط. وما رأته منذ حين لا يبشر بخير أبدا... دعت باللطف وهي تضرب كفا بكف. هل سيمر هذا اليوم بسلام؟


عبرت السيارة الشوارع بسرعة جنونية، وأحمد لا يكف عن تحريض أيهم على زيادة السرعة. لم تكن المسافة التي تفصلهما عن المحطة قصيرة، لكنه كان مصمما على الوصول قبل الساعة السابعة.


حين قفز أحمد من السيارة، كانت الساعة تشير إلى السابعة تماما. دعا الله أن تكون الحافلة متأخرة، كما تعود من وسائل النقل العمومية في السنوات الخوالي، وهو يركض عبر الأروقة بحثا عن الحافلة التي تقصد بيروت. وما إن لمح اللافتة التي يريد، حتى اندفع ناحيتها بكل قوته. تمهل في سيره حين وصل إلى الموقف الفارغ، وقد خلا الرصيف من الركاب. هل وصل متأخرا؟ سار بخطوات عصبية وهو يلهث. دار حول المكان مرارا ... لم يكن هناك أثر لندى ولا للحافلة. عض على شفته في مرارة وهو يشد قبضته بقوة. انتهى الأمر... لقد رحلت.


لفت انتباهه رجل يجلس القرفصاء في الطرف الآخر من الرصيف. حدق فيه للحظات، ثم اتسعت عيناه في دهشة وقد تعرف عليه. اندفع نحوه بكل قوته.


التهم بخطوات واسعة الأمتار القليلة التي تفصله عنه، وخلال ثوان معدودة كان يقف قبالته. هتف في انفعال:


- حسان... أيها الحقير!


قبل أن يستوعب حسان الموقف، وجد نفسه على الأرض وألم شديد يفتت عظام فكه الأيمن. كانت قبضة أحمد اليسرى مشرعة في وجهه بعد أن تركت اللكمة


التي وجهها إليه علامات واضحة. وقبل أن يسدد إليه لكمة ثانية بقبضته اليمنى، كان أيهم قد وصل إلى موقع الحادثة، وأمسك أحمد من وسطه بكلتا ذراعيه ليمنعه من الإقدام على عمل متسرع جديد. لكن النار التي تشتعل في صدر أحمد لم تكن قد خمدت بعد، فأخذ جسده يتخبط بعنف في محاولة للإفلات من قيوده، ولسانه لا يكف عن إطلاق الشتائم ووصف حسان بأقبح النعوت...


لم يكن حسان قد استيقظ من ذهوله، لكنه تمالك نفسه وهو يستند على ذراعه اليسرى ليستقيم واقفا، في حين كانت كفه اليمني تمسح الدماء التي سالت من شفته وأنفه. صرخ بدوره في عدم استيعاب:


- توقف أرجوك! توقف، وأفهمني ما الذي فعلته لأستحق منك كل هذا المديح المخجل؟


أطلق أحمد ضحكة مفتعلة، فيها الكثير من المرارة، وصرخ في سخرية جارحة:


- لا تدري ما الذي فعلته؟ أم أنك ستنكر فعلتك أيضا؟ هل يمكنك أن تنكر خيانتك البينة؟


احتقن وجه حسان، وانتفخت أوداجه وهو يتلقى تلك التهمة الشنيعة.


- يعلم الله أنني لم أخن صداقتنا يوما...


قاطعه أحمد في عصبية:


- اخرس!! عن أية صداقة تتحدث؟ لا أصدق أنني خدعت فيك لسنوات طويلة.


لكن أمرك انكشف أخيرا وليس بإمكانك الإنكار...


- إن كنت تقصد ندی، فالأمر ليس كما تظن!


ضحك أحمد من جديد في لوعة:


- نعم أقصد ندی ولا أحد غيرها... ها قد جئنا إلى الاعترافات...


صرخ حسان في توتر بالغ:


- توقف عن السخرية أرجوك... وسأشرح لك كل شيء.


سكت أحمد، لكن أنفاسه المضطربة كانت تشي بغضبه المكبوت. تكلم حسان ببطء:


- لا أنكر أنني كنت أرى في ندي منذ البداية إنسانة تستحق كل الإعجاب والتقدير، رغم اعتناقها لليهودية... لا أنكر أنها لفتت انتباهي حين رأيتها للمرة الأولى. لكن ذلك كان كل شيء... لم أحاول التقرب إليها ولا استمالتها. حتى إنني لم أوفقك الرأي حين فكرت في خطبتها... لأنني كنت أرى بيننا وبينها الكثير من الحواجز التي تمنع بناء علاقة سليمة الأسس. لكنك لم تصغ إلى أحد، وواصلت طريقك وارتبطت بها...


