رواية في قلبي انثي عبرية الفصل الرابع والثلاثون 34 بقلم خولة حمدي


رواية في قلبي انثي عبرية الفصل الرابع والثلاثون 34 بقلم خولة حمدي


رحلة العودة إلى لبنان تقرت في وقت وجيز، بعد حديثها مع حسان لم يتطلب الأمر منها وقتا طويلا حتى تتخذ قرارا . ربما كان أحمد في حاجة إليها فعلا


لاسترجاع ذاكرته. ربما كانت قادرة على إثارة مناطق من ذاكرته لم ينجح الآخرون في الوصول إليها، نظرا لخصوصية العلاقة بينهما. لكن سواء استعاد أحمد ذاكرته أم لا، كان عليها أن توضح بضعة أمور بداخلها. كان عليها أن تسافر إليه حتى تحسم أمرها بصفة نهائية... وهذا هو الهدف من رحلتها.


تناولت مفكرتها وهي تجلس في الطائرة. تصفحت الأوراق الأخيرة التي كساها الحبر. ظنت أن كل ما دونته فيها لن يكون سوى ماض بعيد. لكن الأحداث الأخيرة تعيد إليه الحياة من جديد. أخذت قلمها وحاولت أن تكتب.


حاولت أن تفرغ كل ما في صدرها على الورق، كما كانت تفعل في الأيام الخوالي. تريد أن تكتب بداية الفصل الأخير من القصة. ربما كانت نهايتها قريبة. بحثت عن الكلمات في رأسها. ياه، كم كان من السهل عليها أن تكتب في الماضي، كأنها تسكب خواطرها سكبا في سلاسة وعفوية. لكنها اليوم تجد صعوبة شديدة في التعبير عما يعتمل في نفسها. لم تعد الشخص ذاته.


لم تعد ندى المراهقة الحالمة. لم تعد على نفس القدر من الحساسية والشاعرية.


أصبحت شخصيتها أكثر قوة وصلابة. لم تعد تثق في الورق ولم تعد تبثه شكواها.


تركت القلم على المنضدة وسرحت عبر زجاج النافذة. لقد تغيرت كثيرا في السنوات القليلة الماضية. كل المحيطين بها لاحظوا ذلك في مزيج من الإعجاب والدهشة. ملامح ذاتها تغيرت. تجاربها القاسية جعلتها تنضج وتصقل.


انتقالها من المراهقة إلى النضج تزامن مع تلك الفترة الصعبة من حياتها.


تركت العاطفة جانبا وأفسحت المجال للعقل. تعلقها بأحمد كان بفعل العاطفة...


وارتباطها بحسان كان من فعل العقل. حسان لم يخيب أملها لحظة واحدة.


وعدها بأن ينتظرها ويساندها حتى تعيد النظام والاستقرار إلى حياتها، وكان عند وعده. غمرها بحنانه وحبه الذي كانت كل تصرفاته تنطق به. لم تحس معه


بالوحدة، أو الضياع، أو الهوان... تلك الأحاسيس البغيضة التي لازمتها منذ رحيل أحمد. باختصار، جعلها تعيش من جديد... وهي مدينة له بذلك.


كلما قارنت بين الرجلين، وجدت كفة حسان ترجح. بين حبها الأول وزوج المستقبل، كانت أكثر ثقة في الثاني. صحيح أنها مدينة لأحمد بالكثير...


الكثير. مدينة له بأغلى ما تملك، بدينها وإيمانها. لا يمكنها أن تنسى جميله ذاك ما بقي رمق في جسدها. لكن بين حب المراهقة الذي دفنته وقناعة العقل التي تعيش بها كل يوم، فالفرق شاسع. لا يمكنها أن تجزم بأن المشاعر قد اختفت إلى الأبد وتبخرت من قلبها. لكنها لا تملك أن تثق فيها من جديد. ليس بعد الخيبة والعذاب اللذين قاستهما في غيابه. لا يمكنها أن تخاطر لتعيش المغامرة مرة أخرى. كانت مغامرة، نعم. كانت مغامرة حين ارتبط بها وهي يهودية، وهو على الإسلام. واليوم، هي مغامرة جديدة... أن تحاول معه من جديد، وهو مسيحي، وهي على الإسلام. يا للمفارقة بين مغامرتي الأمس واليوم. لقد تحملها في السابق... فهل يمكنها أن تتحمله اليوم؟


نفضت عن رأسها تلك الأفكار بقوة. لا يمكنها أن تتحمله. لا يمكنها أن تعطيه بقدر ما أعطاها. لا يمكنها أن تعيش المغامرة من جديد. لسبب واحد... لأنها اليوم خطيبة رجل آخر.


فتح عينيه ببطء. مرت ثوان قليلة قبل أن يستعيد إحساسه ويتعرف على المكان الذي يرقد فيه. كان ممددا على سريره. نظر إلى الوجوه القريبة التي كانت


تحدق فيه، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة شاحبة. مد کفه ليربت ذراع الخالة سعاد التي انحنت في اتجاهه بعينين دامعتين. قال مطمئنا:


- أمي... ما الذي يبكيك؟


شهقت والدته وهي تخفي فمها بكفها. كان يناديها بأمي للمرة الأولى منذ عودته. لكن لم يبد على أحمد أنه قد انتبه لحركتها. وضع يده على رأسه وهو يتمتم في ألم:


- رأسي تؤلمني... ما الذي حصل؟


تبادل والداه نظرات حائرة، في حين هتفت سماح في لهفة وهي تشده من طرف قميصه:


- أحمد... هل تذكرنا؟ هل تذكر من أكون؟


كانت هي من وجده منذ ساعتين فاقدا للوعي على أرضية الغرفة. حمله والده ليضعه على السرير، وعملوا طويلا على إنعاشه حتى استعاد إدراکه. أبعد ذراعها في ضجر وهو يستقيم في جلسته:


- ما هذه الأسئلة السخيفة؟ سماح، ابتعدي عني... لا مزاج عندي لدعاباتك السمجة!


ارتفع صياح الجميع في صوت واحد. كان أحمد من يتكلم لم يكن جون ولم يكن الشخص المجهول الذي عاش معهم الأيام الأخيرة. كان صوت أحمد، أسلوب أحمد، كلمات أحمد. في لحظات، امتزجت الدموع بهتافات الفرح وعمت الفوضى الغرفة. لكن أحمد لم يكن يفهم شيئا. ظل يحدق فيهم في حيرة، في حين كان ألم غريب في رأسه يلح عليه. حاول أن يسكت ضجيجهم ويتخلص من أحضانهم، لكن محاولاته باءت بالفشل. كأن حالة هيجان مرضية حلت بهم. صرخ في ضيق:


- اخرجوا أرجوكم... اتركوني وحدي...


لكن صراخه لم يمنع والدته من مواصلة البكاء ولا والده من النشيج، ولا شقيقته سماح من الضحك الهستيري. كان متعبا، كأنه قد عاد للتو من رحلة طويلة.


أخفي وجهه بين كفيه وأغمض عينيه بشدة. فجأة، ومضت صور في رأسه.


ترنح وهو يحس بالدوار يعاوده. ترك جسده يسترخي على السرير ببطء. لم يعد يسمع أصواتهم ولغطهم. للحظات، كانت أصوات داخلية مختلطة تملأ رأسه.


قانا، الضيعة، قرية الخيام، ومشاهد أخرى كثيرة. ما الذي حدث؟ كأنه يری شريط حياته يمر في ذهنه بسرعة البرق... لكن في الوسط، كانت هناك قطعة ناقصة. لم يكن المشهد مكتملا. مهلا... هل كنت فاقدا للذاكرة؟


- حين استيقظت، أحسست بأنني في مكاني الطبيعي... بين أفراد عائلتي.


كتاب القرآن، سورة الفاتحة... كان ذلك ما أعادني إلى نفسي! للحظات غاب عني أنني فقدت الذاكرة، كأن تلك الفترة كانت حلما... أو كابوسا واستيقظت منه...


عقد الطبيب ذراعيه أمام صدره وهو يستمع إلى أحمد في اهتمام. هز رأسه مشجعا، فتابع أحمد:


- لكن ذلك لم يدم طويلا... بسرعة عادت تلك الأحداث لتظهر أمامي بصفة مشوشة. كأن عالمين يلتقيان... في نقطة ما. لكن تلك النقطة غير واضحة في ذهني...


