رواية في قلبي انثي عبرية الفصل الثالث والثلاثون 33 بقلم خولة حمدي


رواية في قلبي انثي عبرية الفصل الثالث والثلاثون 33 بقلم خولة حمدي


لم يغمض لها جفن تلك الليلة. ما إن وضعت رأسها على الوسادة حتى تدفقت الذكريات، كأنها ثصب على رأسها صبا. رأت شريط حياتها يمر أمام عينيها.


حياتها قبل أحمد. حياتها مع أحمد. حياتها بعد فقدان أحمد. قطعا، حياتها انقلبت رأسا على عقب منذ أن عرفته. انقلبت ثانية حين فقدته. وها هي توشك على فقدان توازنها نهائيا مع عودته! أخرجها من عالمها الضيق وسار بها إلى نور أضاء كل ثنايا وجودها المهمش. أهداها أغلى هدية قد يهديها بشر ا


لبشر... نور الإيمان. لا يمكنها إلا أن تكون شاكرة ممتنة له. ممتنة له من كل قلبها، ومع ذلك فألمها لا يقدر؟


كانت قد عودت نفسها على غيابه. تحررت من طيفه الذي لازمها كظلها لزمن طويل، وقررت أن تعيش في عالم لا وجود لأحمد فيه. كانت في حاجة إلى تجاوز الماضي حتى تقدر على تأسيس عائلة وبناء كيانها الجديد بشكل سوي. وفجأة يأتيها خبر مؤكد بأنه على قيد الحياة. في مكان ما على سطح الأرض، غير بعيد عن موطنها ، يوجد أحمد جديد. لا يعرفها ولا تعرفه. لكنه يبقى أحمد رغم كل شيء! كيف يمكنها تجاهل وجوده بكل بساطة؟ كيف ستسير أيامها بشكل طبيعي وهي تعلم أنه قريب؟ هل ستقضي حياتها تتجاهله وتهرب من خياله؟ ماذا ستفعل إن اعترض طريقها يوما؟ بل هل يمكن أن تتغير المعطيات ويتعرف عليها؟ ماذا لو ذكرها؟


رباه ! لا تنكر أنها تتشوق لرؤيته مجددا بعد كل هذا الغياب ! ذلك الرجل الذي ملك قلبها وعقلها حتى وقت قريب. كيف يبدو؟ هل تغير شكله؟ هل نحف أم ازداد وزنه؟ هل هو... هو؟ سماح تقول إنه لم يعد هو. لم يعد مسلما. أحست بألم في صدرها. أين ذهب النور الذي كان يملأ حياته؟ هل انطفأ فجأة؟ یا لهذا القدر... هداها إلى السبيل ثم حاد عنه؟ رغم كل محاولاتها للخلود للنوم، لم تستطع أن توقف سيل الأفكار التي أقضت مضجعها... أحمد، الرجل الذي أحبته. أحمد، الرجل الذي احترمته وتعلمت منه. أحمد، الرجل الذي شاركها أحلامه وأرادها شريكة لحياته... كلهم ذهبوا بلا رجعة.


فاجأت نفسها وهي تتنهد في حسرة. توقفت فجأة وزجرت نفسها. أليست أفكارها هذه خيانة؟ إنها تتهيأ الآن لبدء حياة جديدة مع حسان. لا يمكنها أن تفكر في غيره. لا يمكنها أن تدع مجالا في تفكيرها لرجل آخر... حتى لو كان أحمد؟ كيف لها أن تبني بيتا مستقرا وهي لم تحسم أمر أحمد هذا بعد؟


أحمد الذي لا يعرفها ، أحمد الذي نسيها - ذكرت نفسها مجددا - من المهم أن تبقي هذه النقطة دائما أمام عينيها. أحمد لا يعرفها الآن. أحمد تخلى عنها.


رددت في إصرار.


سحبت اللحاف لتغطي رأسها. عصرت عينيها بشدة لتمنع دموعها من التسلل.


تحاول الفرار من هواجسها وأحاديث نفسها. لا تدري لو كان يذكرها في أي مأزق ستكون...


* * * * *


أدار أبو أحمد المفتاح في قفل الباب ودخل. تنحنح ليثير انتباه أهل الدار ثم رفع صوته بالسلام. كان قد عاد للتو من سفره بعد أن قضى الليلة خارج البيت. أطلت الخالة سعاد من المطبخ، وقد ربطت منديلا على رأسها ورفعت أكمام ثوبها. استيقظت باكرا وأعدت الفطائر التي تتقنها حتى تدخل السرور على قلبي زوجها وابنها الغائبين. وما إن تبين لها القادم حتى هرولت إليه في شوق وهي تمسح يديها الغارقتين في زيت الزيتون بمنديل المطبخ، لكنها توقفت في دهشة وهي تراه يتقدم بمفرده. تطلعت إلى الباب المغلق وهي تهتف في حيرة:


- أين أحمد؟ ألم يأت معك؟


نظر إليها في دهشة بدوره وهو يهتف:


- ألم يعد إلى البيت؟ كيف ذلك؟ تركته البارحة في منزل الضيعة...


صاحت سعاد وهي تضرب صدرها بكفها:


- كيف تتركه وحده؟ هل يكون قد ضاع مجددا؟


همس أبو أحمد محاولا تهدئتها وهو يتجه إلى غرفة الجلوس حيث الهاتف:


- رويدك، رويدك... لا تهولي الأمر. قد يكون ذهب إلى منزل سماح.


هتفت وقد شحب وجهها وصوتها ينذر ببكاء قريب:


- كيف يمكنه أن يذهب هناك؟ إنه لا يعرف المدينة...


قال وهو يكون رقم هاتفه الشخصي:


- أعطيته هاتفي الجوال، وطلبت منه الاتصال بأيهم حين يريد الرجوع...


حين ألفي الهاتف مغلقا، كون رقم منزل ابنته. أشار إليها بالصمت حين جاءه صوت سماح على الطرف الآخر من الخط.


- سماح... هل قضي أحمد الليلة عندك؟


استمع إلى هتافها المفجوع في قلق وتوجس، وضع السماعة في خيبة. كانت حالة أحمد غريبة البارحة. لم يكن على طبيعته. كان يجب أن ينتبه إلى ذلك.


هل تراه يفكر في الفرار منهم لأنه لا يذكرهم؟ هل تراه لم يطمئن إلى العيش معهم وهو يعدهم غرباء؟ كانت الأفكار السوداء تداهم عقله.


- يا رب سترك...


تمتم في توتر وهو يتناول مفكرته.


- سأحاول الاتصال بكل أصدقائه القدامى... ربما يكون قد لقي أحدهم.


قاطعته سعاد في تساؤل:


- هل يكون قد قضى الليلة في الضيعة؟


رفع رأسه في شك. هل يفعلها؟


- لكن البيت قديم ومهجور منذ سنوات... لا يوجد نور كهربائي والماء مقطوع.


ما الذي سيفعله هناك؟


تبادلا نظرات متسائلة مليئة بالشك. أين يكون؟


* * * * *


جافاه النوم طوال الليل. عالج القنديل القديم بإصرار حتى تمكن من إيقاده، وجلس لساعات طويلة يقرأ الرسالة تلو الرسالة. لم يدر كم من الوقت انقضى وهو على تلك الحال. حين رفع عينيه الدامعتين عن قطعة الورق الأخيرة، كانت الشمس قد ارتفعت في كبد السماء منذ ساعات. قرأها دون ترتيب. لم يكن لديه الصبر الكافي ليعيد تنظيمها حسب تاريخ إرسالها ، لكن الأحداث التي تحملها ارتصفت تلقائيا في ذهنه حسب تسلسلها الزمني. كل قطعة أخذت مكانها لترسم في رأسه، ببطء، مشهدا متكاملا.


بكي طويلا مع كل خواطرها... وهي تحكي له تجربتها في الغربة، وهي تبشره بإسلامها ثم بحجابها، وهي تبث إليه حزنها بوفاة أخيها المسيحي وعائلته، وهي تنعي إليه زوج أمها الذي رباها وأشفق عليها كابنة من صلبه، وهي تشكو إليه ضياعها وتشردها وقسوة والدتها عليها ... بكي بحرقة، كأنه يحس بكل كلمة من كلماتها... كأنه يعيش معها السنوات الأربع الماضية يوما بيوم...


تلك المجهولة!


من تكون؟ من تكون حتى تكتب إليه كل يوم طوال فترة غيابه؟ من تكون لتشاركه حياتها بكل تفاصيلها على الورق، في حلها وترحالها، في مصيبتها وفي عيدها؟ لم يمنعها عن الكتابة سوى المرض الشديد الذي أقعدها عن الحراك! من تكون؟ لا شك أنها كانت قريبة منه بشكل أو بآخر... تثق به كثيرا، و... لا يريد أن يتخيل أكثر. يريد أن يعرف الآن، ماذا كانت بالنسبة إليه - هي، اليهودية... وهو، المسلم. تقول إنها مدينة له بإسلامها! كان هو من قادها إلى هذه الديانة التي يجهل عنها كل شيء اليوم ! حركت كلماتها دواخله... هل كان


داعية؟ والده يقول إنه كان ملتزما بالإسلام، مواظبا على عباداته. فكر في حيرة... ما الذي ستظنه به إن لقيته اليوم؟ لم يعد الشخص الذي عرفته. لم يعد يحمل نفس العقيدة والمبادئ. لم يعد الشخص الذي غير حياتها، كما تصفه في رسائلها. فاجأ نفسه وهو يفكر فيها بجدية واهتمام. ما الذي فعلته به رسائلها حتى تشغل باله إلى هذه الدرجة؟


لكن السؤال الذي كان يلح عليه أكثر... أين هي الآن؟ عاد يقلب الرسائل التي بين يديه في اضطراب وقلق. بالكاد يسيطر على انفعالاته. كانت الرسالة الأخيرة قد وصلت منذ قرابة السنة. انقبض قلبه فجأة. ربما فقدت الأمل بعودته وقطعت رسائلها، أو حصلت معها ظروف منعتها عن الكتابة. هل يعقل أن يفقدها وهو بالكاد وجدها؟ هز رأسه بقوة، كأنه ينفض عنه الوساوس القاتمة.


ربما كانت هي وسيلته لاستعادة ماضيه وحاضره ومستقبله أيضا... بعد الليلة التي قضاها مع خواطرها، يحس أنه يعرفها جيدا. ربما تعرف عليها مباشرة لو صادفها تمشي في الشارع! إن كانت قريبة منه بهذا الشكل، فلماذا لم يرها مع جملة الأشخاص الذين زاروه ورحبوا به؟ لماذا لم يحدثه عنها أحد؟ هل تكون على سفر؟ رسائلها كانت تأتيه تارة من فرنسا وتارة من تونس... لاحظ الطوابع البريدية وأختام البريد المميزة لكل بلاد، رغم غياب عنوان المرسل في كل مرة.


حفنة من الرسائل في جيب سرواله وخرج لا يلوي على شيء. لا يدري كيف عبر المسافة الفاصلة بين الضيعة وقانا. سيارة الأجرة والركض عبر الشوارع والأزقة... لا يذكر شيئا منها. تفاصيل أخرى تضاف إلى قائمة المنسيات، لكنها على الأقل لن تغير في مستقبله شيئا. اللحظات القادمة هي الأهم!


وقف أمام باب المنزل يسترجع أنفاسه. عليه أن يتمالك نفسه حتى لا يفزعهم.


طرق الباب برفق. مرت ثوان قليلة بدت له شديدة الطول دون أن يلقى جوابا.


نفذ صبره بسرعة، فرفع قبضته ليضرب الباب الحديدي بعنف. سمع خطوات مسرعة تتردد في الممر يصحبها لغط وصخب، حين فتح الباب، رأي أجسادا ثلاثة تندفع نحوه بقوة. تراجع خطوة في ذعر، لكن ردة فعله لم تسمح له بالنجاة من أحضانهم. صاحت والدته بصوت مختنق بالبكاء:


- أين كنت يا ولدي؟ أفزعتنا! ظننت للحظات أنك رحلت عنا مجددا...


استكان بين ذراعيها ولم يحاول التخلص من عناقها. ابتسم مطمئنا وهو يربت ظهرها:


- لم يكن هناك داع للقلق... لم أكن لأهرب منكم، لأنني... لأنني لا أعرف لي أهلا غيركم على أية حال.


قاطعته في عتاب:


- أين كنت كل هذا الوقت؟ كيف اختفيت دون إعلام أحد؟


- آسف لأنني قضيت الليلة الماضية في المنزل الريفي... لم أكن أريد إثارة مخاوفكم... لكنني... كنت مشغولا بعض الشيء...


تقدم نحوه والده الذي لزم الصمت حتى ذلك الحين، وهتف في لهفة:


- بشرني يا بني... هل تذكرت شيئا؟


ترددت عينا أحمد بين وجوههم المترقبة. بما عساه يجيبهم؟ ليس متأكدا مما رأی. تمتم في ارتباك:


- لست واثقا... ربما تخيلت أشياء حين كنت هناك...


ثم اعتذر وهو يشق طريقه في اتجاه غرفته. تبادل والداه وشقيقته نظرات قلقة.


كانت تصرفاته تنطق بالغرابة. قضى الليلة في المنزل الريفي... قال إنه كان مشغولا. والآن يقول إنه ليس واثقا! دخلت سماح مستعجلة وهي تهتف:


- سأتصل بأيهم... لا شك أنه قد وصل إلى الضيعة.


تنهد أبو أحمد وهو يساند زوجته التي لم تجف عبراتها بعد.


حين انفرد أحمد في غرفته، تذكر الرسائل التي كانت في جيبه. يجب أن يسأل عنها. لكن والديه يبدوان شديدي الحساسية... يعلقان آمالا كبيرة على كل كلمة ينطق بها. ثم أنهما أخفيا عنه وجود هذه الإنسانة لسبب ما. لذلك لا يمكنه أن يسألهما. اقترب من الباب وأصغي لوقع الخطوات. كانت الحركة قد خفتت في الممر، لا شك أن والدته قد عادت إلى مطبخها، ووالده قد استلقي طلبا للقيلولة.


فتح الباب بهدوء وتسلل على أطراف أصابعه. ألقي نظرة سريعة على غرفة الجلوس. لم تكن سماح هناك. سار في اتجاه غرفتها. طرق الباب بخفة، ولم ينتظر ليفتح الباب. فوجئت سماح بدخوله، وقبل أن تنفرج شفتاها لتسأله عما يريده، مد إليها بعض الرسائل التي أخفاها في ثيابه. انتظر للحظات ريثما ألقت عليها نظرة. ومع كل كلمة تقرؤها كان اتساع عينيها يزداد من الدهشة.


رفعت رأسها إليه في تساؤل، فهتف في حزم:


- من هي؟




جلست ندى في غرفة الانتظار في قلق. تلفتت حولها في توتر، تطالع وجوه المرضى الذين يترقبون دورهم. ما الذي جاء بها إلى هنا؟ لم يكن لديها جواب تسكت به صوت ضميرها المحتج، لكنها كانت في حاجة إلى هذه الزيارة. في حاجة إلى إجابات ملحة لم تستطع مقاومة صدی ترددها في رأسها. لكن ما الذي ستفعله بعد أن تحصل على الإجابات؟ هل ستغير شيئا في مخططاتها؟


لا يمكنها أن تفعل ذلك. هذه الزيارة عديمة الفائدة ولا يجب أن يكون لها أثر على حياتها. لا يجب أن تترك المجال لهذه الأفكار حتى تسيطر عليها . فلتغادر الآن، لم يفت الوقت بعد. تلفتت حولها مجددا، ثم همت بالوقوف. تجمدت في مكانها وهي ترى الممرضة تتقدم في اتجاهها. قالت وابتسامة واسعة تزين وجهها:


- آنستي... دورك الآن.


ترددت للحظات، ثم تبعتها بخطوات مرتجفة إلى الداخل. وقف الطبيب لاستقبالها وأشار إليها بالجلوس. لم يعد هناك مجال للتردد. اتخذت مجلسها حيث أشار وهي تأخذ نفسا عميقا. ثم سألته في شيء من الجزع:


- دكتور... هل فقدان الذاكرة نهائي؟


ظهرت علامات الدهشة على وجهه الثانية، لكنه تمالك نفسه بحرفية وهو يقول:


- طبعا لا... خلافا لما تسوقه الأفلام والمسلسلات من أفكار، ففقدان الذاكرة نادرا ما يكون نهائيا ودائما. مهما طالت المدة، فلا بد للذاكرة المترسبة من أن تطفو على السطح! حدثيني الآن كيف حصل ذلك؟


فكرت للحظات. لم تكن تملك الكثير من التفاصيل عن الحادثة. لا أحد حدثها عنها وهي لم تهتم بالسؤال. هزت رأسها في قلة حيلة:


- لا أدري...


لم يلح الطبيب بالسؤال. بدا متفهما وهو يردف:


- ربما لا تتذكرين ما حصل معك... لذلك يجب أن أتحدث إلى بعض أفراد عائلتك. ألم يرافقك أحد؟


ابتسمت هذه المرة في حرج لأنها لم توضح الأمر منذ البداية. قالت وهي تلوح بكفها نافية:


- لست أنا من فقد ذاكرته...


- لماذا لم يأت المريض بنفسه؟ العلاج يجب أن يكون شخصيا.


- المريض مسافر... في بلاد أخرى. لكنني أردت فقط... أن أستعلم...


ابتسم الطبيب مخففا حرجها وهو يقول:


- مدة فقدان الذاكرة تختلف من مريض إلى آخر، قد تكون لبضع دقائق عند البعض وقد تطول لشهور أو سنوات في حالات أخرى... وبالطبع يختلف الأمر حسب السن ونوع الصدمة ونوعية الذاكرة المفقودة، سواء كانت سابقة للحادثة أو لاحقة لها.


سارعت ندى بالتحديد:


- المريض شاب في نهاية العقد الثالث. فقد ذاكرته منذ أربع سنوات، ولم يعد إلى عائلته إلا منذ فترة وجيزة. يبدو أنه قد تعرض إلى حادثة. لست متأكدة من التفاصيل... وهو لا يذكر شيئا عن ماضيه أو عائلته أو هويته.


- هل فقد شيئا أخر إضافة إلى الذاكرة؟ يعني... القدرة على نطق بعض الحروف، أو بعض المهارات الذهنية أو الجسدية؟


- لا أعتقد...


لو كان الأمر كذلك لكانت سماح أشارت إلى ذلك. الذاكرة هي الشيء الوحيد الذي فقده. لكنه فقد معها ذاته. فكرت في مرارة وألم.


- طيب. هذا يعني أنه لم تحصل إصابات جسيمة في الدماغ. فإصابة المنطقة الخاصة بالذاكرة تؤدي في نفس الوقت إلى تعطل بعض الوظائف الأخرى المرتبطة بها. أما والمريض قد احتفظ بكل مؤهلاته الذهنية، فهذا يعني أن الذاكرة وحدها تأثرت... لسبب ما.


ثم أضاف وهو يعقد ذراعيه أمام صدره:


- ولهذا أعتقد أن فقدان الذاكرة في هذه الحالة مؤقت... ويمكن أن تعود إليه في أية لحظة.


ازدردت ندى ريقها بصعوبة. ضمت حقيبتها إلى صدرها وهي تسير في الشوارع شبه المقفرة ذاك المساء. هل كانت تلك هي الإجابة التي تبحث عنها؟


الذاكرة قد ترجع في أية لحظة... ليس فقدانا نهائيا. احتمال عودة أحمد الذي عرفته لا يزال قائما. تشنجت كفها التي تقبض على الحقيبة. هل كانت تحاول أن تمزق الصورة التي لا تزال ترقد في الداخل؟ ليست واثقة. لم تعد واثقة من شيء.


* * * * *


هتف في غضب لم يفهم هو نفسه مأتاه:


- لماذا لم يحدثني أحد عنها قبل الآن؟ هل كان يجب أن أكتشف وجودها بنفسي؟


سحبته سماح من كفه، وجعلته يجلس على المقعد القريب. تفكر في إجابة مقنعة ومناسبة. قالت في تودد:


- لم نر فائدة من إخبارك الآن، لأنها ... لأنها ، مسافرة حاليا... في تونس...


لم تستطع أن تخبره أنها نسيته، وستتزوج قريبا من غيره. ليس الوقت مناسبا.


ربما يتذكر شيئا الآن عن طريقها. لا يجب أن توصد الباب قبل أن تتوصل إلى شيء. قالت في هدوء محاولة إخفاء لهفتها:


- هل تذكرت شيئا عنها؟


لم يجبها مباشرة. بدا سارحا في أفكاره:


- إذن فقد كانت خطيبتي... كانت يهودية وأنا مسلم. وهي اليوم مسلمة... وأنا مسيحي.


كانت مفارقة عجيبة صعبة التصديق. والأدهى أنه كان ولا يزال طرفا فيها. لم تنتظر سماح طويلا رده. وقفت بسرعة وغادرت الغرفة. يجب أن تدق الحديد وهو حام. عادت بعد لحظات وهي تحمل ألبوم صور. نظر إليها أحمد في دهشة. لم تكن هذه الصور ضمن تلك التي عرضوها عليه في السابق. كانت صورها محفوظة على حدة. كأنهم قصدوا إقصاءها! يشك في أن السبب الوحيد هو سفرها.


- هذه صور حفل خطوبتكما... انظر هذه هي... ندی.


رفع الصورة أمام وجهه، وملأ منها عينيه. إنها هي. اسمها ندى. شيء ما تحرك في داخله. شيء ما يؤكد له أنه يعرفها. لكنه لبث حائرا للحظات. هل تذكرها فعلا، أم أن عقله بصدد إعادة تكوين ذكريات جديدة عنها من خلال رسائلها وصورها؟ لا يشعر بأنه عاش هذه الأحداث بقدر ما يشعر بأنها مألوفة. والمألوف غير المعيش... عقد حاجبيه في انزعاج. فليكتف بهذا القدر


الآن. فليكتف بهذا القدر. التفت إلى سماح في اهتمام:


- متى تعود؟ متى يمكنني أن أراها؟


* * * * *


- اتصال لك!


ازدردت ريقها الجاف، وضمت ذراعها إلى صدرها وهي تسير نحو سماعة الهاتف كمن ينتظر حكما بالإعدام. كانت الاتصالات التي وصلتها في اليومين الأخيرين قد شوشت هدوءها بما فيه الكفاية. لا تدري ما الذي يمكن أن يحدث بعد ذلك! تنحنحت ليجلو صوتها قبل أن ترد على الاتصال:


- ندى... هل يمكنك المجيء؟


اتسعت عيناها وهي تجيب بصوت مخنوق:


- سماح، هذه أنت؟ ماذا هناك؟


- ندى... أحمد يحتاج إليك!


كاد قلبها يقفز بين ضلوعها وهي تهتف:


- هل استعاد ذاكرته؟


تنهدت سماح قبل أن ترد:


- ليس بعد... لكنه طلب أن يراك...


ثم أضافت في ارتباك تشرح لها الموقف:


- وجد رسائل منك في منزل الضيعة... منذ ذلك الحين وهو شديد الاضطراب...


يريد أن يراك... (ثم مصححة) يريد أن يرى صاحبة الرسائل، فهو لا يذكر بعد! لكن وجودك قد يساعده كثيرا ...


تنهدت بدورها والحيرة تمزقها:


- لست أدري...


- أرجوك


حين توقفت عن الكتابة إليه، كانت تريد أن تكون صادقة مع نفسها ومع من اختارها لتكون شريكة حياته. حين رضيت بالارتباط بحسان، وضعت أمامها كل الاحتمالات، وفكرت مليا ... ظنت أنها قادرة على بدء حياة جديدة ليس فيها أحمد أو ظل أحمد. تريد استقرارا . تريد بيتا. تريد حياة واقعية لا تحكمها الذكريات وتسيطر عليها الأوهام. أخيرا قررت أن تعيش؟


لكن الآن... في هذه اللحظة بالذات، لم تعد تدري أين تقف. أحمد الذي توقفت عن انتظاره يظهر فجأة. يظهر وقد نسيها. ثم يطلب أن يراها حتى يستعيد ذاكرته! ضربت الجدار بقبضتها بعنف، ثم رمت بنفسها على السرير وأشبعته ضربا. لماذا؟ لماذا؟ كتمت صرختها على وسادتها. وتركت العنان لدموعها التي تحبسها منذ يومين. تركتها تسيل في صمت غاضب. نعم، هي غاضبة، غاضبة جدا منه. يتركها، وينساها... ثم يطلب مساعدتها! نار تشتعل في صدرها. لماذا تساعده؟ لماذا تذكره وتذكر نفسها- بماضيهما معا... بماض لم تمح من ذاكرتها لحظة منه، رغم جميع محاولاتها؟ هل لتخبره فيما بعد بأنها أصبحت خطيبة غيره، وبأنه عاد متأخرا؟ عصرت عينيها بشدة وهي تكتم شهقاتها. تعلم أنه لا ذنب له في كل ما حصل. وهي أيضا لا ذنب لها ...


وحسان أيضا لا ذنب له؟


تعالى فجأة رنين هاتفها الجوال الملقى على المنضدة إلى جانبها. رفعت رأسها بصعوبة وهي تحاول السيطرة على انفعالاتها. حسان يتصل. مسحت دموعها بظهر كفها ثم وضعتها على صدرها لتخفف نسق أنفاسها المتسارعة.


- كيف حالك؟


لم يكن سؤاله بريئا تماما ، كأنه يخمن شيئا عن حقيقة حالها. ردت بصوت واهن:


- بخير...


صوتها وشی بكونها لم تكن كذلك. قالت بسرعة كي تهرب من تساؤل على طرف لسانه:


- سماح اتصلت منذ قليل...


هل كان يتوقع ذلك؟ لكنه على الأقل لم يفاجأ. حثها على المواصلة في صمت، فقالت في توجس:


- تريد مني العودة... أحمد يحتاجني ليستعيد ذاكرته...


قال بصوت قرأت فيه قلة الحيلة:


- إن كنت تريدين ذلك، فافعلي...


ثم أضاف كأنه يخفف وطأة جوابه المستسلم:


- لبنان اشتاقت إليك أيضا...


أغلقت الخط وقد ازدادت اضطرابا. كانت تريده أن يمنعها. أن يحميها... من نفسها ومن عواطفها المتقلبة. لكنه لم يعارض ولو لوهلة واحدة. ربما كان يفكر في الأمر طوال اليومين الماضيين. ربما لم ينم الليلة الماضية هو الآخر. ربما رأى أن المواجهة خير، سواء خرج من اللعبة غالبا أم مغلوبا.


* * * * *


صارت تلك الرسائل شغله الشاغل. عاد إلى الضيعة صحبة أيهم وسماح ليقوم بجمعها كلها ، كأنه يجمع شظايا ذكريات لا تخصه، ولكنها تعطي لماضيه بعدا رومانسيا ملهما. غطت الكومة المكتب حتى فاضت على جوانبه وانزلقت على الأرض. لكنه كان عازما على دراستها واحدة واحدة. بدأ العمل بجد واهتمام.


رتبها حسب تسلسلها الزمني وحاول ربطها بخط حياته الكتيبة الرتيبة في فترة الضياع. حين بشرته بإسلامها، كان لا يزال يعمل أجيرا يستصلح الأرض البور في قرية الخيام. وحين طردت وسافرت لتعيش في تونس مع عائلة ريما، كان يتنقل بين المدن والقرى بحثا عن هويته. يبيع الخضروات ويبيت في العراء.


كم كانت حياتها مليئة بالأحداث الصاخبة والتحولات العميقة، وكم كانت حياته قاحلة خالية من كل معنى. لكن القدر خصهما معا بالقسوة والعذاب.


جمع الرسائل التي كانت بين يديه، وأعاد ترصيفها بعناية مع البقية. أعاد بعض النظام إلى المكتب، ثم استرخى على المقعد. عقد كفيه وراء رأسه وأسبل جفنيه طالبا بعض الراحة. لا يدري لماذا يفكر فيها بكل هذه الكثافة، ويولي أمرها أهمية فوق اهتمامه بكل شيء حوله. لأنها كانت خطيبته؟ شيء ما بداخله يقول إن الأمر أكبر من ذلك. كيف؟ لا يدري. كل الرسائل التي أمامه توحي بخصوصية العلاقة التي جمعتهما. يحس بأنها تعرف عنه أكثر مما يعرفه الآخرون، وغيابها الغامض يضاعف شكوكه.


حاول أن يرسم لها صورة معاصرة في مخيلته. صورة فتاة مسلمة تكبر تلك اليهودية التي رآها في الصورة بخمس أو ست سنوات. للحظات، هاله الفارق الزمني بين الماضي والحاضر. مر وقت طويل. طويل بالفعل. فتح عينيه وقد داخله الشك من جديد. كم نسبة احتمال أن تكون في انتظاره اليوم؟ ليس بوسعة الآن سوى الانتظار. سينتظر وصولها من تونس... بالتأكيد ستكون لديها بعض الإجابات.


توقفت نظراته فجأة على كتاب فوق المنضدة القريبة من سريره. لم يكن قد لاحظ وجوده من قبل. كان كتابا مزخرفا بخطوط ذهبية. وقف من مكانه كان مغناطیسا شده باتجاهه. لم يقاوم الفضول الذي جعله يمد يده إليه ليقلبه عن قرب. فتح الكتاب على الصفحة الأولى وقرأ:


«بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين...».


بدت الكلمات غريبة للوهلة الأولى. واصل في حيرة...


«... الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، إياك نعبد وإياك نستعين، اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين».


كان يقرأ في اندفاع ولهفة. كلما تقدم في قراءته، تدفقت الكلمات في رأسه في سلاسة. يكاد ينطق بالحروف قبل أن تقع عليها عيناه. تشنجت أصابعه وهو يقبض على الكتاب بكلتا يديه. أحس بدوار عنيف يداهم عقله وتسارعت أنفاسه المتلاحقة بجنون، عاوده الإحساس الغريب الذي أحسه للمرة الأولى في المنزل الريفي. صور كثيرة أخذت تتدفق في رأسه. تيار قوي من الرموز المتداخلة لم تستطع أعصابه أن تتحمله. تأرجح جسده في ضعف وتشتت. حاول أن يمسك بظهر المقعد، لكن عضلاته كانت قد ارتخت وتبددت طاقتها. لم يستطع أن يحافظ على توازنه، وخر جسده هامدا على الأرض بلا حراك.....



              الفصل الرابع والثلاثون من هنا 

              لقراءة جميع فصول الرواية من هنا

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة