رواية في قلبي انثي عبرية الفصل التاسع والعشرون 29 بقلم خولة حمدي


رواية في قلبي انثي عبرية الفصل التاسع والعشرون 29 بقلم خولة حمدي


عاد جاكوب من عمله متعبا. مشاكل لا تنتهي في معمل الخياطة. أحيانا يفكر في بيعه، وأخذ قسط من الراحة. تانيا ترى من مصلحة الطفلين أن تسافر العائلة إلى بلد أوروبي حتى يجدا الرعاية اللازمة لنابغتين مثلهما. ترى أن طفليها لا يحظيان بالفرص الكافية التي تثمن مواهبهما كما يجب. ربما هي على حق. وربما عليه أن يفكر في الأمر بجدية. حين قدمت سارا بحثها العلمي أمام مجموعة من العلماء الأجانب، رأی علامات الانبهار في عيونهم وهم يستمعون إلى الطفلة المعجزة. حينها عرضوا عليه أن يأخذوها إلى أمريكا لتلقي دروس علمية خاصة تناسب مستوى تطورها الذهني. لكنه رفض... لم يقبل فكرة رحيل طفلته بمفردها إلى الطرف الآخر من العالم. رغم كل قدراتها الخارقة، فهي لا تزال طفلة...


طرق باب غرفتها وانتظر اللحظات قبل أن يفتح. لم تكن هناك. أه، نعم. صارت تدرس كثيرا مع ندى في الفترة الأخيرة. غريب أمرها. ما الذي تفعله البنتان كل هذا الوقت؟ اقترب من غرفة ندی، ورفع يده ليطرق الباب. لكنه توقف فجأة حين جاءه صوت سارا:


- لماذا قررت ارتداء الحجاب الإسلامي؟ أنت كنت يهودية وتغطين رأسك أيضا، أليس كذلك؟ فما الفرق الذي يمثله الحجاب الإسلامي؟


سارا تسأل عن الإسلام والحجاب؟! أنصت في انفعال وتحفز لندى وهي تجيب:


- من الطبيعي أن تسألي هذا السؤال، فأنا حين كنت يهودية ملتزمة كنت متعلقة بعفتي وأحب غطاء رأسي وأحافظ عليه. لكنني فيما بعد، حين تعرفت إلى الإسلام، وجدت في حجابه معاني أخرى لم أعرفها في ديني حينذاك.


كما تعلمين، غطاء الرأس ليس خاصا بالإسلام، بل هو موجود في كل الديانات الأخرى. لكنه في الديانة المسيحية مثلا خاص براهبات الكنيسة... فهو يخص فئة معينة دون الفئات الأخرى. أما في اليهودية، فهو يكرس فكرة نقص تكوين المرأة وكونها جنسا بشريا أدنى من الرجل... كونها ألة لإشباع شهواته، والكثير من الأفكار اليهودية الأخرى التي تحط من قدر المرأة التي كانت تزعجني ولا أدري كيف أفسرها. أما في الإسلام فالأمر مختلف تماما. المرأة المسلمة لا تغطي رأسها وجسدها لأنها عورة ولأنها تخجل من جسدها... بل لأنها تريد الحفاظ على نفسها. تريد أن تحمي جمالها وزينتها فلا يراها منها إلا زوجها ومحارمها. بل إن من واجبها أن تتجمل وتتزين في بيتها حتى تعف زوجها.


- أوليست في ذلك آلة لإشباع غرائز الرجل أيضا؟


- ليس الأمر كذلك، فالأمر لا يقتصر على المرأة... الرجل أيضا مطالب بالتزين لزوجته حتى تراه بأجمل شكل وأبهى حلة. سأوضح لك.


ترددت ندى للحظات. الفتاة لا تزال صغيرة حتى تحدثها عن العلاقات الزوجية.