- تقصد حادثة فقدانك للذاكرة؟


عقد أحمد حاجبيه في تركيز وهو يقول:


- ليس ذلك فقط... أذكر الآن تقريبا كل شيء عن نفسي، عن عائلتي، قريتي، دراستي... لكن هناك أشياء أخرى لا أذكرها أبدا.


- مثل ماذا؟


أخرج أحمد من حافظته مجموعة من الرسائل، وضعها على المكتب. نظر إليها الطبيب في تساؤل فتابع أحمد:


- هناك فتاة، كانت خطيبتي في السابق... وطوال فترة غيابي كانت تراسلني باستمرار، رغم أنني لم أرد عليها مرة واحدة. لأنني... لم أكن موجودا. رأيت صورها... صور حفل خطوبتنا. لكنني لا أذكر شيئا عنها بعد! أليس غريبا أن أستعيد ذاكرتي ولا أتذكر موقفا واحدا يجمعني بها؟


قلب الطبيب الرسائل بين أصابعه في اهتمام ثم رفع نظراته إلى أحمد:


- وماذا أيضا؟


- ماذا؟


أصر الطبيب وهو يدقق النظر في وجهه:


- هل هناك أشياء أخرى، أو أشخاص آخرون لا تذكرهم؟ أم أنها الشخص الوحيد الذي مسحت الذكريات التي تخصه؟


فوجئ أحمد بالسؤال. لم يكن قد فكر في الأمر بجدية. حين تيقن من استرجاعه الماضيه، بحث في ذاكرته عن تفاصيل تخصها. كانت رسائلها قد شغلته كثيرا وما زلت تشغله. لذلك لم يفكر في بقية عناصر المشهد. حين عاد


إلى بيته، التقى أشخاصا كثرا من ماضيه، لكنه وهو يمعن التفكير الآن، لا يجد لبعضهم صورا في مخيلته. ظهر أمام عينيه وجه محدد، لماذا لا يذكر عنه شيئا؟


نظر إلى الطبيب في حيرة:


- فعلا... هناك أشخاص آخرون لا يمكنني أن أتذكرهم...


تناول الطبيب دفتره، وشرع في الكتابة، وهو يحث أحمد على المواصلة بهزة من رأسه.


- حين التقيت مجموعة من الأصدقاء... كان من بينهم وجوه غريبة. مع أنهم بدوا أقربهم إلي، إلا أنني لا أذكرهم حتى الآن.


- هل هناك قاسم مشترك بين كل هؤلاء الأشخاص؟


هر أحمد كتفيه علامة الجهل التام. أنهى الطبيب تدوينه، ثم طلب منه الاسترخاء في الغرفة الملحقة كالعادة، وطلب من والديه الدخول. بادرته سعاد في لهفة ونفاذ صبر:


- بشرنا يا دكتور... لقد تعافي، أليس كذلك؟


تريث الطبيب لثوان، ثم قال في هدوء:


- من الجيد أنه قد استعاد قسما كبيرا من ذاكرته. تعرف على هويته وعائلته وتفاصيل كثيرة من ماضيه. لكن... أصبحت لديه الآن... ذاكرة انتقائية.


هتف أبو أحمد في دهشة وعدم استيعاب:


- انتقائية؟


- نعم... لا تزال هناك منطقة مظلمة في ماضيه لا يذكر عنها شيئا. أحداث وأشخاص سقطوا من ذاكرته، بما في ذلك الحادثة التي جعلته يفقد الذاكرة.


أطرق للحظات، ثم أضاف وهو يحرك قلمه في الهواء في تفكير:


- قلت في السابق إنه فقد ذاكرته نتيجة اصطدام رأسه بجسم صلب. هذا واضح من آثار الجروح في جمجمته والتي تعود لإصابة قديمة أظنها تتزامن مع فترة اختفائه. لكن إصابة الرأس ليست السبب الوحيد الذي أدى إلى فقدان الذاكرة... وخاصة تكوين الذاكرة الانتقائية.


مال إلى الأمام وهو ينظر في عيون مخاطبيه:


- يبدو أن تلك الإصابة اقترنت بظروف معينة سببت صدمة نفسية أيضا! وهذه الصدمة، تخض أيضا أشخاصا في محيطه. هم الأشخاص الذين لم يتمكن من تذكرهم رغم استعادته للذاكرة. عقله يتعمد إخفاء هذه الذكريات ليجنبه الألم... وجاءت إصابة الرأس كحادث فاصل محا تلك الذكريات المؤلمة.


