
رواية في قلبي انثي عبرية الفصل الثامن والعشرون 28 بقلم خولة حمدي
حدقت فيه في دهشة، فاستطرد في لباقة لم تعهدها لدى الأطفال:
- لكن لا تخافي، لن تطردك أيضا. أبي يبدو أكثر ثقة في نفسه هذه المرة وقد صمم على بقائك معنا. لذلك جئ أرحب بك. لم أكن لأفعل ذلك لو قالت أمي إنك ستغادرين. كنت سأضيع وقتي هباء !
لم تكن قد تجاوزت صدمتها حين أضاف ببراءة:
- لماذا أتيت للعيش معنا؟ ريما كانت دون عائلة، وكان أبي قد رباها منذ كانت صغيرة. لكنك كبيرة! هل تحتاجين أيضا إلى من يهتم بك؟
قبل أن ترد ندی، ظهرت من فتحة الباب ذراع شدت باسكال من أذنه، وجذبته إلى الخارج. تأوه الولد في ألم، في حين ظهرت فتاة تكبره بسنوات قليلة عند
الباب. نهرت باسكال بلهجة جادة:
- توقف عن الثرثرة عديمة الجدوى!
ثم التفتت إلى ندي وحيتها بأدب ثم قالت:
- آسفة على الإزعاج. إنه لا يزال صغيرا ... لا يدرك جيدا ما يقوله.
حيتها مجددا، ثم أخذت أخاها وانصرفت. تابعتهما ندى في دهشة شديدة.
كانا طفلين مدهشين حقا. لكن ما قاله باسكال عن ريما كان كل ما يشغل ذهنها في تلك الآونة. زوجة جاكوب طردتها لأنها مسلمة؟ لذلك سافرت إلى لبنان، لأنه لا عائلة لها في تونس! مسكينة ريما... تخلى عنها الشخص الذي رباها منذ صغرها والذي اعتبرته كل عائلتها. لا شك أنها تألمت كثيرا، وكتمت في صدرها كل ذلك. لم تكن تذكر جاکوب إلا بكل خير، ظلت تحتفظ له بذکری طيبة طوال الوقت.
جلست إلى المكتب مجددا، وأخذت القلم لتواصل رسالتها. لكنها غصت فجأة.
سقط القلم من يدها. أخفت رأسها بين ذراعيها واستسلمت لنوبة بكاء حادة.
أيقنت فجأة أن حالتها اليوم لا تختلف كثيرا عن الحالة التي عاشتها ريما منذ سنوات. كانت ترثي لحال ریما... واليوم من ذا الذي يرثي لحالها؟ غادرت لبنان كما غادرت ريما تونس، فرارا بدينها. فرت لأنه لا عائلة تؤويها هناك أو تقبلها كما هي. جاءت إلى هنا وهي تعتقد بأنها ستجد سندا جديدا في والدها.
لكنها توقن الآن بأن والدها لم يطلب مجيئها كما توقعت. فكيف يمكنه أن يطلبها ثم يترك لصديقه اليهودي مهمة استقبالها؟ هل كانت والدتها من سعى إلى ترحيلها؟ أم تراها دانا هي التي فكرت بحل بمفردها؟ أيا كانت الأسباب والملابسات، فهي بالتأكيد ضيف غير مرغوب فيه في منزل كل أفراده من الغرباء. أخذت تكتب والحزن يمزق نياط قلبها:
«أنت تعلم، اليهود مثل كل البشر - فهم ليسوا شياطين في نهاية الأمر - أشخاص عاديون، لديهم قضاياهم التي تشغلهم. المشكلة ليست في وجودهم في حد ذاته، إنما في القضايا التي يدافع عنها قسم كبير منهم، والطريقة المتبعة في ذلك. أومن بأنه ليس هنالك عرق «شرير» بالفطرة أو في المطلق. حين أنظر في تاريخ الأشخاص المقربين مني، أرى نوعا من القسوة البالغة التي تبدو «شرا» للوهلة الأولى. أمي تخلت عن والدي وعن وطنها كله من أجل قضية عادلة في نظرها. حرمتنا أنا ودانا من الأب والأرض والعائلة، وهي تظن نفسها حسن صنعا. ثم طردتني من البيت شر طردة، مرة ثم ثانية، لأنني بالنسبة إليها قد «خنت» العهد ومسحت الأرض بجهودها طوال سنوات في تربيتي. جاکوب، تخلى عن ريما رغم حبه الشديد لها، حين أصبحت تمثل تهديدا لأمان عائلته واستقرارها. تانيا، لم تحب ريما يوما... ولا أظنها ستحبني أو تحب أي إنسان مسلم على الإطلاق ! شقيقتي دانا، لم نجلس
سويا كأختين منذ زمن، حتى أيام الحداد على بابا جورج وميشال رحمهم الله، كانت تبدو فيها متباعدة. لا تطيق أن تخرج معي إلى أي مكان لخجلها من حجابي.
لكنني أتساءل أيضا، ماذا لو تحولت سماح مثلا - حفظها الله من كل شر - إلى المسيحية أو أي دين آخر؟ كيف كانت لتعاملها خالتي سعاد؟ أشك في أن أي أم مسلمة قد ترضى بذلك لأولادها أو تقبلهم تحت سقفها بعد ارتدادهم. لا أقول هذا لأدافع عن أهلي الذين جحدوني، بل لأن هذا أمر واقع. لن أذهب بعيدا. هاهو والدي المسلم يقيم على بعد بضعة شوارع من هنا. هل تراه يفكر في أو يسأل عني؟ أوليس تخليه عني أيضا «شراً»؟ وهل يختلف في ذلك عن أمي وشقيقتي؟ بل أدهى ! لو كنت ظللت على اليهودية لكنت تفهمت دوافعه.
لكن وقد أصبحت مسلمة، فأي مبرر يسكت به ضميره لامتناعه عن رؤيتي أو الاهتمام لأمري؟ هل يطمئن لوجودي بين اليهود ؟ لا أجد له عذرا واحدا یا أحمد. هل تعلم، كنت أظن أن العتب يقع على أمي فقط لأنها أبعدتنا، لكنني أتساءل الآن إن كان الأمر سيختلف لو أننا بقينا هنا في تونس».
* * * * *
أحست بآلام في ظهرها وذراعيها. تململت وحركت أطرافها. لم تكن وضعيتها مريحة. فتحت عينيها ببطء ورفعت رأسها. أحست بالغطاء الذي كان ينسدل على كتفيها ينزاح ويسقط أرضا. تلفتت حولها في ذعر. أين أنا؟ كان النعاس قد غلبها وهي تجلس إلى المكتب. لا تدري كم مضى عليها من الوقت. كانت الغرفة قد غرقت في الظلام، إلا من ضوء ضئيل. انحنت لتلتقط الغطاء. من ذا الذي اهتم بتغطيتها؟ ما إن خطت باتجاه السرير، حتى لمحت صينية الطعام التي كانت على المنضدة. لقد أحضروا لها طعامها أيضا. كان الطبق قد برد.
لا شك أنها نامت لوقت طويل. كانت تحس ببعض الصداع، أه، لم تصل العشاء بعد. فتحت باب الغرفة في حذر. من أين الحمام؟ كان ضوء خافت ينبعث من إحدى الغرف. ستجد طريقها هكذا... تقدمت في الممر محاذرة إحداث أي صوت. لا شك أن أهل البيت نيام في مثل هذه الساعة.
توقفت أمام الغرفة التي انبعث منها الضوء. كان الباب نصف مفتوح، وعلى الأريكة القريبة كان هناك عدد من الصور المبعثرة والأوراق المتناثرة. هيئ لها أنها ترى شكل ريما على إحدى الصور. دفعها الفضول للاقتراب. كانت صور ريما بالفعل! تأملت بعضها ثم تناولت إحدى الأوراق. كانت رسائل تبدأ كلها بـ«بابا يعقوب»... ريما كانت تنادي العم جاكوب هكذا. لا شك أنها رسائل كتبتها ريما لجاكوب خلال إقامتها في لبنان. كانت الرسائل كثيرة. لا شك أن علاقتهما كانت مميزة حتى تكتب إليه بهذه الكثرة.
- تريدين فنجانا من القهوة؟
التفتت في فزع حين جاءها الصوت من خلفها. كان جاكوب يقف مبتسما وهو يحمل في يده إبريق قهوة، يتصاعد البخار الحار منه. همهمت في اعتذار:
- أنا أسفة، لم أرد التطفل...
صب القهوة وناولها الفنجان، ثم أشار إلى الصور وهو يقول في حنين باد:
- تعرفين ريما؟ كانت النور الذي يعطي لحياتي معناها. كانت أغلى من أولادي... لكنني في لحظة ضعف واختلال، تخليت عنها بكل إرادتي..
كان يبتسم في مرارة، وهو يجمع الرسائل التي يحفظ نصوصها عن ظهر قلب.
احترمت ندى صمته، وأطرقت دون أن تلمس الفنجان الساخن أمامها.
استأنف بعد صمت قصير:
- كنت أريد أن أسألك عنها، وعما كانت عليه حياتها في لبنان... في رسائلها تقول إن كل شيء كان على ما يرام. وإنها حظيت بكل الرعاية والعناية. لا تتذمر أبدا. لم تتذمر يوما من معاملة زوجتي القاسية حين كانت بيننا... لذلك أشك بأنها قد تتذمر من صعوبة الحياة هناك...
لم تعلق ندی. لم ترد أن تؤكد مخاوفه بشأن ما عانته ريما في غربتها. لن يفيد ذلك بشيء... عدا أن يزيد من إحساسه بالذنب. لم يحاول جاکوب أن يلح في السؤال. بدا أنه يخاطب نفسه وهو يستطرد:
- كانت تقول دائما إنها تحبني... وتدعو لي بالهداية. كنت أريد أن أخبرها کم أحبها وأخذها بين ذراعي. لكن الحواجز التي وضعها دينها بيننا حالت دون ذلك. لم أرد على واحدة من رسائلها. لم أستجب لتوسلاتها وهي ترجوني أن أبقيها هنا... فقدتها هكذا، بكل بساطة... دون أن أحرك ساكنا.
ازدادت ابتسامته شحوبا ، وسحنته تجهما. حاولت ندى أن تتكلم، لكن الكلمات لم تسعفها. لم تدر كيف يمكنها أن تخفف عنه. لكنها نطقت أخيرا في شيء من الارتباك:
- رغم كل شيء... ريما كانت تحتفظ بذكرى جميلة عنك. كانت تذكرك بكل خير...
استدار إليها كأنه انتبه للتو لوجودها في الغرفة. ثم ابتسم في امتنان.
حين عادت ندى إلى غرفة ريما، كانت قد اتخذت قرارا. قدرها ساقها إلى هنا... لذلك لا يمكنها أن ترحل دون أن تترك أثرا أو تحدث فرقا. ستكون هديتها الأخيرة لريما. لشد ما دعت بالهداية للأب الذي رباها. كم ستكونوفرحتها كبيرة حين تلقاه في الجنة! ابتسمت وهي تتمدد على السرير، وتضع خطوات مخططها. لقد تركت أحبتها يرحلون دون أن تقوم بمحاولات جدية لدعوتهم إلى الإسلام. لن تترك أحبة ريما يرحلون على دينهم دون أن تبذل قصارى جهدها ! ستكون تلك مهمتها من الآن فصاعدا.
* * * * *
لم تعترض تانيا حين طلبت منها ندى أن تصحبها سارا إلى السوق. لم تكن العلاقة بينهما جيدة بمعنى الكلمة، لكنها لم تضايقها ولم تعاملها بجفاء. برود خفيف يطغى على تصرفاتها تجاهها. لا يمكنها أن تلومها، بل تشكرها لأنها لم تتصنع الود. على الأقل فإن ذلك يجنبها وصفها بالمداهنة أو القاسية. يمكنها اعتبار موقفها ضربا من اللامبالاة، وذلك يناسبها.
توقفت سارا أمام إحدى المكتبات، وتطلعت إلى ندي في تساؤل:
- أي أنواع الكتب تريدين؟
ترددت ندى قبل أن تجيبها. هذه الفتاة التي لم تتجاوز الأحد عشر ربيعا، هل يمكنها أن تفهم شيئا يتجاوز المواد التي تدرسها في المدرسة؟ لا داعي للحديث عن الفقه والسيرة وأصول الدين. قالت بإيجاز:
- كتب دينية...
هزت الفتاة رأسها متفهمة وأضافت:
- لدينا الكثير من الكتب عن الديانة اليهودية في المنزل. قرأتها جميعها. لكنني أشك في أنك بحاجة إليها. على أية حال، الكتب التي تتناول الإسلام متوفرة في المكتبات بكثرة. تعالي، من هذا الاتجاه.
تبعتها ندى في دهشة وهي تقودها عبر الرفوف، حتى وقفت أمام القسم الذي تبحث عنه. تطلعت سارا إلى الرفوف العالية التي تكدست فوقها الكتب الجديدة والقديمة، وعقدت ذراعيها أمام صدرها وهي تقول:
- كتب الإسلام ممنوعة في بيتنا. كثيرا ما أتي إلى هنا لأبحث عن الكتب، لكن هذا القسم ممنوع علي. ماما تقول إن هذه الكتب خطيرة، لذلك لا يجب أن نقترب منها. إنها لا تدرك أنني كبرت وصار بإمكاني التمييز بين الخطأ والصواب! أريد أن أقرأها من باب الفضول والعلم بالشيء لا أكثر...
راقبتها ندى في ذهول. هذه الطفلة تدهشها أكثر وأكثر في كل يوم. تابعت سارا وهي تلتفت إليها:
- لكن هذا القانون لا يطالك، لأنك ضيفة! يمكنك شراء ما تريدين بشرط أن لا يرى شيء منه في بقية أرجاء المنزل.
ثم أضافت وهي تغمزها:
- وأنا بدوري سأحفظ السر ولن أخبر أحدا عنها !
قبل أن تستوعب ندي، كانت سارا تهمس في إثارة وحماس:
- لكن بشرط، يجب أن تتركيني أقرؤها في غرفتك! يمكنك أن تحدثيني أيضا بكل ما تعرفين عن الإسلام!
ترددت ندى للحظات، ثم تمتمت:
- لكن...
بادرتها سارا على الفور:
- تعتقدين بأنني لن أفهمها؟ انتظري...
ثم اختفت للحظات قبل أن تعود وهي تحمل مجلدا علميا ضخما.
- هل يمكنك فهم هذا؟
قرأت ندى العنوان المكتوب باللغة الإنجليزية: «الفيزياء النسبية»، فأحست بصداع. لا تذكر متى قرأت درسا عن الفيزياء للمرة الأخيرة. ربما في بداية دراستها بالمعهد، قبل أن تتخصص في المجال الأدبي. قالت سارا بكل ثقة وفخر:
- كان هذا الكتاب موضوع البحث الذي قدمته الشهر الماضي أمام مجموعة من العلماء الأجانب؟
حدقت فيها ندى في عدم تصديق. لم تكن قد أدركت بعد بأن الطفلة الماثلة أمامها نابغة بأتم معنى الكلمة. سرحت نظراتها بين الكتب تقلبها بإمعان.
ستختار بعض الكتب المبسطة التي تشرح مبادئ الإسلام لغير معتنقيه.
وبعض الكتب الأخرى عن تاريخ الإسلام والسيرة النبوية. أدخلت يدها في محفظتها وعدت القطع النقدية القليلة التي بقيت لديها. لا يمكنها أن تبذر المبلغ الذي بحوزتها على الكتب عليها منذ الآن أن تجد مورد رزق حتى توفر مصروفها اليومي، وما يلزمها لإنجاز مهمتها. لكن أيها تأخذ اليوم؟ لا يمكنها أن تشتريها كلها.
فوجئت حين سحبت منها سارا الكتب. نظرت إليها في تساؤل، فأجابت الفتاة:
- سأدفع ثمنها هذه المرة... بما أنني سأقرؤها أيضا!
استوقفتها ندى في دهشة:
- من أين لك بالنقود؟
قالت سارا وهي تسير نحو مكتب الاستقبال:
- أمي تخصص ميزانية شهرية للكتب، وبإمكاني أن أختار ما أريد قراءته.
ثم التفتت وهي تغمزها مجددا وتقول هامسة:
- لكن هذه الكتب بالطبع ستبقى سرا بيني وبينك!
* * * * *
«أخي في الله أحمد،
لم أكن أعتقد بأنني سأبدأ حملة الدعوة في هذا البيت عن طريق الصغيرة سارا. إنها فتاة مذهلة حقا. قدراتها الذهنية تتجاوز بمراحل عديدة قدرات الأطفال في سنها. واهتمامها بالإسلام جعلني أستبشر خيرا كثيرا. إنها تقرأ بنهم الكتب التي أشتريها من المكتبة، ثم تناقشني فيها بعقلانية وبراعة شديدين. أحاول أن أجمع من المواد ما يكفي لإقناعها. أعتقد جازمة بأنني إن توصلت إلى إقناع سارا ، فلن يكون إقناع بقية أفراد العائلة سوى ضربا من التسلية !»
* * * * *
وضعت سارا ملعقتها وهتفت وهي تمسح يديها وفمها:
- انتهيت؟
اعترضت تانيا وهي تشير إلى الشطيرة التي تركت نصفهان
- سارا ، لم تكملي طبقك!
تجاهلتها سارا وهي تقف من مقعدها:
- حان موعد الدراسة الآن. ندی، سأحضر كتبي وأنتظرك في الغرفة؟
تابعتها تانيا بنظرات غاضبة، ثم التفتت إلى جاكوب:
- إنها لا تأكل جيدا مؤخرا... ولم تعد تحب الدراسة في غرفة الجلوس! منذ صغرها تحب البقاء أمام التلفاز حين تقرأ كتبها ، وها هي فجأة تطلب أن تدرس في غرفة هادئة!
ألقى باسكال ملعقته بدوره وهو يصرخ في احتجاج:
- أنا أيضا أريد أن أدرس في غرفة ندى!
ابتسم جاکوب وهو يربت کتف ولده:
- هل تريد أن تتشاجر مع سارا ؟ تعال، سندرس معا في غرفتك. هل تريد؟
عقد الولد ذراعيه أمام صدره علامة الغضب، منذرا باقتراب عاصفة البكاء.
وقفت ندی معتذرة وتبعت سارا إلى الغرفة. وحدها كانت تدرك سر التغيير في تصرفات سارا في الفترة الأخيرة. إنها الكتب الممنوعة التي تقرؤها خلسة عن عيني والدتها.
ما إن توارت ندي خلف الباب حتى قالت تانيا بلهجة جادة:
- ألا ترى أن سارا أصبحت قريبة جدا من ندی؟ إني أخاف عليها من تأثيرها؟
ألا تذكر لماذا قمنا بإبعاد ريما منذ سنوات؟ حتى لا تسمم أذهان أولادنا بأفكارها المنحرفة!
احمر وجه جاکوب وهو يذكر حادثة رحيل ريما. لن يترك التجربة تتكرر للمرة الثانية. تابعت زوجته في إصرار:
- لقد وافقت على استقبال ندي في بيتنا لأنها دون عائلة، ولا يمكنها إعالة نفسها. لكنها الآن وقد وجدت عملا يمكنها أن تنفق على حاجياتها. كما يمكنها أن تسكن إحدى الغرف التي تؤجرها... ما رأيك؟
رمی جاکوب بالمنديل بعيدا ووقف ساخطا:
- ندي ضيفتنا ولن يتغير شيء من ذلك! لا تناقشي كثيرا !
خلف باب الغرفة الموصد، وقفت ندی وسارا تسترقان السمع في تحفز. تنهدت سارا وهي تسير نحو السرير وتتناول الكتاب من جديد:
- كما قلت لك، ماما لن تجرؤ على فعل شيء طالما كان بابا في صفك. إنها لا تجرؤ حتى على دخول هذه الغرفة! لذلك فنحن في أمان...
ابتسمت ندى في مرارة. تعلم أن تانيا تعترض على وجودها هنا بضراوة، خاصة وهي تلحظ العلاقة المميزة التي صارت تجمعها بطفلتها النابغة سارا.
لكن عليها تحمل كل ذلك حتى تصل إلى هدفها. لم تعد تعتمد على سارا لشراء الكتب، فهي قد صارت تقدم دروسا خصوصية منزلية في كل من الفرنسية والعبرية. إتقانها للغتين إضافة إلى العربية جعلها تجد طلبات كثيرة تفي بحاجتها وتزيد. لكنها تفكر في أبعد من ذلك.
كما توقعت، لم يحاول والدها أن يأخذها للإقامة معه مثلما وعد. ها قد مر شهر على إقامتها في تونس. لم تره خلاله مطلقا. حاولت مرة واحدة أن تذهب لرؤيته. أخذت العنوان من جاکوب وتوقفت عند منزله في طريق عودتها من الدرس. تأملت طويلا الشقوق والتجاعيد التي علت بابا خشبيا ذا لون بني مزعج. ماذا كانت تنتظر؟ أن يفتح الباب دون أن تطرقه؟ لقد جاءت بنفسها وهي عازمة على مواجهته. لكن ما إن وجدت نفسها تقف تلك الوقفة حتى انتابها فتور وتوتر. كان قلبها منقبضا وأصابعها باردة إلى درجة التجمد، حتى إنها لم تعد تشعر بأطرافها. لدقائق طويلة، لم تكن تسمع إلا أنفاسها المضطربة وهي تفكر في قرار مصيري: هل عليها أن تطرق الباب؟ حين سمعت حركة بالداخل توحي بقرب خروج شخص ما، قفزت درجات السلم نزولا في وثبة واحدة، وهرولت باتجاه شارع جانبي وهي لا تدرك ما تفعل. حين ابتعدت بقدر كاف، وقفت تسترد أنفاسها.
ماذا دهاها حتى تذهب إليه ذليلة وهو الذي أهملها ونسيها؟ لم تكن في حاجة إلى أب، فقد رحل أبوها، بابا جورج، بعد أن ملأ فراغ الأبوة في حياتها بشكل كامل. ذلك الشخص الذي كان مجرد اسم في حياتها بلا أي معنى، لماذا تريد أن تسبغ عليه معنى الآن؟ كانت تقول في نفسها في السابق إن أمها ظلمتها حين أبعدتها إلى لبنان. لو كانت بقيت مع أبيها لكانت مسلمة مثله. لكن أي نوع من الإسلام كانت ستترعرع عليه؟ هل هو إسلام بالوراثة فارغ من القيم والأخلاق؟ أي دين كان سيورثه لها أب لا يبالي بالرحم المعلقة بعرش الرحمن،
تقول «من وصلني وصله الله ، ومن قطعني قطعه الله»؟ ربما رحمها الله بقدرها ذاك، سبحان الله في حكمته. أمنت حينها بأنها في حال أفضل دون ذاك الأب. لن تسعی مجددا لرؤيته. فليكن لقاؤهما الوحيد في المطار الأول والأخير.
اللقاء الفراق.
في تلك اللحظة، اتخذت قرارها بأن ترحل بعد الانتهاء من مهمتها مع عائلة جاكوب. ستخبئ قسما من دخلها لتذكرة السفر. حين تجمع ثمنها سيكون بإمكانها الرحيل وقتما تشاء. ستنتظر الوقت المناسب لذلك.
أخرجتها سارا من أفكارها وهي تقول:
- حين تزوج النبي محمد من عائشة، كانت لم تتجاوز السادسة من عمرها...
ألا ترين أن ذلك يعد اعتداء على طفولتها؟ كيف يمكن لشيخ قد تجاوز الخمسين أن يتزوج فتاة صغيرة هكذا !
ابتسمت ندي وهي تجيبها:
- إذا عدنا إلى تلك الحقبة الزمنية، لوجدنا أن تزويج الفتيات في سن السادسة كان أمرا عاديا. فالسيدة عائشة لم تكن حالة شاذة في ذلك، بدليل أن قريش التي كانت تعادي النبي محمدا (صلى الله عليه وسلم) وتقتنص الفرص لاتهامه والتنكيل به، لم تستنكر عليه صنيعه! هل تعتقدين أنهم كانوا ليفوتوا عليهم مثل هذه الفرصة؟ والرسول (صلى الله عليه وسلم) لم يكن أول الخاطبين للسيدة عائشة، بل كانت مخطوبة لرجل آخر قبله... كما أن زواج الشيوخ من الفتيات الصغيرات لم يكن أمرا غريبا كذلك. فعبد المطلب جد النبي (صلى الله عليه وسلم) تزوج في نفس اليوم الذي تزوج فيه ولده عبد الله من آمنة بنتووهب، ولم تكن زوجته سوي هالة بنت عم آمنة التي كانت في مثل سنها! ولم يستنكر عليه أحد ذلك...
سكتت سارا للحظات، ثم تساءلت مجددا:
- بمعنى أنهم كانوا جميعا يعتدون على الأطفال ويجدون ذلك أمرا عاديا؟
أليس هذا اختلالا اجتماعيا؟
ضحكت ندى ثم قالت:
- ليس اختلالا اجتماعيا أو شيئا من ذلك القبيل. بل إن الفتيات في تلك الحقبة الزمنية وفي تلك البقعة من الأرض كن ينضجن مبكرا. حتى في عصرنا الحالي، فمن المعروف طبيا أن الفتيات في الأماكن الحارة يبلغن مرحلة النضج قبل اللواتي يقمن في المناطق الباردة، وقد يصل سن النضج إلى ثمانية أو تسع سنين. وشبه الجزيرة العربية هي صحراء معروفة بحرارة طقسها. كما أن سيدنا محمدا (صلى الله عليه وسلم) تزوج السيدة عائشة وهي بنت ست سنين، لكنه لم يدخل بها إلا وهي ذات تسع سنوات... بمعنى أنه انتظر أن يكتمل تكوينها، وتصبح صالحة لدخول الحياة الزوجية.
هزت سارا رأسها في تفهم، ثم عادت إلى قراءتها. ابتسمت ندي وهي تراقبها في سرور. هذه الفتاة ليست هينة! أسئلتها دقيقة وشديدة الحساسية. من حسن حظها أنها تحضرت لجل أسئلتها. لا وقت لديها تضيعه. عادت إلى کتابها هي الأخرى. تقرأ عن الشبهات التي يدعيها الغرب على الإسلام، ثبويها وتحضر ملفات بالإجابات التي قدمها العلماء. تبني حصونا منيعة لتستبق أسئلة سارا وبقية عائلتها... ستكون جاهزة هذه المرة، حتى لا تتكرر تجربتها مع ميشال......