
رواية في قلبي انثي عبرية الفصل السابع والعشرون 27 بقلم خولة حمدي
كيف سارت الأمور؟
أجاب سالم في ثقة:
- لقد دبرت لها مكانا لتسكنه، لا داعي للقلق.
- حسن، سأوافيك بالخبر حين تنتهي من تحضير أوراق السفر إلى اللقاء.
استوقف سالم مخاطبه بسرعة:
- لحظة، لحظة!
- ماذا هناك؟
سأل في مزيج من الفضول والحيرة:
- ما الذي دفع سونيا إلى إرسال ندى إلى هنا؟ هل جد هناك شيء؟
أجاب محدثه بلهجة جافة:
- لا صلاحية لي بإعطاء مثل هذه التفاصيل. ما أنا إلا وسيط!
تنهد سالم في تسليم وهو يقول:
- حسن... فليكن كذلك إذن.
من الجهة الأخرى للخط، تنهد إيميل وهو يعيد الهاتف إلى دانا.
- هل انتهينا من هذه الحكاية؟
هزت دانا رأسها وهي تقول بامتنان:
- آسفة عزيزي لأنني أقحمتك في مشاكلنا العائلية، لكنني لم أكن أقوى على محادثته بنفسي! بعد كل هذه السنين، لا يمكنني أن أعود نفسي على تقبل كونه والدي. لكن في هذه الظروف العصيبة، ليس هناك مفر من الاتصال به.
على الأقل حتى تتحسن حال أمي، أو تعود ندى إلى رشدها. لا أحد من العائلة هنا يمكنه أن يستقبل ندى أو يهتم لأمرها... لذلك فمن يسمي نفسه والدها هو الأولى بتحمل مسؤوليتها لبعض الوقت!
هز إيميل رأسه متفهما، وهو يداعب صغيره في المهد:
- هل الأوراق جاهزة؟
- أحضرت جوازها وجميع أوراقها الشخصية، مع بعض حاجياتها الخاصة من منزل العائلة دون أن تعلم أمي. لم يبق علينا إلا شراء تذكرة السفر...
سأقتطع ثمنها لاحقا من نصيبها مما ترکه بابا جورج وميشال! ظروفنا المادية لا تسمح بتوزيع الصدقات...
- متى تتصلين بها؟
- بعد الحجز للرحلة مباشرة. لا داعي لإخبارها الآن.
ثم أضافت وهي تسرح بنظراتها إلى الفراغ:
- على أية حال، لا يمكنها الاعتراض. سيكون ذلك أفضل من تسولها السكن واللقمة من عائلة خطيبها السابق!
غدا... رحلتها ستكون يوم غد! لم تصدق أذنيها حين اتصلت دانا منذ يومين تعلمها بموعد السفر. سرها أن دانا فكرت فيها وفي حل لمشكلتها. لم تكن يوما على وفاق تام مع دانا، ولم تكونا صديقتين بما للكلمة من معنى... لكنها شقيقتها الوحيدة، وقد ربطتهما أشياء كثيرة في الماضي. دانا حزنت بصدق عند وفاة ميشال وجورج، مع غياب صلة الدم بينهما... لذلك من الطبيعي أن تفكر في شقيقتها، لحمها ودمها! هكذا فكرت ندی، قبل أن تفكر في خطة الرحيل إلى تونس نفسها. لكنها في نهاية المطاف لم تجد سببا يدعوها للرفض. والدها الذي اختفى عن ناظريها منذ طفولتها المبكرة يدعوها لقضاء بعض الوقت معه. لماذا يدعوها الآن بعد كل هذا الوقت؟ ربما لأنه علم.بإسلامها! وهو مسلم وعائلته كذلك... لا بد أنهم سيرحبون بمسلمة أكثر من يهودية، لذلك جاءت الدعوة في هذا الوقت بالتحديد. أم هل تكون سونيا قد اتصلت به سعيا للخلاص منها إلى الأبد؟ لم يكن بإمكانها الجزم... لكنها لم ترفض.
كانت تقوم بتمشيط شعرها أمام المرأة، حين اقتربت سماح لتجلس قربها.
لمحتها بطرف عينيها وهي تحرك أصابعها في توتر، كأنها تود محادثتها في أمر ما. قالت دون أن تلتفت إليها وهي تواصل تمرير المشط ببطء بين خصلاتها :
- ما الأمر يا سماح؟
هتفت سماح دفعة واحدة دون تردد:
- هل أنت واثقة من رغبتك في السفر إلى تونس؟ لست مضطرة إلى الرحيل، يمكنك البقاء بيننا دائما! ثم أنك لا تعرفين أحدا هناك. حتى والدك لم يسبق لك أن رأيته منذ انفصال والديك!
تنهدت ندى وقالت مبتسمة:
- يا عزيزتي... بما أن الفرصة قد سنحت أخيرا للقاء والدي، فلماذا أرفضها؟
- هل تعودين فيما بعد؟ لن تبقي هناك طويلا، أليس كذلك؟
التفتت إليها ندى وهي تضع المشط جانبا:
- لست أدري بعد... ربما يطيب لي البقاء هناك إن عاملتني زوجة أبي جيدا.
كما أنهم مسلمون یا سماح! يعني لا خوف علي بينهم.
عبست سماح، ثم قالت بعد صمت قصير:
- وماذا عن طلب حسان؟ أنت لم تردي عليه بعد؟
ترددت ندی لوهلة، لكنها سرعان ما أشاحت بوجهها وهي ترد في لا مبالاة:
- ألم يقل إنه يريد الزواج مني حتى يحميني من والدتي؟ ها أنا سأذهب إلى جوار والدي... وليس هناك من يمكنه حمایتي أكثر منه. أليس كذلك؟ لذلك لا داعي للقلق علي بعد الآن.
احتضنتها سماح، وضمتها إلى صدرها وهي تهمس في حزن:
- كنت أتمنى أن تتزوجي حسان وتظلي بيننا دائما! كيف يمكنني أن أسافر إليك في تونس؟
احتضنتها ندى بدورها وهي تقول مداعبة:
- وقري ثمن التذكرة واشتري دمي كثيرة لريما... لنقل إنها هدية من خالتها ندی.
سرحت عبرات سماح على خديها وهي تمتم في اختناق:
- وماذا لو كان ولدا؟
لم تجب ندی، فقد كانت هي الأخرى قد أغرقت في البكاء.
* * * * *
حملت ندى حقيبتها الصغيرة التي تضم الحاجيات القليلة التي اقتنتها صحبة سماح في الأيام الماضية. ألقت نظرة وداع أخيرة على الغرفة الغالية التي ضمتها في وقت ضياعها وتشدها، ثم أغلقت الباب خلفها. هل تراها تعود مجددا إلى هذا المكان؟ لم تكن تدري كيف ستكون رحلتها، وأين سينتهي بها المطاف. كانت سماح والخالة سعاد تنتظرانها في الممر وفي عيونهما أثار البكاء. بادرتها الخالة سعاد وهي تحتضنها:
- هل تغادريننا هكذا يا ابنتي؟ هل سيهتمون بك جيدا في تونس؟
- سأكون مع أبي يا خالتي... وأهله هناك مسلمون. لا خوف علي إن شاء الله...
- اهتمي بنفسك جيدا، بطعامك وشرابك... لا تخرجي وحدك، فأنت في أرض غريبة وقد تتوهين. غطي نفسك جيدا في الليل ولا تهملي هندامك... ولا تنسي أن تتصلي بنا وتطمئنينا عنك...
ابتسمت ندي وهي تهز رأسها موافقة. كانت تتمنى أن تكون والدتها من يوصيها تلك الوصايا. لكن قدر الله وما شاء فعل قاطعت سماح عناقهما وهي تستعجلها:
- هيا يا ندي، ستتأخرين عن الرحلة. يجب أن نغادر الآن!
انصاعت ندى في شيء من الحسرة. ستفتقد دفء الخالة سعاد وحلاوة شايها. ستفتقد دفء هذه العائلة وحرارة المشاعر الندية عندها. لكن لا خيار لديها الآن غير المضي في طريقها. تبعت سماح إلى الباب الخارجي، حيث توقفت السيارة التي ستقلها إلى موقف الحافلات، ومن ثم تركب الحافلة إلى بيروت ومطارها الدولي. دانا قالت إنها ستنتظرها عند المحطة لتسلمها جواز سفرها وتذكرة الطائرة. لم ترد أن تأتي إلى هنا، فهي لم تحب أحمد أو عائلته يوما.
ما إن تجاوزت الباب حتى لمحت أيهم وحسان يقفان في الانتظار. استدارت إلى سماح وهمست في انزعاج:
- ما الذي يفعله حسان هنا؟
أجابت سماح بصوت هامس هي الأخرى:
- سيارة أيهم معطلة، لذلك فإن حسان سيقلنا بسيارته.
- لماذا جاء بنفسه؟ كان عليه أن يكتفي بإعارة سيارته لأيهم!
هزت سماح كتفيها في لا مبالاة، لكن ندي توقفت في إصرار:
- سأستقل سيارة أجرة!
دفعتها سماح إلى الأمام وهي تهمس:
- كفي تذمرا! هيا، سنتأخر على الرحلة...
ثم أضافت بصوت عال وهي تخاطب الرجلين:
- نحن جاهزتان... نأسف على التأخير...
ركبت ندي في المقعد الخلفي حذو سماح في شيء من التوتر. لم تكن تريد أن تری حسان. تحس بالحرج تجاهه بعد رفضها لطلبه. ظلت مطرقة طوال الرحلة بالسيارة. لم تستطع أن تشاركهم أحاديثهم المسلية التي كانت تهدف بالأساس إلى التسرية عنها، وتخفيف وطأة الفراق عليها. حاولت أن تبدد توترها بالفرجة على البنايات والشوارع، لكن تركيزها كان مشوشا وحالتها النفسية بعيدة عن الاسترخاء... لم تنتبه إلى أن سماح الجالسة إلى جوارها لم.تكن في أفضل حالاتها الصحية. كانت قد انقطعت عن مشاركتهم الأحاديث وغاصت في مقعدها ممسكة بطنها. فجأة جاءها صوتها وهي تهتف بصوت واهن:
- توقف أرجوك... توقف..
التفت إليها أيهم في قلق:
- ماذا هناك؟
قالت وهي تضغط بكفها على جبينها:
- أحس بدوار شديد، ورغبة في التقيؤ!
ضغط حسان على المكابح ليوقف السيارة على جانب الطريق، في حين سارع أيهم بالنزول ليساعد زوجته على الخروج من السيارة. همت ندي بالنزول.بدورها، لكن صوت حسان استوقفها فجأة:
- ندی، هلا بقيت في السيارة للحظة؟
التفتت إليه في استغراب وتوجس. لم يكن قد وجه الخطاب إليها منذ فترة...
منذ تقدم إليها بطلب الخطبة. حتى في هذا الصباح، رغم تظاهره بالمرح وتبادله الحديث مع أيهم وسماح طوال الطريق، إلا أنه لم يخاطبها هي بالذات.
لا شك أنه يشعر بالحرج مثلها تماما. كان ينظر أمامه. لم يحاول حتى أن يتطلع إليها عبر المرأة العاكسة. تكلم بهدوء وحياء، تحس باضطرابه وتوتره:
- انتظرت هذه الفرصة لأتحدث إليك... ربما لو تركتك تسافرين دون أن أقول ما في نفسي، لكنت ندمت على ذلك كثيرا. أعلم أنك تمرين بظروف صعبة، وأن موضوع الزواج ليس من أولوياتك. سافري إلى والدك وغيري الجو... تحرري من كل القيود والضغوط... وحين تستقر حالتك النفسية، فكري في طلبي مجددا... أرجوك.
فوجئت بكلماته التي لم تتوقعها. رغم رفضها طلبه للارتباط، هاهو يجدده مرة أخرى. أضاف بعد صمت قصير، كأنه يرد على تساؤلات في نفسها:
- ربما أخطأت بالتقدم في مثل هذه الظروف، ففهمتني بشكل خاطئ... لم أتقدم إليك شفقة أو عطفا. لكن الأحداث التي مررت بها في الفترة الماضية جعلتني أفكر بأنك في حاجة إلي... مثلما أنا في حاجة إليك. لذلك، أرجوك فكري في الأمر جديا خلال رحلتك إلى تونس... فإنني سأنتظر ردك.
لم تستطع أن تفكر أو ترد، ولم يسعفها الوقت لتفكر في كلمات تقولها ، فقد جاءها صوت سماح وهي تقترب من السيارة:
- آه... لم أكن أعتقد أن معدتي لا تتحمل الرحلات بالسيارة.
أجابها أيهم وهو يساعدها على الصعود:
- إنه الحمل يا عزيزتي... بنيتك تصبح أكثر هشاشة وتأثرا بالعوامل الخارجية.
تناولت ندى كفها، وأعانتها على الاسترخاء في مقعدها وهي تقول:
- لم يكن عليك أن تكلفي نفسك عناء الرحلة. كان بإمكاني أن أركب سيارة أجرة.
هزت سماح رأسها نافية:
- لا تقولي هذا... أنت مثل أختي وأكثر!
بعد ثوان، كانت السيارة تتحرك من جديد. لكن ندى لم تستطع أن تطرد عنها كلمات حسان التي ظلت تتردد في أذنيها في إصرار.
وقف جاكوب في المطار، يطالع ساعته في توتر. مرت نصف ساعة من أعلنت المضيفة وصول الرحلة القادمة من لبنان، وها هو ينتظر رفقة سالم ظهور ندی عبر بوابة الخروج. كان يمسك بيده صورة لها التقطتها أخته راشيل في حفل خطبة شقيقتها دانا. لم تكن الصورة شديدة الوضوح، لكنه میز ملامح الفتاة...
كانت هي بعينها التي رآها حين سافر إلى قانا ليستعيد حاجيات ريما. يمكنه أن يتعرف إليها بسهولة. كان يشك في أن سالم سيتعرف عليها، وهو الذي لم يرها منذ سنوات طويلة.
كان كلاهما يتفرس في وجوه الوافدين من البوابة في ترقب. فجأة تسمر جاکوب في مكانه مصعوقا. أخذ يحدق في الفتاة التي ظهرت ضمن المسافرين ودقات قلبه تتسارع بشكل مجنون. ريما؟ كانت تلبس جلبابا أسود واسعا مثل الجلابيب التي تحب ريما أن تلبسها عند ذهابها لدرس الدين يوم الجمعة، وتضع على رأسها وشاحا مألوفا. إنه الوشاح نفسه الذي اشتراه لريما حين قررت أن تلبس الحجاب الإسلامي! لا يزال يذكر ذلك اليوم، ويذكر فرحة الصغيرة وهي تجربة. اضطربت أنفاسه وهو يتابع الفتاة التي أخذت تتلفت في حيرة، بحثا عمن يستقبلها. لكن لا... ريما كانت أكثر ضالة منها.
ثم... ريما غادرت هذا العالم منذ ما يزيد على السنوات الثلاث. أغمض عينيه الثوان ليستعيد هدوءه، ثم فتحهما من جديد. لم يكن سالم قد انتبه إلى الفتاة.
أومأ إليه جاكوب وهو يشير إليها برأسه:
- أليست هذه ابنتك؟
التفت إليها سالم، ثم سرعان ما استدار إلى جاکوب ضاحكا:
- هل تمازحني؟ ألا ترى أنها تلبس الحجاب الإسلامي؟ ابنتي نشأت على اليهودية مثل أمها !
لكن جاکوب لم يقتنع. إن لم تكن ريما، فهو واثق من أنها تلبس وشاح ريما.
نظر إلى الصورة مجددا، ثم إلى الفتاة. إنها هي لا ريب في ذلك. مد الصورة إلى سالم ودفعه في اتجاهها :
- اذهب واستقبل ابنتك... إنها هي دون شك؟
ردد سالم بصره بين الصورة والفتاة في استغراب. لم يكن قد استوعب الأمر حين لاحظ أن الفتاة قد توقفت ترقبه. هل كانت تشبهه؟ ليس متأكدا. لكنه أحس بانجذاب غريب نحوها. تقدم في اتجاهها في تردد:
- ندی؟
تجمعت العبرات في عيني الفتاة التي بدت ضائعة ومشتتة:
- بابا؟
لم يتمالك نفسه أن هب ليعانقها في حرارة. ابنته التي لم يرها منذ ما يزيد
على السبعة عشر عاما! وقف جاکوب غير بعيد عنهما يرقب في تأثر بالغ لقاء الفتاة بوالدها. لم يكن يظن أن سالم قادر على إظهار هذا القدر من العاطفة.
تخيل أنه يعانق ريما، ابنته البكر التي لم ينجبها. كان يريد أن يقحم نفسه بينهما ويمطر الفتاة بكل الأسئلة التي تراوده عن ريما. كيف كانت حياتها في لبنان، وكيف عاشت أيامها الأخيرة... هل كانت سعيدة؟ لكنه أجل دوره إلى حين ينتهي سالم من استقصائه عن أحوال ابنتيه وكل ما جد في حياتهما.
تنحى جانبا، وأخرج سيجارة من جيب معطفه الداخلي. التدخين ممنوع في فضاء المطار. لاعب لفافة التبغ بين أصابعه دون أن يشعلها. منذ متى بدأ يدخن؟ ليس متأكدا. كان ذلك بعد رحيل ريما إلى لبنان. انتبه فجأة إلى غرابة ما رأه للتو. الفتاة التي ظنها يهودية كانت ترتدي الحجاب الإسلامي! كانت مفاجأة لم يتوقعها، وسالم لم يبد على علم بالأمر أيضا. هل سيغير ذلك من
مخطط إقامتها عنده؟ ربما غير إسلامها موقف زوجة سالم؟ مرت دقائق طويلة، قبل أن يعود أدراجه إلى حيث ترك سالم وابنته.
نظرت ندى إلى الرجل الغريب في تساؤل. كانت واثقة من أنها رأته في السابق. كان شكله مألوفا إلى درجة غريبة. لكنها لا تذكر ملابسات اللقاء.
ازدرد سالم ريقه وقال:
- ندى صغيرتي... لا يمكنني أن أستقبلك الآن في منزلي. فزوجتي لم تتقبل بعد فكرة قدوم ابنتي من زوجتي الأولى للإقامة بيننا. لذلك فإنك ستذهبين مع عمك جاكوب الآن. إنه رجل طيب وسيعاملك جيدا ... في هذه الأثناء سأعمل جاهدا على إقناع زوجتي باستضافتك. ما رأيك؟
تسمرت مكانها في ذهول. الآن تذكر أين رأت العم جاكوب. إنه بذاته وصي ريما الذي جاء إلى منزلهم منذ ثلاث سنوات! يا لعجائب الأقدار! لم تتصور أن
تلتقيه مجددا، فضلا على أن تكون ضيفته. لكن لماذا تذهب إلى منزله الآن؟
لماذا لا يمكنها أن تكون مع والدها الذي انتظرت طويلا فرصة اللقاء به؟ هل غادرت منزل أحبابها في لبنان لتقيم مع غرباء؟ ثم، أليس جاکوب وعائلته من اليهود؟ يا الله ... عضت على شفتها السفلي في غيظ، وتمالكت نفسها بصعوبة. لا يمكنها الاعتراض وهي في بلد غريب، لا تعرف أحدا من أهله غير هذين الرجلين اللذين تعتبر أحدهما والدها. يقول إنه سيقنع زوجته باستقبالها.
ربما لن يطول الأمر بالفعل... ربما رفضت في البداية لأنها ظنتها يهودية، وربما وافق جاكوب على استقبالها لنفس السبب أيضا.
بادرته بلهجة متوسلة:
- بابا، أنا مسلمة... ألا ترى؟
كان سالم قد لاحظ ذلك في شيء من الدهشة والفرح. لا شك أنه قد سر لإسلامها ، لكن اعتراض زوجته كان قاطعا وغير مشروط. لا تريد أثرا لحياته السابقة في حياة عائلتها. ردد بصره بينها وبين جاكوب في حيرة، لكن جاکوب أجاب مطمئنا وهو يحطم السيجارة بين أصابعه:
- لن يغير ذلك من اتفاقنا شيئا...
ابتسم سالم وهو يربت كتف ندی:
- ألا ترین... كل شيء على ما يرام. اذهبي الآن مع عمك جاكوب، وسآتي لأخذك قريبا!
* * * * *
«أخي في الله أحمد،
وصلت اليوم إلى تونس. تصور، أنا الآن في غرفة ريما! لم أتخيل أبدا أن أحط في هذا المكان حال قدومي إلى مسقط رأسي، أن أقضي ليلتي الأولى في غرفة أختي وحبيبتي التي قاسمتني سريري لمدة شهور. إحساس غريب بألفة غير متوقعة غمرني حالما وقعت عيناي على أشياء ريما القديمة التي لم تتحرك من مكانها. لعل الله سخر لي هذه الأسباب ليخفف عني غربتي.
ريما... أذكرها كما لو أنني لقيتها بالأمس، لطالما راقبتها سرا وهي تلعب في الحديقة - قبل اختفاء راشيل - ثم وهي تكد في عمل البيت كسندريلا صغيرة.
كانا متقاربتين في السن، لكنني ولدت ناضجة وبقيت كذلك... أما ريما فكان فيها طبع الأطفال وحلو دلالهم، رغم مكابرتها. كان يمكنها أن تضحك ملء شدقيها رغم قسوة الحياة عليها، وتلهو كلما سنحت الفرصة لتنسى هموما هاجمتها قبل أوانها. أما أنا، فإنني أحمل ذاكرتي على كفي تلك اللعنة ظلت ترافقني... لعلني لم أرزق نعمة النسيان مثل كل البشر. رغم أنني لا أقرأ أبدا في المذكرات التي أكتبها منذ صغري، إلا أن الصور تعاودني كلما عن لها الأمر، بكل تفاصيلها.
لذلك تتراءى لي صورة ريما الآن بنفس الوضوح، رغم مرور كل ذلك الوقت.
أتخيلها الآن في فضاء هذه الغرفة، أكاد أراها رأي العين تتحرك بنفس الحيوية والعفوية. لطالما راقبت الحياة من خلالها ، لكن ذلك لم يحرمني الانغماس في حياة كثيفة المشاعر والأحداث. الآن، رحلت ریما... ولم تعد
الحياة التي كنت أراقبها سوى ذكريات.»
تعالت طرقات على باب الغرفة. تركت أوراقها ووقفت لتفتح. كان ولد صغير لم يتجاوز الثامنة يقف أمامها. نظرت إليه في تساؤل، فمد إليها كفه مصافحا وهو يقول في ثقة تتجاوز سنه بكثير:
- مرحبا، أنا باسكال... وأنت ما اسمك؟
صافحته في مرح، ثم أوسعت المدخل لتتركه يدلف إلى الغرفة.
- اسمي ندى. كم عمرك يا باسكال؟
- ثماني سنوات. وأنت؟
أجابته وقد اتسعت ابتسامتها:
- أنا أكبر منك بكثير. اثنان وعشرون سنة!
أشار باسكال إلى حجابها وهو يقول:
- أنت مسلمة، أليس كذلك؟
هزت رأسها موافقة، فأضاف:
- ريما كانت مسلمة أيضا، وتلبس ثيابا مثل ثيابك. لذلك طردتها أمي من بيتنا!.....