* * * *


تقدمت في الشارع بخطوات مرتبكة. كثيرا ما سلكت هذه الطريق في ظروف مختلفة... وقصدت هذا البيت لأسباب مختلفة. في السابق، كانت تأتي يحملها الشوق واللهفة لأصحابه. ثم عرفت المرارة والألم وهي تشاركهم حزنهم على الغائب. كانوا سندها حين تخلى عنها أهلها وأقرب الناس إليها... لكنها اليوم تسير إليهم في اضطراب وتردد. لا تدري كيف ستلقاهم، وقد عاد غائبهم. لا تدري كيف ستلقي هذا العائد... في الزمن بدل الضائع.


كانت على بعد أمتار قليلة من البيت، حين انتبهت إلى السيارة التي تقف على الجانب الآخر من الشارع. ترجل راكبها الوحيد حين لمحها تخطو في اتجاه الباب وانتظر وصولها. كان يعلم بمجيئها اليوم، ولم يستطع أن يحتمل البقاء بعيدا. حاولت أن تبتسم وهي تحييه:


- هل ترافقني إلى الداخل؟


هز حسان رأسه نافيا، وهو يرسم ابتسامة شاحبة يخفي بها قلقة:


- من الأفضل أن تذهبي بمفردك...


ربما كان على حق. همت بسؤاله عن سبب مجيئه، لكنها ابتلعت كلماتها حتى لا تجرحه. وقوفه هنا دون حول ولا قوة دليل على قلة حيلته. يريد أن يترك لها حرية الاختيار، لكنه لا يستطيع أن يمنع نفسه من القلق والترقب. تبادلا كلمات مبتورة، لا معنى لها قبل خوض اختبار «کشف المشاعر» المقبل. ثم ركب سيارته مجددا وأدار المحرك. تابعت السيارة وهي تبتعد وتنحرف عند الشارع الموالي، ثم أخذت نفسا عميقا قبل أن تقرع جرس الباب.


بعد ثوان قليلة، ظهرت سماح وهي تحمل ريما الصغيرة بين ذراعيها. عانقتها في امتنان، ثم سبقتها إلى الداخل. كان توتر ندی قد بلغ ذروته. لم تعد تستطيع السيطرة على حركة أصابعها المضطربة، أو على ضربات قلبها المرتبكة. هنا، الآن، على بعد أمتار قليلة، سترى أحمد! کم تخيلت هذا الموقف، وكم وقفت أمام مرآتها تردد الكلمات التي ستقولها. أحيانا تصرخ وتعنف، وأحيانا أخرى تضحك وتهنئ بالعودة. لم تدر كيف عليها أن تخاطبه. أربع سنوات ليست بالزمن الهين. أربع سنوات كانت الأكثر ثراء في حياتها من حيث نسق الأحداث والتحولات. أربع سنوات كان خلالها لكل منهما حياته الخاصة وتجربته المختلفة. إن كان طيفه قد لازمها طوال تلك المدة، يلهمها ويشد من عزمها... فطيفها فارقه منذ لحظة اختفائها من أمام عينيه! كيف يمكنها أن تغفر له ذلك؟




كانت قد وصلت أمام غرفة أحمد. توقفت سماح على بعد خطوات. أنزلت ابنتها على الأرض وهمست لها بأن تذهب حذو جدتها، ثم التفتت إلى ندي وأومأت إليها بالدخول. هزت ندى رأسها وهي تزم شفتيها بقوة... وبعد تردد قصير رفعت يدها لتطرق الباب بلطف. جاءها صوته من الداخل يأذن بالدخول. سرت قشعريرة باردة في جسدها وهي تسمع ذلك الصوت. إنه هو لم يتغير صوته على الأقل... أدارت المقبض ودفعت دفة الباب ببطء، فانفرجت الفتحة ليظهر أمامها الديكور الداخلي للغرفة. كان جالسا إلى مكتبه، وقد ولاها ظهره. وقفت اللحظات تتأمل كتفيه العريضتين وشعره الأسود الذي ظهرت شعيرات بيضاء على جانبيه. لم يتغير كثيرا. ربما نحل جذعه بعض الشيء. تابعت أصابعه النحيلة وهي تتحرك ببطء. أحست بالعبرات تتجمع في مقلتيها لتصبح رؤيتها ضبابية. مرت ثوان من الصمت، لم تجرؤ ندى على قطعها.


كان أحمد منغمسا في مطالعة كتاب فقهي وقد ملأت الأوراق والمراجع المساحة أمامه. يسجل ملاحظاته ويدون العناصر التي يريد حفظها. مذ عادت إليه ذاكرته الجزئية وهو يحاول استعادة ما فقده من التكوين الديني. نسي الكثير، وغاب عنه الكثير. لكنه كان جادا في رغبته في التدارك. بدا أنه لم ينتبه إلى وجودها وقد أخذه تركيزه إلى عوالم أخرى، أخيرا لاحظ أن الصمت قد طال، فقال دون أن يلتفت إليها:


- سماح... ماذا هناك؟


ماذا هناك؟ ألا يعلم بمجيئها اليوم؟ التفتت إلى الخلف. كانت سماح تقف وراءها. طالعتها بنظرات مستفسرة، لكن سماح دفعتها برفق وتعابير وجهها تحثها على التقدم. هل أرادت أن تحدث لديه صدمة رجعية؟ فليكن. جمعت كل ما لديها من شجاعة، وبحثت في ذاكرتها عن كل الخطب العصماء التي


حفظتها دون فائدة. أخيرا تكلمت بصوت أرادت أن يكون ثابتا، لكن ما كان عليه كان شيئا أخر، لتنطق بكلمة واحدة:


- أحمد...


توقفت أصابعه عن تقليب الصفحات. أصغي إلى ذلك الصوت بكل جوارحه وكأن شيئا ما في أعمق أعماقه استجاب لتلك النوتة الخاصة التي نطق بها اسمه. ببطء، استدار ليواجهها. للحظات، ظلت عيناه معلقتين بوجهها، يبحث في ذاكرته عن صورة مطابقة. لكن الصورة الوحيدة التي ظهرت كانت تلك التي رآها في الألبوم... صور حفل الخطبة. وقف في ارتباك، فتناثرت بعض الأوراق على الأرض. لم يدر من أين يبدأ. تسارعت الضربات على جدار صدره. لا شك أنها هي. تقف أمامه الآن.


- هذه أنت؟


دون استئذان، راحت الدموع تسيل على وجنتيها بغزارة، لتغرق عينيها ووجهها وراء الشلالات، وتخفي ملامحه التي لم تملأ عينيها منها بعد. هزت رأسها ببطء علامة الإيجاب. هذه أنا. خيم السكون لثوان إضافية. كان التوتر بادیا على كليهما. انحنى ليلتقط الوريقات التي أفلتت منه... ودون أن ينظر إليها، همس


- مبارك!


تزايد نسق نبضاتها. بم يبارك لها؟ هل علم بخطبتها إلى حسان؟


أضاف موضحا، وهو يرفع وجهه ليطالعها مبتسما:


- مبارك إسلامك... مع أنها تهنئة متأخرة جدا...


عندما سمعت تلك الكلمات، لم تعد تستطيع المقاومة. أخفت وجهها بين كفيها وأجهشت بالبكاء. كم تمنت أن تسمع منه هذه التهنئة يومها. كم تمنت أن يكون أول من تبشره بإسلامها. لكنها سنوات ثلاث أو تزيد مرت قبل أن يصله الخبر.


واصل، كأنه يقرأ أفكارها:


- تمنيت أن أكون أول من يسمع الخبر ويشاركك الفرحة به... لكن ما باليد حيلة!


ابتسمت من وراء دموعها. يكفيها أنه يقف أمامها اليوم، سليما معافى، يحدثها مثل الأيام الخوالي. أحمد... هل هذا أنت؟ هل هذا أحمد الذي أعرفه ويعرفني؟


كان السؤال الفاصل يلح عليها. وأخيرا انفرجت شفتاها لتهمس بصوت مختنق بالعبرة:


- هل... تذكرني؟


سكت. بماذا يجيبها؟ رغم أن ذاكرته لم تستجب ولم ترسل إليه صورا جمعتهما في الماضي، إلا أن قلبه تعرف عليها مباشرة. أمضى أياما يعيد قراءة رسائلها، يكاد يستظهرها تلاوة وهو مغمض العينين. أوقات حزنها وفرحها، علامات غضبها وانفعالها، الكلمات التي تستعملها عند خوفها وقلقها، عند تعبها ويأسها... وتلك التي تعيد بها إلى نفسها الأمل والعزيمة، صار يعرفها كلها ! منحته أسرار مزاجها المتقلب. يحسب أنه يعرف كيف يسترضيها حين تعبس، ويرسم الابتسامة على شفتيها. حدثته بتفاصيل يجهلها كل من على هذه الأرض، كان معها في أدق لحظات حياتها ... فضفضت إليه كأنها تحادث مراتها حتى بات يعلم كل خبايا نفسها، حتى المناطق الأظلم منها. أحاط بنقاط قوتها وضعفها ، حفظ ردود أفعالها عن ظهر قلب... لعله يستطيع قراءة أفكارها حتی. هل يمكن بعد كل ذلك أن يقول إنه لا يعرفها ؟ لكن تلك الذاكرة اللعينة تأبى أن تعيد إليه ألبوماته الضائعة. أطرق للحظات ثم تنهد في أسف:


- ذكرياتي لا تزال مفقودة...


انهارت الآمال التي بنتها في نفسها دفعة واحدة. لم يذكرها. لم يحدث حضورها الصدمة المرجوة ليستعيد ماضيه. تزايدت المرارة في حلقها. لعل وجودها لم يكن بالقيمة التي تخيلتها بالنسبة إليه! تجلد نفسها بأفكارها


القاتمة دون رحمة.


لا يمكنه تفسير ما يشعر به في تلك اللحظة. وجودها أمام عينيه له تأثير خاص يختلف عن تأثير كل المحيطين به. أغمض عينيه في إرهاق. ما كان ذلك؟


إحساس غريب تزايد في نفسه وهو يقرأ رسائلها، وتأكد لديه وهو يراها أمام عينيه الآن. لا شك أنه تعلق بها منذ النظرة الأولى... في حياته السابقة. لا شك في ذلك؟


لم تخف عليه علامات الخيبة التي ارتسمت على ملامحها. تردد لوهلة قبل أن يسألها:


- هلا حدثتني... كيف التقينا، للمرة الأولى؟


أحست بوخزة في صدرها، وصور ذلك اللقاء تمر برأسها. رغم شديد خيبتها، ابتسمت ومسحت دموعها. مرت بخيالها ابتسامته وهو يسأل عن اسمها للمرة


الأولى. وأحست بنفس الشعور اللذيذ الذي غزا صدرها للمرة الأولى، منذ ست سنوات خلت... تريد أن تعرف كيف التقينا؟ إذن تعال... سأخذك في رحلة إلى الماضي...


* * * * *




ابتسمت في إشفاق وهي تطالع السيارة التي توقفت في نفس المكان الذي رأتها فيه منذ ساعتين:


- ظننتك قد رحلت...


أجاب وهو يترجل ويقترب منها بخطوات بطيئة:


- لم أستطع الابتعاد كثيرا. قمت بجولة قصيرة في الجوار ثم عدت لأنتظرك...


لا شك أنه انتظر كثيرا. جاهدت حتى تحافظ على ابتسامتها وهي تقول في اعتذار صادق:


- آسفة لأنني جعلتك تنتظر.


ساد الصمت بينهما لدقائق طويلة. لم يحاول حسان أن يسألها عما نتج عن مقابلتها، رغم القلق الذي يحرق أحشاءه. احترم صمتها بكثير من العناء. كان قد عاهد نفسه على ألا يسبب لها أدني ضغط، لكن ذلك لا يبدو سهلا... ليس سهلا أبدا.


لم تكن ندي أقل منه اضطرابا وارتباكا. كانت قد عاشت للتو لحظات عجيبة.


لحظات التقت خلالها بماضيها الذي دفنته في أعماقها منذ زمن، واستعادت معها مشاعر وأحاسيس أرهقتها وعذبتها طويلا. لكنها كانت تمثل الهدوء والاتزان. كان عليها أن تبدو كذلك أمامه. رسمت الابتسامة ذاتها على شفتيها والتفتت إليه في ثقة:


- حسان... ما رأيك لو حددنا موعد الزفاف؟


حدق فيها للحظات غير مصدق. همس في اضطراب:


- أعيدي علي ما قلت؟


- كنت أقول... ما رأيك في أن نتزوج الشهر المقبل؟ أظنك قد انتهيت من تجهيز الشقة، وكل شيء على ما يرام. أليس كذلك؟


أخذ حسان نفسها عميقا وهو يسألها مجددا:


- هل أنت واثقة من قرارك؟ أقصد... الظروف الحالية مختلفة. كل ما حصل في الفترة الماضية و...


قاطعته وقد التمعت عيناها ببريق الإصرار:


- كل ذلك لا يغير شيئا بشأن زواجنا. وأنا مستعدة للزواج في أقرب وقت ممكن.


تنهد حسان وهو يستند على جانب السيارة، ويرفع رأسه إلى السماء في ارتياح. لم يحاول مقاومة عبرات الفرح التي تلألأت في عينيه وهو يهتف في امتنان:


- ندی... لا تعلمين مدى سعادتي بقرارك هذا... أنا أسعد رجل في الدنيا ؟


ابتسمت كالعادة، تحاول أن تشاركه سعادته، التي تحسب فيها سعادتها أيضا... لكن نبضات قلبها المضطربة كانت تشي بأشياء أخرى. هل اتخذت القرار الصواب؟


* * * * *


دخل إلى البيت مصفرا في نشوة وانشراح. ألقي السلام على والديه وبادر بتقبيل أيديهما ورأسيهما في حب. ثم اتخذ مجلسا إلى جوارهما وابتسامة عريضة تشق وجهه. نظرت إليه والدته في فرح وهتفت:


- أدام الله هذه الابتسامة على وجهك يا ولدي. أراك منذ أيام مهموما مشغول البال... عسى أن يكون ضيقك قد انزاح بلا رجعة.


ضحك حسان وهو يربت كفها في حنان:


- الحمد لله... الحمد لله. أبشري يا أم حسان... قريبا ستفرحين بزواج ابنك الذي طال انتظاره...


رفعت والدته حاجبا في عجب، واتخذت لهجة حادة وهي تحدجه بنظرة جانبية:


- هل وافقت الأميرة أخيرا على تحديد موعد الزفاف؟


ابتسم مخففا وهو يقول:


- لا تظلميها يا أماه... كانت لديها ظروفها، والآن أصبح بإمكاننا تحديد الموعد دون تأخير. بل سيكون ذلك أقرب مما تتصورين...


تدخل والده الذي التزم الصمت إلى تلك اللحظة قائلا في حذر:


- وماذا عن صديقك أحمد؟


امتقع وجه حسان وهو يرد في ارتباك مشوب بعصبية زائدة:


- لا علاقة لأحمد بزواجنا... كل شيء تغير في غيابه، وزواجي بندي أصبح أمرا واقعا، ولا يمكن لأحد غيرنا تقرير مصير علاقتنا.


تنهد والده وهو يقول في تسليم:


- حسن إذن... على بركة الله...


قبل حسان والديه مجددا، مستدرا مباركتهما، لكن لم يخف عليه قلقهما من هذه الزيجة. حين قرر الارتباط بندی، كانت والدته سعيدة لأنه بدأ يفكر في الاستقرار وبناء عائلة. لكن انتظارها طال مع تردد ندي وتأجيلها المستمر للارتباط الرسمي حتى تستقر ظروفها... ورويدا رويدا، أصاب والديه الملل والفتور، وأخذا يبحثان له عن زوجة أخرى... لم يكونا يدركان أنه يريد ندی لذاتها، ولا يريد زوجة غيرها. انتظرها بكل صبر وسعة صدر، وساندها في كل مراحل جهادها لتستعيد حياتها وتقر عينها بإسلام أفراد عائلتها. والآن، ألا يستحق أن يحقق حلمه ببناء بيت سعيد هو الآخر؟


دخل غرفته وتمدد على السرير. فليحاول أن يستمتع باللحظة الراهنة ولا يترك أية وساوس تفسد عليه فرحة اليوم. سيقوم بتحديد موعد الزفاف، ويعد للعرس الذي تخيله وخطط له مرارا وتكرارا على مدى السنوات الماضية. ستكون ندی أجمل عروس... كما تخيلها منذ زمن بعيد. بعيد جدا........


           الفصل الخامس والثلاثون من هنا 

           لقراءة جميع فصول الرواية من هنا

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة