
رواية في قلبي انثي عبرية الفصل الواحد والعشرون 21 بقلم خولة حمدي
- رأيت إلى جانبه لفافة مغلّفة بورق الهدايا...
وقفت ندى مثل طفلة فرحة بهدية العيد, وقالت في
سرور:
- حسن... يبدو أنني تركته ينتظر بما فيه الكفاية!
عدلت هندامها أمام المرآة, ثم التفتت إلى ريما وأشارت
إليها:
د حواايثا..
تبعتها ريما إلى غرفة الجلوس. ما إن وصلت ندى إلى
المدخلء حتى رسمت على وجهها علامات العبوس
والغضب. تقدّمت في هدوء بعد أن ألقت التحيّة.
واختارت مقعدا في طرف القاعة.؛ بعيدًا عن مقعد أحمد.
كان يجلس بمفرده ينتظر. أدخلته سونيا إلى الغرفة؛
وأعلمت ندى بوصوله, ثم انشغلت بأمورها الخاصة. فلم
يكن استقبال أحمد وعائلته من أولوياتها. بل إنها باتت
تتذمّر من تأخر اتخاذ ندى قرارها بشأن مدى
استمرارية هذه العلاقة. تقدّمت ريما على إثر ندى»
وجلست إلى جانبها وهي مطرقة في حياء. ساد
الصمت للحظات بينهم؛ حتى قطعه أحمد وهو يقول في
هدوء:
- لازلت غاضبة مني؟
عقدت ذراعيها أمام صدرهاء وأشاحت بوجهها عنه
علامة الإقرار. بدا في صوته الانكسار وهو يستطرد
بلهجة فاجأتها:
- هل تذكرين حسان؟
التفتت إليه هذه المرة, وقد أحسّت بنغمة حزينة في ثنايا
صوته. هزّت رأسها إيجابا وهي تطالع وجهه المتعب
وملامحه المجهدة. لم تره على هذه الحال منذ فترة... منذ
لقائهما الأول! تسارعت دقات قلبها وهي تذكر تلك
اللحظات العصيبة؛ في حين واصل أحمد وشبه ابتسامة
ترتسم على شفتيه:
- إنه يمرّ بظروف صعبة... ويجب أن أقف إلى جانبه في
الفترة المقبلة...
كانت علامات الألم بادية في عينيه الذابلتين وسحنته
الشاحبة. أحسّت بأن في الأمر خطبًا ما. هل يكون
حسان قد أصيب؟ لم يكونا قد تحدثا عن عمله في
المقاومة منذ ذلك اليوم,؛ رغم أنها تريد أن تعلم عنه كل
شيء. أن تكون حاضرة في كل دقائق يومه؛ وتشاركه
همومه كلها. لكنها أدركت منذ اللحظات الأولى أنه
يتجنّب الموضوع ويتهرّب منه. وبدا أن عائلته تجهل كل
شيء عن نشاطه السري ذاك. ولذّ لها أن تعتبر تلك
الغامرات رهما الخاضص: حتى وَإن كانت اكتشفتة
بمحض المصادفة حين طرق بابهم وهو يكاد يُغمى عليه!
وحتى إن تجِنّب معاودة الحديث عنها معها منذ ذلك
الحين!
انتبهت حين رأته يمدّ يده إليها بعلبة مغلّفة بورق الهدايا.
الهدية التي تحدّثت عنها ريما! قال في اعتذار:
- وحتى تتجاوزي عما بدر مني من إهمالء أرجو أن
تقبلي هذه الهدية.
همّت بأن تقف لتناول العلبة, لكنه أشار إليها بأن
تجلس, ووضعها على الطاولة المنخفضة أمامه. ثم رفع
رأسه إليها قائلا:
- لا تفتحيها الآن... هناك بعض الترتيبات الخاصة التي
يجب عليك فعلها قبل أن تلمسيها.
نظرت إليه في استغراب. ترتيبات؟ استطرد في شيء
من المرح:
- بما أنك مهتمة بالإسلام ولا تعرفين الكثير عنه؛ فقد
فكّرت في هدية مفيدة فيها إجابات شافية عن كثير من
تساؤلاتك.
لم يكن واثقا من ردة فعلها. فهي وإن كانت تسأل كثيرا ؛
فإن لهجتها كانت هجومية في أغلب الأحيان. واصل في
حذر وهو يشير إلى العلبة:
- اقتنيت لك كتابين سيساعدانك كثيرا... كتاب قرآن...
وكتاب سيرة نبوية!
ظلّ يلحظها في ترقب. بدت ملامحها جامدة, وقد توقفت
نظراتها عند العلبة؛ لكنها أخيرًا رفعت عينيها إليه وهي
تقول في اهتمام:
- وما هي الترتيبات اللازمة؟
انشرح صدره حين رأى اهتمامها وقال موضّحا:
- يجب أن تتطهّري قبل أن تلمسي كتاب القرآن... فهو
كتابنا المقدس كما تعلمين: والكتب المقدسة لأ يجب
للسنها قبل تَظهير الجسد... اسنتغدآدا لتظهير النقلين...
ظهرت الدهشة على وجهها وهي تقول ساهمة:
- تطهير الجسد...؟
هزٌّ رأسه وهو يواصل مستغلا نقطة الضعف في
التشريع اليهودي:
- في دينناء لا فرق بين المرأة والرجل. من حق كل منهما
أن يقراً في الكتاب المقدّس... لكن بعد أن يتطهّر. وليس
لدينا ما يُعرف عندكم بالنجاسة الأبدية للمرأة! بل إن
ديننا لا يعتبر تعلم الدين حقا... بل هو واجب على
الجنسين! ويذلك فإن منع لمس الكتاب على النساء غير
وارد إطلاقا!
أطرقت ندى للحظات وهي تتأمل في كلماته؛ ثم قالت
بصوت هامس:
- وكيف أتطهر؟
- يجب أن تتعلمي الوضوء...
هنا تكلمت ريما التي لزمت الصمت منذ دخولهاء
واكتفت بمتابعة الحوار» وهتفت في سرور:
- لقد علّمتها الوضوء!
التفت إليها أحمد كأنه قد لاحظ للتو وجودهاء وأدرك أنه
تجاهلها دون قصد. ابتسم معتذرا وهو يخاطبها قائلا:
- أنت ريما أليس كذلك؟
هرت رأسها علامة الإيجاب؛ فواصل أحمد مشجّعا:
- شكرا لأنك علمتها الوضوء...
ابتسم في استحسان. وقد سرّته مبادرتها. فهتفت ريما
ُحِدَدًا في حماس أكبر وقد أحسّت بأن تدخلها قد لقي
قبولا حسنا:
- وعلمتها الصلاة أيضا!
هذه المرة لم يستطع أحمد كتمان دهشته؛ فالتفت إلى
ندى التي احمرّت وجنتاها من الخجل. وفي عينيه
الكثير من التساؤلات. كانت مُطرقة في ارتباك كأنه قد
قبض عليها متلبسة؛ وقد أخذت تتوعّد ريما في سرّها.
لكنها هتفت بلهجة احتجاج:
- ليس الأمر كما تظن!
ابتسم وهو يحوّل نظراته عنها ء ويهزّ كتفيه متظاهرا
باللامبالاة:
- لم أقل شيئا!
أغاظتها ابتسامته الواثقة. فقالت بسرعة مُغيّرة
الموضوع:
- شكرا لك على الهدية... لكن لدي طلب صغيرء أرجو ألا
أثقل عليك به.
كانت الابتسامة قد اتسعت على شفتي أحمد؛ واشية
بمدى ارتياحه لهذا الحديث الذي مسح قسما من حزنه؛
وهز رأسه مُرَحَبَا بالطلب, فتابعت ندى على استحياء:
- إنه يتعلق بريما...
التفتت إليها ريما مستغربة؛ فأدركت بأنها تردّ الكرة
إليهاء لتخرج من مأزقها! واصلت ندى:
- منذ قدومها إلى لبنان وهي تفتقد دروس الدين التي
كانت مواظبة عليها في تونس... فلو أمكن أن تجد لها
مُعلّما هنا من الثقات...
لم يتردّد أحمد كثيرًا وهو يقول في حماس:
- طبعاء لا شك في ذلك!
ثم التفت إلى ريما متابعاء وهو لا يكاد يصدق أن
الخطوات التي رسمها تتقدم بتلك السرعة:
- ما رأيك في دروس خصوصية منزلية؟ وما رأيك بي
مُدَرسَا؟
أومأت ريما برأسها بسرعة دون تردد؛ ونظراتها
وابتسامتها وأصابعها المتشابكة بقوة تنطق كلها
بحماسها وشوقها. ابتسم أحمد وهو يلقي نظرة جانبية
على تدى. كانت قل فوحنت باقتراحه, لكتها الكت
نفسها للتظاهر بعدم الاكتراث.
- إن اتفقا... تبدا يوم الجمعة؟ للقبل!
ثم أضاف وهو يقف هاما بالمغادرة:
- والآنء يجب أن أنصرف... لدي بعض المشاغل المهمّة.
وقفت ندى على إثره؛ وشيّعته إلى البابء وفي عينيها
شيءٌ من العتاب. كان من المفترض به أن يصالحها
هي. فإذا بها وبكل غباء وسذاجة تحوّل اهتمامه إلى
ريما. راقبته وهو يبتعد في اتجاه الباب الخارجي. وهي
تغالب رغبة في مشاكسته حتى تسمع منه كلمة حانية.
للحظة تخيّلت نفسها تركض نحوه. وتتعلّق بذراعه كما
تفعل الفتيات مع الشباب في الشوارع, فقد حزّ في
نفسها أن تكون مصالحتهما بذلك البرود. كثيرا ما رأت
أختها دانا تفعل ذلك مع خطيبها؛ لكنها لم تجرؤ أبدا أن
تقلّدها. فهي تعلم جيدا أن أحمد مختلف جدا عن
إيميل! رأته يضع كفه على مقبض البوابة المعدنية,
وأيقنت بأن فرصتها قد فاتت, لكنه التفت في اللحظة
الأخيرة ليفاجئ حمرة في وجنتيها تسللت مع أفكارها
السابقة. قال:
- سأبداً مع ريما دراسة الأحكام الفقهية... لكتني
سأعهد إليك بمهمة مختلفة. ضعي كتاب القرآن جانبا
في الوقت الحاليء وابدئي بكتاب السيرة النبوية.
نظرت إليه مستفسرة؛ وقد أَغْلقَ عليها فهمٌ طلبه؛ فقال
وهو يفتح البوابة:
- مساتشبرج لل لتقا . لكن لا تنسي» هذه مهمتك
الخاصة. ولا علاقة لها بدروس ريما.
تنهّدت وهي تغلق الباب وتعود أدراجها إلى الغرفة,
واحلامها تتتتق في صدرها. تذكّرت الرقف الجرع
الذي وضعتها به ريماء فتوجّهت نحوها متحفزة وهي
تتوحّدها في سرها. ما الذي يعتقده أحمد الآن بشأنها؟
كيف يفهم اهتمامها بتعلم الوضوء والصلاة وقراءة كتاب
القرآن؟ إن الأمر بالنسبة إليها لا يعدو أن يكون مجرد
استكشاف لأمر جديد عليهاء علّها تفهم طريقة تفكير
ممارسيه. لكنه قد يعدٌ ذلك انقيادًا منهاء ويحسبه
انتصارًا على كبريائها, وهو ما لا يمكنها أن تقبله!
كانت ريما مستلقية على السرير في استرخاء؛
ونظراتها مستقرة على السقف. ما إن أحسّت بدخول
ندى حتى بادرتها دون أن تحول نظراتها الحالمة إليها:
- أنت محظوظة يا ندى!
التفتت إليها ندى في استغراب؛ فواصلت ريما وقد
تجمّعت العُبّرات في عينيها:
- أنت محظوظة بأحمد! كم هو طيب وحنون... وكم يحبك
ويهتم لأمرك!
التهبت وجنتاها حياء؛ وقد نسيت وعيدها للحظات.
اقتربت لتجلس إلى جانبها وهي تهمس:
- أتعتقدين ذلك حقا؟
استوت ريما جالسة وهي تقول في تأكيد:
- طبعا! لقد أحسستٌ بذلك. لأنه لا أحد يهتم بي أو
يرعاني مثلما يفعل معك!
قالت تلك واتهعرت النموع على يحتتيها #السيل.
سارعت ندى تحتضنها في حنان وحب, وأخذت تمسح
على رأسها مهدئة وقالت هامسة:
- لا تقولي هذا... أنا أهتم لأمرك يا عزيزتي...
- هل تأتين معي؟
أشاحت ندى بوجهها وهي تتشاغل بتمشيط شعرها
السبط الناعم أمام المرآة, وقالت في لهجة بدا فيها
التردد والارتباك:
- لا داعي لحضوري... فهو جاء لتعليمك أنت.
لبثت ريما واقفة أمام الباب للحظات, ثم قالت:
- حسن... إن قررت الانضمام إليناء فلا تتردي!
حين لم يصلها رد من ندى, هزّت كتفيها ثم انصرفت
إلى درسها. تابعتها ندى بنظراتها من خلال المرآة حتى
انصرفت وأغلقت باب الغرفة خلفها. ثم وضعت المشط
عنهاء وظلّت تعبث بخصلاتها الكستنائية في تفكير.
ليست مضطرة للقائه اليوم» فهو لم يأت لرؤيتها. للمرة
الأولى يآتي أحمد إلى المنزل من أجل شخص آخر
غيرها! مجرد التفكير في ذلك يزعجها. وحين تذكر أنها
هي من اقترح الأمر وخطط له! تطلّعت إلى صورة
ملامحها العابسة في المرآة؛ ثم ارتمت على سريرها
مبعثرة خصلاتها وراءها في إهمال. استلقت للحظات
وهي لا تجد ما تشغل به نفسها عما يحصل في الغرفة
الأخرى. كيف يكون الدرس يا ترى؟ لم تكن قد رأت
أحمد وهو يُقدّم دروسا من قبل لكنها فكّرت بأن مهنة
التدريس قد تناسبه. فهو واسع الصدر ويتسم بالصبر
والأناة. ولديه أسلوب جميل في الشرح وإيصال المعلومة.
تذكرت نقاشاتهما الطويلة. وكيف يتجاوز في كل مرة
عن لهجتها العدائية وحجاجها الهجومي؛ وكيف يتمالك
نفسه ويبحث حتى يرد عليها بهدوء وعن دراية وتمكّن...
ابتسمت وهي تتخيّل ملامحه أمام عينيها. تلك العيون
الحانية؛ وتلك الابتسامة الوديعة التي لا تفارق شفتيه
وهو يتكلم بهدوء ورفق. رنّت في رأسها كلمات ريما: أنت
محظوظة بأحمد!
فجأة؛ اعتدلت في جلستها وفي عينيها نظرة جادة. نعم
إنها محظوظة به حقا. ولا يمكنها أن تضيعه من بين
يديها .أو تترك المجال لغيرها ليحتل مكانها في قلبه!
تخيْلته وهو يجلس مع ريما يعلّمهاء لوحدهماء فاشتعلت
الغيرة في نفسها. كيف يمكنها أن تسمح بذلك؟ صحيح
أن ريما تصغرها ببضع سنوات؛ وهي تبدو طفلة أكثر
منها امرأة, لكنها أنثى على آية حال! ومهما كانت ثقتها
فيه وفيهاء فإن لقاءاتهما المنفردة إن تكررت ستصنع
َينهما نوعا من الألفة والضسداقة, خاصنة أنها مسلنة
مثله! أزعجها الخاطر. فسارعت بتغيير ملابسها وتهذيب
هندامها ثم خرجت. كانت غبية حين رفضت حضور
الدرس مع ريما! لكن الوقت لم يفت بعد.
أحس أحمد بالخيبة حين رأى ريما تدخل وهي تجذب
من كفها كريستينا طفلة ميشال إلى غرفة الجلويس»
حتى لا تكون هناك خلوة. لبث للحظات ينظر إلى الباب
المفتوح, كآنه ينتظر انضمام شخص ثالت. لكن أحدًا لم
يحضر! حينها التفت إلى ريما في تساؤل:
- ليست ندى في المنزل؟
ردّت ريما ببراءة وعفوية:
- نعم؛ إنها في غرفتها...
هزّ أحمد رأسه؛ ثم قال وهو يتطلع إلى ساعته:
- إذن دعينا نبداً الدرس الأول...
أخرج الكتب من محفظته؛ وأخذ يشرح لها المنهج الذي
ستسير عليه الدروس والكتب الذي سيعتمد عليها فيها.
لكنه ظلّ يراقب الباب بين الفينة والأخرى كأنه يتوقّع؛ أو
يأمل. دخول ندى في آية لحظة. كان قد شرع في تقديم
باب الطهارة وأخذ يُلقَن ريما القواعد. حين لمح طيفا
يقف قرب الباب. مختفيا وراء الستائر. ابتسم في
ارتياح وهو يرفع صوته مشجعا ريما:
- والآنء فلنكرر الحديث مجددا... حتى نحفظه...
وكتلميذة نجيبة, أخذت ريما تردد وراءه الجمل والعبارات
في تركيز. لتحفظها عن ظهر قلب. ولم تغفل نظرات
أحمد عن التلميذة الأخرى التي كانت تتابع خفية. وبعد
هنيهة قررت الخروج من مخبئها. رآها تتقدم وتقترب من
مجلسهما على استحياء. كانت ريما تعرض حفظهاء
حين أشار أحمد إلى ندى بأن تجلس إلى جانبها دون
أن يقاطعها. انصاعت ندى للأمر ء وأنصتت معه إلى
حفظ ريما وهي تبحث في رأسها عن سبب تبرّر به
انضمامها إليهما دون تعريض نفسها إلى إحراج
جديد. لكن أحمد لم يمهلهاء فما إن أنهت ريما حتى
التفت إليها وهو يقول مبتسما:
- والآن دورك... هل حفظت؟
امتقع وجهها للحظة. لكنها لم تدر كيف واتتها الجرأة
وتحركت شفتاها لتقوم بتسميع الحديث الذي تردد
أمامها لمرات على لسان أحمد؛ ثم على لسان ريما. وما
إن أنهت, حتى أخذ أحمد يصفّق لها في إعجاب:
- ممتاز! أنت سريعة الحفظ حقا!
أطرقت دون أن تنطق وقد ذابت خجلا أمام عبارات
الثناء. وتواصلت الحصة متراوحة بين المرح والجد. فندى
لم تُضع الفرصة لتطرح كل ما يخطر على بالها من
التساؤلات والاستفسارات. وبعد مضي ساعتين
ممتعتين. أغلق أحمد الكتاب وهو يقول في رضا:
- يكفي لهذا اليوم...
ثم أخذ في جمع أشيائه استعدادًا للانصراف. راقبته
ندى في شيء من الضيق. فقد حزٌّ في نفسها أن تكون
زيارته من أجل الدرس لا غير ء وأنه لم يهتم بالجلوس
معها بعده.؛ للحديث عن أمورهما الخاصة. لكنها وقفت
في استسلام لتشيعه إلى الباب كالعادة. نزل أحمد
درجات السلم القليلة باتجاه الحديقة. ثم التفت إلى ندى
وقال مبتسما:
- هل بدأت القراءة في كتاب السيرة؟
هرّت رأسها علامة الإيجاب وهي تقول في خفر:
- لكنني لا أفهم كل شيء... فاللغة العربية جديدة
بالنسبة إلي. لكن الكتاب مليء بالحكايات؛ وهذا مسل.
- جيد... بإمكانك الاستعانة بريما... وإن احتجت إلى
شرح إضافي فلا تترددي!
بادلته الابتسامة وهي تهز رأسها موافقة. لكنها فوجئت
بملامح أحمد تتغيّر وتكتسي مسحة حزن غريبة. كان قد
استدار ليواجهها وأخذ يقول في لهجة جادة:
- تدى... سأطلب منك شيئا.
نظرت إليه في انتباه ووجل, وقد أحسّت بأنه يُخفي أمرا
ما. واصل أحمد قائلا:
- عديني... إن حصل لي مكروه ما... أن تقرئي كل يوم
ربع ساعة من القرآن... من أجلي...
انقبض صدرها وضمّت كفيها في توتر وهتفت:
- أحمد... ماذا هناك؟ ما الذي يحصل؟
رسم على شفتيه ابتسامة فاترة وهو يقول:
- حسان لم يعد... ولا أعلم متى يكون دوري... لكن لا
تشغلي بالك,؛ فقط... عديني...
همست في مزيج من الحيرة والقلق:
- أعدك...
حتى تتعرف إلى الإسلام؛ لم يطلب منها أحمد أن تقرأً
القرآن وتفسره وتؤوله. بل وجّهها إلى حياة الرسول
محمد (صلى الله عليه وسلم). وشجّعها على البدء من
هناك. بدت رغبته غريبة بالنسبة لندى. كانت تؤمن بأن
المصدر الرئيسي لكل ديانة هو مرجعه الأول بلا منازع»
لأنه يكتسب طابعا إلهيا وقدسيا. لذلك لم تتوقّع أن
يحملها على دراسة حياة بشر فان.
شرح لها أحمد أن دافعين رئيسيين كانا وراء الطلب.
أولهما هو سهولة التعرف على الإسلام من خلال
شخص الرسول (صلى الله عليه وسلم)؛ فقد كان «خلقه
القرآن». فقد توقّع أن يكون القرآن صعبا عليهاء من
حيث اللغة والمفاهيم التي ستبدو نظرية. أما المثال
التطبيقي الحيّ في سلوك رسول الإسلام ومآثره
فسيكون في متناول فهمها. أما الدافع الثاني فقد
احتفظ به لنفسه, وهو يكتم ابتسامة أغاظتها.
لم تعلم إلا بعد وقت طويل أنَّ أحمد لاحظ غيرتها
الشديدة حين اقترح تعليم ريما بنفسه؛ وخاف أن تكون
الغيرة حاجزا دونها ودون الاهتمام الصحيح بالدين.
وتأكد الشك لديه فيما بعد حين رآها تتعمّد مقاطعة ريما
ومعارضتها لمجرد شد انتباهه إلى وجودها. فقرّر أن
يترك القرآن جانبا إلى حين ويوكل إليها مهمة «خاصة
بها» ولا تشملها دراسة ريماء فلا تحدّثها نفسها
بالتطاول على القرآن بأسئلتها العجيبة التي لم تخطر
حتى ببال قريش, لمجرد انتزاع الكلمة من ريما!
الكتاب الذي أهداها إياه أحمد كان بلغة عربية بسيطة
ومليئا بالقصص, مما جعله سهل الفهم رغم حداثة
عهدقا باللغة ومسليا أيضاء فقد كانت مولعة بالحكايات.
كان عليها أن تكذب بشأن الكتاب وتدّعي أمام عائلتها
بأن الكتاب لريما. لكن تلك الكذبة سبّبت لها متاعب من
نوع آخر. فقد صارت ريما تلاصقها كلما همّت بالقراءة
فيه؛ فتنشاً مشادّة بين الفتاتين. ألم تكن تلك «مهمتها
الخاصة»؟ فلماذا تصرّ ريما على منافستها فيها؟ ولم
تكن ريما لتتردد في الهتاف بصوت عال حتى تسمع
سونيا «أوليس هذا كتابي؟ إذن هاته».
كلما تقدّمت ندى في القراءة؛ ازدادت تعلقاء ليس
بالكتاب. بل بشخص الرسول (صلى الله عليه وسلم).
كم من مقطع كررت تلاوته وعيونها تفيض بالدمع. كم من
مقاطع أخرى أشعرتها بانشراح عجيب, وملأت يومها
نورا قدسيا مبهجا. لقد كان رجلا عظيما ؛ بقلب رحيم
ولفتات حانية ونظرة محافظة وثاقبة في آن. سلوكه راق
وسمته التواضع, يحيط به لا صحابة فقط بل أمة كاملة
لم تتوقف كثيرا أمام «المعجزات» بل ركزت انتباهها
على الأفعال التي بدت لها ملهمة أكثر من كل الخوارق.
تذكرت كلمات قالها أحمد في أحد النقاشات:
- «إني أريد أن أعيش على خُطى الحبيب, محمد ابن
عبد الله (صلى الله عليه وسلم)؛ فمن قدوتك أنت؟
لم تستطع الرد عندها؛ فلم تكن قد فكرت في موضوع
القدوة من قبل. كانت مستقلة برأيها ومكتفية بنفسها.
لكنّ أحمد أضاف:
- «أرجو أن تتبعي زوجك لاحقا إذا كان ذا خلق
ودين... وبما أننا سنتزوج. فإنني أوصيك بنفسي خيرا.
وأنا أهل له»
فكرت في أثناء قراءتها في إعجاب. لو كان أحمد يريد
أن يشبه هذا الرجلء فإنه لأمر مطمئن. كان يقول إنه
يتمنى أن يأخذ الرسول محمدا (صلى الله عليه وسلم)
بين ذراعيه؛ أن يِقبْلّهِ ويضمه. لكنه كان يخشى ألا
يستطيع النظر في وجهه حين يلقاه. لأنه قصّر في
واجباته تجاهه وتجاه دينه. مجرد التفكير في ذلك كان
يجعل جسده يرتجف كالمحموم. فكرت ندى أنها لم تر
بشرا يتعلّق ببشر آخر إلى تلك الدرجة. حتى
المسيحيون, فإنهم يقدّسون المسيح كابن للربٌ؛ وليس كبشر مثلهم
دخلت ندى غرفتها. ألقت حقيبتها وكراساتها في زاوية.
ثم ارتمت على السرير في إعياء. التفتت إليها ريما التي
كانت تجلس إلى المكتب تراجع دروس الفقه والعبادات.
ورسمت على شفتيها ابتسامة طفولية عذبة.
- أهلا بعودتك!
كانت ندى قد عادت إلى الدراسة منذ أيام قليلة, بعد أن
تم الاحتفال بزواج دانا وإيميل كما اقترحت راشيلء
وبطريقة ترضي جميع الأطراف... تقريبا! فندى
تضايقت حين أحجم أحمد وعائلته عن حضور الحفله
واكتفوا بتقديم هدية للعروسين. ولم تدّخر سونيا جهدا
في إبداء استناثهاا من هنا التسرق وعادت لتذكز قى
بأن فترة الخطبة طالت بما فيه الكفاية. وصار بإمكانها
أن تتخذ قرارها بالانفصال! كانت ندى تتفهّم اختلاف
العقيدةوالممارسات الدينية بينها و بين أحمد» لكنها
احتارت من موقفه المتصلب تجاه زواج أختها. فقد كان
بإمكانه التنازل قليلا وحضور الحفل المنزلي؛ دون أن
يضطر إلى دخول الكنيسة. لكنه لم يستجب لإلحاحهاء
وأصرٌ على عدم دخول المنزل طالما كان الخَبْرَ اليهودي
حاضرًا! وانعكست تلك الحادثة سلبا على علاقتهماء
خاصة مع تباعد لقاءاتهما بسبب انتهاء الإجازة.
- أحمد لم يأت هذا الأسبوع!
قالت ريما ذلك في قلق. أشاحت ندى بوجهها في ضيق
وهي تقول في عدم اكتراث:
- أحمد سافر إلى صيدا... أمامه سنة دراسية أخيرة
قبل أن يتخرّج...
هتفت ريما في اهتمام:
- هل سيتخرج هذه السنة؟ وماذا سيعمل؟
- سيصبح مهندسا زراعيا... وربما يهتم باستصلاالجنوب
أرض جده...
اقتربت منها ريما وهي تقول بنفس الحماس:
- رائع! إنها مهنة جميلة ونبيلة!
ثم أضافت في تفكير:
- هل أرض جد بعيدة؟
- وصيدا... هل هي بعيدة؟
- إذن هل سيأتي كل أسبوع للدرس؟
انقلبت ندى على جانبها وهي تقول في ضيق:
- لا أدري!
كانت منزعجة من أشياء كثيرة. فلم تكن تصرفات أحمد
وحدها ما يقلقها. لم تكن الأوضاع هادئة في الجنوب
وكانت تسمع كل فترة عن عمليات جديدة وصدامات
متكررة بين مجموعات المقاومة وجيش الصهاينة.
فيزيدها ذلك خوفا على أحمد؛ خاصة أنه قد ابتعد عنها
وعن عائلته برجوعه إلى صيداء فلم يعد بإمكانها
الاطمئنان عليه ومتابعة أخباره عن قرب. لكن ما إن
يتصل بها وتطمئن إلى سلامته. حتى تطفو في نفسها
مشاعر الغضب والغيظ التي ترسّبت من تصرفاته
الأخيرة التي عدذتها نوعا من اللامبالاة بمشاعرها! وفي
حين كانت هي تتظاهر بعدم الاكتراث له ولاتصالاته؛
كانت ريما تظهر اهتماما كبيرا . وتسأل عنه بشكل
متواصل. فتقلق إن تغيّب أسبوعا أو تآخّر عن موعده؛
وتلحٌ على ندى حتى تتّصل بعائلته! وكان كل ذلك يشعل
الغيرة في قلب ندى... ولم تكن في تلك الآونة في أحسن
حالاتها وهي ترى إمعان ريما في السؤال عنه وعن
دراسته ومستقبله!
سكتت ريما للحظات. وقد أحسّت بأن ندى ليست في
مزاج جيد. ثم قامت لتجلس إلى المكتب من جديد. لكنها
كانت قلقة هي الأخرى. ولم يكن بإمكانها التركيز كثيرا.
فمنذ تزوّجت دانا وعادت ندى إلى كليتهاء. أصبحت
تجلس ساعات طويلة بمفردها في الغرفة. كانت
تتحاشى نظرات سونيا الغريبة. كما كانت تتحاشى
نظرات تانيا من قبل. ربما لم يكن الأمر ليُرزعجها حين
كانت تقيم عند جاكوب, فهي كانت نوعا ما في بيتهاء
ومع العائلة التي نشأت فيها وتعوّدت عليها حتى صارت
قطعة منها... لكن الأمر مختلف جدا مع سونيا. فهي
تبقى ضيفة عندها وغريبة عنها تماما.
صارت تفكّر كثيرًا وتتأمّل في واقعها ومستقبل حياتها.
كان قد مضى أكثر من شهر على إقامتها في منزل
ندى. كان جورج لطيفا جدا معهاء مثل ندى تماما.
يسأل عنها ويهتم لأمرها... يُذكّرها ببابا يعقوب!
وتساءلت في شيء من الاستغراب عن المفارقات العجيبة
التي جمعت شخصا طيبا مثله بامرأة متحجّرة مثل
سونيا. ولم تكن تلك هي الحالة الوحيدة التي تدعو إلى
العجب. فجاكوب وراشيل أيضا كل منهما حظي بشريك
ذي طبا ع مختلفة!
وهي. كيف سيكون شريك حياتها يا ترى؟ كانت ككل
البنات في مثل سنها قد بدأت تعيش أحلاما ورديّة.
وتكوّن صورة شبه كاملة. بمقاييسها الخاصة. عن
فارسها. وحين كانت تشتد عليها الظروف, كانت تتوجّه
إلى الله. وتسأله أن يرسل إليها من ينقذها ويخرجها من
حياة الذل والهوان. ويحافظ على دينها ويحميها. لكنها
سرعان ما كانت تتراجع وترضى بما هي فيه؛ فتدعو الله
أن يهدي أهلها ويردهم إليه ردا جميلا... فهي تحبهم ولا
تريد فراقهم رغم كل شيء. وأما الفارس, فقد طردته من
خيالها مبكرا حتى لم يعد له مكان في حياتها. وسرعان
ما استعاضت عنه بهدف جديد...
انتبهت من أفكارها حين جاءها صوت ندى وهي تقول:
- ريما... ربما من الأفضل أن شُجَّلي في المدرسة
الثانوية لإستكمال نراستك...
لامت نفسها على برودها وجفافها معها منذ لحظات,
وفكّرت في مجاذبتها أطراف الحديث. فهي تعلم مقدار
وحدتها؛ وتحس بالفراغ الذي تعيشه في الفترة الأخيرة.
وفكّرت في أن ممارستها لبعض النشاطات الخارجية سيساعد في تحسين نفسيتها كثيرا تابعت في لهجة
جادة:
- هناك مدرسة قريبة؛ فيها الكثير من المسلمين. يمكنك
أن تلتحقي بها... فالسنة الدراسية قد بدأت منذ أسابيع
قليلة ويمكنك التدارك...
نظرت إليها ريما في تردد؛ ثم قالت:
- ولكنني لن أظل هنا طويلا... بل سأعود إلى مدرستي
في تونس قريبا ! راشيل وعدتني بأنها ستعيدني!
تنهدت ندى في رثاء وقالت مشفقة:
- ولكن خالتي راشيل لم تظهر منذ مدة طويلة... حتى
إنها لم تحضر زفاف دانا! ربما صادفتها بعغض
المعوّقات, وصار من العسير عليها إعادتك الآن!
لم ترد ريما أن تصدق كلام ندى؛ مع أن نفس الأفكار
كانت تراودها منذ أحست بتمادي إقامتها في لبنان
أكثر مما توقعت. لكنها كانت قد صدّقت وعد راشيل من......