قالت محاولة التبسيط:


- الرجل يری خارج بيته الكثير من الفتن... نساء جميلات متبرجات... وفي أحيان يكن شبه عاريات... وكل ذلك يجذبه إليهن... فالنفس البشرية تحب كل ما هو جميل... إضافة إلى الغرائز التي فينا... تفهمين؟


أومأت سارا برأسها موافقة، فتابعت ندی:


- لذلك فإن الإسلام يأمره بغض بصره عن الفتن... وفي المقابل، فهو يجد البديل في بيته... في زوجته. يعني صفقة رابحة بين الاثنين المرأة تمتنع عن إثارة الفتنة بزينتها خارج البيت، والرجل يغض بصره... ثم يجد كل منهما ضالته في ظل الحياة الزوجية...


- وماذا لو لم تكن زوجته جميلة؟


ابتسمت ندي وهي تقول:


- ذلك هو بيت القصيد! غض البصر واحتشام النساء يمنع الرجل من رؤية ما لنساء الآخرين من جمال وزينة، فيكتفي بما في زوجته من جمال ويرضى بها حتى لو لم تكن باهرة الحسن. كما أن الله يحسنها في عينه فيراها أجمل مما يراها غيره... لأنها زوجته وحلاله؟


- إذن فالحجاب في الإسلام هو وسيلة اجتماعية للحفاظ على العلاقات الأسرية.


ضحكت ندى وهي تقول مؤيدة:


- هو ذلك يا عزيزتي!


تردد جاکوب للحظات. هل يطرق الباب؟ لم يكن قد جرؤ من قبل على نقاش ريما حول حجابها. والصغيرة لم تكن لتدرك الكثير من الأفكار التي كانت وراءه، بل ارتدته لأنه فرض عليها في دينها. لم يحاول أبدا أن يناقشها في عقيدتها أو يطرح عليها الأسئلة التي تراوده عن الإسلام. فهو يشك في وجود الإجابة لديها ... كما أنه وعد والدتها بأن يحافظ على دينها، ولا يدخل الشك والالتباس على قلبها. من أجل كل ذلك لم تكن بينه وبين ريما نقاشات من هذا النوع. لكن وهو يستمع إلى ندى الآن، وجد نفسه يهتم بالنقاش. ربما يمكنها أن تجيب عن بعض أسئلته... وربما يمكنه أن يقنعها بالعودة إلى اليهودية. فكر من جديد. لم يكن حتی قد سألها عما دفعها إلى اعتناق الإسلام وهي التي تربت على اليهودية!


تناهى إلى مسمعه صوت سارا وهي تقول:


- سأحضر كتب الفرنسية حتى ندرس قليلا... ستنتبه ماما إلى ما نفعله إن لاحظت أنني لم أنته من الكتاب؟


بسرعة، ابتعد جاکوب عن الباب، وفتح بابا غرفة باسكال ليختفي خلفه. أوف...


كان ذلك في الوقت المناسب. لم تره سارا حين خرجت. ليس الوقت مناسبا لمواجهتها بما اكتشفه. سينتظر أن تسنح الفرصة. لكن هل يمكنه الاطمئنان إلى نقاشاتها مع ندى؟ ماذا لو دخل الشك في نفس طفلته؟ لكن سارا ليست بريئة ولا سهلة التأثر مثلما كانت ريما. بل لعلها أشد صلابة من والدها.


- ما الذي تفعله هنا بابا؟ هل تلعب الغميضة؟


استدار جاکوب فزعا. كان باسكال الذي جلس وراء مكتبه يطالعه في استغراب. ابتسم في حرج وهو يهرش مؤخرة رأسه في ارتباك:


- ليس الأمر كذلك...


ثم قال مغيرا الموضوع:


- كيف كانت المدرسة اليوم؟ حدثني بما حصل..




يوم الحادي عشر من إبريل لسنة 2002، حصل تفجير إرهابي استهدف كنيس الغريبة اليهودي القائم في جزيرة جربة التونسية. في صباح ذلك اليوم، انطلقت شاحنة نقل للغاز الطبيعي محملة بالمتفجرات. تمكن سائقها الشاب من تجاوز الحواجز الأمنية لكنيس الغريبة الأثري، لتنفجر الشاحنة أمام الكنيس، حيث تجمع عدد من السياح والزوار من مختلف الجنسيات. تسبب الحادث في مقتل أربعة عشر شخصا، منهم ستة سياح ألمان، وستة تونسيين، وفرنسي واحد، إضافة إلى سائق الشاحنة المنفذ للعملية الانتحارية. وصل عدد الجرحى إلى الثلاثين بين إصابات خفيفة وأخرى بليغة.


رغم أنه قيل في البداية إن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد حادث، إلا أن التحقيقات في تونس وألمانيا وفرنسا أثبتت أن الهجوم كان إرهابيا متعمدا.


حيث قام شاب بتنفيذ العملية الإرهابية بمساعدة بعض أقاربه. وقد عثر على تسجيل صوتي له فيما بعد يحمل توقيع جماعة القاعدة.


استمع جاكوب إلى آخر المستجدات بخصوص حادثة الكنيس عبر موجات الإذاعة المحلية قبل أن يغادر مكتبه. ضرب كفا بكف في حسرة وغيظ، هل انقضى زمن التعايش السلمي بين المسلمين واليهود في جزيرة الأحلام؟ لقد عاش مع عائلته هنا جيلا بعد جيل، ولم يحدث يوما أن تعرضوا للمضايقة أو الاعتداء. لكن ما يحصل في العالم في هذه السنوات الأخيرة على يد الجماعات الإسلامية الإرهابية أصبح يهدد أمن الجميع. فضحايا الاعتداء لم يكونوا كلهم من اليهود!


حين مر بالمقهي في طريق عودته، كانت أحداث الشغب الأخيرة تشغل الجميع.


رأى بعض الأيادي تشتبك في عراك متشنج. جاران قديمان، مسلم ويهودي، تبادلا الاتهامات، وانتهى الأمر بينهما إلى السباب والشتائم وتقاذف الكراسي.


كان مزاجه متعكرا وهو يدخل البيت. في غرفة الجلوس، كانت القناة التلفزية تنقل صور الفاجعة للمرة الألف. كانت ندى تتابع الأخبار في ألم وحسرة.


تمنت أن يكون الانفجار مجرد حادثة. كانت تتخوف من نسب العملية الجماعات إسلامية. فقد كثرت في الفترة الأخيرة الهجمات الإرهابية التي تشوه صورة الإسلام وتتحدث باسمه. لكن بعد بث شريط الاعترافات لم يعد هناك مجال للشك.


التفت إليها باسكال الصغير الذي جلس إلى جوارها على الأريكة وقال:


- ما الذي يريده المسلمون منا؟ لماذا يعتدون على مقدسات اليهود هكذا؟


توجهت كل العيون إليها في انتباه تنتظر ردها. أخذت ندی نفسا عميقا قبل أن تقول:


- منذ زمن قصير، كنت يهودية مثلكم وكنت أتساءل إن كان المسلمون يكرهون اليهود ... لكنني حينها كنت أجهل كل شيء عن الإسلام، عدا ما تنقله شاشات التلفزة من معلومات مشوهة، هدفها تذكية العداء القائم بين أبناء الديانتين.


اكتشفت فيما بعد أن الإسلام ليس ممثلا في أراء وتصرفات من يقولون إنهم يتحدثون باسمه، وكثيرا ما تحصل تجاوزات وانتهاكات ليس لها أساس في الإسلام. والأمر ينطبق على هذه الهجمات الإرهابية. هؤلاء الانتحاريون الذين يعتدون على الشعوب الآمنة ويروعون السياح يجرمهم الإسلام، كما تجرمهم المرجعيات الإنسانية كلها...


للمرة الأولى، انفجر جاکوب محتجا:


- هل تريدين إقناعنا بأن الإسلام دين سلام ومحبة؟ ألم تقم الفتوحات الإسلامية منذ القدم على سفك الدماء؟ الإسلام كان دينا دمويا منذ بداياته ولا يزال!


تنهدت ندي وهي تستجمع أفكارها:


- بالنسبة للفتوحات الإسلامية، فسأوضح لك الأمر... كان المسلمون يبدؤون بإرسال الرسل إلى ملوك البلدان يعرضون عليهم الإسلام، فإن أسلموا فلهم أن يبقوا في بلادهم يحكمونها بشرع الله، دون أن ينقص من أملاكهم شيء. لم يكن الهدف الاحتلال والاستحواذ على الثروات. أما إن رفضوا الإسلام، فيبقون على دينهم على أن يدفعوا الجزية والخراج للحامية الإسلامية، بمعنى أنهم يدفعون لقاء بقائهم في أرض الإسلام تحت حماية الحاكم المسلم... فإن رفضوا كل ذلك وأعلنوا الحرب، فحينها فقط تكون المواجهة العسكرية. وحتى في هذه الحالة، فإن الإسلام يأمر بعدم الاعتداء على النساء والشيوخ والأطفال ومحاربة من يحمل سلاحا فقط. وكل من يعلن إسلامه -حتى على أرض المعركة. فهو آمن على حياته. ولا يجوز الاعتداء على دور العبادة أيا كانت... وشتان ما بين هذه المبادئ الحربية النبيلة وما عرفته الإنسانية من حروب شعواء لا تضع اعتبارا لصغير أو كبير. فإن كان الإسلام في صدر.الفتوحات الإسلامية قد منع الاعتداء على المواطنين الآمنين وحماية دور العبادة.وعدم تحويلها لمساجد، فكيف يمكن أن نصدق أن القائمين بالاعتداءات الإرهابية في عصرنا الحالي يتكلمون باسم الإسلام؟ أليس في ذلك كل التناقض؟


نظرت إلى عيونهم تقرأ ردود أفعالهم، ثم واصلت:


- هذه الهجمات الإرهابية الهامشية يستنكرها الإسلام ويتبرأ منها المسلمون قبل أي كان... فهي تشوه صورته وحرج أهله أمام العالم أجمع... وإذا استعرضت تاريخ المسيحية مقارنا بتاريخ الإسلام، ستجد الهوة كبيرة بينهما، سترى تاريخ المسيحية ملطخا بالدماء في جميع حقبة الزمانية. ففي الحروب الصليبية - التي استمرت أكثر من ثلاثة قرون ضد الإسلام والمسلمين - أبيد الملايين، ومرت القرى والمدن، وهدمت المساجد والمعابد، وكانت تبقر بطون الحوامل لإخراج الأجنة ثم حرقها بعد ذلك في ضوء الشموع والمشاعل... أما الغزوات الإسلامية فلم تكن ضحاياها تتجاوز بضع عشرات. بل إن المسلمين كانوا يقتلون وهم كارهون، حتى إن الله تعالى قال في القرآن الكريم (كتب عليكم القتال وهو كره لكم). والدليل الأبلغ على عدم انتشار الإسلام بحد


السيف، هو وصوله في زمن قياسي إلى مناطق لم تطأها الجيوش المسلمة، بل وصل إليها التجار وتحدثوا عن هذا الدين الجديد ذي المبادئ والأخلاق الحسنة. كما كان المسلمون يتزوجون من أهل البلاد المفتوحة حتى ينتشر الإسلام بطريقة اجتماعية حضارية. أما شبه الجزيرة العربية، فهي لم تتحول إلى أرض مليئة بالقصور والمباني الفارهة! بل ظلت على ما هي عليه من فقر حتى اكتشاف الثروات الباطنية فيها في الوقت الذي تجلب فيه الدول المستعمرة ثروات البلاد المحتلة إلى مراكزها - لكنها توحدت على يد النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) وعم فيها الأمان والاستقرار بعد أن عرفت عصورا من التناحر بين القبائل المتفرقة...


استمع إليها جاكوب وسارا وباسكال في اهتمام وحيرة. ثم تكلم باسكال متسائلا في براءة:


- إذن من يكون هؤلاء الذين يقولون إنهم مسلمون ويعتدون على الآخرين؟


- مثلما هو الأمر بالنسبة لكل الديانات، فإن هناك من يستغل المعتقدات من أجل أهداف شخصية، ويسر طاقات بشرية تنفذ رغباته باسم المعتقد، عن جهل وسوء فهم. ومثل كل الديانات أيضا، كثيرا ما تتفرق بعض المجموعات قليلة العدد عن الأصل، وتحيد عن الطريق وهي تظن نفسها على صواب...


فتنحرف بالدين عن مساره وهي ترى نفسها تسير على دربه وخطاه. لكن الحسن الحظ، فإنها تبقى أقليات مهمشة. وحتى إن كانت ذات خطورة على المجتمع، فلا يمكن أن تتحول إلى تیار رئيسي تلتف حوله أعداد كبيرة من المسلمين... لأن الفطرة السليمة تبقى غالبة، والمرجعية الدينية حاضرة لتصحيح ما غاب عن الأذهان...


فكر جاکوب للحظات. لم تكن الأمثلة التي تحيط به من المسلمين لتجذبه إلى الإسلام. تعرض للأذى من قبل. وأسئلة كثيرة تلح عليه. لم يتردد هذه المرة. أخذ يسرد على ندى الحادثة التي حصلت في معمله منذ سنتين. العاملة المسلمة أخذت المنتجات التي لم يقع بيعها، ووهبتها للجامع. لم يكن ضد التبرع بها إلى أطفال المسلمين، لكنه كان يفضل أي جمعية خيرية لا تحمل طابعا دينيا.


وكان يعلم أن العاملة قصدت إهانته وإغاظته بتصرفها ذلك... ثم تعمدت نشر الخبر في الحي، حتى يسخر الجميع من اليهودي الذي يتعامل مع الجامع.


أصغت إليه ندى في انتباه، ثم قالت في حزم:


- العاملة أخطأت معك ثلاث مرات... حين لم تطلب إذنك في كيفية التصرف في الحاجيات، ثم حين نشرت الخبر وهي تعلم ما يثيره ذلك من حساسيات... ثم حين رفضت الاعتراف بخطئها والاعتذار. ولتعلم أن هذا ليس من الخلق الإسلامية. فرسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام، كان يحترم جيرانه اليهود ويبرهم ويقسط إليهم طالما لم تبدر عنهم إساءة للإسلام والمسلمين. بل كانت بينه وبينهم معاملات مبنية على أسس أخلاقية... ليس هناك ما يمنع المسلم من الاعتذار لغير المسلم، فالناس كلهم سواسية من المنظور الأخلاقي... وليس هناك ما يمنعك من الحقد عليها والرغبة في الانتقام منها بعد ما فعلته معك...


استفزت جاکوب إجابتها الأخيرة، فطفق يسأل ويسأل أخرج كل ما في جرابه من استفسارات معلقة عن مواقف تعرض لها، وأخرى سمع عنها. يريد أن يعرف رأي الإسلام في كل ذلك... كان وجه ندى يحمر حينا، وتنفرج أساريرها حينا آخر، وهي تبحث عن الإجابات وتنتقي كلماتها لتوصل المعلومة على أكمل وجه. واستمر النقاش لساعات...


دخلت سارا غرفتها ذلك المساء مبكرة. كانت في حاجة إلى الاختلاء بنفسها لبعض الوقت. منذ فترة وهي تواظب على الجلسات التعليمية مع ندى، ثم تواصل القراءة والبحث بنفسها. كانت والدتها قد علمتها اليهودية منذ صغرها، وأغمضت عينيها عن بقية الديانات. لم تحاول الاعتراض، لكن حين شرعت في التفكير في المسائل الروحية بدأت تراودها أسئلة كثيرة. وكانت بتفكيرها الذي يفوق سنها تتوقف عند تناقضات كثيرة في دينها. وكانت تانيا تقول إن الدين لا يخضع للعقل، وإن عليها أن تترك التفكير العلمي جانبا حين يتعلق الأمر بالمعتقد. سلمت بذلك في البداية... لكنها لم تكن لتمنع نفسها من الضحك والسخرية أمام بعض النصوص التي بدت لها في منتهى التناقض. اقتنعت الفترة بأن الديانات كلها على نفس المستوى من السخافة. وقررت - على صغر سنها - بأنها ستؤمن بدين العقل لا غير. ثم صادف أن سمعت عن الإسلام وما ورد فيه من إشارات علمية، فدفعها الفضول للبحث في الأمر. لكنها فوجئت بتانيا تقف في وجهها وتمنعها من الإمعان في التقصي، لم تدر ما السر وراء معارضة والدتها لبحثها، وهي مشجعتها الأولى على الأبحاث العلمية. أحست بأن في الأمر لغزا ما... ولم يكن ذلك إلا ليزيد من فضولها.


حين جاءت ندى للإقامة في البيت، وجدت الفرصة سانحة لتواصل بحوثها السرية. قرأت الكثير والكثير. حاولت أن تجد تناقضات أو نقائص في النصوص القرآنية... لكنها كلما توقفت عند شبهة من الشبهات، وجدت في التفاسير ما يوضح الصورة، على عكس ما رأته حال تحليلها للتوراة والأناجيل... فتفاسيرها لم تكن سوى محاولات يائسة للتلفيق والإيهام، ونتيجتها من المضحك المبكي. استمرت في دراستها لأشهر، وهي تزداد اهتماما يوما بعد يوم. قرأت عن سيرة النبي محمد، ثم عن زوجاته وأصحابه.


صارت تلم بالكثير. ما الخطوة التالية؟ ما الذي تريد معرفته بعد عن هذا الدين؟


خرجت من غرفتها، واقتربت من غرفة ندى في هدوء. طرقت الباب ثم دخلت كعادتها. نظرت ندى إليها في استغراب. كان وجهها متغيرا. جلست على طرف السرير في صمت، ثم سألتها:


- أريد أن أعرف... لماذا نزل الدين الإسلامي في شبه الجزيرة العربية ولم ينزل على بني إسرائيل مثل كل الأنبياء السابقين؟


قالت ندى في ثقة:


- حين ظهر الإسلام، كانت شبه الجزيرة العربية من أكثر بقاع الأرض تخلفا.


لم يكن أهلها يمتلكون الثروات، ولم تكن تجمعهم مملكة قوية مثل إمبراطورية الفرس أو الرومان، بل كانوا مجرد قبائل متفرقة تجمعها العصبية القبلية، تتناحر فيما بينها وتعيش من التجارة ورعي الأغنام. لذلك فإن خروج نبي من هذه الأرض، كان معجزة في حد ذاته! وتحول القبائل المتناحرة إلى أمة موحدة تتبع رجلا واحدا، ثم تطورها من الضعف إلى القوة وانتشار دعوتها إلى شتی أصقاع الأرض، كان إنجازا عظيما... أما بنو إسرائيل، فقد عاقبهم الله على قتلهم السابق لأنبيائهم بأن جعل خاتم الأنبياء من أمة أخرى...


هزت سارا رأسها في تفهم. لم يكن الجواب يخفى عليها، وربما كان بإمكانها تقديم بعض الإضافات. صارت تعلم ما يكفي عن الإسلام. لكنها باتت تماطل وتؤجل الخطوة التالية. ساد الصمت للحظات قبل أن تحسم أمرها:


- حسن... ما الذي علي فعله الآن لأصبح مسلمة؟


حقت فيها ندى في عدم تصديق، ثم تمتمت في ارتباك وتلعثم:


- هل... هل أنت متأكدة؟


نظرت إليها سارا في إصرار:


- قولي قبل أن أغير رأيي؟.....



                  الفصل الثلاثون من هنا 

          لقراءة جميع فصول الرواية من هنا

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة