
رواية في قلبي انثي عبرية الفصل السادس والعشرون 26 بقلم خولة حمدي
تفرّست الخالة سعاد للحظات في الفتاة التي جلست أمامها مطرقة الرأس في أسف وحسرة. ثم قربت إليها كأس الشاي وهمست في عطف:
- تفضلي يا ابنتي... اشربي قليلا لتدفئي نفسك.
رفعت إليها ندى عينين نديتين، وجاهدت لترسم على شفتيها ابتسامة منكسرة علامة شكرها. ثم مدت كفين مرتجفين لترفع كأس الشاي إلى فمها. وما إن بلل السائل الدافئ شفتيها حتى أبعدته لتعيده إلى المائدة. لكن مذاقه الحلو سری في خلاياها، ليتسلل الارتياح إلى سحنتها المجهدة. همست في حياء:
- أسفة يا خالتي لأنني أزعجتك في مثل هذا الوقت...
أحست بالعبرات تخنقها من جديد، وهي تواصل بصوت متحشرج:
- لكنني لا أعرف أحدا غيركم يمكنني أن ألجأ إليه...
قاطعتها سعاد في عتاب:
- لا تقولي هذا! أنت ابنتي الثانية، وستبقين كذلك...
أرادت أن تكمل: رغم غياب أحمد عا... لكن الكلمات بقيت معلقة في الهواء، ترن في أذني كلتيهما دون صوت. استطردت وهي تقوم من مكانها:
- اتصلت بسماح، ستصل بعد قليل... سأحضر لك بعض ملابسها لتغيري ثيابك.
ثم أضافت حين وصلت إلى عتبة الباب دون أن تنظر إليها:
- يمكنك البقاء في غرفة أحمد...
شيعتها ندى بنظرات ممتنة، ثم عادت لتدفئ كفيها بكأس الشاي. كم هي بحاجة إلى بعض الدفء... الدفء العائلي والوجداني. وهي التي طالما غبطت أحمد على دفء عائلته، ومتانة الروابط بين أفرادها. لم تكن قد تجرعت سوی جرعة صغيرة من الشاي حين سمعت صوت الباب الخارجي فتح في ضجة، يتبعه وقع خطوات مرتبكة، وما لبث أن ظهر وجه سماح أمامها. تعانقت الفتاتان في حرارة وشوق، ثم جلستا جنبا إلى جنب، وكفاهما في عناق متواصل:
- ما الذي ستفعلينه الآن؟
هرت ندى رأسها في استسلام ولم تجب. ربتت سماح ظهرها في ود وهي تقول في ثقة:
- لا تخافي... سنجد حلا!
شكرتها ندى بإيماءة من رأسها، وهي تقاوم البكاء الذي أوشك أن يكون نشاطها الوحيد منذ يوم الفاجعة. تركتها سماح لدقائق قليلة، ثم عادت وهي تقول:
- أيهم وحسان في الخارج... يستأذنان في الدخول لتعزيتك.
هزت ندى رأسها موافقة، ومسحت وجهها بكفيها محاولة إخفاء علامات البكاء التي تركت أثارا عميقة في ملامحها. دخل أيهم وحسان مطرقين في حياء.
كانت قد رأت كليهما في بضع مناسبات، بعد أن انضمت إلى المقاومة المسلحة. لم تجمعهم عملیات مشتركة، لكنهما كانا على اتصال دائم بأحمد، فتتقاطع طرقاتهم من حين لآخر. لم تكن قد حضرت زفاف سماح وأيهم، وهو على أية حال لم يكن سوى اجتماع عائلي بسيط خال من علامات الفرح، انتقلت بعده سماح لتعيش مع زوجها. فحزن العائلة على فقيدها لم يكن قد فتر... ولعله لن يفتر أبدا.
بادر حسان في حرج:
- لست أدري هل أبدأ بتهنئتك أم بتعزيتك...
ثم أضاف بعد صمت قصير:
- لكنني أود أن أقول... مهما كانت مصيبتك بفقد أهلك عظيمة، فغنيمتك بالإسلام أعظم. فليس هناك ما هو أعظم من مصيبة الدين. لذلك، فإنني أود أن أهنئك اليوم. إن كنت فقدت أحبة، فقد عوضك الله بأحبة آخرين، ستجدينهم حولك في كل مكان، ولن يتخلوا عنك في وحدتك. كوني على ثقة بأننا أهلك منذ اليوم!
رفعت رأسها في دهشة وارتباك. هزتها كلماته بشدة، فتركت العبرات تسيل على وجنتيها دون مقاومة. لأول مرة منذ أسابيع طويلة، بكت من الفرحة. كانت بحاجة إلى تلك الكلمات القليلة لتعيد إليها القوة والعزيمة. كان جهادها الفردي قد استهلك كل طاقتها، حتى نفدت بطارياتها تماما، وأوشكت على الاستسلام. لكنها اليوم وهي تسمع عبارات التشجيع والتثبيت، تحس برغبة في الاستمرار... ومن بين دموعها، رسمت على شفتيها ابتسامة ممتنة.
ابتسامة حقيقية. تعد بغد أفضل.
* * * * *
غاص سالم في مقعده، وهو يلف معطفه القديم على جسده النحيل، وتناول مبسم «الشيشة» ليستنشق سمومها في استمتاع ولذة. سرحت نظراته إلى الشارع الغارق في الظلمة، وبدا كأنه يراقب المارة من خلف واجهة المقهى الزجاجية. مد يده ليمسح البخار الذي نفثه للتو عن الزجاج، لتتضح الرؤية أكثر. كان يفضل الجلسة على قارعة الطريق، لكن برودة الطقس في الخارج جعلته يفضل الاحتماء داخل الفناء. فجأة هب من مكانه واقفا حين ميز الوجه الذي كان في انتظاره. صرخ في النادل:
- لا تلمس نارجيلتي، سأعود إليها بعد قليل!
ثم هرول ليتعقب خطوات الرجل الذي تجاوز المقهى بخطوات سريعة.
- جاکوب... جاکوب!
توقف جاكوب حين سمع النداء باسمه، والتفت في استغراب. لحق به سالم بسرعة وهو يلهث. بادره جاكوب بصبر نافد وهو يتطلع إلى ساعته:
- ما الذي تريده في مثل هذا الوقت؟ يجب أن أعود إلى البيت سريعا؟
ضحك سالم في حرج وهو يهتف:
- ألم تكن أنت من تأخر في المعمل؟ أنا في انتظارك منذ أكثر من ساعتين!
أشاح جاكوب بوجهه في تأفف وقال متعجلان
- ماذا هناك؟ أفصح، فالبرد شديد، ولم أعد أحتمل الوقوف هكذا...
تنحنح سالم في ارتباك وقال متلعثما:
- في الحقيقة... أنا في مأزق. وفكرت بأن جاكوب هو الوحيد الذي قد يملك حلا لمشكلتي؟
زوی جاکوب ما بين حاجبيه، وهو يهز رأسه يحثه على المواصلة. أردف سالم موضحا:
- تعلم أن لدي بنتين تعيشان مع سونيا في لبنان... وهما قد عاشتا طوال الوقت هناك، ولم أرهما منذ زمن طويل. والآن، سونيا تريد إرسال الصغرى إلى تونس لبعض الوقت. لست أدري ما الذي طرأ حتي ترسلها إلي هكذا، وأنا غير مستعد لاستقبالها !
حدّجه جاکوب بنظرة ساخرة، كأنه يذكره بأحاديث الشوق التي طالما أعادها على مسامعه مستعطفا رؤية ابنتيه في صورة لا أكثر! فسارع سالم يقول مستدركا:
- لا أقول إنني لا أشتاق إليها ، فأنت تعلم مكانة البنتين عندي! لكن... كما تعلم... زوجتي لا ترحب كثيرا بقدومها ! فهي تعتبرها دخيلة علينا، بل هددت بطلب الطلاق إن أنا أتيت ببناتي من زوجتي السابقة للعيش معنا!
أحس جاکوب بألم في صدره. تانيا فعلت نفس الشيء في السابق بخصوص ريما. بنات سالم يهوديات كوالدتهن. لا شك أن زوجته تخشى على أبنائها من تأثيرها هي الأخرى، لذلك تفضل إبعادها... كما أبعدت تانيا ريما. ريما التي نفاها إلى لبنان فماتت بعيدا عنه. انتبه على صوت سالم الذي تابع:
- لذلك، فإنني فكرت في استئجار غرفة لها... تقيم فيها بعض الوقت حتى تتضح الأمور. وأعلم أنك تمتلك بعض الشقق الصغيرة للإيجار. لذلك فإنني أطمع في معاملة خاصة منك... ونحن أهل!
هز جاكوب رأسه في تفكير. يعلم أن سالم يفكر في خداعه وعدم دفع الإيجار، فهو معروف بالمماطلة والتلاعب. لكن خاطرا غريبا راوده. ريما كانت قد أقامت عند زوجة سالم السابقة في أيامها الأخيرة. كان قد التقى إحدى ابنتيها حين سافر ليسترجع حاجياتها. يظنها الصغرى. لم تكن تكبر ريما سوى بسنوات قليلة. لا شك أنهما كانتا قريبتين من بعضهما البعض في تلك الفترة. قد تكون تقاسمت معها ذكريات كثيرة، فالفتيات في مثل تلك السن يكثرن من الثرثرة.
وهي بدت متأثرة لرحيلها. فجأة، أحس بالرغبة في لقائها والحديث إليها. قد تكون لديها حكايات عن ريما! حين سافر إلى لبنان شغله الحزن عن السؤال عن حياتها هناك. كان الحزن قد أعماه عن كل شيء عداه حينها.
كان سالم يتفرس في وجهه في انتظار إجابته، وعلى وجهه ابتسامة متملقة.
- حسن... فلتات للإقامة في بيتي! غرفة ريما لا تزال خالية... ونحن أهل كما قلت!
ثم ابتسم وهو يبتعد ملوحا، مخلفاسالم وراءه وقد تملكته الدهشة. لا يدري كيف واتته الشجاعة حتى يتخذ مثل هذا القرار دون استشارة تانيا. لكن رغبته في لقاء صديقة ريما كان كل مل يشغله في تلك اللحظة.
إنها في غرفة أحمد الأن. تبتسم في ارتياح وهي تطالع الشارع من نافذته.
تتأمل مشاهد الحياة اليومية، من نفس الزاوية التي كان يلمحها منها... منذ سنتين خلتا. إنها تبتسم. تصورت أن تجهش بالبكاء ما إن تطأ قدماها أرض الحجرة التي لم تدخلها أبدا من قبل. لكنها للمرة الأولى لم تستشعر مرارة أو حزنا أو ألما لذكراه. ارتياح عميق يملأ صدرها، يمسح الأدران التي علقت بثناياه بعد كل موجات الشقاء التي ضربت أركانه المتصدعة. لعله الامتنان الذي طغى. ممتنة له لأنه لم يرحل عنها إلا وقد سلمها كل المفاتيح. المفاتيح التي أخذت تفتح بها الأبواب الواحد تلو الآخر. بعد أن ذاقت حلاوة الإيمان، ولذة قراءة القرآن، فتحت باب الأخوة في الله الذي لم تحسب له حسابا في مصيبتها. هؤلاء الناس الذين تعدهم غرباء عنها، أحاطوها بكل أشكال الرعاية والاهتمام. أحمد لم يتخل عنها إلا ليترك من يحرسها في غيابه. لذلك لم تبك وهي تدخل غرفته. لم تبك وهي تقلب أوراقه القديمة ودفاتره التي علاها الغبار.
لم تبك وهي تمرر أصابعها على كل ما لمسته يداه في السابق. لم تبك حتى وهي تنام على سريره وتتأمل السقف الذي عانقته عيناه في ليالي السهاد الطويلة. لم تبك طيلة الأيام السابقة التي قضتها في فضائه الخاص. حاولت أن تستمد القوة من كل ذلك لا يمكنها أن تستسلم وتترك كل جهوده من أجلها تضيع. ستجعله يفخر بها، حيثما كان... هكذا قررت.
- فيم سرحت؟
التفتت حين وصلها صوت سماح التي اقتربت وهي تحمل طبق الشاي.
- طرقت الباب، لكنك لم تجيبي... ما الذي أخذك عن هذا العالم؟
أخذت عنها ندى الطبق مبتسمة، وقالت مداعبة:
- رويدك يا حامل... هات الطبق عنك قبل أن يراني أيهم، فيتهمني بتحميل زوجته الأشغال الشاقة!
ضحكتا في مرح، قبل أن تضيف سماح وهي تمسح على بطنها:
- ما زلت في الشهر الرابع، وما زلت في كامل لياقتي البدنية!
جلست ندی وسألتها في اهتمام:
- ولد أم بنت؟
هزت سماح كتفيها في الامبالاة، وهي تأخذ رشفة من كأسها:
- كل ما يرزقنا به الله طيب...
ثم استطردت في حماس:
- إن كانت بنتا فسأسميها ريما !
قاطعتها ندى في احتجاج:
- لن أسمح لك! ريما سيكون اسم ابنتي أنا !
مدت سماح لسانها ساخرة وقالت لتغيظها :
- يجب أن تتزوجي أولا قبل أن تفكري في الأطفال؟
أتزوج؟ غاص قلب ندي في صدرها، وأحست بوخزات مؤلمة. لا تريد أن تفكر في الموضوع أصلا. سامحك الله يا سماح. ابتسمت في فتور وقالت مغيرة
الموضوع:
- وماذا لو كان ولدا؟
انتبهت إلى محاولتها الفاشلة لتغيير مجرى الحديث حين أجابت سماح بابتسامة عريضة:
- سيكون أحمد الصغير... نسخة من خاله إن شاء الله !
تماسكت ندى وهي تتناول كأسها في محاولة يائسة للفرار مجددا:
- هات الشاي قبل أن يبرد...
أخذت جرعة كبيرة من المشروب، كأنها تبتلع غصتها معه، ثم أضافت متضاحكة تداري المرارة التي عادت لتملأ حلقها:
- ما سر الشاي الذي تصنعه خالتي سعاد؟ إن له حلاوة غير عادية!
خيم الصمت عليهما للحظات، قبل أن تقول سماح في هدوء وتأن:
- ندی، حبيبتي... أعلم أنك ترفضين موضوع الزواج، لكن عليك التفكير في وضعك الآن بروية وحكمة. لا يمكنك انتظار أحمد إلى الأبد...
قاطعتها ندى بلهجة حازمة:
- أحمد على قيد الحياة! سيعود يوما بالتأكيد!
أومأت سماح برأسها موافقة، وهي تجاريها:
- لا أحد يمكنه القطع بشأن وفاته. لكننا بحثنا عنه في كل مكان طوال السنتين الماضيتين. أبي وأيهم وحسان وكل رفاقه لم يدخروا جهدا في البحث عنها في السجون والمستشفيات وسجلات الوفيات... في كل مكان تطاله أيديهم. لكن دون جدوى! لا أثر له في أي مكان، ولا أي دليل قد يساعد على إيجاده!
- لا يمكنك أن تقولي هذا يا سماح!
شدت سماح على ذراعها في إلحاح:
- أحمد شقيقي الوحيد يا ندى، ولا تعلمين مقدار حبي له. لا يمكنني أن أنساه يوما أو أفقد الأمل بعودته...
قاطعتها ندى بصوت متهدج:
- إذن كيف تطلبين مني أنا ذلك؟!
تنهدت سماح، ثم قالت بعد صمت قصير:
- تعلمين كم يؤلمني أن أقول هذا. فقد تمنيت كثيرا أن أراك عروسا لأخي... لكن الأمر مختلف الآن يا ندي... أنت الآن بحاجة إلى عائلة تحميك. لا أقول إنك أثقلت علينا... حاشا وكلا! بل أنت عزيزة علينا وواحدة منا. لكن إن أرادت والدتك مطاردتك بألوان التنكيل والعذاب، فلا يمكننا منعها من الوصول إليك.
فهي تبقى والدتك والقانون في صفها ! لذلك فأنت بحاجة إلى رجل يرعاك. إلى وصي قانوني يمكنه حفظك والدفاع عنك. وزواجك من رجل مسلم يبقى خير الحلول؟
أطرقت ندي وهي لا تجرؤ على مجرد التفكير في اقتراح سماح. لا يمكنها أن تفكر في رجل آخر غير أحمد! لطالما تخيلت نفسها تستقبله حين عودته وتبشره بإسلامها. تتخيل فرحته التي ستكون أكبر من فرحة أي كان بالخبر. ماذا لو تزوجت غیره... كيف ستستقبله حين عودته؟ كيف ستبرر نفاد صبرها وتسرعها بالزواج؟ لا يمكنها ذلك! رفعت رأسها بعد لحظات، وابتسمت مهونة:
- دعينا من هذا الموضوع الآن... هل ترين الخاطبين أفواجا أمام الباب!
تمهلت سماح للحظات، قبل أن تهمس في أذنها:
- حسان خطبك منا !
حدقت فيها ندى وعلامات الصدمة جلية على وجهها. حسان!! كيف يجرؤ؟
كيف يخطب خطيبة أعز رفاقه وخير أصحابه؟ إنها خيانة! هزت رأسها تنفض عن أذنيها ما سمعته للتو. إنها تتوهم بالتأكيد. لكن سماح استطردت في هدوء:
- طوال الفترة الماضية عاملتك على أنك خطيبة أخي الغائب. ووجدت من الطبيعي أن تنتظريه كما ننتظره. لكنني كنت أفكر بأنانية. لم أفكر فيما تعيشينه من عذاب طوال هذا الانتظار. فنحن جميعا في هذا المنزل قد استأنفنا حياتنا! أنا تزوجت وقريبا أرزق بطفل إن شاء الله... أبي يواصل رحلاته التجارية من مكان إلى آخر، ويغتنم الفرصة ليبحث عن أحمد بالمناسبة. حتى أمي لم تغير نمط حياتها. تشغل نفسها بالتطريز والحياكة.
لكنك الوحيدة التي توقفت حياتها وفقدت نسقها برحيل أحمد عنا!
قاطعتها ندی معترضة:
- لكنني لا أتذمر من ذلك! هذا اختياري!
واصلت سماح بنفس اللهجة الهادئة:
- لو كان أحمد قد سجن وحكم عليه بقضاء بضع سنين محبوسا، لكنت على الأقل اتخذت قرارك عن دراية، وكنت خططت لحياتك وأنت تعلمين كم يلزمك من الانتظار. لكن هذا الانتظار المفتوح ظالم لك يا ندى! كم يمكنك التحمل وأنت دون عائل أو كفيل؟ وماذا لو لم يعد أحمد أبدا؟
حاولت ندى أن تعترض من جديد، لكن سماح هتفت بقوة:
- هذا احتمال وارد ، بل وارد جدا في ظل المعطيات الراهنة. قد يكون استشهد في أرض المواجهة، أو فقدت جثته تحت أنقاض المباني المهدمة. عليك أن تفكري في ذلك بواقعية!
أخذت نفسا عميقا لتستعيد هدوءها ثم أضافت:
- كلنا كنا أنانيين معك... لكن حسان فكر فيما فيه مصلحتك. فكر فيما أنت في حاجة إليه الآن، لم يكن قد فكر في الزواج منذ عودته من الأسر، مع أن جل رفاقه قد تزوجوا واستقروا. لكن حين رآك عندنا منذ أيام بدأ يفكر في الموضوع. والبارحة طلب أن يتحدث مع والدي في هذا الشأن. لم يرد أن يتجاوزنا ويخطبك مباشرة. بل حرص على توضيح ما يفكر فيه أمامنا. مثلك، دهشت في البداية واستنكرت. لكن تيقنت بعد إمعان من أن حسان ليس أقل حبا لأحمد منا، وليس أقل حرصا على مصلحتك منا... بل العكس هو الصحيح!
لبثت ندى تطالعها مبهوتة. حتى خالتي سعاد وافقت؟
احتضنتها سماح بحب وود وقالت وهي تربت ظهرها:
- حسان شاب ممتاز، من أعز إخوان أخي وزوجي... فكري جيدا في الأمر ولا تتسرعي بالرفض...
ثم قامت لتتركها في حيرة وارتباك لم تعرفهما من قبل.....