توقف للحظات، وأخذ نفسا جديدا:


- بعد اختفائك، تغيرت أشياء كثيرة. ندي أسلمت وعائلتها تنكرت لها... لم يكن بإمكانها انتظارك، وحيدة، بلاسند. كانت في حاجة إلى من يقف إلى جانبها ويثبتها على الإسلام. لذلك... تقدمت إليها، حتى تكون لها عائلة جديدة تحميها... ولأنني أيضا وجدت فيها بعد إسلامها شريكا مناسبا للمستقبل...


هذا كل ما حصل...


استمع إليه أحمد في نفاد صبر، لكن ما إن أنهي روايته حتى هتف في اتهام واضح:


- ولكنك أغفلت حلقة مهمة في الموضوع... مشاعرك الخفية نحوها! حتى وهي خطيبتي... لم تراع حرمة العلاقة التي كانت بيننا وسمحت لنفسك بالتمادي...


لم تمنعك أخلاقك ولا عقيدتك!


حملق فيه حسان في ذهول، ثم هتف في اعتراض:


- مستحيل... هذا كذب!


- لا تنكر ولا تراوغ! كيف يمكنك أن تفسر وجود صورتها معك في المعتقل إذن؟


ردد حسان في عدم استيعاب:


- صورتها؟


- نعم صورتها ... كنت تحتفظ بها أليس كذلك؟


سيطر عليه الارتباك لثوان قليلة، لكن سرعان ما اتضحت الصورة في ذهنه وقد استعادت ذاكرته التفاصيل كلها. فانطلقت ضحكته مدوية في المكان. ضحكة تمتزج فيها المرارة والسخرية بالعتاب وخيبة الأمل. ابتسم وقد استعاد هدوءه وهو يخاطب أحمد الذي أخذ ينتفض أمامه من الغضب:


- هل وقعت في يدك تلك الصورة؟ ياه... كنت ظننتها ضاعت إلى الأبد...


أفلت أحمد من ذراعي أيهم، واندفع نحو حسان ليشده من ياقة قميصه وعيناه تنفثان لهبا كبركان يوشك على الانفجار:


- أنت تعترف إذن؟ أيها الوغد ...


أوقف حسان ذراعه هذه المرة في صلابة، قبل أن تغوص قبضته في بطنه، وبهدوء تام، أبعده عنه:


- هل تريد أن تعرف قصة تلك الصورة؟ سأحدثك عنها... لكن حاول أن تهدأ أولا...


أخذ نفسا عميقا، قبل أن يواصل وهو يسترجع أحداثا دفنها في ركن بعيد من الذاكرة:


- هل تذكر... منذ أكثر من ست سنوات، دعتني عائلتك لقضاء أمسية في المنزل الريفي الذي تمتلكه. كان أيهم أيضا حاضرا حينذاك... ولم يكن قد انقضى وقت طويل على احتفالك بخطبتك لندی. فكرت حينها في تخليد ذكرى صداقتنا التي ظننتها فوق العادية...


قال ذلك بتهكم واضح، وهو يلتمس مكان الجرح على جانب فمه:


- لذلك أحضرت آلة تصوير قديمة، كان يحتفظ بها والدي... وقفنا نحن الثلاثة للصورة، في حين كان والدك من تكفل بتصويرنا. ثم سافرت إلى صيدا ولم تسمح لي الفرصة بأن أطلعكم عليها... لكنني ولحسن الحظ أو سوئه- تمكنت من تحميضها في مختبر والدي الخاص، قبل أن أقع في الأسر. أقول لحسن الحظ، لأن تلك الصورة كانت كل ما أحتفظ به من ذكري عن أحبابي الذين خلفتهم ورائي. لم تكن معي صورة غيرها بد عني وحشة السجن، وأناجي أصحابها في ساعات اليأس والاستسلام... ولسوئه، لأن الصورة لم تكن عليها


وجوهنا نحن الثلاثة فقط...


تنهد قبل أن يتابع:


- كانت الفتيات قد اقتربن فضولا ونحن نلتقط الصورة. لكن ندي كانت أقربهن، فظهر وجهها على الصورة عرضا... لم أنو الاحتفاظ بصورتها ، لكنني لم أرد أن أشوه صورتنا الجماعية باقتطاع جزء منها... لكن يا لسخرية القدر، فقد جاء من قام بذلك عوضا عني... حين تم إلقاء القبض علي، قام جنود الصهاينة بتجريدي من حاجياتي وتفتيشها بدقة. رأيت أحدهم يطالع الصورة، ثم يمزقها في شماتة. لم أظن أنني قد أسترجعها يوما، ظننتها تحولت لأشلاء، كما تحولت الكثير من متعلقات المعتقلين. لكن في ذلك المساء... وجدت أحد المساجين الذين يشاركونني الزنزانة يقترب مني ومعه الصورة. قال إنه عثر عليها أثناء الفسحة، قرب مكب للنفايات. لك أن تتخيل فرحتي بعودتها إلي رغم التشويه الذي وقع بها... لم أفكر حينها بالجزء الناقص منها، حسبته ذهب إلى القمامة...


كان أحمد ينصت إلى روايته في شيء من الشك والاضطراب. كان يريد أن يصدقه... يريد أن يبرئ صديق عمره الذي وثق فيه أكثر من أي شخص آخر.


لكن ذلك يعني أنه أضاع أربع سنوات من عمره من أجل ظن کاذب... تألم، فقد ذاكرته، عاش مسيحيا في ركن منفي، رفض العودة إلى أهله... كل ذلك بسبب غضب أعمى بصيرته، وأدى به إلى ذلك السقوط من شاهق، حتى ارتطمت رأسه بصخرة أنسته من يكون. لا يمكنه أن يمسح كل ذلك بسهولة.


تمتم وأوصاله ترتجف وهو يتخيل ما وقع ذلك اليوم:


- تلك الصورة، لم تذهب إلى النفايات... أقصد النفايات المادية، بل استقرت في يد من يمكن أن نصفهم بنفايات البشرية... كانت مع أحد المساجين صورة ندی، دنسها أحدهم... وجعل الكثيرين يقذفونها ويعرضون بشرفها... لم أتحمل ذلك. لم أتحمل أن أراهم يتحدثون عنها بتلك الوقاحة أمام عيني...


وصلت إلى معتقل الخيام صبيحة يوم التحرير. كنت أبحث عنك في كل مکان... أسأل عنك كل الوجوه. توقفت أمام تلك المجموعة في باحة السجن....


كنت سأسأل عنك أيضا، لكن ما رأيته بين أيديهم وما سمعته من أفواههم جمدني... أفقدني عقلي. كيف يمكنني أن أتصور كل ما رويته لي الآن؟ كيف يمكنني أن أتخيل أن الأمور سارت بهذا الشكل؟ لم يكن هناك شخص واحد في المعتقل يعرف ندي غيرك! لم يكن هناك أحد يمكن أن يحصل على صورة لها غيرك! لذا لم يكن هناك أحد تنحصر فيه شكوكي غيرك! وهذا قادني إلى الجنون... إلى فقدان الوعي والسيطرة على أعصابي... ثم إلى فقدان التوازن.


سقط جسدي في الهاوية، لأنني لم أكن أعي أين أضع قدمي. لم أكن أرى أمامي من شدة الغضب...


انهار على الأرض، يبكي مثل طفل فقد أمه. يبكي سنواته الضائعة. يبكي سوء ظنه وظلمه لأخيه وصديقه. يبكي آلامه القديمة والحاضرة. جلس حسان إلى جانبه في صمت. هل يمكنه أن يلومه اليوم على ظنه به؟ ألا يكفي أنه دفع سنوات طويلة من عمره جراء تلك الظنون؟ لقد دفعت الثمن غاليا يا أحمد...


غاليا جدا...


فجأة، التفت أحمد إلى حسان وكأنه تذكر شيئا ما:


- ندی... رحلت؟


هر حسان رأسه وهو يبتسم في مرارة:


- ندى لم تأت... انتظرتها حتى رحلت الحافلة، لكنها لم تركبها...


تعالت الطرقات على باب المنزل، طرقات خفيفة خجول. كأن صاحبتها لا تزال مترددة... هل أحسنت فعلا بالقدوم؟ وقع خطوات بالداخل. أحدهم جاء ليفتح الباب. تلفتت حولها في اضطراب. هل تفكر في الهرب والانسحاب قبل أن يلمحها أهل البيت؟ ابتلعت لعابها ووضعت كفها على صدرها، وهي تسمع هتافا لصوت تعرفه جيدا:


- لحظة واحدة...


و لم تمر ثوان قليلة، حتى ظهر وجه سماح عبر الباب نصف الموارب.


- ندی؟


ابتسمت وهي تلمس علامات المفاجأة على وجهها. لم تكن زيارتها متوقعة بعد مكالمتهما الأخيرة.


- كيف حالك؟


ابتعدت سماح لتفسح لها المجال وهي تدعوها إلى الدخول.


- ظننتك سافرت...


لم تجب ندي على الفور. كانت نظراتها تسرح عبر الممر، وعيونها تبحث عن علامات لوجود شخص تخشى لقاءه وتنتظره. قالت سماح وقد انتبهت إلى شرودها:


- أحمد ليس هنا... تعالي لنجلس في غرفتي.......



              الفصل السابع والثلاثون من هنا 

              لقراءة جميع فصول الرواية من هنا

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة