رواية في قلبي انثي عبرية الفصل الخامس 5 بقلم خولة حمدي


رواية في قلبي انثي عبرية الفصل الخامس 5 بقلم خولة حمدي


بصوت خفيض: 


- أحمد... هل تسمعني؟ 


ندت حركة بسيطة من أحمد تدل على استجابته إلى 


النداء، وفتح عينيه قليلا. 


- لا تقلق... سيصل الطبيب قريبا... 


لم يكن واثقا من ذلك تمام الثقة، لكنه عض على شفته 


السفلى وهو يبتهل إلى الله أن يكون ذلك صحيحا، 


كان قد مضى ربع ساعة تقريبا على خروج ندى حين 


فتح الباب مجددا وظهرت الفتاة مبتسمة، نظر إليها 


حسان في تحفز، وتشنجت أطرافه حين لمح الرجل الذي 


يتقدم من ورائها، لكنها سارعت بالتوضيح قائلة وهي 


تفسح المجال للرجل: 


يمكنه أن يعاين جرح 


- لقد طلبت المساعدة من أخي...


المصاب. 


حدق حسان بعدم استيعاب في الرجل الذي ارتدى زي 


راهب كنيسة، وصليب من الحجم الكبير يتدلى من عنقه، 


كان في الأمر خلل ما... في البداية فتاة يهودية تدخلهم 


بيتها، ثم تستعين براهب مسيحي لعلاج الجرح، وتقول 


بأنه أخوها!! 


تقدم الراهب الشاب في صمت إلى الطاولة، وهو يمسك 


حقيبة الإسعافات الأولية، فتحها بحركة بطيئة، وتناول 


قفازات نظيفة، كأنه جراع حقيقي، أضافت ندى بصوت 


- ميشال درس التمريض قبل أن يلتحق بخدمة 


الكنيسة... وهو بارع في تقطيب الجراح... 


بدت الدهشة على حسان وهو يراقب عمل الراهب 


الدقيق والهادئ. عاين ميشال الجرح في اهتمام، ثم بدامن


على وجهه الانزعاج: 


- ليس الأمر بالسهولة التي توقعتها... لا يمكنني خياطة 


الجرح قبل تنظيفه من الداخل... 


اقتربت ندى وأطلت برأسها من وراء كتفيه لتنظر 


بدورها. لكنها تراجعت بسرعة وهي تتمتم: 


ربما يجب أن نأخذه إلى المستشفى... 


- ما يمكنهم تقديمه في المستشفى لن يكون أفضل مما 


يمكنني فعله... سأنظف الجرح بنفسي... 


قال ميشال تلك الكلمات وهو يتناول المقص الطبي، ثم 


رفع عينيه إلى حسان وأشار قائلا: 


- ثبته على الطاولة من كتفيه حتى لا يتحرك... ستكون 


العملية مؤلمة... ودقيقة... 


ثم التفت إلى ندى وهو يتابع: 


- ندى أرجوك، أمسكي ساقه جيدا حتى أنتهي من


إخراج قطع المعدن من الجرح... 


عضت ندى على شفتها في ألم، وهي تمد يدها في 


اضطراب لتشارك في العملية، أما حسان فقد قرب 


شفتيه من أذن صاحبه وهمس مطمئنا: 


- أحمد... اثبت أرجوك... ستتألم قليلا، لكن كل شيء 


سيكون على ما يرام. 


- خذ هذا... ضعه في فمه... 


رفع حسان رأسه، فوجد ميشال يمد إليه قطعة قماش 


خشنة، تناولها وقد فهم الغرض منها. انحنى على أذن 


أحمد مجددا وهو يهمس: 


- تجلد أرجوك... اضغط بأسنانك على هذه، حتى لا 


تؤذي نفسك... 


فتح أحمد عينيه لبرهة، وقد بلغ منه الوهن مبلغه... لكن




بعد لحظات، تعالى صراخه المكتوم بقطعة القماش، 


وأخذ جسده في الاهتزاز بعنف من الألم بعد أن شرع 


ميشال في العبث بأدواته الحادة داخل ساقه، كانت 


ندى في غاية التأثر، تشد بقبضتها على الساق المصابة 


لتثبتها على الطاولة، وتخفي بكفها الأخرى وجهها، 


حتى لا تقع عيناها على الجرع المفتوح، لكنها لم تستطع 


أن تمنع عبراتها من التسرب، والأنين العميق الذي يطلقه 


أحمد يملا أذنيها... كان حسان هو الآخر ممتقع الوجه، 


يمسك بكتفي صديقه بقوة حتى يشل حركته، لكنه لم 


ينجح في منع جسده من الاضطراب... حنى ارتخى 


أخيرا وغاب عن الوعي. 


رفع ميشال رأسه وهو يتنهد، ثم نزع القفازات التي 


اصطبغت بالدماء، ووضعها في كيس بلاستيكي بكل 


حرص. ثم قال وهو يتناول الضمادات القطنية ويلف بها .......


الساق التي انتهى من خياطة جرحها للتو: 


- سيستيقظ بعد بضع ساعات... يلزمه بعض الراحة 


قبل أن يتمكن من السير بصفة طبيعية... 


أعاد جمع أدواته في الحقيبة الطبية، ثم سار إلى 


الخارج تتبعه ندى، تنهد حسان في ارتياح، وهو يتأمل 


وجه صاحبه الهادئ، سيكون بخير..، قلبه يحدثه بأنه 


سيكون بخير... لقد نجا من الخطر الحقيقي، 


وسيستيقظ عند الصباح وهو أحسن حالا... 


انتبه حين وصله صوت حديث قادم من الخارج لم يتبينه 


جيدا. اقترب من باب المستودع الخشبي في حذر، 


فأصبحت الأصوات أكثر وضوحا، جاءه صوت ميشال 


وهو يهتف في حدة: 


- هل تدركين جيدا ما الذي تفعلينه؟ كيف تدخلين رجلين


مشبوهين إلى المنزل في غياب والديك؟ 


ن صوت ندى أكثر هدوءا وهي تقول: 


كا 


- اخفض صوتك... سيسمعانك! أنت ترى جيدا أنني 


أدخلتهما إلى المستودع وليس إلى المنزل... كما أنني لم 


أستطع طردهما وأحدهما مصاب... ظننت أن عملك في 


الكنيسة سيجعلك أكثر تسامحا... 


- لكن وجودهما هنا فيه خطر..، لقد حل الظلام... هل 


فكرت في ردة فعل والديك إن علما؟ 


- بابا جورج سيكون متفهما... 


- لكن أمك لن تكون كذلك!! 


ساد الصمت للحظات، وقد بدا على ندى التفكير، أطرق 


حسان في تفكير هو الآخر، لكن ما لبث أن جاءه صوت 


الفتاة مجددا وهي تقول في حزم: 


- إذن لا يجب أن تعلم! ودانا كذلك..أحمد


 دانا؟! أليست في المنزل؟ 


- بلى... لكنني كذبت عليها... قلت إن الجيران يحتاجون 


إلى أدوات من المستودع... 


لم يعلق ميشال، فأردفت ندى في رجاء: 


- أنت لن تخبر أحدا، أليس كذلك؟ على أية حال 


سيغادران قبل عودة والدينا... 


تأخر رد ميشال للحظات قبل أن يقول وصوته يبتعد: 


- حسن... سأعود بعد قليل... 


لحقته ندى وهي تهتف: 


- هل اتفقنا؟ 


عاد حسان إلى مجلسه على المقعد الخشبي القديم بعد 


أن اختفت الأصوات تماما، تنهد وهو يطالع وجه أحمد




في حنان، كانا يدركان جيدا الخطر الذي يواجهانه، 


لكن ذلك لم يمنعهما من المجازفة... طالما كانت قضيتهما 


عادلة وهدفهما مشروعا. كتب الله لهما النجاة 


بأعجوبة... فلا يزال في العمر بقية، تجهم وجهه حين 


تذكر ما حصل في نهاية المطاف، لا شك أن الجنود قد 


فتشوا المكان جيدا بعد أن تفطنوا إلى تسللهما، ولا شك 


أنهم قد عثروا على آلات التنصت التي أخفاياها... 


فشلت العملية! 


التفت حين سمع صرير الباب وهو يفتح من جديد، كانت 


ندى قد عادت وهي تحمل عددا من الأغطية والوسائد. 


هب ليستلمها منها، واشتركا في لف جسد أحمد 


وتدثيره، والصمت يخيم عليهما. 


- سيكون أفضل هكذا... 


أوما برأسه موافقا، ثم قال متغلبا على تردده:


- آنستي... 


رفعت رأسها في تساؤل، فاستطرد وهو يغض بصره 


في حياء: 


- أسف لكل ما سببناه لك من متاعب... وشكرا جزيلا 


على كل ما قدمته لنا... 


- هذا واجبي... 


قالت ذلك في اقتضاب، وهي تستدير لمغادرة المكان في 


ن من الواضح أنه استمع إلى جزء من حديثها 


ارتباك، كا 


مع ميشال، بعد دقائق قليلة، طرقت باب المستودع 


بلطف، ثم دخلت وقد سبقتها رائحة الحساء الشهي. 


تابعها حسان بنظراته في تأثر وهي تضع الطبق وقنينة 


الماء على المقعد الخشبي الخالي في عناية، قالت قبل 


أن تسارع لتنصرف نهائيا هذه المرة: 


- هناك ما يكفي من الأغطية لك أيضا... الليلة باردة.......



                  الفصل السادس من هنا 

          لقراءة جميع فصول الرواية من هنا

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة