
رواية في قلبي انثي عبرية الفصل العشرون 20 بقلم خولة حمدي
منطلق معرفتها بشقيقها وبحبّه الشديد لريما الصغيرة.
أدركت أن دوافعه لإبعادها لا شك قوية وقاهرة.
لم تشاً أن تتدخّل في علاقته مع زوجته, لكنها تعتقد في
أعماق نفسها أن جاكوب أفسد تانيا بانصياعه الشديد
لرغباتهاء وانحنائه أمام إرادتها باستمرار. لم يكن
متلوكة متماضنيا منغ العرف والعادة السائدة في
الجتفحات الجهونية: ولق أنه كان أكثز حَرْمًا متها .ما
فرضت عليه أسلويهاء ولا وضعته في هذا الموقف
الحرج... لكن فيم ينفع الكلام الآن! فها هو يدفع الثمن
غاليا للحفاظ على استقرار أسرته الصغيرة. ولا ينفع
التقار يما أفستدة الدهر!
تنهّدت وهي تغلق باب السيارة بعد أن نزلت ريماء وقد
تغيّرت نفسيتها إلى الأفضل. ابتسمت في مرارة وهي
ترى أمام عينيها تأثير «كذبتها الصغيرة» على الفتاة.
إنها تعيش اليوم على أمل الغد...
كانت ندى مَن فتح الباب. عانقت راشيل في ود وهي
تدعوها إلى الدخول. لم تكن قد انتبهت إلى ريما التي
وقفت في خجل. مختبئة خلف قامة راشيل الفارعة. لكن
راشيل لم تفوّت الفرصة. كانت تعلم أن ندى هي أكثر
من سيرحّب بريما ويهتمٌ بها. فإن انزعج كل آفراد
العائلة من كونها مسلمة؛ فإن ندى بالتأكيد لن تفعل
ذلك! وارتباطها بأحمد هو خير دليل. استدارت إلى ريما
وهي تخاطب ندى:
- ندى حبيبتي... أعرّفك بريما!
ابتسمت ندى وهي تتقدّم نحوها وتعانقها بعفوية. كانت
تصي ملاعية الأطقال: وريما كانت تزدر طفلة خجواة.
نظرت إليها في حنان وهي تقول مداعبة:
- كيف حالك يا صغيرتي؟
ضحكت راشيل حين أطرقت ريما وقد تورّدت وجنتاها
وقالت:
- إنها ليست صغيرة إلى هذه الدرجة... بل تصغرك
بثلاث سنوات فحسب!
لم تستمر دهشة ندى طويلاء بل تداركتها وهي تقول
بنفس العفوية المرحة:
- إذن آمل أن نصبح صديقتين!
كانت قد علمت من والدتها البارحة بشأن الضيفة التي
ستحلٌ للاقامة عندهم لبعض الوقت. ولذلك حاولت أن
تشعر ريما بالراحة منذ اللحظات الأولى. سونيا لم ترتح
كثيرا إلى كون الفتاة مسلمة وترتدي الحجاب
الإسلامي. ولم تُخف ذلك عن بنتيها وزوجهاء لكنها لم
تستطع رفض طلب راشيل التي بدت مرتبكة وواقعة في
مأزق. فبالإضافة إلى كون راشيل صديقتها وابنة عمها
لمقرّبة. فإسداء معروف لها في وقت حاجتها يجعلها
مدينة لها في المستقبل. وهي لن تعدم فرصة قريبة لطلب
رد المعروف منها ! خاصة أن زواج دانا قد اقترب. وإقامة
الفتاة عندها مؤقتا لن تكلفها الكثير. فراشيل ستستمر
في دفع مصاريفها, إلى أن يآتي وقت استردادها. لم
تطرح أسئلة كثيرة بشأن علاقتها بها ء وسبب وجودها
عندهاء واكتفت بما أخبرتها به راشيل عن يُن ريما .
واضطرارها هي إلى سفر عاجل إلى تونس. فرحّبت
باستقبالها في فترة غيابها.
سبقتهما ندى إلى الداخل وهي تنادي والدتهاء ثم
قادتهما إلى غرفة الجليس. جلست ريما في ارتباك
واضح على طرف الأريكة. وأصابعها تشدٌ في توتر على
جانب حجابها. كان الاطمئنان الطارئ الذي انتابها منذ
لحظات إثر كلمات راشيل المبشرة قد تلاشى تقريبا. فقد
عادت إلى واقعها حين وجدت نفسها بين هؤلاء الغرباء!
أيقنت هذه المرة أنها ستكون وحدها بينهم بعد قليل حين
ترحل راشيل. تجمّدت ملامحها حين دخلت سونيا إلى
الغرفة. تعرّق جبينها وانحبست أنفاسها حين رمتها
بنظرة متعالية في نفس الوقت الذي انفرجت فيه شفتاها
عن ابتسامة صغيرة باردة. ابتلعت ريما ريقها بصعوبة
وهي تطالع راشيل مجددا بنفس النظرات المستجدية.
لكن راشيل كانت مُنشْغِلَة عنها بمضيفتها. مدّت
أصابعها ببطء لتشدٌ سترتها وتلفت انتباهها إليها. لكن
يدها توقفت فجأة عن حركتها حين التقت عيناها بعيني
ندى الحانيتين. كانت ندى ترقبها في عطف, وابتسامتها
الشفافة لا تفارق وجهها. للحظات. ظلت ريما تبادل ندى
نظراتها الطويلة في حيرة. شيء ما كان يجذبها في تلك
الفتاة... كان لقاءهما الأول, لكنها كانت تشعر بالألفة
تجاهها. وكيف لا تشعر بالراحة إليها وعيناها
الصافيتان تبثّان الدفء حولها. وشيئا فشيئًا لانت
ملامح الفتاة. واسترخت عضلاتهاء وارتسم شبح
ابتسامة على شفتيها. وحين بادرتها ندى في مرح:
- تعالي معي أريك غرفتنا!
وقفت معها دون تردد ؛ وقد تناست خوفها من الغرباء...
دفع جاكوب باب المكتب في عنف. ألقى بحاملة مفاتيحه
على الطاولة أمامه وارتمى على مقعده الوثير في إعياء.
أخذت أصابعه تنقر على سطح المكتب في حركة عصبية
تشي بتوتره. حين سمع الخبر ذاك الصباح, تملّكه
الغضب واستعرت النار في داخله. كان يمكن أن يقبل
كل شيء... كل شيء؛ عدا أن يُسخر منه! كيف تحدّته
وفعلت ذلك؟ ألا تدرك أنها بتصرفها تتحداه علنً؛. وتضع
نفسها في مزق حقيقي؟ قوت يومها بين يديه وهي
تعول عائلة كثيرة العدد... ومع ذلك تجرؤٌ على السخرية
منه! كان قد فرض احترامه في البلدة. حتى عُرف عنه
الحزم والجد. لكنه عُرف أيضا بالرأفة وسعة الصدر مع
العاملات لديه. فهو لم يكن يتغاضى عن التقصير؛ لكنه
كان يراعي الكثير من الأمور. فمعظم العاملات مُسلمات
وبعضهن يضعن الحجاب. ولم يكن ذلك يهمه في شيء؛
طالما كان المردود كما ينبغي. قبلهن واحترمهن, في حين
كان غيره لا يفعل... فماذا كانت النتيجة؟ لم تتوان
إحداهن عن الغدر باليد التي شُلعمها!
أَخَذَ نفسا عميقا ليتمالك نفسه ويُسيطر على انفعالاته,
ثم وقف ونادى الْمشْرفَة على المعمل. رمى إليها ببضع
كلمات سبريعةً التهمتها الضصوضاء المنبعثة من آلات
المعمل في المستودع الملاصق للمكتب, لكن يبدو أن
المرأة الْمسنَّة التقطتهاء فأومات برأسها وابتعدت. أغلق
الباب ليعود الهدوء إلى الغرفة. اقترب من الواجهة
الزجاجية ذات الطبقتين, التي تُمكَّنه من الإشراف على
ساحة العمل دون أن يفطن إليه أحد من الجانب الآخر»
وتابع بنظراته المشرقة التي سارت حتى وصلت إلى
مستوى إحدى العاملات على الآلة. تبادات المرأتان
بضع كلمات. قبل أن تنصرف المشرفَة إلى عملهاء
وتتحرّك العاملة بخطى متثاقلة باتجاه المكتب. أخذ نفسا
عميقا ثم ارتمى على مقعده مجِدّدًا ؛ واستوى في
وضعية «المدير المسيطر على الأوضاع» وانتظر دخول
المرأة عليه.
كان يبدو عليها الارتباك. وكأنها تدرك جيدا سبب طلبها.
لكنها كانت تتظاهر بالثبات واللامبالاة. حدّجها جاكوب
بنظرة طويلة فيها شيء من الازدراء والترقّع, ثم قال في
هدوء عجيب:
- أرسلت في طلبك لأستفسر منك عما فعلته بالإنتاج
الإضافي للمعمل؟
ضمّت كفيها أمامها في اضطراب, وقالت في حذر:
- ألم تطلب مني التبرع بها للأطفال المحتاجين؛
انحنى إلى الأمام في انتباه وهو يهز رأسه موافقاء وفي
صوته تهكّم لاذع:
- نعم... وأي الجمعيات الخيرية قصدت لتوزيعها؟
تلعثمت الكلمات على لسانها؛ وأخذت تهمهم في توتر»
وقد أدركت ما يرمي إليه:
- فكزت أن... هتاك... من يعرف اللحتاجين... أكثر
مني... ف ... فقصدت... إمام المسجد...
قاطعها جاكوب وهو يضرب بقبضته على سطح المكتب
في انفعال:
تتصصدين التتجد للتبوّع بمنتجات معملي أنا؟! ل
هذا ما أفادك به تفكيرك وذكاؤك المنعدم؟ أم هو ما
سؤّلت لك نفسك إيّاه للسخرية مني والتنكيل بي؟!
انفرجت شفتا المرأة في محاولة للتبرير والتفسير, لكن
صوت جاكوب علا في ثورة غير متوقعة. وأخذ يصرخ
مفجّرًا الغضب الذي كتمه في داخله حتى اللحظة:
- يهودي يتبرغ بماله لمسجد!! هل سمع أحد بهذا من
قبل؟ إذن فها قد حصلت السابقة منقطعة النظير!!
أصبحت حديث القوم وأضحوكتهم! ! عاملة تافهة رزقها
بين يدي؛ تتحدّاني وتأخذ من مالي لتملاً خزائن
المسجد... أو جيوب الإمام ربما! يا للسخرية! هذا هو
الإسلام وهذه هي أخلاق أهله!!
فوجئ حين قاطعته المرأة في صلابة وحزم يختلفان عما
كانت عليه من استكانة منذ لحظات:
- رزقي بين يدي الله وحده! ولا أظنني قد فعلت ما
يستوجب شتمي بهذا الأسلوب. وحتى إن كنت قد
أخطأات في حقك, فإن هذا لا يعطيك حق التطاول على
الإسلام!
عضٌ على شفتيه من الغيظء وهتف منفعلا:
- إذن رزقك ليس بين يدي؟ حسن إذن! لا أريد أن أراك
مجدَدًا في المعمل؛ وسنرى كيف ستسترزقين!
كانت أنفاسه تتردّد بقوة في صدره؛ وقد عبست ملامحه
وتشنّجت. لبث يحدق فيها في ترقب لثوان قليلة وقد ساد
الصتعت على الغرفة. وأَخيرًا تحيّكت المرأة؛ وفي هدو
شديد.؛ نزعت المنّزر ووضعته على المنضدة؛ وخرجت دون
حتى أن تطالب بأجرتها على الشهر الماضي!
كان المشهد النهائي أبعد ما يكون عما توقّعه. تسمّر في
مكانه للحظات. لكنه أخيرا استرخى على مقعده؛ وهو
يحاول السيطرة على أنفاسه المضطرية... سيُلقنها
درسا لن تنساه! سيوصي كل معارفه بعدم تشغيلها.
سيُغلق جميع الأبواب في وجهها. سيُجبرها على العودة
إليه صاغرة. ترجوه أن يعيدها إلى العمل... وحينها
سيُشفي غليله منها ء وسينتقم لكرامته التي أهينت!
تنفس الصعداء حين وصل به التفكير إلى تلك النقطة
المريحة. لكن شيئا ما في داخله كان قد اهتز. الانقلاب
المفاجئ في سلوكها أدهشه. من أين جاءتها كل تلك
القوة لترد عليه بصفاقة ولامبالاة؟ ألم تكن تدرك عواقب
تصرفها المتسرع؟ هل همها الدفاع عن دينها أكثر مما
اهتمت بقوتها وقوت عائلتها؟ أمر محير... أمر محير
بالفعل...
- ستقيمين معي في غرفتي! سيكون ذلك ممتعا!
هتفت بذلك ندى؛ وهي تساعد ريما على تفريغ
حاجياتها في الجزء المُخصّص لها من الخزانة. راقبتها
ريما في امتنان. عجيب أمر هذه الفتاة؛ لديها قدرة
مبهرة على تحويل الأمور البسيطة إلى أشياء مميزة.
كما أنها لم تتوقع أن تجد منها كل ذلك التعاون وتلك
الحفاوة. تجربتها البسيطة مع من أسمتهم «الغرباء»
من اليهود جعلتها تتوجّس خيفة من ردود الفعل المرتقبة.
لكن تصرفات ندى فاقت كل توقعاتها... وما أكثر
المفاجآت في الفترة الأخيرة! قطع عليها تأملاتها صوت
باب الغرفة وهو يُقتَّح. التفتت لترى القادمة الجديدة.
كانت دانا قد عادت للتى من السوق؛ فالتحضيرات
جارية على قدم ساق لزفاف البنت الكبرى... كانت دانا
قد علمت هي الأخرى بقدوم ريماء فجاءت لتحيّيها.
لكنها تسمّرت في مكانها فجأة حين وقعت عيناها على
ريما الجالسة على الأرض إلى جوار ندى, وقد انهمكتا
في ترتيب الملابس. لم يكن من ضمن المعلومات القليلة
التي وصلتها عن الضيفة أنها مسلمة. فضلا على أن
تكون مُحجّبة! صحيح أنها لم تهتم بالسؤال أو معرفة
التفاصيل. لكن كونها من طرف الخالة راشيل جعلها
تتخيل نوعا آخر من الضيوف!
لم تكن دانا قد تجاوزت دهشتها بعد؛ حين تدخّلت ندى
لتنقذ الموقف, فقالت وهي تمسك بيد ريما وتساعدها
على الوقوف:
- ريما... هذه شقيقتي دانا... تكبرني بسنتين...
ثم غمزت بعينها في مرح وهي تضيف:
- وستتزوج قريبا!
قاطعتها داناء التي تمالكت نفسهاء في جفاف:
- مرحبا...
ثم استدارت لتغادر الغرفة. لم يخف على ريما جفاف
لهجة دانا وبرودهاء ولا وقع المفاجأة عليها. ابتسمت في
سرّها وهي تفكر... كان هذا الاستقبال الذي توقعته
وانتظرته؛ أكثر مما توقعت استقبال ندى! سارعت ندى
تقول في اعتذار عن تصرفات أختها غير اللائقة:
- دانا مُتعَبة من السوق بالتأكيد... لكنها طيبة...
قاطعتها ريما وهي تبتسم للمرة الأولى منذ دخولها
المنزل:
- لا عليك... لا بأس أيدا...
ثم عادت لتجلس على الأرض, وتنهي تفريغ حقيبتها
الصغيرة تحت نظرات تدى,الحائرة.
تقلب أحمد في سريره في ضيق. مرّت الدقائق طويلة
والنوم يجافي جفونه. ضغط على رأسه بالوسادة, يحاول
أن يُوقف الأفكار السوداء التي تَتزٌّ في دماغه أزَا...
إحساس غريب مزعج يلازمه منذ عودته الليلة الماضية.
كانت ليلة مرهقة للأعصاب والعضلات معا. انتظار
طويل على حدود الأراضي المحتلة... فعيون العدو لا
تغفو. لبث ساعات في الظلام. يعدٌّ الحركات وا لأنفاس...
في انتظار اللحظة المناسبة. حين عمّ السكون المكان,
وخفتت أصوات حرس المنطقة معلنة عن فتور المراقبة.
التفت إلى الجانب الأيمن. وفي ظلمة الليل الحالكة. مير
إشارة زميله الذي يتقدّم بالتوازي معه على بعد بضعة
أمتار. رد إليه إشارة الاستعداد؛ ثم أخذ يتقدّم في
اتجاه الهدف. سار بخطوات مدروسة رشيقة ودون وقع.
توقّف لحظة وتلقّت حوله. كل شيء يسير حسب الخطة
والجميع في المواقع المحدّدة. تلقَّى إشارة جديدة ومعها
بداً العد التنازلي. تسارعت أنفاسه في صدره وتكاثفت
حبيبات العرق على جبينه. كان قد تدرب على العملية
مرات ومرات حتى حفظ الخطوات عن ظهر قلب. يمكنه
أن ينتهي منها في لمح البصر... شد الحزام حول
خصره. وتحسّس حقيبة المعدات على ظهره؛ وبسرعة
أخذت أصابعه تعمل بدقة ومهارة. تخلّص من حمله في
ثوان معدودة. ولم يتطلب منه تركيب المصيدة سوى بضع
ثوان أخرى. نجحت المهمة! التفت إلى الناحية الأخرى
مجدْدًا... توقيت ممتاز! تلقّى إشارة الانسحاب, فتحرّك
الجميع في نفس الوقت؛ مثل رجل واحد. انتهى دورهم
عقر هذا الحد. وبعد ساعة تقرييا تصل الجموعة الثاتية
التي ستُنهي تنفيذ المناورة. حسان سيكون من بين
أقزاد هذه المجموعة كان قد سبقه بأشواط في التدريب
وأصبحت تُسند إليه مهام أكثر تعقيدا... وخطورة.
الأسابيع التي تلت إصابته وأقعدته عن التدريب صنعت
الفرق بينهما. سيلتقيان في المساء ويتحدثان مطولا عن
مهمة اليوم. فيأخذ حسان مظهرا جادا ويصف أدق
التفاصيل بحركات مسرحية حيّة. فيها شيء من
الصخب والتشويق. تلك عادته...
ابتسم أحمد حين راودته تلك الأفكار وهو يبتعد بخطوات
واسعة. رفع بصره إلى سماء دون نجوم. سُحب الخريف
غطّتها بطبقة رمادية خفيفة تُعطي الليل لونا باردا...
تلاشت ابتسامته فجأة وانقبض صدره. إحساس غريب
راوده وهو يتفرس في وجه السماء المكفهر. كان قد
اطمان إلى عودة رفاقه جميعا سالمين. تبادلوا التحية ثم
افترقوا ء ومضى كل منهم في طريقه. هكذا تدرّبوا
وتعؤدوا, آلا تنتهي المهمة قبل التأكد من عودة الفرقة
كاملة... أحياء كانوا أم أمواتا! فالثروة البشرية هي
رأس مال المقاومة الأول!
كانت خيوط الفجر الأولى قد لاحت حين بدت له أشباح
القرى النائمة في الأفق. كان قد ابتعد تمامًا عن
الخطوط الحمراء. وصار بإمكانه أن يفرد قامته بعد
هرولته محني الظهر لدقائق طويلة. ألقى نظرة سريعة
شاملة إلى الخلف, ثم مضى في طريقه.
تسلّل خفية إلى غرفته دون أن يشعر به أحد. كان يشعر
بتعب شديد. اندس في فراشه يطلب النوم والراحة بعد
ليلته المرهقة. لكن أفكاره أبّت أن تهداً... ضيقه المفاجئّ
تحوّل إلى هاجس مجهول المصدر. عقد حاجبيه وهو
يستعيد تفاصيل العملية. هل وضع الفخ في المكان
المقصود؟ هل كان دقيقا في عمله بما فيه الكفاية؟ ماذا
لو أخطاً في ضبط التوقيت؟ ماذا لو نسي إحدى
الخطوات؟ ماذا لو... ماذا لو...؟ استبدّت به التهيّؤات
والتخاوف. قر راسة بقوة ليتقض عته الصور القاتمة؛
واستعاذ بالله من الشيطان الرجيم. مسح العرق البارد
الذي ملا وجهه. وأغلق عينيه بحثا عن النعاس.
كانت حرارة الطقس مرتفعة في ذاك الوقت من السنة.
وفرار النوم من عينيه يزيد من إحساسه بلظاها... أزاح
عنه اللحاف في ملل. لبث يحدّق في السقف للحظات.
ثم انقلب على جانبه الأيمن ليقابل وجهه الجدار. أحس
بالاختناق... خطرت بباله فجأة؛ ندى. لقاءاتهما الأخيرة
كانت مشحونة بالقلق والتوتر... الكثير من الأسئلة
والكثير من الشكوك. هل ستقتنع يوما؟ كان صمودها
وإصرارها على رأيها يتعبانه؛ تماما كما تتعبه ليالي
السهاد الطويلة. عليه بالصبر والتؤدة. فالطريق ستكون
طويلة ووعرة بالتأكيد. شغلته مخططاته بخصوص
علاقته بندى لبعض الوقت, وأنسته مشاعر الإحباط
التي قضّت مضجعه... وأخيرًا تسلل النوم إلى جفونه؛
بذ أن ارتفحت القخمس في كيد السماء.
فجأة, سطعت أشعة الشمس في الغرفة بقوة. فتح عينيه
مبهورً . وغطى وجهه بذراعه. كان قد غفا لدقائق
معدودة. جاءه صوت سماح التي كانت قد فتحت باب
الغرفة وأزاحت الستار:
- كقاك توما... فيا استيقظ. يجب أن أقوم يتهوية
الغرفة!
شد اللحاف على جسده في انزعاج, وهتف في رجاء
وهو يخفي رأسه تحت الوسادة:
- سماح أرجوك... لم أنم جيِّدًا البارحة!
كان يريد أن يقول «لم أنم أبدًا البارحة», لكنه لم يرد أن
تفتح معه تحقيقا لا ينتهي, كما لا يريد أن يفتضح أمره؛
وتفرض عليه مراقبة من نوع آخر. ردّد بصوت خامل
متعب:
- هيا أغلقي النافذة... أريد أن أنام قلياد...
كانت قد جلست على طرف السرير؛ وأخذت تسحب منه
اللحاف. استمرٌ الجذب بينهما للحظات, قبل أن تقول
سماح محاولة استخدام سلاح مختلف:
- هل تعلم مَن رأيت اليوم في السوق؟
همهم في غير اهتمام:
- لا يهمّني...
هتفت في حماس:
- بلى؛ بلى... يهمك! رأيت شخصا ما...
تمتم في تهكّم دون أن يلتفت إليها
- من الطبيعي أن تري الكثير من الأشخاص في
السوق!
شدّت عنه اللحاف بقوة هذه المرة وهي تهتف:
- بل رآيت شخصا معينا... رأيت ندى! ولن أخبرك بما
قالت!
كانت قد اختطفت منه اللحاف, وابتعدت عن السرير
وهي تحرك حاجبيها في شماتة. استوى أحمد جالسا
في غضب. وأشار إليها مُهدَدًا بأن تعيد إليه اللحاف»
ونا لم يجد منها تجاوبًاء قال كأنّه تذكر شيئا:
- ماذا قالت؟
عبست سماح وهي تخرج لسانها في تحد:
- أن الخيركاً
عقد ذراعيه أمام صدره وهو يتأفف, ثم عاد ليستلقي
على السرير. هتفت سماح مُجِدْدًا حين رأت أنه سيعود
إلى النوم:
- قالت إنها ستأتي لزيارتنا هذا المساء!
همهم في إرهاق:
- وهتاك أمر آخر!
- هممم...
ّ أمر مهم جدا!
انتظرت لبضع ثوان؛ لم يكن يُسمَع خلالها سوى تنّفس
أحمد المنتظم. حين لم يصلها منه ردء أضافت:
- كان معها شخص آخر في السوق!
أجاب في صوت واهن دون أن يفتح عينيه:
دكين
- تصور؛ كانت معها فتاة مسلمة محجّبة! قالت إنها ضيفة تقيم عندهم لفترة... طلبتُ مها أن تحضرها معها
لزيارتنا اليوم... ما رأيك؟
- في ماذا؟
زمجرت سماح في غضب:
- أنت لا تسمعني! ركز معي أرجوك... لدي فكرة رائعة!
- هممم... ما هي؟
شذّته سماح بعنف من قميصه وهي تزمجر في
احتجاج, لكنه أزاح يدها وهو يقول في رجاء:
- أرجوك... أنا متعب جدا... دعيني أنم لبعض الوقت ثم
نتحدّث!
ابتعدت وهي تقول في استياء:
أنا الخحطئة: لقنتي أفكر فقي حل لساعدتك على إقتاغ
ندى بالإسلام! لا تطلب مني شيئًا بعد الآن!
أخفى وجهه بين كفيه في يأسء ثم استند على مرفقه
وجلس على السرير وهو يحتضن الوسادة:
- أنا آسف... هات ما عندك!
قبل أن تشرح سماح فكرتهاء ارتفع رنين جرس الباب
في إلحاح, وفي نفس اللحظة رنَّ جرس الإنذار في
رأسه. وقفت سماح وهي تقول:
لكنه هب واقفا بسرعة؛ وقد عادت إليه مخاوفه السابقة.
شعور غريب متشائم. قال في حزم وهو يتناول سترته
ويخطو نحو الباب في سرعة:
- أنا سأذهب...
راقبته سماح في استغراب. وتسرّب إلى نفسها القلق
هي الأخرى. ألم يكن يقاوم النعاس منذ قليل؟ فتح
البابء فرى صاحبه يقف أمام الباب وهو يلهث بشدة.
تعلّقت عيناه بشفتيه وهو يتوقع الأسواً.
همس أيهم بصوت مضطرب:
داكتما #عاحل:..
تسارعت دقات قلب أحمد ؛ وهو يقول في لهفة:
- الجميع بخير؟
أطرق أيهم في انكسار وتمتم:
- حسان...
هزه أحمد من كتفه بقوة وهو يهتف في انفعال:
-مايه؟
تردّد أيهم قبل أن يرد في حزن:
- وقع في الأسر...
دارت سماح بطبق العصير على الجالسات في الحديقة
الخلفية, ثم اتخذت مجلسها إلى جانب ريما. كانت ريما
محط أنظار والدة أحمد وشقيقته في تلك الأمسية,
والحق أنهما ساهمتا كثيرا في تبديد وحشتهاء
وتعويضها عن الحرمان الذي عاشته في الأسابيع
الناضية؛ الحرمان من الح ى العائلي الستقر... ومن
النفس المسلم الذي يعيد إليها ثقتها واطمئنانها. كانت
قد تعوّدت على العيش بين اليهود منذ نعومة أظفارهاء
لكن الإسلام كان موجودًا على الدوام في حياتهاء من
خلال وصايا والدتها ودروس المسجد... عين تسقيها
البادئ وها عليها .وب تق ستشرها اق فقت
المصدر الذي يروي عطشهاء؛ فتضاءلت مقاومتهاء
وانتكسنت عؤينتها. لذلك فإتها كانت في قاية السمعادة
حين التقت سماح في ذلك الصباح؛ وتعاظمت سعادتها
حين دخلت منزل هذه الأسرة التي رحبت بها كمن يرحب
رنت سماح إلى ريما وهي تقول:
- وهل ستبقين كثيرا في لبنان؟
ابتسمت ريما في ارتباك وهي تجيب:
- لست آدري... أظن أنني سأعود قريبا إلى تونس!
بدت الخيبة على وجه سماح التي تمنت أن تطول
إقامتها في منزل ندى, فقد كانت خطتها ترتبط
بتواجدها هناك. لكنها ابتسمت وهي تردف:
- إذن؛ سنحرص على أن تكون زيارة ممتعة! أليس كذلك
يا ندى؟
انتبهت ندى حين سمعت اسمهاء وبدا أنها لم تكن تتابع
الحديث. بل كانت عيناها تحدّقان في ساعة الحائط في
ملل وانتظار. لكنها أجابت باقتضاب متظاهرة
بالاهتمام:
- نعم بالتأكيد...
ثم همست إلى سماح في قلق:
- تآخّر أحمد! ألم تُعلمِيه بزيارتي اليوم؟
كان القلق قد بداً يداخل سماح هي الأخرى. فهو قد
غادر المنزل مبكرا دون أن يقول كلمة واحدة. بدا
مضطربا بعد زيارة صديقه القصيرة. وبعد أن كان يريد
النوم ويدَّعي التعب, غير ملابسه على عجلء وانصرف
مهموما كأن آمرًا جلاذ يشغل باله. لكنها قالت مطمثتة
فتجرة
- بلى, لقد أخبرته... لا بد أنه انشغل ببعض الأمور مع
والدي. فكثيرا ما يمرّ عليه في المحل ويرجعان معا... لا
داعي للقلق...
لم تكن سماح مقتنعة بما قالته؛ ولم تقتنع ندى بتبريرها.
وللحظات خيِّم الوجوم عليهما.
مضت الدقائق ثقيلة على قلب ندى. حتى إنها لم تشارك
في الحديث إلا قليلا. كانت تصارع إحساسين يتناوبان
عليهاء وكل منهما أقوى من الآخر... قلقها على تأخره؛
وغضبها من إهماله لزيارتها. همّت مرات عديدة بالوقوف
والانصراف. لكن إشفاقها على ريما التي بدت مستمتعة
بالجلسة من جهة. ورغبتها في الاطمئنان عليه من جهة
أخرى, جعلاها تمسك عن ذلك. فتضغط على أصابعها
من التوتر. ما إن سمعت صوت الباب الخارجي يفتح
حتى استيقظت حواسهاء وتطلّعت نظراتها إلى باب
الفناء المفتوح علها ترى خيالا يمر. ولا كانت سماح
تعاني نفس قلقهاء فقد هب على الفور لاستطلاع
القادم. غابت بضع دقائق ثم عادت وعلامات الخيبة
بادية على وجهها. انتظرت منها ندى توضيحًا؛ لكن
سماح التزمت الصمت. بعد قليل تناهى إليها مجددا
صوت الباب وهو يفتح ثم يُغْلَق بقوة. لكن بدا أن شخصا
ما اتصرف قذه الرةا! حتتفا زققت تذئ قي عصجية
وقالت بصوت لم تنجح في إخفاء انفعاله:
- لقد تأخر الوقت... يجب أن أذهب الآن!
وقفت سماح بدورهاء وقد أدركت سبب غضبها. لم
تحاول استبقاءها أو ثنيها عن عزمها المغادرة. بل قالت
في ارتباك وهي تحاول الابتسام:
- أزوركم قريبا إن شاء الله...
فتحت ندى عينيها في الظلام. كانت الساعة قد تجاوزت
منتصف الليل ببضع ساعات؛ لكن الصبح لم ينبلج بعد.
تقلبت في سريرها في ضيق. كانت قد عادت متضايقة
من زيارتها لعائلة أحمد. دخلت غرفتها على الفور
واسترسلت في البكاء. إنه يتجاهلها ! للمرة الأولى منذ
عرفته؛ لا يهتم بها ولا بلقائها. كيف يجرح مشاعرها ولم
يمض على خطبتهما سوى أسابيع قليلة؟ كيف يفعل
ذلك وهي ضيفة في بيته؟ أعلّمته مسبقا بزيارتهاء
وانتظرته طوال الوقت. لكنه دخل مسرعا ثم انصرف دون
أن يكلف نفسه عناء الاعتذار, أو حتى إلقاء التحية.
تلاشى قلقها في ثوانٍ حين رأت أنه لا يشكو من شيء»
وحلٌّ الغضب محله. تنامت المرارة في نفسها وساهم
اضطراب نقاشاتهما الأخيرة في إذكاء لوعتها وتغذية
حزنها. لم تكن قد عرفت هذا النوغ من المشاعر من قبل
فتجربتها المنعدمة ومحيطها المغلق لم يعلماها كيف
تتصرف في مثل هذه الظروف. فلاذت بالسلاح الأنثوي
دون منازع: الدموغ!
ما إن فتحت عينيها في تلك الساعة؛ وعادت إليها
أحاسيس الساعات الأخيرة قبل أن تأوي إلى فراشهاء
حتى تجمّعت العبرات في مقلتيها من جديد؛ مُنذرة بنوبة
بكاء وشيكة... فجأة أحسّت بحركة في الغرفة, غير بعيد
عنها. رفعت رأسها في حذر وقد انشغلت بشيء جديد
عن دموعها ؛ وحدّقت في الظلام المخيم. كانت الستائر
مسدلة, ولا تسمح إلا بانعكاس جزء يسير من إنارة
عمود الكهرباء المنتصب في ناصية الشارع. لمحت على
ضوئه شبحًا يجلس على الأرض دون حراك. همست في
استغراب:
- من هناك؟
تذكّرت حينها ريما. كانتا تشتركان في السرير.
جديد مستطلعة:
- ريما؟
حين لم يصلها رد مدّت ذراعها لتضيء مصباح الغرفة.
كانت ريما بالفعل تجلس على الأرض, وقد ولتها ظهرها.
كانت قد افترشت قطعة من ثيابها وبدا عليها التركيز
والانسجام, كأنها غائبة عن العالم, تسمّرت ندى في
مكانهاء وقد عادت إليها ذكريات غير بعيدة... حين رأت
أحمد وآفراد عائلته يؤدّون صلاتهم في المنزل الريفي!
تابعت ريما بنظراتها بمزيد من الفضول والاهتمام. ما
الذي جعل هذه الفتاة الصغيرة تستيقظ في عتمة الليل
لتصلّي؟ كانت تريد أن تعرف أكثر عن الإسلام وعن
أهله حتى تكون نقاشاتها مع أحمد مبنية على معرفة
ودراية. وربما أمكنها حينها أن تجد الحجج المناسبة
لتواجهه وتقنعه. وها هي ريما معها. هذه الفتاة
الصغيرة التي بالكاد تبلغ الخامسة عشرة: تيد متعلقة
غاية التعلّق بدينها. لا شك أنها تعلم عنه الكثير. وهي
بالتأكيد ستكون مفيدة لها في بحوثها ودراستها
للإسلام! للحظات,؛ نسيت أو تناست غضبها من أحمد»
واستقرٌ اهتمامها على الفرصة الجديدة التي أمامها
للوصول إلى عالمه, ومعرفة المزيد عن دينه.
لمحت ريما تجمع ثوبها وتعيد طيّه. استقبلتها بابتسامة
حين رأتها تقترب من السرير لتندس إلى جانبها تحت
اللحاف. بادلتها ريما الابتسامة وهي تقول:
- آراك مستيقظة!
تمطّت ندى في كسل وهي تقول:
- نمت باكرا البارحة... فطار النعاس من جفوني!
تردّدت ريما للحظات, ثم تمتمت في قلق:
ضحكت ندى هذه المرة وقد زال عنها الغضب:
- كنت مستاءة بعض الشيء... لكنني أفضل حالا الآنء
فقد استقررت على جعله يدفع الثمن غاليا!
شاركتها ريما ضحكة خافتة وهي تهمس:
- معك حق!
أطفأت ندى المصباح. واستلقتا على السرير. خيِّم
عليهما الظلام والصمت. هدات أنفاس ريما وانتظمت.؛
ورذا آتها ستقط في النرع سرمعاً. أما تنى ققد حلت
تتململ وتتقلّب دون أن تجد إلى النوم سبيلا. فجأة
انقلبت على جانبهاء وارتكزت على مرفقها وهي تطل
على ريما من عل همست:
- ريما...
أجابتها ريما بهمهمة تشبه أحاديث النوم. لكن ندى
قالت بلهجة جادة:
- ريما... هل تعلمينني صلاتكم؟
فتحت ريما عينيهاء ونظرت إليها في عدم استيعاب:
- هه؟
وقفت ريما أمام ندى التي استلقت على فراشهاء
وأخذت تتصفّح مجلة مصورة متظاهرة بالبرود
واللخبالاة هتفت للمرة العاشرة تستعجلها وي تشع
كفيها عند خاصرتها:
- ألن تخرجي للقائه؟
قلبت ندى الصفحة في بطء وهي تقول في تشفي:
دعية يتتظر: حتى يعرف نفس الإحساس المهين!
ابتسمت ريما وهي تجلس على طرف السرير وقالت
مداعبة:
- لكن يبدو أنه جاء معتذرًا... وأحضر معه هدية أيضا...
وضعت ندى المجلة جانبا وهي ترفع أحد حاجبيها في
اهتمام:
- حقا؟
هزّت ريما رأسها مؤكدة:...