
رواية في قلبي انثي عبرية الفصل الحادي عشر 11 بقلم خولة حمدي
لم يستطع أن يمحو صورتها من ذاكرته منذ تلك الليلة،
أغمض عينيه في إعياء واستلقى على ظهره واضعا
كفيه خلف رأسه، مادا ساقه المصابة أمامه، وجد نفسه
يفكر في الموضوع بجدية، خسارة أن تكون تلك الفتاة
يهودية! بل إنه يراها مسلمة أكثر من كثير من المسلمين.
أفكارها، حشمتها، حياؤها... كلها تجعل منها تربة
خصبة لزرع بذرة الإسلام، ويشعر أن من واجبه أن
يدعوها، يشعر أن القدر أخذه إلى ذلك المنزل لأن مهمة
ما تنتظره،
لم يكن أحمد قد فكر في فتاة من قبل، وحين كانت
شقيقته سماح تلح عليه حتى يصف لها زوجة أحلامه،
كان يقول في شيء من المداعبة: ((هي امرأة بقلب رجل،
لديها من القوة والحزم ورباطة الجأش بقدر الرقة
والحنان والنعومة، تحمل هم الإسلام والأمة في قلبها
أكثر من الموضة ونوع السيارة والمنزل ذي الحديقة
والمسبح، لا يهمها الآخرون وماذا يقولون، وترضى بما
أعطيه لها مهما كان قليلا تسير معي في أي طريق
دون أن تسأل، لا تهم التفاصيل، المهم أن نكون معا.»
أراد أن يضيف «وتحمل السلاح حين يقتضي الأمر، ولا
تلفت إلى الوراء حين يتعلق الأمر بالقضية»، لكن علاقته
بالمقاومة اللبنانية كانت سرا مكتوما عن أقرب الناس إليه
حتى تلك اللحظة، فتمصمص سماع شفتيها في
امتعاض وهي تقول: «لن أقدم لك أيا من صديقاتي.
أعرف أني سأظلمهن بذلك».
كانت المقاومة كل ما يشغل تفكيره في تلك الآونة، شهدت
حياته تحولا منذ سنتين، بعد مجزرة قانا، أدرك حينها
أنه لن يقدر على تحمل يوم إضافي من الخنوع غير
المبرر لعدو لا يعرف للجشع حدودا، تغيرت أولوياته بين
يوم وليلة، صار الجهاد المحور الذي تدور في فلكه
أفكاره وأفعاله، ابتعد عن أصدقائه القدامى ورسم قواعد
لصداقاته الجديدة، بعد وهلة قصيرة، لم يعد لديه
أصدقاء غير إخوته في المقاومة، استعاض عن الصداقة
بالأخوة في الله.
لم يكن يدري أين موضع ندى من كل ذلك، لكنه وجد
نفسه دون وعي منه يوسع لها مكانا، لا يدري بعد ما
تصنيفه، لكن الأكيد هو أنه اختيار تلك المهمة طائعا، ولم
يكن ليتخلى عنها تحت أي ضغط،
كان غارقا في لجة أفكاره، حين دخلت سماح مبتسمة،
وضعت طبقا يحوي كأسي شاي محلى على المنضدة،
ثم جلست على طرف السرير.
- كيف حال بطلنا اليوم؟ أمي أخبرتني أنك خرجت
لتتمشى قليلا هذا الصباح...
- أحسست بتحسن، ورأيت أن بعض المشي سيكون
مفيدا حتى لا تخمل عضلاتي...
- جيد... يمكنك أن تعود إلى الكلية قريبا إذن... وحاذر
في المرة القادمة حين تلهو بالكرة الحديدية!
ابتسم أحمد في خجل، كان قد أخبر عائلته أنه قد
أصيب في أثناء لعبه الكرة الحديدية في نادي الكلية،
ولم يتطرق إلى العملية التي كان بصددها، ولا إلى
الليلة التي قضاها في مستودع العائلة اليهودية! كانت
كذبة سخيفة، صدقها والداه بسذاجة، لكنها لم تنطل
على سماح!
أطرق للحظات مفكرا، ثم رفع رأسه وقال بلهجة جادة:
- سماح... هناك سر صغير سأخبرك عنه...
نظرت إليه سماح وهي تضيق عينيها في دهاء:
- قل... هل للأمر علاقة بإصابتك؟
أوما برأسه علامة الإيجاب وقال:
- عديني أولا ألا يعلم أحد عنه شيئا... ولا حتى
والدانا...
- أعدك!
- وأنك ستساعدينني للوصول إلى ما أريد...
- أعدك! ولكن قل ما الأمر، فقد شوقتني!!
- حسن... الإصابة التي تعرضت لها، لم تكن .
الكرة الحديدية...
- أعلم ذلك!
ابتسم أحمد وهو يجيب:
- نبيهة... مثل أخيك!
- وأكثر! والآن "خبرني... ما الذي تخفيه؟
أخذ أحمد نفسا عميقا، قبل أن يقص عليها ما حصل
في ذلك اليوم باختصار شديد، وما إن أنهى سرده،
حتى ضربت سماع كفيها ببعض في انبهار وهي
- لست هينا يا أحمد!
ثم أضافت في مرح:
- يحق لي أن أفخر بك أمام صديقاتي!
- ألم نتفق بأن يظل الأمر سر .
اسننا؟!
- آه نعم... وهو كذلك! وما المطلوب مني الآن؟
انحنى أحمد إلى الأمام وقال في تصميم:
أريد منك أن تزوري الفتاة اليهودية في بيتها...
نظرت إليه سماح في شك وعدم استيعاب:
- أزورها؟ ولماذا؟
- حسن... ستذهبين لشكرها عما فعلته من أجلي،
وتحاولين مصادقتها...
- وماذا بيب
سكت أحمد هنيهة، ثم قال وقد سرحت نظراته في
الفراغ:
- ثم سننظر ما الذي يمكننا فعله...
كانت ندى منهمكة في قراءة فصول روايتها الفرنسية
«جولتي وحيدا عبر هذا القرن»، التي يقص فيها روجيه
جارودي، الفيلسوف والكاتب الفرنسي سيرته الذاتية،
ابتداء من الحرب العالمية الأولى، وتأرجحه بين الشيوعية
والكاثوليكية، مرورا بصراعاته السياسية والفكرية في
منتصف القرن، وصولا إلى إسلامه في أوائل
الثمانينيات، كانت قد سمعت عن جارودي ودرست بعض
نصوصه في كليتها. وما إن وقعت عيناها على الرواية
في المكتبة العامة، حتى تملكتها رغبة غريبة في قراءتها.
كان تريد أن تتعرف عن قرب إلى هذه الشخصية التي
واجهت المنظمات الصهيونية، وتصادمت معها في
مناسبات عدة، وخاصة وهي تعلم بمبادرته لإصدار بيان
يدين العدوان الإسرائيلي بعد مجازر لبنان سنة 1982.
لم تكن قد أتمت الكتاب بعد، لكنها اندمجت بشدة مع
أحداثه، وأخذت في كل مرة تحاول تقمص شخصية
الكاتب، وتدرس الخيارات التي كانت أمامه، والقرارات
التي اتخذها طوال مساره الديني والفكري. كانت تجد
أن جارودي أخطأ المسار الصحيح، وتغافل عنه ليركز
على ما يناسب ملابسات حياته، أو ربما اكتفى بما
أهدته إليه الحياة من فرص، ولم يتعمق في البحث حتى
يصل إلى روح الفكر اليهودي... كانت تعلم مسبقا أن
جارودي سيلقي مرساته أخيرا على شواطئ الإسلام،
ولم تكن قراءتها لتلك الرواية إلا لسببين اثنين: الفضول
لمعرفة الدوافع التي حملته إلى تلك النتيجة، والرغبة في
إيجاد الخلل في تفكيره الذي قاده إليها! فلا بد من
وجود خلل ما... كانت تشعر بالغيظ لأن جارودي يقول
إنه وجد المعاني التي بحث عنها طوال حياته في
الاسلام، وهو ما لم يجده في التوجهات الأخرى التي
اعتنقها أو درسها... كما أنه شكك في الأرقام الشائعة
حول إبادة يهود أوربا في غرف الغاز على أيدي
النازيين، وبالمحرقة في حد ذاتها، مما حدا بالمحاكم
الفرنسية إلى محاكمته!
فتح الباب فجأة، وأطلت دانا وهي تقول بسرعة:
- ندى... لديك زائرة!
زائرة؟ من تكون؟
لكن دانا كانت قد اختفت، تنهدت ندى وهي تضع
روايتها جانبا، ستعود إلى جارودي ومغامرته الغريبة
فيما بعد. وقفت بسرعة وألقت نظرة عابرة على هندامها
في المرآة. لم تكن لديها صديقات كثيرات، ولم تكن
تتلقى الزيارات منهن نظرا لتحفظ عائلتها الشديد في
الاختلاط بغير اليهود، توجهت إلى غرفة الجلوس حيث ......