رواية شلال الدم الفصل الرابع 4 بقلم ملكة الروايات وساحرة القلوب

رواية شلال الدم الفصل الرابع 4 بقلم ملكة الروايات وساحرة القلوب


وجمر الغيرة

​غادرت رحمة مائدة الطعام بوقار ملكي وخطوات متزنة، تركَت خلفها صمتاً أثقل من الجبال وناجي يغلي  في منتصف الصالة.


​صعدت إلى جناحها الغربي، وأغلقت الباب بالمفتاح. وبمجرد أن أصبحت بمفردها، سندت ظهرها على الباب الخشبي، وهبطت بجسدها ببطء حتى جلست على الأرض. اتسعت أنفاسها المتهدجة ووضعت يدها على قلبها الذي كان يضرب أضلعها بقوة.


​لم تكن نبرة كارولينا وتصرفاتها لمس كبريائها فحسب، بل أشعلت في أعماقها نار الغيرة التي حاولت دفنها لسنوات! كانت رحمة تتأكل من الداخل: "كيف لهذه الأجنبية أن تضع يدها على كتفه؟! كيف تتحدث عن ليلها وقربها منه بهذه الجرأة؟!" لكن كبرياء "بنت سويلم" منعها من الخروج بدمعة واحدة أمامهم، وجعلها ترد الصاع صاعين بلسان كالسيف.


​في الأسفل، طرد ناجي كارولينا إلى الجناح الشرقي بصوته الهادي لكنه لم يتجه إليها، بل صعد الدرج بخطوات سريعة متجهاً نحو الجناح الغربي.


​وقف أمام باب رحمة، ودق الباب بدقات متزنة ولكنها تحمل رجاءً مكتوماً:


"رحمة.. افتحي يا بنت سويلم.. محتاج أتكلم معاكي."


​من خلف الباب، حبست رحمة أنفاسها، ومسحت حافة عينها بسرعة، ثم وقفت واستعدلت ثوبها البنفسجي، وقالت بصوت ناعم ولكن تقطره القسوة والبرود:


"مافيش كلام بيننا يتفح يا ولد الدهشان. الأصول اتحلت لما جبت ضرتي تحت سقف واحد، والحديث اللي بيننا خلص على السفرة عند الملاك اللي جايبه معاك من بلاد بره."


​اشتعلت النار في صدر ناجي من نبرتها الباردة، ووضع كفه على الباب الخشبي وهمس بنبرة حارقة تملأها اللهفة:


"والنعمة الشريفة ما دخلت قلبي ولا تمس مني طرف! كارولينا ورق وشغل قديم وبتقفل.. أنتِ العشق يا رحمة، أنتِ اللي كبرت في قلبي من يوم ما كنا نقعد على الساقية! الغيرة اللي في عينك دي أنا حاسس بيها من ورا الباب!"


​ابتسمت رحمة ابتسامة وجع وسخرية، وقالت بصوت متمكن:


"غيرة؟! أنت فاهم غلط يا ناجي.. بنت سويلم ما بتغيرش من واحدة جاية للفلوس والتراخيص. أنا أترفّع عن المقارنة. روح لزوجتك اللي بتشتكي من برودة الجناح الشرقي ودفّيها، وسيبني أنا هنا أصون عهدي مع أبوي وأحقن الدم.. وبس!"


​تراجع ناجي خطوة للوراء وكأن كلامها ضربة حجر على رأسه! فرك ذقنه بغضب مكتوم، وقسَم في سرّه أنه سيجعلها تعترف بغيرتها وحبها لو كان ذلك آخر يوم في عمره!


​في الجناح الشرقي..


كانت كارولينا تقف أمام المرآة تتفحص وجهها المصودم من رد رحمة الصارم. كانت تشعر بالاهانة لم تتلقاها في حياتها!


قالت لنفسها بالإنجليزية بغيظ مكتوم:


"هذه الفتاة الصعيدية تتحداني؟ تظن أن هيبتها وطين أرضها سيمنعان ناجي عني؟ سأريها من هي كارولينا.. إذا كان ناجي يضعف أمام أنوثتها وقوتها، فسأستخدم أسلحتي الخاصة لأستعيده وأكسر كبرياءها قبال الدوار كله!"


