
رواية في قلبي انثي عبرية الفصل الثاني والثلاثون 32 بقلم خولة حمدي
وقفت ندى على سطح البطاح العائم في البحر الأبيض المتوسط. شدت قامتها وهي تستقبل النسيم الذي هب باردا من الشمال، وابتسمت وهي تسرح بنظراتها إلى الأفق البعيد. هذه زيارتها الثانية التونس، وإلى جزيرة جربة بالذات. بعد رحلتها الغريبة منذ سنتين، ها هي تعود في ظروف مغايرة تماما كل شيء من حولها تغير... كل شيء، حتى نفسيتها ومشاعرها ونمط حياتها.
ولا يمكنها أن تخفي فرحتها بهذا التغيير الجميل تبادلت مع سونيا نظرات منشرحة هتفت والدتها وهي تشير إلى سطح الماء:
- انظري... نوارس بيضاء!
تابعت ندى في مرح حركة الطيور، ورمت باتجاهها بذور اليقطين الجاف والمملح التي كانت تتناولها ، ثم شاركت سونيا إشاراتها العفوية الساذجة وهي تنادي النوارس لتقترب. سونيا . كم بدت متألقة في تلك الرحلة. كأنها لم تصارع المرض لاكثر من سنة، حتى صرعته. مرتا معا بوقت عصيب، تحملت ندى معها آلامها وهي تتابع في صبر وثبات حصص العلاج الكيميائي الذي كان يمتص رونقها ونضارتها، وخرجت علاقتهما منتصرة من تلك المحنة. كانت فسحة حوار
وتواصل اضطرارية.. وغير مأمولة استمرت في هدوء معظم الأحيان، وفي تشنج وهستيريا في أحيان قليلة. لم يكن قبول التغيير سهلا أدركت ندى مبكرا أن والدتها باتت مقتنعة بالإسلام، أدركت ذلك بقلبها ومن خلال نظرات تدافع الخلق في سوق صيدا المركزية في لغط، وارتفع صراخ الباعة عبر الأزقة الضيقة ليختلط بأزيز العربات المتدافعة فوق الطريق المبلط، وصوت الإذاعة
المحلية الصادر عن بعض المحلات. اختلطت روائح التوابل الحكومة في أكياسها القماشية الخشنة برائحة الأرض التي التصقت بقايا ترابها بخضروات اقتلعت
من منابتها منذ سويعات قليلة. في وسط الزحام وقف بائع شاب ينادي بصوت جهوري على بضاعته المكونة من حبات بطاطس وجزر ولفت، جمعها بنفسه صباح ذلك اليوم من قطعة الأرض التي يعمل فيها. تطلع إلى ساعته في قلق.
لم يبق سوى نصف ساعة على موعد القداس. يجب أن ينتهي من هذهوالبضاعة ويقصد الكنيسة القريبة للصلاة. عاد يصرخ من جديد وقد خفض السعر إلى درجة مغرية. يريد الانتهاء في أسرع وقت.
حين استيقظ من غيبوبته، وجد نفسه في قرية جل سكانها من المسيحيين.
علموه دينهم واعتبروه واحدا منهم، فاعتبر نفسه نصرانيا مثلهم. أحيانا كان يتساءل... هل كان يدين بالمسيحية في حياته السابقة؟ لكنه لم يعط الأمر
قسطا كبيرا من التفكير. كان لديه ما يكفيه من الهموم، وكانت الصلاة في كنيسة القرية الصغيرة الهادئة تريحه. لم يكن شكل الصلاة ذاتها ما يعنيه، لكنه كان يلوذ بالمناجاة كلما ضاق صدره وكبر کدره.
في دقائق قليلة، كان ما معه من الخضار قد نفد. جمع حوائجه على عجل ودفع العربة ليركنها في مكان ظليل حتى يفرغ من صلاته. فجأة استوقفه نداء من ورائه، وكف تستقر على كتفه:
- أحمد؟
ترك ما في يده واستدار ببطء ليواجه صاحب النداء. أحمد؟ كان للاسم وقع غريب على أذنيه. تفرس أحدهما في الآخر للحظات قبل أن يهتف الرجل مجددا في عدم تصديق:
- أنت أحمد؟
ثم أضاف وهو يصعد النظر في وجهه وهامته:
- ما الذي فعل بك هذا؟ أين كنت طول هذا الوقت يا رجل؟
تسارعت نبضاته وهو يبادل مخاطبه نظرات حائرة، ثم قال في شيء من التردد:
- هل... تعـ... رفني؟
ظهرت علامات الشك في وجه الرجل الذي أنزل ذراعه في حرج، ثم قال:
- ألست أحمد الـ (...) طالب كلية الزراعة؟ كنا نقيم في نفس السكن الجامعي...
ثم أشار بإصبعه في اتجاه ما خلفه. تبع جون إشارته في تطلع وتساؤل، فأضاف الرجل موضحا:
- السكن الجامعي للذكور... على بعد شارعين من هنا...
حين لم يجد استجابة من جون، هز كتفيه وهو يهم بالابتعاد. في تلك اللحظة، استفاق جون من دهشته، وتشبث بذراع الرجل في إلحاح وهو يهتف:
- أنت تعرفني إذن؟ هل تعرف عائلتي؟ أخبرني من أكون؟
تراجع الرجل في ذعر، وأخذ يحدق في وجه جون الذي كسته اللحية، وتركت السنوات عليه علاماتها القاسية. هل يكون قد جن؟ حين لم يجد منه جون ردا،
قال في رجاء:
- خذني إلى السكن الجامعي...
تقدمه الرجل وهو يتلفت خلفه في شك وحذر، متوجسا من ردود فعل أحمد الغريبة.
ترك جون حاجياته وراءه دون تردد، وتبع الرجل وقد حداه أمل كبير. هل يجد أخيرا من يوصله إلى عائلته؟ هل يجد هناك ما يدله على ماضيه؟
* * *
دخلت تانيا تحمل طبق الحلويات والمشروبات الباردة، وقالت وابتسامة حفية على شفتيها:
- كيف كانت الرحلة؟ أرجو أن تكونا قد استمتعتما!
استرسلت سونيا تتحدث عن الطائرة والقطار والحافلة والبطاح، كأنها تسافر للمرة الأولى... في حين اكتفت ندی بابتسامة حالمة. لم تكن تانيا تحبها في السابق، كان بينهما نوع من العداء الصامت. كانت تدرك أنها السبب في اندلاع الشرارة الأولى التي حولت صفو العائلة الهادئة إلى فوضى، لوقت طويل. كانت تتفهم استياء تانيا وامتعاضها. فما مرت به جراء تدخلها لم يكن هينا. لكنها حتما ممتنة لها الآن أكثر من أي شخص أخر.
ارتفع رنين هاتفها ، فاعتذرت من السيدتين وخرجت للردهة لترد على الاتصال كان عليها أن تطمئن الجماعة في لبنان على وصولهما سالمتين، لكنها غفلت حين ضغطت على زر الرد جاءها صوت حسان وهو يهتف في انفعال:
- ندى... لن تصدقي الخبر؟
- خيرا إن شاء الله !
- أحمد يا ندی... أحمد عاد!
اللحظات، نسيت سونيا وتانيا في الغرفة المجاورة وكل ما يشغل بالها حتى تلك اللحظة، لأن الأرض توقفت عن الدوران... أو هكذا هيئ لندی. توقف إحساسها بكل شيء من حولها، وأحاط بها الفراغ من كل جانب ممتصا كل الطاقة في داخلها وفي الأشياء. توقف دماغها عن التفكير. وظلت جملة واحدة تتكرر في رأسها دون توقف، كالأسطوانة المشروخة، وحواجز كثيرة في نظامها الداخلي المعقد تحول دون استشفاف معناها. أحمد عاد. أحمد عاد. أحمد عاد... بعد
لحظات من السكون التام، همست في تبلد:
- ماذا؟
هتف حسان مجددا ليوقظها:
- ما بك يا ندي؟ أقول لك إن أحمد قد عاد أخيرا !
كانت علامات السعادة واضحة في صوته. أليس رفيق الشباب وزميل الكفاح؟
تمالكت نفسها بصعوبة. لا تدري من أين استمدت القوة لتهمس بصوت مخنوق:
- هل هو... بخير؟
- نعم، إنه بصحة جيدة... لكنه فاقد للذاكرة!
رددت في عدم استيعاب:
- فاقد للذاكرة؟
- لم أره بعد، لكن أيهم قال إنه لا يذكر شيئا عن ماضيه... ذكرياته لا تزال مشوشة!
أغلقت الخط واتكأت على الجدار خلفها. انزلق جسدها ببطء مع الضعف الذي انتاب ركبتيها فجلست على الأرض، وقد سيطر عليها الذهول. هل كان ذلك حلما؟ أخرجها من ذهولها صوت الباب الخارجي يفتح وباسكال يقفز في اتجاهها بعد أن أفلت كف والده:
- إنها ندی!
- هل كل شيء على ما يرام؟
بادرها جاكوب في قلق وهو يهرع إليها. التفتت إليه وهي لا تزال تحت وقع الصدمة:
- هه؟
استندت على الجدار حتى استقامت واقفة، ثم أضافت وقد استعادت شيئا من تركيزها:
- آسفة... كل شيء على ما يرام... لا تقلق! هلا أخبرت والدتي بأنني سأغادر قبلها؟
وقبل أن يستوضحها جاکوب، كانت قد جرت إلى باب الخروج بكل الطاقة التي تبقت في ساقيها، لا تلوي على شيء.
* * * * *
عدل الطبيب نظراته فوق أنفه، وهو ينهمك في كتابة الوصفة الطبية. هتف الحاج أبو أحمد في لهفة وهو يتابع حركاته:
- بشر يا دكتور... هل هناك أمل في استرجاعه لذاكرته؟
رفع الطبيب رأسه وهو يعقد حاجبيه في تفكير، ثم كأنه قد تذكر أنه يخاطب عائلة المريض، رسم ابتسامة على شفتيه وهو يقول مطمئنا:
- يبدو أنه تعرض لإصابة في الرأس تسببت في فقدانه للذاكرة... وابتعاده طوال السنوات الماضية عن عائلته ومحيطه لم يكن عاملا مساعدا أبدا. لكن بما أنه الآن قد وجد مكانه أخيرا، فأتوقع أن يحصل تحسن في الفترة المقبلة إن شاء الله...
شد أبو أحمد على ذراعه في امتنان، ثم التفت في حب إلى ابنه الذي كان لا يزال مستلقيا على سرير المعاينة. تأمل وجهه وعينيه المغمضتين في شوق جارف. يا الله، كم دعا الله في جوف الليل والناس نيام لكي يرد له ولده سليما معافی... وها هو الآن أمام عينيه. سليم الجسد... عليل النفس.
- أحمد... هيا بنا...
تردد الاسم في رأسه للحظات. كلما سمعه، بدا له مألوفا أكثر. هل هذا هو اسمه؟ رغم أنه لم يكن متأكدا في قرارة نفسه، لكن إحساسا غريبا بالارتياح غزاه وهو يسمع هذا الرجل المسن يناديه. أحمد... اسم مختلف عن جون. اسم يلامس قلبه ويحرك ذرات دماغه النائمة. مرت ثوان طويلة قبل أن يقرر فتح عينيه. نهض من متكئه في بطء. تطلع إلى الرجل في نظرة خاطفة، ثم أطرق وهو يتمتم:
- هل انتهت الجلسة؟
كان بوده أن يطيل النظر والتحديق، أن يملأ عينيه من وجهه الهادئ والمريح.
لكنه كان ينقبض كلما تذكر أنه لم يذكر شيئا بعد، حتى بعد أن التقى بالأشخاص الذين يحسبهم أفراد عائلته، وعاد إلى الغرفة التي يقولون إنها كانت غرفته.
وضع أبو أحمد ذراعه حول كتفي ابنه، وقاده إلى خارج العيادة. كان يريد تحسس وجوده بيديه، ليستيقن من أنه لا يشهد حلما سرعان ما يتبخر مثل كل أحلام المنام واليقظة التي رآها طوال رحلة البحث المضنية. استسلم أحمد وترك الوالده قيادته عبر طرقات المدينة العتيقة. كان الرجل يحدثه عن المدينة كمن يقود سائحا. يشير إلى المباني التي يميل طلاؤها إلى الاصفرار ويشرح... هذه هي السوق المغطاة، وتلك هي البلدية، وهذا مركز البريد. ثم يروي بعض الطرائف. كان يتكلم دون توقف كأنه يريد إنهاء مخزون الكلام الذي حبسه في صدره لفترة طويلة، في حين يكتفي أحمد بهز رأسه في صمت. كان ينظر إلى الطريق أمامه في شرود. ويفكر. متى سيتذكر كل شيء؟
انتبه فجأة حين وقف والده وتوقف عن الكلام. حين التفت إليه، اصطدم بعينيه الدامعتين ونظراته الحانية. تسمر في مكانه وهو يرى الرجل يجهش بالبكاء دون سابق إنذار. كلهم بكوا حين رأوه للمرة الأولى... والداه وشقيقته وزوجها.
حتى الصغيرة ريما جلست في حضنه بوداعة. لكنه لم يستطع أن يبادلهم المشاعر بمثلها. بكي فيما بعد، حين أصبح وحيدا بين جدران الغرفة التي خصصت له. بكي لأنه لا يزال وحيدا حتى بعد أن وجد عائلته. بكي لأنه لم يذكر شيئا.
لكن وهو يقف الآن أمام الكهل الدامع في الطريق الصاخبة، لم يتمالك نفسه.
آرتمي بين ذراعيه واحتضنه بحرارة. ترك دموعه تسيل على وجهه أمام دهشة الرجل الذي لم يتوقع اندفاعه بذلك الشكل. كان بحاجة إلى هذا الحضن الدافئ حتى يخرج من وحدته الباردة التي جمدت مشاعره وصنعت حواجز بينه وبين ماضيه. ابتعد عنه والده بعد بضع ثوان وعلامات التأثر واضحة في وجهه. تأمله مجددا في حنان، ثم همس بعد تردد قصير:
- بني... هل تأتي معي إلى الصلاة؟
نظر إليه في عدم استيعاب:
- الصلاة؟
هز أبو أحمد رأسه مؤكدا وهو يشير إلى المبنى الذي وقفا أمامه. لم يكن أحمد قد انتبه إلى أنهما وصلا إلى مسجد المدينة العتيقة الصغير. كانت الصومعة المنقوشة ترتفع إلى عنان السماء وتتجاوز كل المباني المجاورة. ردد بصره في حيرة بين المبنى ووجه والده المليء بالرجاء. الآن فقط فهم سبب دموع الرجل في هذه اللحظة بالذات. تسللت كفه إلى الموضع الذي استقرت عليه عينا الرجل. أمسك الصليب الفضي بين أنامله في ارتباك. ثم سأله وهو يحس بالضياع:
- هل كنت أصلي من قبل؟
هز أبو أحمد رأسه في حماس وهو يقول مشجعا:
- طبعا! بل کنت مواظبا على الصلاة في المسجد... وكنت أفخر بالتزامك الديني كثيرا ...
كان أبو أحمد يتمنى منذ اللحظة الأولى التي رأي فيها الصليب حول عنق ولده أن ينقض عليه ويقتلعه ثم يحطمه إلى أشلاء. لكنه تماسك بصعوبة خوف أن يصدمه ويبعده عنهم نهائيا، وهم لم يسترجعوه بعد. حز في نفسه أن ابنه لم يصل فرضا واحدا منذ دخل البيت من يومين... بل لعله لم يصل نهائيا طوال السنوات الأربع المنصرمة.
لبث أحمد مستمرا في مكانه. لم يستطع أن يتخذ خطوة واحدة. كان جون القديم يصارع أحمد الغريب في داخله. سؤال يعذبه بقوة: من أنا؟ هل يمكنه أن يعود إلى مسار أحمد الذي لم يعرفه، أم يتابع طريق جون الذي تعود عليه؟
فجأة، تعالى صوت المؤذن يعلن دخول وقت الصلاة. رفع رأسه وهو يصغي إلى النداء. لم يكن يسمعه للمرة الأولى، فقد مر بمساجد كثيرة طوال السنتين الماضيتين اللتين قضاهما سائحا بين المدن والقرى بحثا عن هويته. كان يعلم أنه النداء لصلاة المسلمين، لكنه في هذه المرة بالذات، أحس بالنداء يخاطبه...
هو، هذا الشخص المجرد من الهوية. لم يكن جون، ولم يكن أحمد الذي تحرك باتجاه بوابة المسجد. كان شخصا جديدا لم تكتمل هويته بعد...
جلس حسان وعدد من رفاقه في غرفة الجلوس في منزل عائلة أحمد. اجتمعوا اليوم بعد أن سري الخبر بعودة أحمد بسرعة خيالية. بعضهم جاء خصيصا من صيدا، والبعض الآخر كان من سكان قانا والقرى المجاورة لها. علت أصواتهم في مزيج من الحماس واللهفة. أحمد الذي يئس الجميع من نجاته عاد أخيرا. معجزة عودته بعد غياب طويل ملأتهم بشرا وفرحا. حين فتح الباب انقطعت الأحاديث وخيم عليهم صمت مفاجئ، كأن على رؤوسهم الطير. هبوا جميعا واقفين وعيونهم تتطلع إلى القادم في شوق.
دلف أيهم ودعا مرافقه إلى الدخول. تقدم أحمد في وجل، ثم رفع عينيه ببطء.
وقف عند الباب يتفرس في وجوههم في فضول وأمل، كأنه يبحث عن إجابات معلقة. مرت ثوان من الصمت والترقب، لكن علامات الخيبة عادت لترتسم على وجوه الجميع، حين أشاح أحمد بوجهه وهو يدعوهم إلى الجلوس... لم يتعرف على أحد منهم. رغم المرارة التي ملأت حلقه، تقدم ليصافحهم واحدا واحدا في امتنان لمجيئهم. لكن حين وصل إلى حسان، لم يتمالك هذا الأخير نفسه وعانقه في حرارة وحب. فوجئ أحمد بحركته، لكنه استسلم لعناقه وهو يتساءل عن ذلك الشعور الغريب بالألفة الذي داهمه.
جلس قبالتهم، وأخذ يستمع إلى كل منهم في انتباه. كلهم يحتفظون بذكريات كثيرة عنه. كلهم رووا طرائف ومواقف جمعتهم في الماضي... في الجامعة، في الحي، في التدريب وحتى في ساحة المواجهة. استمع في صبر وأمل. يتعرف في صمت على الشخص الذي كانه. الشخص الذي لم يعد يشبهه أو يذكره.
كان ينصت في شغف في البداية وكله رجاء بأن تعيد إليه أحاديثهم بعض الصور... لكن حين توالت الدقائق طويلة ثقيلة، تضاءل أمله وبدأ يشعر بالملل.
لم يكن مللا من أحاديثهم... لكنه ملل من ذاكرته التي أبت أن تتفاعل مع حكايات الماضي. وجد نفسه يقف فجأة معتذرا ويغادر الغرفة مسرعا. لا فائدة.
* * * * *
- أحمد لم يعد هو نفسه يا ندى!
- لم يعد... هو؟
أجابت سماح وصوتها يختنق من العبرة:
- عاد مسيحيا. يحمل صليبا حول عنقه! كان يذهب إلى الكنائس في السنوات الماضية ويصلي صلاتهم! لم يدخل مسجدا منذ زمن طويل... لا يعرف القرآن.
أصبح شخصا أخر لا أعرفه!
امتقع وجه ندي وهي تستمع إليها في صدمة. أحمد؟ أحمد الذي كان سببا في إسلامها، لم يعد مسلما؟ عقلها لا يستطيع استيعاب أمر كهذا... إنه أمر يفوق طاقة تحملها. جاءها صوت سماح مجددا:
- لا يكفي أنه نسينا ونسي ماضيه... فها هو قد نسي دينه وعقيدته. قلبي يتقطع في كل لحظة. كلما التقت عيناي بعينيه أحسست بالقهر. أريد أن آخذه بين ذراعي... لكن لا يمكنني أن أقاوم إحساسي بأنه ليس شقيقي الذي أعرفه.
- هل... هل يذكرني؟
خرج صوتها مبحوحا متقطعا. وفي اللحظة الموالية، أحست بسخافة سؤالها أمام تصريحات سماح السابقة. قالت إنه لا يذكر عائلته، لا يذكر شيئا من ماضيه، لا يذكر حتى دينه والتزاماته... فكيف سيذكرها من دون البقية؟ كان سؤالا سخيفا، لكنها أرادت أن تتأكد، أن تكون على بينة.
قالت سماح في حسرة:
- لم يذكر والدتي التي سهرت طوال الليل حذو سريره... ترقبه في نومه والدموع تسيل على وجنتيها. لم يذكر والدي الذي فقد القدرة على النطق لبعض دقائق من الصدمة حين وصله خبر عودته... لم يذكر أحدا يا ندی... لم يذكر أحدا البتة!
ثم أضافت في مرارة:
- رأيت من واجبي أن أخبرك بنفسي. فأنت كنت من أقرب الناس إليه أيضا...
رنت في أذنيها كلمة «كنت»... نعم كنت، ولم أعد كذلك. هو لا يذكر وجودي على أية حال! لم تملك إلا أن تتمتم في استسلام:
- شكرا لاتصالك...
مدت كفا مرتجفة لحقيبة يدها التي تأخذها معها أينما كانت. دست أناملها داخلها تتحسس ظلامها، وما لبثت أن سحبتها وقد قبضت على قطعة ورق...
صورة من الماضي. رفعتها أمامها ليسطع فيها ضوء الغرفة. للحظات، ظلت تتأمل ابتسامته العذبة، وملامحه الملائكية الصافية في حنين. ظنت أن عينيها لن تقعا عليه مجددا. ظنت أن طيفه الذي حرس لياليها لسنوات سيختفي إلى الأبد. ظنت أنها ستتخلص من الصورة قريبا لتتخلص معها من بقايا الماضي المؤلم منها والمفرح. لكن أحمد عاد. هل عدت حقا يا أحمد؟ لا... أحمد الذي عرفها وعرفته لم يعد. عاد أحمد وقد نسيها ونسي نفسه. عاد أحمد وقد ترك ماضيهما المشترك وراء ظهره. أحمد الذي عاد لا يعرفها ولا تعرفه... إذن، أحمد لم يعد!
* * * * *
- كيف أنت الآن يا أحمد؟
حاول أن يبتسم مجاملة للطبيب الذي يتابع حالته في صبر:
- الحمد لله...
- هل تذكرت شيئا؟ أي شيء... حتى لو كان بسيطا وغير ذي قيمة؟
سكت للحظات وهو يحاول إعمال عقله:
- لست أدري... لكن هناك أشياء تبدو لي مألوفة نوعا ما... صحيح أنني لا أذكر أحدا من أفراد عائلتي، إلا أنني أحس بالارتياح بينهم. هناك أشخاص التقيتهم، يبدو أنهم كانوا رفاقي في الماضي... ووجدتني أنسجم معهم بسهولة. أحس في أعماقي بأنني أعرفهم منذ زمن...
قاطعه الطبيب ملاحظا:
- لكن هذا قد يحدث مع شخص تلتقيه للمرة الأولى. إحساس الارتياح والانسجام بين شخصين ليس متصلا بالضرورة بمعرفة سابقة...
هز أحمد رأسه موافقا، وقد عادت إليه الحيرة والضياع. استطرد الطبيب بسرعة:
- هل حاولت مثلا أن تتعرف إلى النشاطات التي كنت تمارسها في الماضي؟
تذكر صلاته في المسجد منذ يومين. والده قال إنه كان مواظبا على الصلاة في السابق. قال في حرج:
- صليت في المسجد...
نظر الطبيب في دهشة إلى الصليب الذي لا يزال يتدلى من عنقه وقال في فضول:
- وهل أحسست شيئا جديدا؟ كيف كانت التجربة؟
تردد أحمد ثم قال في شيء من الارتباك:
- لست أدري. منذ سنوات وأنا أذهب إلى الكنيسة للدعاء والصلاة. لكن حين دخلت المسجد، أحسست برهبة. أحسست بعظمة المكان وقدسيته... جلست أتأمل الناس في صلاتهم. ثم وقفت وجربت أن أركع وأسجد معهم. كنت أسمع تمتمة وهمهمة، لكنني لا أدري ما الذي يقولونه...
شجعة الطبيب على المواصلة وهو يسأله:
- وهل حاولت أن تعرف ما الذي يقولونه في الصلاة؟
هز رأسه نافيا:
- تحرجت من ذلك... ثم هي صلاة على أية حال، لا شك أنهم يدعون الله...
أليس كذلك؟
ابتسم الطبيب وهو يسجل بعض الملاحظات في دفتره:
- نوعا ما...
ثم أضاف مغيرا الموضوع:
- عرفت أنك زرت الجامعة والمبيت الجامعي. هل تذكرت شيئا هناك؟
هز رأسه نافيا. ابتسم الطبيب مطمئنا ثم وقف وهو يدعوه إلى أن يتبعه:
- تمدد على الأريكة وتنفس بعمق كما علمتك في الجلسة السابقة... حاول ألا تفكر في شيء، دع الفراغ يملأ عقلك. سأتحدث إلى والدك ثم أعود.
أطاعه أحمد في خضوع. أرخى رأسه فوق الوسادة المريحة وجعل عضلات جسده تسترخي. سحب نفسا عميقا وهو يعد إلى أربعة، حبس الهواء في رئتيه لأربع ثوان، ثم تركه يتسلل ببطء عبر فمه في زفير طويل... عد إلى ثمانية قبل أن يسحب نفسا جديدا. لا يجب أن تفكر في شيء. استرخ فقط. لا تفكر في شيء. كان التمرين مضنيا. هو الذي امتنع عن التفكير في هويته وماضيه لسنوات أربع، يجد صعوبة الآن في السيطرة على الأفكار الكثيرة المشوشة التي تملأ عقله. لا تفكر... أريد فراغا الآن. لا تفكر.
عاد الطبيب إلى قاعة الانتظار ودعا أبا أحمد للدخول. طالعه هذا الأخير في لهفة، فقال:
- كما قلت لك في المرة الماضية، أحمد لا يذكر شيئا الآن عن ماضيه، لأنه مر وقت طويل على فقدانه الذاكرة دون أن يتعرض لمؤثرات قد تثير ذاكرته. لذلك فإن استجابته ستكون بطيئة نوعا ما. قد يتطلب العلاج وقتا أكثر من العادة، لكن يجب ألا نيأس أبدا.
أضاف وهو يرسم دائرة على الورقة أمامه:
- خلافا لما يعتقده عامة الناس، فإن الذكريات الحديثة يكون استرجاعها أصعب من الذكريات القديمة. فالأحداث التي يمر عليها زمن أطول تكون أكثر حفظا في الدماغ.
قال ذلك وهو يشير بقلمه إلى القسم الخلفي من الدماغ على رسم بياني علق على الجدار، ثم تابع:
- قد يساعدني أن أعرف مثلا، هل انتقلتم إلى منزل جديد حديثا... هل تقيمون في المكان الذي ارتبطت به طفولة أحمد؟
- بعد زواجي أقمت لفترة في بيت والدي رحمه الله، وهو منزل ريفي صغير تحيط به أراض فلاحية. أحمد ولد هناك وعاش طفولته هناك أيضا. كان متعلقا كثيرا بجده وبالفلاحة... حتى إنه اختار أن يكون مهندسا زراعيا...
تهللت أسارير الطبيب وهو يهتف:
- ممتاز! ما عليك فعله الآن، هو أخذه في زيارة إلى هذا المنزل الريفي...
فكر للحظات ثم هتف من جديد:
- بل سيكون من الأفضل أن تتركه يقوم بالزيارة بمفرده. وجود أشخاص حوله يسألونه باستمرار إن كان قد تذكر شيئا لن يساعده على التركيز، وسيشعره
بالإحباط إن لم تكن النتيجة فورية...
هز أبو أحمد رأسه موافقا. صافح الطبيب في امتنان وهو يهم بالمغادرة.
استوقفه الطبيب حين وصل إلى الباب وهو يقول بابتسامة واسعة:
- آه، شيء آخر... اتركوا کتاب قرآن في غرفته، في موضع تقع عليه عيناه بسهولة... لكن دون تعليق من أحد أو دعوة للقراءة فيه، دعوه يتصرف بحرية...
أنتظر زيارته بعد ثلاثة أيام!
* * * * *
منذ عودته وهو يحس بالاختناق. لا يشعر بأنه في مكانه الصحيح. كأنه قطعة شطرنج فقدت مكانها على الرقعة وتلعب دورا غير دورها. يحس بالألم وهو يرى علامات الخيبة على وجوه هؤلاء الناس المتيقظين لكل حركاته وسكناته، ينتظرون منه إشارة إيجابية، لكنه لا يستطيع أن يلبي حاجتهم... يحس بالخوف من الأيام المقبلة بعد السنوات الأخيرة التي قضاها في فلاحة الأرض.
إنه يحب الأرض ويهوی ترابها وهواءها وثمارها، لا يحس بالراحة بعيدا عنها.
فهل سيتأقلم بسهولة مع العيش في مثل هذه المدينة المكتظة؟
حين اقترح عليه والده أن يقضي بعض الوقت في منزل ريفي تمتلكه العائلة، رحب بالفكرة. لم يكن قد تعود بعد على هواء المدينة الفاسد ومبانيها الشاهقة الخانقة. مر بمدن كثيرة خلال رحلة بحثه عن هويته، لكنه كان يختار الإقامة خارجها. تعود الهدوء والوحدة، ووجد توازنه في أحضان الطبيعة قاحلة كانت أم غناء. ليس من السهل عليه أن يعود إلى حياة اجتماعية طبيعية كما يريدون منه.
توقفت السيارة أسفل التلة. نظر إليه والده مبتسما وهو يشير إلى منزل يتربع في أعلاها:
- هذا منزل جدك رحمه الله...
رفع أحمد بصره إلى حيث أشار. للحظات أحس بالدوار. نزل متمهلا من السيارة وهو يغمض عينيه. أشاح بوجهه حتى لا يلاحظ والده التغيير الذي طرأ على ملامحه. رفع رأسه بعد لحظات وأجال بصره في المكان متفحصا.
ومضت صورة في رأسه فجأة. تسارعت دقات قلبه وهو يواصل تسلق الربوة.
إنه يعرف هذا المكان. تضاعف عدد المباني في الجوار... اختفى جانب من الغابة بأشجارها البرية، وظهرت صفوف من الأشجار المثمرة من الجهة الأخرى. لكن الصورة التي ملأت رأسه كانت قريبة جدا.
تبعه والده بخطوات سريعة، وهو يتابع حركاته في اهتمام وترقب. لكنه تذكر فجأة توصيات الطبيب... لا يجب أن يقاطعه. حين وصلا إلى سور المنزل المنخفض، دس في كفه مفتاحا معدنيا قديما. ابتسم وهو يربت كتفه:
- سأتركك هنا. لدي بعض الأعمال خارج المدينة وقد أبيت هناك. اتصل بأيهم حين تريد العودة.
قاطعه أحمد وفي عينيه نظرات شاردة:
- لا داعي... سأستقل سيارة أجرة.
نظر إليه والده في دهشة وتوجس:
- هل أنت متأكد؟
ابتسم أحمد ابتسامة خفيفة وهو يقول:
- صحيح أنني فقدت ذاكرتي، لكنني أحتفظ بمداركي العقلية. لست طفلا يمكن أن يتوه بسهولة. كم أبلغ من العمر؟ آه... أوراق هويتي تقول إنني قد اقتربت من نهاية العقد الثالث...
ابتسم أبو أحمد وهو يشد على كفه في حرارة، ثم قال قبل أن يبتعد في اتجاه سيارته:
- الشارع الرئيسي من هذا الاتجاه، على بعد مائتي متر... ستجد سيارة تقلك من هناك.
تابعه أحمد بنظرات واجمة حتى تحركت السيارة، ثم دفع الباب الخشبي المنخفض. تجاوز السور إلى الباحة المفروشة بالتراب. انحني ليمسك قبضة من التراب الندي يعصره بين أصابعه، كأنه يسأله عن حاضره المفقود ...
وماضيه الضائع. أغمض عينيه لثوان. تراءت في مخيلته صورة طفل صغير يركض عبر الفناء. سمع ضحكاته البريئة المشاغبة تملأ عقله. فتح عينيه وقد اضطربت أنفاسه. هل هو بصدد التذكر؟ هل كانت صورة من طفولته؟ نفض عن كفيه التراب ثم سار باتجاه الباب الداخلي. تناول المفتاح القديم، بقدم الباب الحديدي الصامد، وأداره في القفل. يبدو أنه لم يفتح منذ وقت طويل.
وضع كفه على صفحة الباب يتلمس وجهه الصدئ. أخذ نفسا عميقا ثم دفعه برفق ليخطو إلى الداخل.
كان يتوقع الكثير وهو يجتاز عتبة الباب. استعد لكم الذكريات التي انتظر أن تهاجم عقله مع توغله في المكان. كان جسده المنتفض يشهد بشوقه لما سيراه ويحسه ويعيشه. لكن ما حصل مع دخوله فاق كل توقعاته. ما إن وضع قدمه على الأرض، حتى تركز انتباهه عليها دون غيرها. سمع لخطوته وقعا غريبا، كأنه يدوس على جسم طري يحول بين قدمه والفناء المبلط. تراجع خطوة وهم بالانحناء لاكتشاف الجسم الغريب، لكن حركته بترت فجأة وظلت ذراعه معلقة
في الهواء وظهره يرسم نصف انحناءة. تسمر في مكانه وهو يطالع المشهد الذي شد نظراته وأوقف كل حواسه دفعة واحدة. هناك في فناء الدار المسقوف، كانت هناك عشرات، لا بل مئات، من الظروف المتناثرة التي غطت بعضها الأتربة، وتلاعبت الرياح المتسللة من شقوق الباب وفتحاته ببعضها الآخر، لتنشرها في ثنايا الدار. تحت قدميه، كانت كومة منها تسد المدخل. هل كانت الدهشة ما سيطر عليه في تلك الآونة، أم اللهفة؟
رسائل غريبة... كثيرة جدا، تنتظره في ملتقى الماضي والحاضر. كيف عليه أن يستقبلها؟ قبض على مجموعة منها وأخذ يقلبها بين يديه. كانت كلها باسمه!
باسم أحمد دون غيره. قبض قبضة أخرى، وأخرى، وأخرى... كلها باسمه!
وكلها من مرسل مجهول! وجد نفسه يحبو على ركبتيه، يجمعها بشراهة وشوق.
جمعها كلها حوله وجلس على الأرض ودقات قلبه تتسارع بشكل مجنون. من أين يبدأ؟......