
رواية في قلبي انثي عبرية الفصل الثالث والعشرون 23 بقلم خولة حمدي
عزيزي أحمد،
لا يمكنك أن تتصور كم الجامعة واسعة، وكم فيها من الأقسام. لكن الشيء الأكثر إثارة هو الجنسيات المختلفة هنا، كأن شعوب الأرض كلها أرسلت سفراءها لتمثيلها في الجامعة! صينيون وهنود وأفارقة وآخرون من مختلف الجنسيات الأوروبية... مزيج لا يصدق من الألوان والأصول المختلفة. صحيح أن لبنان فيها من التنوع العرقي والديني الكثير، لكننا على الأقل نتكلم لغة واحدة، ولا نجد صعوبة في التواصل. من حسن حظي أنني أجيد الفرنسية وأتكلمها بطلاقة، لكن ذلك ليس حال جميع الطلاب... حتى أنابيلا جارتي في
السكن تجد بعض الصعوبات، وقد وجدتني في مناسبات كثيرة ألعب دور المترجم، لأساعدها على قضاء بعض الحاجات. الجامعة فيها تخصصات
كثيرة وعدد الطلبة كبير أيضا. هذا ليس غريبا على جامعة بمثل هذه الشهرة!
قاعات الدرس رائعة من حيث التهيئة والتجهيز، والمدرجات تتسع لمئات الطلبة.
تعرفت إلى بعض الطالبات في درس الفلسفة... واحدة من رومانيا، والأخرى من أرمينيا. وقد تناولنا طعام الغداء معا، لكنني لم أتناول سوى الخضروات، فليس من السهل هنا إيجاد المطاعم التي تصنع طعاما يحترم الشعائر اليهودية!
أتممت تجهيز شقتي الصغيرة. اشتريت مفارش وستائر، وغيرت ورق الجدران، حتى أترك في المكان بصمتي الخاصة، وأحس بأنني في منزلي حقا. أنابيلا ساعدتني في الأشغال، وقد أمضينا وقتا ممتعا. هي فتاة طيبة جدا... بريئة
وعفوية مثل طفلة صغيرة. عائلتها تسكن إيطاليا، وهي تسافر إليهم مرة كل شهر. الرحلة طويلة بالقطار من باريس إلى ميلانو. لكنها تعودت أكثر مني على السفر، فقد درست من قبل في روما بعيدا عن عائلتها.
الحياة المستقلة ليست سهلة أبدا. علي الآن أن أهتم بكل شيء بنفسي دون إرشاد من أحد التفكير في المشتريات وحاجيات البيت، والمعاملات الإدارية
والفواتير... علي أن أتعود على كل هذا. حقا أفتقد أمي! رغم أنني جئت إلى هنا فرارا من حصارها وتحكمها في حياتي، إلا أنني أعترف بأنها كانت حريصة على راحتي. اكتشفت كم أنا وحيدة وضائعة دونها !
أفتقدك جدا أيضا... أكثر من أي وقت مضى. لذلك سأكتب إليك كل يوم، عسی أن تصلك رسائلي يوما ما. أريد أن أشاركك كل لحظات حياتي الجديدة. لا تقلق... لن يفوتك منها شيء»
سمعت طرقات خفيفة على بابها. إنها أنابيلا دون شك. اتفقتا على الذهاب للتسوق معا.
- لحظة، أنا قادمة...
أعادت قراءة رسالتها بسرعة، ثم وضعتها في الظرف. ترددت للحظات وهي تمسك القلم. عليها أن تضع عنوانا على الظرف! لا يمكنها أن ترسله إلى منزل أحمد. لا تريد أن تنكأ جراح والديه التي لم تندمل بعد. ولا يمكنها أن تدع رسالتها تقع بين يدي أحد غيره... إلى أين ترسلها إذن؟ ليتها تعرف أين يكون!
- ندى... ألم تجهزي بعد؟
كانت أنابيلا تستعجلها. نعم... وجدتها! وبكل ثقة، خطت العنوان... عنوان منزل الضيعة. منزل الأحلام الوردية... حيث كان يفكر أحمد بالاستقرار بعد الزواج وإنشاء مشروعه الخاص. لن يذهب أحد إلى هناك في مثل هذا الوقت من السنة. كما أنه لا أحد يهتم بتفقد صندوق البريد، فالعائلة لا تتلقى مراسلات هناك. ستكون الرسالة محفوظة، إلى أن يأتي صاحب المنزل.
وضعت الرسالة في حقيبتها، وجرت لتفتح لأنابيلا وقد انشرحت أساريرها...
* * * * *
- «عزيزي أحمد،
متعبة جدا أنا اليوم. الضغط الدراسي بدأ يعلو رويدا رويدا ... وعلي البدء في التحضير للبحث النهائي. استعرت بعض المراجع من المكتبة العامة، وسأشرع
في العمل عليها قريبا. المكتبة أيضا مدهشة! فضاء واسع حيث رفوف الكتب التي تعلو إلى السقف تحيط بك من كل جانب. لم أستطع تضييع الفرصة والمغادرة دون المرور بقسم الكتب الدينية والعقائدية. تصور أنني وجدت تفسيرا للقرآن باللغة الفرنسية! كنت قد تركت كتاب التفسير الذي أهديتني إياه في لبنان، وكتاب التفسير هذا سيفيدني بالتأكيد. ما زلت أواظب على
القراءة اليومية التي وعدتك بها... لكنني مللت القراءة دون فهم. ربما علي أن أهتم بما يقول القرآن أكثر، فمهما قرأت من كتب التحليل والمقارنة، فإنها لن تكون أكثر دقة من القرآن نفسه. لغتي العربية جيدة نوعا ما، لكنها ليست كافية لفهم الآيات القرآنية.
أنابيلا اكتشفت القرآن لدي في زيارتها الأخيرة. كنت أخبرتها بأنني يهودية، لذلك فقد فوجئت برؤية الكتاب فوق مكتبي. لم أرد أن أقص عليها حكايتي، لذلك اكتفيت بالقول بأنني أهتم بدراسة الكتب السماوية. هي تدين بالمسيحية، لكنها بدت مهتمة أيضا بالتعرف إلى الديانات الأخرى. كانت قد طلبت مني بضع مرات بأن أحدثها عن التوراة، وعن تقاليدنا وعاداتنا الدينية... تذكرني ببابا جورج وتسامحه منقطع النظير.
البارحة تحدثنا كثيرا عن الإسلام، كانت لديها أسئلة كثيرة وقد حاولت مساعدتها بما أعلم. لكنني لم أكن أملك الإجابات الشافية في معظم الأحيان، رغم كل ما قرأته! ربما كان ذلك السبب الأساسي لاهتمامي بفهم القرآن.
أنابيلا لا تفهم العربية، أما أنا فبلى، وهذا يعد نقطة إيجابية يجب علي استغلالها.
من المعالم الحضارية المعروفة في باريس، جامع باريس الكبير. وهو يقع على بعد بضعة شوارع من مكان سكني. لم أكن قد مررت بجواره من قبل، لكن أنابيلا طلبت مني أن أصحبها لزيارته. قررنا الذهاب يوم غد الجمعة. سيكون اكتشافا لي أيضا! فرغم كثرة المساجد والجوامع في لبنان، فإنني لم أجرؤ على دخول أحدها. المرة الوحيدة التي رأيت فيها صلاة المسلمين الجماعية كانت في منزل الضيعة... وكنت أنت من يصلي. هل تذكر؟ حدثتني فيما بعد عن صلاتكم وشعائرها. ثم رأيت ريما تصلي مرات عدة في البيت. والآن سأذهب أخيرا لزيارة مكان العبادة. الأمر أسهل بكثير هنا... فالجامع الكبير يعتبر معلما أثريا يدخله السياح باختلاف انتماءاتهم الدينية والعقائدية.
سأحدثك عن هذه الزيارة بتفاصيلها في رسالة الغد...»
* * * * *
خطت ندى في اتجاه مدخل الجامع وإحساس غريب بالألفة يراودها. كأن اقترابها من مكان العبادة يقربها من العزيز الغائب... على الأقل من عالمه.
شدت أنابيلا على ذراعها، وهي تشير إلى الحديقة الخلابة التي تتوسط فناء الجامع وتهتف:
- هل يمكننا أن نلتقط بعض الصور هنا؟
أشارت إليها ندى بخفض صوتها وهمست:
- دعينا أولا نقم بجولة في المكان... دون أن نجلب الأنظار إلينا...
عبرتا الحديقة الأمامية، وهما تجيلان النظر حولهما في فضول ممزوج بإعجاب. لم تكن الزخرفة العربية الإسلامية غريبة على ندي، فقد سبق لها أن رأت بعض المعالم في لبنان. لكن الفن المعماري لا يفتأ يثير إعجابها على الدوام. كان الجامع هادئا والحركة خفيفة في الممرات. خطرت ببال ندى فكرة حين رأت لافتة تشير إلى مكان الوضوء الخاص بالنساء. أشارت إلى أنابيلا وهي تتقدمها:
- تعالي من هنا... سأعلمك شيئا !
نزلتا سويا الدرج اللولبي الذي يقود إلى قاعة الوضوء في المستوى تحت الأرضي. بدأت ندی بنزع حذائها، وكشف ذراعيها، وأنابيلا تفعل مثلها في اهتمام. قالت ندی موضحة:
- سأعلمك الوضوء على طريقة المسلمين... وهي عملية التطهر قبل أداء الصلاة...
كانت فخورة لأنها تعرف شيئا جديدا عن أنابيلا، وستعلمها إياه كما علمتها ريما. بدأت تغسل أطرافها على مهل، وتشرح القواعد، وأنابيلا تقلدها في مرح طفولي. حين فرغتا، قالت ندي وهي تكرر جملة سمعتها يوما من أحمد:
- الوضوء واجب قبل دخول قاعة الصلاة في المسجد، وضروري قبل الصلاة...
كانتا قد اقتربت من الفناء، حين تناهى إليهما صوت الإمام وهو يرفع صوته بالأذان... إنه النداء إلى الصلاة. تقدمت أنابيلا نحو القاعة التي صدر عنها الصوت وهي تسأل ندی:
- هل هي الصلاة؟
لم يكن بوسع ندى أن تفيدها بشأن ذلك، فقد كانت المرة الأولى التي تدخل فيها إلى الجامع هي الأخرى. لكنها شدتها من ذراعها حتى لا تتوغل إلى الداخل، فقد عهدتها متسرعة ومتهورة، والصلاة ليست مسرحا للفرجة، ولا يجب عليهما إزعاج المصلين. لكن أنابيلا شدتها معها لتجد نفسها أمام الباب المفتوح على مصراعيه والمؤدي إلى قاعة كبيرة مفروشة بالزرابي، وتتدلى من
سقفها الثريات الضخمة ذات الأشكال الجذابة. كان هناك عدد قليل من الزوار بالداخل، وبدا أن الصلاة لم تبدأ بعد، فلم تترددا في الدخول، وهما تتأملان تنسيق المكان وديكوره المميز.
كانت ندى تقدم توضيحات لمرافقتها حول فن المعمار الإسلامي، حين رأت سيدة في متوسط العمر ترتدي الحجاب الإسلامي، وتشير إليهما بالخروج.
ارتبكت الفتاتان وتوجهتا على الفور إلى المخرج لتغادرا. تملك ندى الخوف. هل يبدو عليهما أنهما ليستا مسلمتين؟ ما الخطأ؟ هل ظهرت نجمة داوود على
صدرها؟ لكنها أخفتها بعناية... تحسستها من تحت المعطف. لا، لا تظهر؟
حثت الخطى وهي تقطع الفناء بسرعة، وقد تملكها خوف رهيب. يجب أن تغادر المكان على الفور، فهي تعرف أنه يغفر للمسيحية ولا يغفر لها. لكن صوتا
أنثويا ينادي بالفرنسية جاءهما من الخلف:
- يا أهل الكتاب! يا أهل الكتاب! تعاليا!
توقفت أنابيلا استجابة للنداء، لكن ندي ظلت على توجسها. أهل الكتاب؟ كيف عرفت المرأة ذلك؟ مصيبة!!! تبادلت ندي وأنابيلا نظرات تشاور. لكن إلحاح
المرأة جعلهما تستجيبان للنداء، وتمضيان باتجاهها على استحياء. أشارت إليهما المرأة بنزع أحذيتهما حين دخول القاعة وهي تبتسم. ثم دعتهما إلى الداخل... ارتبكت ندي وهي تنقذ الأمر في إذعان. كانت تعلم أن المسلمين ينزعون أحذيتهم للصلاة، لكنها لم تعلم أن عليها نزعها عند دخول القاعة، فهما كانتا في الفناء بأحذيتهما، ولم يطلب منهما أحد نزعها... لذلك فإنها تصورت أن الأحذية نزع للصلاة لا غير.
تبعتاها إلى الداخل في صمت متوجس. كان المصلون قد بدؤوا في التوافد، وأخذوا تلقائيا في الانتظام على شكل صفوف متوازية ملتفتين إلى اتجاه واحد. كان مكان صلاة النساء منفصلا عن مكان صلاة الرجال، عن طريق ستارة ممتدة إلى أخر القاعة. رفعت المرأة طرف الستارة، فتجت أمام الفتاتين صفوف أخرى من المصليات... نظرت ندى في استغراب. كيف تصلي النساء في قاعة منفصلة؟ فهي تذكر أن سماح والسيدة سعاد كانتا تصليان خلف أحمد وبقية الرجال مباشرة ذاك اليوم! ولم تمض سوى لحظات حتى ارتفع صوت المؤذن، معلنا بداية الصلاة. قادتهما المرأة إلى نهاية القاعة وطلبت منهما الجلوس في صمت وعدم لمس كتب القرآن أو المرور أمام المصلين، ثم سارعت بالانضمام إلى الصف الأخير وشرعت في الصلاة.
لبثت الفتاتان للحظات مشدودتين إلى المشهد، تطالعان صفوف المصلين المنتظمة المتزاحمة الخاشعة في صمت ثقيل. وما لبث صوت الإمام أن ارتفع في همهمة جديدة ميزت فيها ندى التكبير، ثم انحنى المصلون جميعا في حركة واحدة راكعين. تمتمت أنابيلا متسائلة في خفوت:
- هل صلاتهم صامتة؟
ابتسمت ندي وهي تنحني نحوها، وتقول هامسة حتى لا يصل صوتها إلى المصليات:
- صلاة المسلمين مختلفة عن صلاة النصارى التي تؤدي بصوت مرتفع وبطريقة غنائية، لكنها قريبة من صلاة اليهود. فعندنا أيضا يردد المصلي مقاطع من الكتاب المقدس بصوت خافت، أو في داخله، دون أن يجهر بها...
عادت ندي وأنابيلا لمتابعة المشهد في فضول وانجذاب. وما إن أعلن الإمام نهاية الصلاة، حتى دبت الحركة في المكان، وارتفعت الأصوات بالحديث.
توجهت المرأة التي سبق وتحدثت إلى ندى ومرافقتها إليهما مبتسمة، وطلبت منهما انتظارها، وما لبثت أن عادت وهي تحمل إبريق شاي. جلست إلى جوارهما وملأت كأسين، قدمتهما إليهما وهي تقول:
- أهلا بكما... من عادتنا أن نقدم الشاي لعابري السبيل وضيوف الجامع، وأنتما اليوم ضيفتان لدينا.
رشفت ندی رشفة من كأسها في امتنان، وهي تحمد الله لأنها لم تسألهما عن ديانتهما. كانت النسوة من حولهن قد تفرقن في مجموعات صغيرة، بعضهن يقرأ في القرآن، والبعض الآخر يتبادلن الأحاديث... في حين قامت بعضهن بتوزيع التمر. اغتنمت أنابيلا الفرصة وأخذت تطرح الأسئلة التي خامرتها وهي تشاهد الصلاة:
- لماذا أنتم مزدحمون والفناء واسع؟
شرحت المرأة بسعة صدر:
- نحن نزدحم لنكون ما... فالصلاة جماعية... والجماعة تعني أن نكون كالبنيان المرصوص، متلاحمين... لا نترك فرجة يتسلل منها الشيطان ويفسد وحدتنا. وتلك ميزة الصلاة في المسجد... وإلا فليبق كل منا في بيته ويؤدر
صلاته منفردا!
تزايدت دهشة أنابيلا وهي تسأل مجددا:
- ولماذا بقينا نحن في الخلف، في حين تقدمتم جميعا إلى الأمام؟
- نحن نقف في الأمام حتى نكون أقرب من الإمام الذي يقود الصلاة، وحتى لا يمر أحد بين الصفوف أو أمام المصلين. لو كنا تركنا مساحة في الأمام، فإن من يصل متأخرا سيمر أمام الباقين ويشوش تركيزهم. أما حين نكون في الأمام، فإن القادم سيتخذ مكانه في الصف الأخير، دون أن يزعج غيره...
ويترك المجال لمن سيأتي بعده... فالمسألة تنظيمية.
هزت أنابيلا رأسها في إعجاب وقالت مبتسمة:
- حقيقة... الإسلام فيه كل شيء!! إذا كانت صلاتكم بمثل هذا النظام، فلا شك أنكم تلتزمون بالصف في أعمالكم... وتركبون الحافلات بشكل منظم، کي تتركوا المجال لمن يركب بعدكم! إنه لشيء مدهش حقا !!
ابتسمت المرأة ولم تعلق، أما ندى فقد انفجرت ضاحكة. هتفت أنابيلا في احتجاج:
- هل قلت شيئا خطأ؟
هرت ندى رأسها نافية وهي تقول:
- لا أبدا...
شكرتا المرأة، واعتذرتا لتنهيا الزيارة. خرجت ندي وقد شغل كلام أنابيلا تفكيرها. تعلم جيدا أن الحال في البلاد العربية ليس كذلك أبدا. لكن المبدأ في حد ذاته بدا مهما. ما قالته أنابيلا صحيح... أو بالأحرى، كان يجب أن تترك قواعد الصلاة الجماعية أثرا في الحياة الاجتماعية للمسلمين. تذكرت حينها كلمات قالها أحمد «لا تجعلي المسلمين ينفرونك من الإسلام، فتطبيقهم
لتعاليمه متفاوت... لكن انظري في خلق رسول الإسلام، وحده ضمن كل البشر خلقه القرآن».
كانت أنابيلا تجرها من مكان إلى آخر طوال العطلة الأسبوعية في كل مرة تنتقي معلما باريسيا جديدا، وتأخذها في جولة استكشافية. تعترف أنها لم تكن لتقوم بكل تلك الزيارات لو كانت بمفردها. ومع أن الوجهات لم تكن بالضرورة تناسب ميولاتها في كل مرة، فإنها على الأقل تخرجها من أجواء الدراسة الخانقة وجدران غرفتها الضيقة.
تجاوزت البوابة الخارجية لمتحف «اللوفر» الشهير في فتور. لم تكن المتاحف تستهويها كثيرا، بل لعلها تصيبها بالملل أكثر من أي شيء آخر. لوحات، تماثيل، أوان خزفية، قطع نقدية قديمة... كل ذلك كان يحلو لأنابيلا، تلميذة جامعة الفنون التشكيلية، ويشد انتباهها. كانت تتوقف عند كل قطعة وتهتف بمرح طفولي كلما اكتشفت تفاصيل تبدو لها مثيرة. تبعتها ندى عبر الردهات من قاعة إلى أخرى وهي تجر قدميها وجيل نظراتها في غير تركيز. استيقظ اهتمامها حين عبرت المدخل المؤدي إلى قاعة مصر القديمة. استقبلها التمثال المصغر لأبي الهول بشموخه المتعالي، وارتسمت على شفتيها ابتسامة وهي ترى عددا من الزوار يقفون منتظرين دورهم لالتقاط صورة معه، مع أن إشارة منع التصوير كانت تتصدر البوابة! وهالها أن وجدت أنابيلا تلقي إليها بآلة التصوير الخاصة بها، وتسارع باتخاذ موقفها بين المنتظرين وهي تبتسم في
رجاء. تنهدت ندى وهي تنظر إلى آلة التصوير بين يديها. ثم تقدمت خطوات في اتجاه البهو لا يزال أمامها بعض الوقت قبل أن يحين دور صديقتها.
قادتها قدماها باتجاه الممر على يسار القاعة الذي يفضي إلى درج عريض، يؤدي بدوره إلى قاعة سفلية متصلة بالقاعة الأولى. نزلت الدرجات على مهل وقد نسيت أنابيلا تقريبا. تبعت تیار الوافدين في استسلام، وهناك في الأسفل، استوقفتها مجموعة من التوابيت الخشبية المرصوفة خلف زجاج سميك، بزخرفتها الدقيقة الملونة. كانت تعد لحماية المومياوات الفرعونية. في أقصى القاعة كان هناك صندوق زجاجي آخر تبدت خلفه مومياء مستلقية على ظهرها، وقد شبكت ذراعيها فوق صدرها. اتجهت نحوها في اهتمام،
وهي تعتصر ذاكرتها محاولة استعادة صورة قديمة. كأنها قد سمعت شيئا بشأن هذه المومياء في الماضي، لكنها لا تذكر أين ومتى. وقفت أمام الجسد المحنط المحاط بلفافات قماشية بيضاء، استحال لونها إلى الأصفر الباهت.
قرأت اللافتة التي علقت عند رأس المومياء... عن عملية التحنيط وحفظ الخلايا البشرية من التلف. أخذت تسترجع الكلمات التي قرأتها منذ أشهر... المومياء التي وجدت سليمة مكتملة دون كل المومياوات الفرعونية. هل كانت لرمسيس الثاني؟ ليست متأكدة. كانت السلطات الفرنسية قد استقدمتها من مصر لإجراء تحاليل مكثفة حول وسيلة حفظها وأسباب الوفاة وما إلى ذلك. هناك شيء ما غريب اكتشفه الطاقم الطبي الذي أشرف على التحاليل... ما هو؟ آه نعم... اكتشفوا أن الفرعون صاحب المومياء قد مات غريقا !
نعم، هو ذاك! في تلك اللحظة استعادت الصورة كاملة. كانت قد قرأت ذلك في كتاب الدكتور الجراح موريس بوكاي. كان هو ضمن الفريق الطبي الذي أشرف على تشريح المومياء. لكنها قرأت له كتابا واحدا... التوراة والقرآن والعلم! كان قد تحدث عن ذلك في الفصل الخاص بالإعجاز العلمي في القرآن. تسمرت في مكانها للحظات وهي تجمع كل تلك الأفكار وتعكسها على المومياء الماثلة أمامها. هل ذكر ذلك في القرآن حقا؟ حين قرأت الكتاب، لم تحاول البحث عن الدلائل في القرآن، فهي حينها لم تكن قد شرعت في محاولة فهم النصوص القرآنية. لكن الآن، يمكنها التثبت بنفسها.
انتبهت حين أحست بكف تربت كتفها. التفتت فزعة لتجد أنابيلا تطالعها في استياء... ابتسمت في اعتذار وهي تعيد إليها آلة التصوير. لقد فوتت عليها فرصة التقاط صورة مع أبي الهول.
- هل شدتك هذه المومياء؟ ابتسمي... سأخذ لك صورة معها؟
وقبل أن تعلق ندي، أضاء كاشف آلة التصوير، والتقطت الصورة. ربما أخذت أنابيلا بذلك ثأرها.
ظلت المومياء تشغل تفكيرها، حتى أنهت جولتها وعادت إلى غرفتها. اعتذرت من أنابيلا التي عرضت عليها تناول وجبة العشاء سويا، وأغلقت على نفسها الباب. أين اختفى ذلك الكتاب؟ تذكر أنها لمحته في مكان ما هنا... آه، ها هو؟
سارعت بالبحث في الفهرس وفتحت الصفحة الخاصة بقصة الفرعون. أين هي الآية التي تحدث عنها؟ ها هي. فتحت القرآن بسرعة، دون أن تفكر في طقوس الطهارة المعتادة. لا تملك الوقت لذلك الآن. بحثت عن الآية على عجل.
حين وصلت إلى الصفحة، توقفت مشدوهة:
﴿فاليوم ننجّيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية﴾
كانت الآية في غاية الوضوح. عادت إلى الكتاب لتقرأ التفسير العلماء والمؤرخون أقروا بأن الفرعون المقصود في قصة النبي موسى هو صاحب المومياء الموجودة في المتحف. الفرعون الذي طارد بني إسرائيل إلى اليم، فانشق الماء بمعجزة إلهية ليعبر موسی وبنو إسرائيل، ثم غمرت المياه الطريق لتبتلع فرعون وجنوده... الفرعون مرنبتاح، خليفة رمسيس الثاني.
﴿فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية﴾
المومياء ظلت على حالها، محفوظة لدرجة مدهشة طيلة خمسة آلاف سنة، ولم تشرع في التأكل إلا حين تم الكشف عنها في بداية القرن العشرين، ورغم الحماية المتوفرة في المتحف إلا أن ذلك لم يمنع حالها من السير نحو الأسوأ.
كان ذلك شيئا لا يصدق! عادت إلى الكتاب تستزيده التوضيحات. كان يذكر وجوها عديدة أخرى من الإعجاز العلمي في القرآن... عن الكواكب والنجوم، وعن مراحل تكون الجنين في بطن أمه، وعن أشياء كثيرة أخرى. راحت تقرأ فصول الكتاب باللغة الفرنسية ثم تعود إلى النص العربي الأصلي، ثم إلى التفسير الفرنسي للقرآن. كانت هناك اختلافات في التأويل في بعض المواضع، لكن الالتقاءات كانت كافية لتذهلها وتمتعها في آن!
﴿أفلا يتدبرون القران ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا﴾
كانت تلك الآية ماثلة بين عينيها على الدوام. تزعجها وتحيرها، تستفزها وتؤرقها في أحيان كثيرة. ولم يعد بإمكانها التراجع عن الطريق التي توغلت فيها أكثر من اللازم......