​خرجت كارولينا من جناحها وهبطت إلى المطبخ الكبير للدوار، حيث كانت تجلس الحاجة "آمنة" مع الخادمات يجهزن طعام الغداء.


​تدخلت كارولينا بابتسامة صفراء ممتلئة بالتحدي، وقالت بلهجتها العربية المكسورة:


"يا حاجة آمنة.. أنا زوجة ناجي، وأريد أن أطبخ له بنفسي اليوم.. الطبق الأوروبي الذي يحبه ناجي جداً عندما كنا في الخارج! هو يفضل ذوقي وطعامي دائماً."


​نظرت إليها الحاجة آمنة بفراسة الصعيد وسخرت منها بنظرة دافئة، ثم قالت بوقار:


"ناجي ولد الدهشان يا خواجاية.. طعامه بلدي، وطبعه صعيدي، والأكل اللي يرم عظمه هو أكل حريم دارنا.. بس اعملي اللي يعجبك، والميدان يتسع للجميع!"


​في هذه اللحظة، كانت رحمة تنزل السلالم بهدوء لتساعد في الدوار كما تفعل السيدات الأصيلات. سمعت حديث كارولينا، ولمحت نظرة التحدي في عيني الخواجاية.


​قربت رحمة بخطوات ملكية، ونظرت إلى الأطباق والدلع الذي تتصنعه كارولينا.


قالت رحمة للحاجة آمنة بصوت مسموع وواضح:


"سبيها يا حاجة تعمل اللي هي عايزاه.. ناجي لسة راجع من بره ومحتاج يفتكر أيام الغربة عشان يعرف الفرق بين (أكل المطاعم) وبين أكل اهله وناسه اللي اتربى عليه!"


​ثم التفتت رحمة لكارولينا بابتسامة باردة كالثلج وأكملت بالإنجليزية:


"اعملي الطبق بتاعك يا كارولينا.. ونشوف ولد الدهشان هيسيب أكل بيته ويدور على طعام الفنادق، ولا أصله يغلبه!"


​شطاطت كارولينا غضباً، وبدأت في إعداد الطعام بتحفز وشراسة أنثوية محتدمة!


​حين حلّ وقت العصر، اجتمع المجلس على السفرة الكبيرة.


كان الحاج "الدهشان" يجلس على رأس الطاولة بسبحته والهيبة تحيط به، وجلس ناجي بجانبه وعيناه تتطلعان بلهفة نحو السلم منتظراً حضور رحمة.


​نزلت رحمة وهي ترتدي عباءة شتوية مخملية باللون الكحلي الداكن يزينها تطريز ذهبي ناعم، وحجاب أبيض يزيد وجهها نضارة وشموخاً. أخذت مكانها بكل هدوء.


​تقدمت كارولينا بطلة متصنعة وهي تحمل طبقاً غربياً مزيناً بالصلصات واللحم البارد، ووضعته أمام ناجي خصيصاً بابتسامة دلع:


"هذا لك يا حبيبي.. أعددته بنفسي كما كنت تحبه في العواصم الأوروبية."


​ثم نظرت لرحمة بنظرة انتصار خفي.


​لكن رحمة لم تبتئس؛ بل قامت بهدوء، وقدمت أمام ناجي طبقاً صعيدياً أصيلاً (رقاق باللحم والجميد البلدي) أعدته بيديها وبأسرار نساء سويلم، وقالت بنبرة ناعمة تقطر أنوثة وهيبة في آن واحد:


"وده أكل دارك يا ولد الدهشان.. أكل طين الأرض اللي طالع منها، عشان ريقك يرجع لأصله بعد طول الغربة."


​تجمعت الأعين على ناجي!


كان الطبقان أمامه على السفرة... والأهم، كان صراع العشق والكبرياء والغيرة يشتعل في الصالة!


​نظر ناجي إلى طبق كارولينا، ثم التفت ونظر إلى عين رحمة.. رأى في عيني رحمة تحدياً أنثوياً كاد يذهب بعقله، ولمح غيرة مكتومة تخفيها تحت هذا الهدوء القاتل.


​ابتسم ناجي ابتسامة جانية أظهرت غمازتيه وسحره الصعيدي، ومد يده مباشرة.. تجاهل طبق كارولينا تماماً، وأخذ قطعة كبيرة من طبق رحمة، وأكلها بشغف وهو يتطلع في عيني رحمة مباشرة دون أن يطرف له جفن!


​وقال بصوت رخيم هز أركان المائدة:


"سلمت إديكي يا بنت سويلم.. والله ما يدخل ريقي ولا يرم عظمي غير أكل داري وطين أرضي! اللي يدوق طعم الصعيد وأصله.. ما تنفعش معاه تقاليع بره ولو غرقوها عسل!"


​احمرّ وجه كارولينا من الفضيحة أمام الحاج الدهشان والحاجة آمنة! وقفت من على السفرة بغضب مكتوم، وشتمت بالإنجليزية ثم غادرت الصالة مسرعة نحو جناحها وهي تضرب الأرض بكعبها!


​ابتسم الحاج الدهشان ابتسامة رضا خفية، بينما نظرت رحمة إلى ناجي برصانة، وحاولت منع شفتيها من الابتسام، لكن ضربات قلبها المتسارعة فضحتها قبال عينيه النافذتين!


​في وقت لاحق من الليل..


كانت رحمة تقف في شرفة جناحها تتنفس هواء الليل البارد وتفكر فيما حدث.


​فجأة.. أحست بظل يمتد خلفها، وبأنفاس دافئة تقترب من عنقها. قبل أن تلتفت، كان ناجي يقف خلفها تماماً، وحاصرها ببراعيه على سور الشرفة دون أن يلمسها، وهو يهمس في أذنها بنبرة تذوب عشقاً وغروراً:


​"دوجتيني أكل إيديكي يا رحمة.. ودوجتيني معاه نار غيرتك اللي كنتِ هتموتي وتدفيها قبال الخواجاية! أنكري طول الليل يا بنت سويلم.. بس عينك النهار ده قالت إن ناجي لسة جوة قلبك ومتربع فيه!"


​التفتت رحمة بسرعة وجسدها يرتعد من قربه الذي يربك ثباتها، وسندت يدها على صدره بقوة لتبعده، وقالت بصوت يرجف من شدة المشاعر:


"ابعد يا ناجي! اللي عملته الصبح كان عشان هيبة دار سويلم ورجالها، مش عشانك! ما تفكرش إن قطعة رقاق هتنسيني السواقي والوعود اللي كسرتها!"


​قبض ناجي على يدها الموضوعة على صدره، وضغطها على موضع قلبه النابض بقوة كالمجنون، وقال بنبرة مبحوحة تهز الجبال:


"اسمعي دقاته يا رحمة! القلب ده ما ينبضش لغيرك.. والخواجاية دي أيامها معدودة في الدوار وهتمشي! بس قوليلي بصراحة.. لو مشيت الخواجاية وانقفل التار.. هتفضلي جافلة بابك في وشي؟ ولا هتسامحي ولد الدهشان اللي بيموت في حبك؟"


​تلاقت الأعين في عتمة الليل وتحت ضوء القمر.. وساد صمت ثقيل لم تقطع أصداءه إلا أنفاسهما المتسارعة.


​وفي هذه اللحظة بالذات.. من ظلام الحديقة السفلي، كانت كارولينا تقف في الظلام ترقبهما بعينين تشعان حقداً وغلّاً، وفي يدها هاتفها تطلب رقم شريكها وتسجل مقطع فيديو لقربهما، وهي تهمس بشر:


"إذا كانت هذه الصعيدية هي نقطة ضعفك يا ناجي.. فسأجعلها الخاسر الأكبر!"


​كيف ستتطوّر معركة الغيرة والأنوثة بين رحمة وكارولينا في الأيام القادمة؟


وهل سينجح ناجي في ذوبان الجليد وكسب قلب رحمة المتردد بين الكبرياء والعشق؟


وما الخطة الخبيثة الجديدة التي تدبرها كارولينا لاستغلال فيديو الشرفة وتفجير الخلاف بين العائلتين؟


​كل هذا سنعرفه في الحلقة القادمة من شلال الدم!🔥


بقلم ملكه الروايات وساحره القلوب M❤👑.



                  الفصل الخامس من هنا 

          لقراءة جميع فصول الرواية من هنا

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة