رواية في قلبي انثي عبرية الفصل الرابع والعشرون 24 بقلم خولة حمدي


رواية في قلبي انثي عبرية الفصل الرابع والعشرون 24 بقلم خولة حمدي


قرأت القرآن مرات ومرات، وكانت في كل مرة تزداد فهما لكلماته البليغة. قرأته بتمعن منذ البداية، تحلل وتفسر. عادت وحيدة إلى مسجد باريس الكبير


مرات، تقابل الأئمة وتستفسر. كانت المعاني تتسلل إلى قلبها وعقلها رويدا رويدا، وروحها تتشربها جرعة جرعة. اقتنعت بالإعجاز العلمي دون شكوك، ثم تفكرت أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فتعمقت أكثر حتى لا تتوقف عند الجانب العلمي، وتكتشف بلاغة اللغة العربية وحلاوتها. وكلما أوغلت في قراءتها وفهمها، تصدعت الدروع التي حصنت بها عقيدتها طوال طفولتها وبداية شبابها وأخذت في التداعي.


كانت الآيات القرانية تعيدها إلى ذكريات نقاشاتها المحتدمة مع أحمد وتؤيد إجاباته على أسئلتها المستفزة...


- لماذا يهاجمنا القرآن؟


- نحن لا نهاجم أحدا، والقرآن لا يهاجمكم. هل سمعت بأحد يهان من اليهود في القرون السابقة؟ تغذت العنصرية ضد اليهود من أسباب مختلفة، ولم يكن


القرآن سببا فيها. هل كان هتلر يقرأ القرآن ليكره اليهود والسود والعرب وكل من ليسوا جنسا آريا؟ هل نحن من فرضنا على اليهود الخروج من بيت المقدس منذ مئات السنين، وهل أخرجناكم عندما عشتم في أراضينا معنا؟


اسألي جدك أو جدتك... تغذت النقمة على اليهود من حركات اجتماعية وواقع سیاسي محدد...


ثم أضاف بعد هنيهة:


- ولكن عداءنا للصهاينة قائم لا جدال فيه، لأنهم يصرون على اتباع منهج اليهود القدامى الذي يدينه القرآن بوضوح، أنا لا أخفي عليك الأمر. وإليك


الأسباب...»


ثم طفق يعد لها الأسباب... ولم تكن تعلم أيا منها! أحست بالجهل المدقع في قرارة نفسها. وها هي الآيات التي تقرؤها بين يديها تشهد على ذلك:


﴿أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون * وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا


بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون﴾


﴿ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين﴾


﴿قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن کنتم مؤمنين﴾


﴿أو كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون﴾


عاد صوت أحمد يرن في أذنيها وهي تعاين الآيات في شغف:


«- ... كما أن الكلام ليس واردا على اليهود فقط، بل على كل من طغى وعاث فسادا في الأرض أيا كان، ألم يذكر القرآن أنه عاقب فرعون وجعلكم من أعزاء القوم باتباعكم موسى عليه السلام؟ هل في هذا إهانة؟ بل هو العكس تماما!


فقد حفظ لكم تاريخكم وأراكم أنكم كنتم من عباده الصالحين وممن أكرمهم بأنبيائه...»


﴿يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين﴾


﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصاری والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾


وتتالت الشواهد أمام عينيها... عن الجهاد في الإسلام والغزوات، وقصة عیسی بن مريم، والبعث والعقاب والجزاء... وكل الأسئلة التي طالما راودتها الشكوك حولها. لشد ما راوغت أحمد بشأنها، وتفننت في إيجاد الثغرات في تحليلاته وتأويلاته. لكنها وهي تمسك المصحف بين يديها، تحس بصدق ما تقرأ. تحس بعمق وقوة لم تعهدهما في التوراة أو في العهد القديم. ولم يخف عليها أنها أخذة في التغير... بل هي قد تغيرت من الداخل دون أن تشعر.


وحين قرأت في إحدى لياليها المسهدة آية سورة الحديد، بصوت خافت متهدج:


﴿ألم يأنِ للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون. اعلموا أن الله يُحيي الأرض بعد موتها قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون﴾


انتابتها نوبة بكاء عنيفة، جعلت جسدها النحيل يهتز بقوة. تركت المصحف لبضع دقائق، وأغمضت عينيها تحاول تمالك نفسها. لم تعد تسيطر على التحولات التي تحدث بداخلها. وضعت كفها على صدرها لتوقف دقات قلبها المتسارعة، وصوت في رأسها يردد في إصرار: ألم يأن؟ ألم يأن..؟ يحثها على الإجابة...


عادت إلى قراءتها لتطرد الأفكار الغريبة التي تلح عليها ... تقرأ دون تركيز، فقط لتخمد ثورة قلبها. لكنها حين وصلت إلى الآية:


﴿لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون﴾، أطلقت صرخة مكتومة، وانهارت ساجدة على الأرض. كان الجبل الذي بداخلها قد انهار خاشعا متصدعا...


من خشية الله !


* * * * *


﴿وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين * بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾


«أخي في الله أحمد،


أحببت أن أبدأ رسالتي إليك بهذه العبارات، لعلك تفهم منها ما جد في حياتي، وما منعني من الكتابة إليك في الفترة الماضية. أيام عصيبة مرت بي، فقد رقدت في الفراش لأسابيع طويلة، وأنا لا أكاد أشعر بما يحصل حولي. عدت إلى لبنان منذ أيام. اشتد بي المرض، فما كان من المسؤولة عن السكن الطلابي إلا أن اتصلت بعائلتي ليتم ترحيلي إلى هنا. أنابيلا اعتنت بي في


الفترة الأولى من مرضي، وطلبت لي الأطباء. لكنهم عجزوا عن تشخيص حالتي... فما في نفسي روحي، وليس جسديا ملموسا.


هل تذكر حين مرضت منذ سنتين بعد رحيل ريما؟ كنت تقرأ لي بعض الآيات القرآنية وأنا غارقة في غيبوبتي. كانت سورة الدخان... كان لها وقع غريب في نفسي في تلك المرة. ومع أنني قرأت القرآن مرات عديدة منذ تلك المرة، إلا أنني لم أستشعر نفس الأحاسيس مجددا. كنت أقرأ القرآن كما أطالع المقالات في الجرائد... دون أن يحرك في شيئا. لكنني في الفترة الأخيرة، أصبحت أكثر حساسية لمعانيه. تأثرت بكثير من الآيات التي ذكرني بنقشاتنا الماضية...


ليس لأنها تعيد إلي الذكريات، بل لاستيعابي المتأخر لكثير من الأمور التي سلف وشرحتها لي. أعتذر لكوني تلميذة ثقيلة الفهم... فقد تطلب مني الأمر زمنا طويلا حتى أصل إلى ما قصدته بكلامك.


في المرة الأخيرة، حين شرعت في تلاوة سورة الدخان، أصابني صداع شديد ودوار غريب، كأنني أرى صورا من غيبوبتي السابقة. وما إن انتهيت منها حتى وجدتني طريحة الفراش كأنني مصابة من جديد. الأكيد أن قناعتي تضخمت من سورة إلى أخرى، ولكن هذه السورة كانت هي الفصل. ما الذي جاء فيها؟ لا أدري كيف أشرحه، ولكنني أحسست أنها تخاطبني، وأن ما ترويه له صدى في نفسي. كيف سأفسر ذلك؟ تتحدث عن الرحمة والمغفرة وعن العقاب والثواب وعن سيدنا موسى وعن سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام وما قيل فيه. أحسست بالجهل. فيم أكابر؟ هل أعرف شيئا عن الإسلام ونبي الإسلام عدا ما أراه من حولي؟ هل استعملت عقلي كي أميز وأختار؟ أم أني


نشأت على اليهودية فظللت كما أنا لا أكثر ولا أقل؟ ما الذي أفعله غير أني أقول إنه معلم مجنون؟ وجدت بكل بساطة أنني طاغية وأنني مستكبرة وأنني من القاسية قلوبهم وأنني وأنني... في لحظة مر بخاطري معنى الإسلام، المعنى اللغوي. والله كم كان ما اكتشفته رائعا رغم بساطته، كمن ينفض غبار سنين طويلة من التعليم الديني القاسي. تحررت فعلا في لحظة لا أدري كيف أصفها... تحررت روحي لكن جسدي لم يتحمل. مرضت لأسابيع طويلة، ولا أحد من حولي يدري بما يحصل معي. لم أتحدث إلى أحد بأفكاري الجديدة.


لم أقوَ على ذلك... فقد تطلب مني الأمر دهرا حتى أستيقن مما أنا فيه الآن.


وها أنا أكتب إليك قبل أي كان بعد أن تحسنت صحتي، وصرت قادرة على إمساك القلم. كنت قد عاهدت نفسي بأن تكون أول من يصله الخبر، وأول من يشاركني نشوتي بحياتي الجديدة.


أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.


ها أنا ذا أنطق بالشهادتين للمرة الأولى، وأنت الشاهد الوحيد على إسلامي؟


نعم يا أحمد. لعلك فهمت ذلك منذ الكلمات الأولى من رسالتي، لكنني أعلم أن الخبر صعب التصديق إلى درجة يجب معها التصريح والتوضيح لا مجرد التلميح!


أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.


الآن عرفت الحق وصدقت به. وأنا مدينة لك بكل ذلك. الآن فقط فهمت لماذا طلبت مني أن أقرأ القرآن كل يوم. كنت تعلم أنه السلاح الأقوى في وجه مغرورة مثلي. كنت تعلم أنه لا سبيل إلى بشر أن يقاوم سحر القرآن وتأثيره...


كنت تعلم أنني لن أحتاج إلى معلم آخر مع القرآن. كنت تعلم كل ذلك... ولذلك راقبتني من بعيد وانتظرت معي اليوم السعيد...»


وضعت القلم جانبا في إعياء وسقطت ذراعها إلى جانبها على السرير. لم تبذل جهدا مثل هذا منذ أسابيع، وهي لم تسترجع لياقتها البدنية بعد. سمعت خطوات تقترب من غرفتها ، فجاهدت لتخفي الورقة التي كتبت عليها الرسالة تحت وسادتها، ثم تستوي جالسة كعادتها. دخلت سونيا وهي تحاول الابتسام في شفقة. يؤلمها أن ترى صغيرتها تنهض من مرضها لتنهار مرة أخرى. قالت في تحبب:


- أنت أفضل حالا اليوم، ممتاز.


هزت رأسها موافقة دون أن تتكلم، فتابعت سونيا بنفس اللهجة الحانية:


- لديك زائرة اليوم... تفضلي يا سماح.




حين سمعت ندی اسم سماح استبشرت أساريرها، وتعلقت عيناها بالباب في لهفة. مر زمن على لقائهما الأخير. يا الله! كم اشتاقت إليها ... كما اشتاقت إلى أخيها. اقتربت سماح لتعانقها في حب، ثم جلست على طرف سريرها وعيناها لا تفارقان وجهها. ما إن وصلها خبر عودتها حتى سارعت بزيارتها، لكنها لم تتصور أن تجدها على تلك الحال المتدهورة!


- كيف هي دراستك في فرنسا؟


هزت ندى رأسها في صمت، ثم تطلعت إلى الباب الموصد بعد انصراف سونيا:


- لم تعد الدراسة تهمني يا سماح...


نظرت إليها سماح في قلق، وهي تنتظر توضيحا، فانحنت ندي باتجاهها وقالت هامسة:


- هناك أشياء إن وجدتها تهون الدنيا وما فيها !


ثم واصلت وهي تضغط بكفها على ذراع سماح في حماس:


- باركي لي يا سماح... باركي لي! أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.


كانت تنطق بالشهادتين للمرة الأولى بصوت مرتفع، بعد أن خطتها على الورق، ورددها عقلها في صمت. نظرت إليها سماح في ارتباك وقد عقدت الدهشة لسانها:


- ماذا... كيف؟


لم تملك إلا أن تتمتم بتلك الكلمات المتعثرة. لكنها سرعان ما استوعبت الخبر، فاحتضنتها مجددا، وعيناها تفيضان بالدمع، وشفتاها تهمسان في تأثر:


- إنه ليوم مبارك! إنه ليوم مبارك!


ثم اختنق صوتها وهي تتمتم:


- آه لو أن أحمد هنا... كان سيكون أسعد الناس!


ابتسمت ندى في وهن، وهي تربت ظهرها ببطء. أحمد هنا يا سماح. أحمد معي في كل مكان، وقد أعلمته قبل الجميع. كان الشاهد الأول على إسلامي...


* * * * *


وقفت ندى أمام المرأة تسوي غطاء رأسها، وتنهي استعدادها للخروج. لم تغير شيئا كثيرا في هندامها، بل لعلها حرصت على ألا يبدو أدنى تغيير في تصرفاتها ونمط حياتها. كان عليها أن تخفي عقيدتها الجديدة ما أمكنها ذلك، وخاصة عن أقرب الناس إليها. لن يكون الأمر سهلا على سونيا التي حاولت بشتى السبل إبعادها عن أحمد. كيف ستكون ردة فعلها إن وجدت أن مخاوفها كانت في محلها؟


تنهدت وهي تتناول حقيبة يدها، وتخطو باتجاه باب الغرفة. كانت قد تماثلت للشفاء منذ أسبوع، وصار بإمكانها اليوم الخروج للتمشية. غيابها الطويل عن مقاعد الدراسة كلفها فقدان منحتها بعد أن تعذر عليها اجتياز اختبارات منتصف السنة. أنابيلا أرسلت إليها بقية حاجياتها التي بقيت في غرفتها الباريسية مع رسالة وداع مؤثرة. صحيح أنها عرفتها لشهور قليلة، لكن كلا منهما ملأت مساحة في حياة الأخرى، وخففت عنها وحدتها. لن تعود مرة أخرى إلى فرنسا ولا إلى جامعة السوربون. تلك الفترة تبدو الآن في ذاكرتها كحلم غريب. ذهبت إلى هناك فرارا من ذكرياتها مع أحمد، فعادت وقد تقاربت المسافة بينهما بشكل لا يصدق! ربما لم تقترب من أحمد نفسه الذي لا تدري ما كان مصیژه... لكنها بالتأكيد اقتربت من عالمه، حتى كاد العالمان يتوحدان...


اعترض طريقها طفلا میشال، کریستینا وجابريال، يركضان في الممر في هرج كعادتهما. احتضنتهما ضاحكة، وقفزت تماري لعبهما البريء ثم تجاوزتهما إلى غرفة الجلوس. هل سيتكرر هذا المشهد مجددا بعد اليوم؟


تساءلت في ألم. كانت والدتهما ماري جلست رفقة دانا، التي تكورت بطنها أمامها بشكل بارز، تتجاذبان أطراف الحديث. اتخذت مجلسا إلى جوارهما ومدت كفها لتداعب بطن دانا، التي لم تعد تفصلها عن ولادة طفلها الأول سوى بضعة أسابيع.


- متى يشرفنا جورج الصغير بقدومه؟


تأوهت دانا بدلال وهي تشد قامتها متظاهرة بالألم:


- لا يمكنك تصور كم الحمل متعب يا عزيزتي! لن يأتي جورج الصغير إلا بعد أن يقضي على والدته المسكينة!


قاطعتها ماري مهونة:


- لا تقولي هذا یا دانا... سيكون كل شيء على ما يرام... بعض التعب شيء


طبيعي...


همت دانا بالرد عليها، لكنها عدلت وهي ترى ندي قد وقفت مستعدة للخروج.


بادرتها بسرعة:


- إلى أين؟


التفتت ندى في ارتباك:


- هه؟ سأكون في الجوار... جولة قصيرة في المدينة لا غير. سأعود قريبا، لا تقلقي...


تبادلت دانا وماري نظرات متسائلة. لكن إحداهن لم تجرؤ على التعليق.


الطبيب النفسي قال إنها تعرضت لصدمة حادة، ومن الضروري مراعاتها وعدم الضغط عليها. اكتفت دانا بهمهمة ممتعضة:


- حسن... لا تتأخري...


حثت ندى الخطي إلى الخارج لا تلوي على شيء. تعلم تماما إلى أين:وجهتها. أمامها مهمة عليها قضاؤها. فكرت في الأمر مليا في الأيام الماضية التي قضتها حبيسة الفراش. لا يمكنها أن تكتم إسلامها إلى الأبد. حين تمكنت من مغادرة فراشها شرعت في الصلاة سرا في غرفتها. تتحين الفرص التي تضمن انشغال سونيا فيها حتى لا تفاجئها في عبادتها. لا تعرف إلى أي قبلة تتجه في صلاتها ولا تعرف أي الأوقات أنسب لها، لكنها كانت في حاجة إلى تلك الصلة الروحية بخالقها. تتوضأ وتجلس على ركبتيها على الأرض، وتدعو بكل ما يخطر ببالها. تعلم أن المسلمين يتلون القرآن في صلاتهم، لذلك أخذت تقرأ ما يتيسر لها قراءته من المصحف وهي جالسة، ثم تسجد وتدعو... لكن عليها أن تتعلم الصلاة بكل أركانها. تريد أن تطبق الإسلام بحذافيره، وتمارس دينها كما ينبغي... نعم دينها. لقد أصبح دينها الآن. إلى متى يمكنها إخفاء ذلك؟


فكرت في الطريقة الأنسب والأسلم... فلم تجد غير هذه؟


كانت قد اقتربت من مقصدها. توقفت قبل المنعرج الأخير، وسحبت نفسا طويلا. هل هي واثقة مما تفعله؟ لا خيار لديها. ها قد وصلت. عبرت الأمتار القليلة التي تفصلها عن مدخل الكنيسة في ثبات. جالت بنظراتها في المكان متفحصة. كان هناك عدد قليل من الزوار. ممتاز. سارت مباشرة إلى الغرفة الخشبية المنقوشة على يمين القاعة. لم يكن هناك أحد في الانتظار على المقاعد خارج الغرفة. سمعت همهمة من الداخل. هناك من يقوم بالاعترافات الآن. جلست على المقعد الأول مطرقة. نفس آخر لتسيطر على دقات قلبها المتسارعة. لبثت على تلك الحالة لبضع دقائق، وما لبث أن تناهى إلى سمعها صرير الباب الخشبي وهو يفتح. ها قد حان دورها...


دلفت إلى المقصورة الضيقة وأحكمت إغلاق الباب خلفها. اللحظات لم تعد تسمع سوى تردد أنفاسها المضطربة في صدرها. وأخيرا جاءها صوت مألوف من وراء الحاجز الخشبي:


- تفضلي يا ابنتي...


لم تكن تدين يوما بالمسيحية، ولم تكن قد جربت الاعتراف الكنسي من قبل.


لكنها لم تجد وسيلة خيرا منه. ليس هناك ما هو أضمن من سرية الاعترافات الكنسية! تنحنحت وهي تميل إلى الاتجاه الذي جاءها منه الصوت:


- ميشال... هذه أنا ... ندی!


حاولت أن تتخيل الدهشة التي كست ملامحه وهي تواصل بصوت أكثر وثوقا:


- جئت لأعترف...


* * * * *


ظنت أنها ستشعر بالارتياح بعد اعترافها، لكنها رغم ثقتها بأن ميشال سيكتم السر، كانت تتحب تغييرا في تصرفاته تجاهها. كان دوما إلى جوارها كلما احتاجت إليه، بل كان أقرب إليها من شقيقتها ووالدتها، رغم أنه لم يربطهما رابط الدم. كان الوحيد الذي وثقت به، منذ سنوات، حين دخل أحمد منزلهم للمرة الأولى يجر ساقه المصابة، فطلبت مساعدته دون تردد... تعلم أنه يحفظ السر حتى إن لم تلزمه وظيفته الكنسية.


منذ أسبوعين، لم تطأ قدماها منزله. حتى حين تجتمع العائلة يوم السبت كعادتها، لم تعد تجمعهما الأحاديث الجانبية الطويلة التي كانت تمیز علاقتهما قديما. هل كانت تتحاشاه، أم هو الذي يتحاشاها؟ لا يمكنها الجزم.


لكن من المؤكد أن شيئا ما قد انكسر بينهما. لم يكونا يوما على ديانة واحدة.


كل منهما اتبع ديانة أهله، ولذلك لم تكن هناك محاولات تأثير من طرف أو من الآخر... لكن أن تنصرف إلى ديانة ثالثة، فذلك ما لا يمكن قبوله؟


مهما كانت ردة فعل ميشال كبيرة، فلا يمكن أن تضاهي ردة فعل والدتها المرتقبة! عاجلا أم آجلا سيصلها الخبر بطريقة أو بأخرى. وربما من الأفضل أن تكون هي من يبلغها الأمر حتى لا تفاجأ بثورتها على حين غرة! نعم... من الأفضل أن تستعد لذلك وتهيئ الفرصة المناسبة. وهي على أية حال، لم يكن بإمكانها تأخير الأمر طويلا. فقريبا يحل شهر رمضان... شهر الصيام.


وسيكشف أمرها حتما إن تأخرت عن مائدة الطعام كل يوم! قد يمكنها أن تختلق الأعذار مرة أو اثنتين، لكنها لن تستطيع التمويه لمدة شهر كامل كانت العائلة قد اجتمعت ظهر يوم السبت. دخلت دانا تدفع بطنها الثقيلة أمامها وتتحرك بصعوبة، وماري تجر جابريال وكريستينا وراءها. تأخر ميشال على غير العادة. ظلت ندى ترقب الباب تنتظر دخوله. لا يجب أن يتخلف أحد اليوم. يجب أن يكتمل الجمع حتى نهي ما عزمت عليه على أكمل وجه.


- هلموا إلى المائدة...


تقدمت سونيا أفراد عائلتها إلى السفرة بخيلائها المعهودة. همست ندى لماري:


- أين ميشال؟


- لا أدري لم تأخر كل هذا الوقت. قال إنه سيكون هنا عند الغداء...


يعلم أن موعد الغداء يوم السبت مقدس، ولا يمكن تأخيره تحت أي ظرف كان.


لذلك اختارت ندى هذا الموعد الذي يكون فيه جميع أفراد العائلة مجتمعين.


حانت منها التفاتة إلى جورج، فبادلها ابتسامة حنون. على الأقل بابا جورج هنا. تحصي الحلفاء المحتملين. تصفحت وجوه الآخرين. ماري ستكون محايدة حتما، لا سلطة لها عليها بأية حال، وإسلامها لن يضرها بشيء. دانا، كيف ستكون ردة فعلها؟ في تلك اللحظة، دخل ميشال معتذرا ، وأخذ مكانه على مائدة الطعام... إلى جانبها.


تناولت وجبتها في صمت. أخذت تفتت قطعة الحلوى إلى أجزاء صغيرة، وتقضمها في بطء شديد، هي التي تعودت أن تلتهمها في قضمتين. اقتربت اللحظة الحاسمة.


- هل أنهيت كعكتك؟


كانت قد أنهتها بالفعل، ولبثت تحرك الفتات بالملعقة، تطيل فترة الهدنة قدر الإمكان. هزت رأسها موافقة، وتركت والدتها تجمع الصحون وتأخذها إلى المطبخ. تنحنحت. لم ينتبه إليها أحد، فقد انشغلوا بالأحاديث وعلت الأصوات من كل جانب. تنحنحت بصوت أعلى. هذه المرة، خفتت الأصوات والتفت إليها الجميع. أجالت بصرها بينهم في حذر، ثم قالت بصوت قوي واثق:


- هناك أمر مهم أود إخباركم به......



           الفصل الخامس والعشرون من هنا 

         لقراءة جميع فصول الرواية من هنا

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة