رواية في قلبي انثي عبرية الفصل الثاني والعشرون 22 بقلم خولة حمدي


رواية في قلبي انثي عبرية الفصل الثاني والعشرون 22 بقلم خولة حمدي



في صبيحة الواحد والعشرين من مايو سنة 2000، بدأت مسيرة شعبية فريدة من نوعها في مدن وقرى الجنوب. تداعى الأهالي، خصوصا أبناء القرى المحتلة، من شتى المناطق استعدادا للاجتياح البشري المدعوم من قبل مجموعات المقاومة الإسلامية. بعد التهجير القسري لعشرات الآلاف من المواطنين عن قراهم وبلداتهم، الذي دام سنوات طويلة، شقت الجموع طريقها تنشد التحرير.


لم تفلح قوات الاحتلال التي شنت سلسلة من الاعتداءات البرية والجوية والبحرية، ولا قوات الطوارئ الدولية، في منع مسيرة العودة للمواطنين. بدا أن السيل البشري أقوى من كل العراقيل... وعند الظهر، كانت مليشيا العملاء قد أخلت عددا لا بأس به من القرى، لتلوذ أعداد كبيرة من عناصرها بالفرار، وسلم قسم منها نفسه إلى الأهالي.


مسيرة التحرير تواصلت لأيام، تتفرق أحيانا حين تهاجمها نيران العدو وقذائفه، وتوحد صفوفها أحيانا أخرى رافعة رايات التحریر، متحدية المروحيات الصهيونية التي تتابعها عن قرب. سقط عدد من الشهداء من المدنيين، وظل البقية يتقدمون دون هوادة. يبيتون في العراء أحيانا على تخوم البلدات المحتلة، تأهبا لتحريرها. كان المواطنون ينضمون إلى المقاومة المسلحة عن طيب خاطر. كل الطاقات البشرية المقموعة حشدت لهدف واحد: التحرير.


ولم يكن النصر ليتأخر أكثر من ذلك. ففي مساء اليوم الثاني من المسيرة، بدأ جيش الاحتلال بجمع آلياته وأسلحته الثقيلة من عدد من المواقع. تفرقت صفوفهم ورفض معظمهم التوجه إلى المواقع الأمامية التي شهدت نقصا فادحا في عناصر الحماية. وفي اليوم الثالث، كانت علامات الاحتفال قد ظهرت في ساحات مختلف البلدات، إعلانا عن النصر الشعبي المحقق، ليتم إخلاء كل مواقع العدو مع انتصاف اليوم الرابع للتحرير.


تعلقت عينا ندي بشاشة التلفاز، والدموع لا تكف عن الجريان على خديها.


كانت سماح والسيدة سعاد تجلسان إلى جوارها في منزل العائلة، وكل منهما تضم كفيها إلى صدرها في تأثر بالغ. لم تكن الأحداث الأخيرة التي هزت أراضي الجنوب لتتركهن جامدات. مزيج من الفرح والحماس والارتياح العميق.


شعور فريد قد لا يعيشه المرء سوى مرة واحدة في حياته. كن قد شاركن في المسيرة الشعبية لليوم الأول، ولم يبتعدن كثيرا عن قانا. لكن الفرحة الكبرى التي عاشها الأهالي كانت الفرحة بتحرير الأسرى المحتجزين في معتقل الخيام، قبل أن تنقلهم قيادة الاحتلال إلى داخل فلسطين المحتلة.


تابعت النسوة البث المباشر الذي نقلته القنوات الفضائية والمحلية بشغف شديد، بل شاهدنه مرات ومرات. فقد كان يحمل في كل مرات موجة من المشاعر التي لا تنضب. ما إن وصل الأهالي إلى بلدة الخيام، حتى توجهوا إلى المعتقل بعد فرار حراسه في ساعات الصباح الأولى. اجتاح حوالي خمسمائة شخص المكان في وقت لم يكن فيه الأسرى واعين بما يجري حولهم.


حطم الأهالي بوابات الزنازين بما وصلت إليه أيديهم من عصي وقضبان حديدية. وكان اللقاء الكبير... اختلطت الأيدي عبر فتحات الزنازين المغلقة معلنة وصول الفرج، قبل أن تنهار البوابات تماما وتترك شعاع النور يملأ الغرف الضيقة، وهواء الحرية يملأ صدور الأسري وينظف رئاتهم من هواء الأسر العفن. وأمام أنظار العالم بأسره، تعالت الأصوات بالتكبير والتهليل، وسالت العبرات أنهارا، لتزيد الموقف حرارة. التحمت الأجساد المجهولة في عناق حميم، بعد أن تألفت أرواحها دون تعارف سابق.


احتفلت المدن اللبنانية دون استثناء بالنصر، وتواصلت علامات الفرح لأيام عديدة، خاصة مع بدء عودة الأسرى المحررين إلى قراهم وعائلاتهم. لكن عناصر المقاومة لم تبرح المواقع بعد، فقد كان أمامهم عمل آخر بالتعاون مع الأهالي والسلطات لإعادة الأوضاع إلى نصابها في الأماكن المحررة. كانت كل من ندی وسماح تنتظر عودة خطيبها بنافد الصبر. قريبا تحتفلان بعقد القران. والنصر المفاجئ كان خير هدية! لم تكن إحداهما تحلم بظروف أفضل لبدء مرحلة جديدة في حياتها. نهاية الحرب تعني بالتأكيد الاستقرار... ونهاية المخاوف.


تعالت طرقات على باب المنزل. هبت سماح من مجلسها في اضطراب:


- سأنظر من الطارق...


تسارعت دقات قلب ندی، ووقفت متطلعة إلى المدخل. كانت تأمل أن يكون أحمد هو القادم، مع أنها أدركت أنه لن يطرق باب بيته. لم تفقد الأمل... ربما كان خبرا منه. عادت سماح بعد لحظات، وقد تضرجت وجنتاها من الحياء، والسعادة:


- أمي، أيهم بالباب...


وما لبث أيهم أن دخل مطرق الرأس في احترام. بادرته السيدة سعاد في لهفة:


- حمدا لله على سلامتك يا بني. أين أحمد؟ ألم يرجع معك؟


قال مطمئنا:


- افترقنا منذ يومين في المسيرة الشعبية. لم أتمكن من العودة إلا ظهر اليوم، وقد مررت إلى هنا مباشرة لأهنئكم بالنصر... أشك في أن أحمد سيتأخر كثيرا. أظنه يصل مساء اليوم، أو يوم غد على أقصى تقدير...


ثم أضاء وجهه وهو يقول في حماس:


- أردت أيضا أن أبشركم بعودة حسان! وصلنا في نفس الشاحنة اليوم. كان ضمن الأسرى المحررين في معتقل الخيام.


لم تتمالك السيدة سعاد نفسها وأطلقت زغرودة عالية، تشي بنشوتها بالخبر السار.


لكن رغم الارتياح، كانت القلوب الأربعة تهفو إلى رؤية الغائب الذي انقطعت أخباره منذ أيام... حتى تكتمل الفرحة.


* * * * *


لم يعد... انتظرته طويلا. لكنه لم يعد...


الأيام... والأشهر... والسنوات... مرت كلها ، رتيبة مملة، حزينة قاسية، عليها وعلى كل من أحب أحمد. لم د تستطع سماح تأخير زواجها إلى أجل غير مسمى. أيهم كان مستعجلا، والحياة لا يجب أن تتوقف لغياب أحمد.


هل قتل؟ هل أسر؟ لا أحد يملك الجواب. بعد مرور أربع سنوات على اختفائه، لم يتم العثور على جثته، ولم يصلهم أي خبر عن مصيره. الجنوب حرر، وجنود العدو انسحبوا. أطلق سراح الأسري، وعمرت القرى المحتلة من جديد. هل تكون الكتائب المنسحبة قد أسرته، وأخذته معها إلى فلسطين المحتلة؟ هل يكون قتل خلال تبادل إطلاق النار وفقدت جثته في الأحراش؟ هل يكون على قيد الحياة في مكان ما من أرض لبنان؟ لا أحد يعلم... ولعلها لن تعلم أبدا...


أربع سنوات مرت. لم يعد الأمل قويا مثل الفترة الأولى. لم تعد تتطلع إلى الباب وتضطرب حين اقتراب سيارة قديمة من شارعهم...


لم تعد تنتظره...


كانت حركة المسافرين في محطة القطارات بتونس العاصمة مرتبكة كعادتها.


همهمة غامضة تسري في المكان، هي مزيج من أحاديث الجالسين في قاعات الانتظار، ونداءات الباعة المنتشرين في الباحة الخارجية، ووقع الخطوات المنتقلة بين جنبات المحطة... جرت ندى حقيبتها باتجاه البهو المركزي بفكر سارح وعقل مشغول. سبقتها سونيا ببضع خطوات ثم التفتت موضحة:


- انتظريني هنا...


تابعتها ندی بنظراتها وهي تبتعد نحو شباك التذاكر، وتقف منتظرة دورها مع بقية المسافرين. رفعت عينيها إلى لوحة الإعلان عن الرحلات الضخمة التي تتصدر البهو... ما زال هنالك المزيد من الانتظار! القطار المتجه إلى قابس لن ينطلق قبل ساعتين. بعد ست ساعات على متن القطار ستستقلان الحافلة حتى الميناء، حيث عليهما استعمال وسيلة نقل أخرى، ناقلة الركاب العائمة التي تسمى «البطاح». تنهدت وهي تتخيل بقية المشوار الطويل، ثم سارت بخطى متعبة، لترتمي على مقعد خال في قاعة الانتظار.


هامت نظراتها بين وجوه المسافرين المتناثرين على المقاعد، كأنها تحاول قراءة حكاية كل منهم بين صفحات ملامحه... هل يمكن لأحدهم يا ترى أن يقرأ تفاصيل حكايتها على وجهها؟ تراءت ابتسامة شاحبة على شفتيها. لا تعتقد ذلك... فحكايتها أشبه بكتاب حكايات!! تسللت إلى ذاكرتها الأحداث البعيدة... وتسلل النعاس إلى جفونها المرهقة.. فغاصت في كرسيها وسافرت بعيدا.


* * * * *


مستلقية على سريرها. عيناها تحدقان في السقف. ملامحها خالية من التعابير. حين فقدت ريما بكت كثيرا وحزنت أكثر. وهن جسدها ولازمت الفراش. لكنها الآن لم تعد قادرة حتى على الحزن. في الأيام الأولى كانت تتردد كثيرا على سماح. تجلسان تتسامران وتتقاسمان الأمل بعودته القريبة.


لكن غيابه طال والأيام أصبحت أسابيع... والأسابيع تتالت فصارت أشهرا.


القلق سيطر على حياتها، والضغط تزايد من طرف عائلتها. لم تعد الكلمات تسعفهما، ولم تعودا تجدان ما تواسیان به نفسيهما... نفد زادهما من الأمل والصبر، وصارت لقاءاتهما تستنزف طاقاتهما وتزيد من الألم الكامن في صدريهما... ففضلت الابتعاد والانفراد بشجنها.


سونيا تحاول أن تدبر لها زواجا جديدا، ولا تدخر الخطط من أجلها. ربما أراحها اختفاء أحمد من عبء ثقيل! فهي على أية حال كانت تتمنى قطع العلاقة بأي شكل من الأشكال. ابتلعت مرارتها بصعوبة، وكتمت أنينها. سمعت خطواتها في الممر... إنها قادمة. أغمضت عينيها لتهرب من المشهد المتوقع.


فتح الباب وأطلت سونيا. ساد الصمت للحظات بين الأم وابنتها، قبل أن تقول سونيا في رجاء يشوبه ملل:


- ألم تغادري فراشك بعد؟ أنسيت أن لدينا ضيوفا اليوم؟


نعم ضيوف أخرون من معارف والدتها. جاؤوا لمعاينة البضاعة. يعني التعرف إلى العروس!


حبست العبرات في مقلتيها وهي تقول في اختناق:


- أرجوك... اتركيني بمفردي. لا أريد شيئا الآن!


هتفت سونيا في ضجر:


- أنت دائما لا تريدين شيئا! أتعبتني! إلى متى ستظلين هكذا؟!


لم جب ندی، بل سالت العبرات على وجنتيها في صمت. كأن كلمات والدتها حرکت رماد حزنها الخابي في أعماق صدرها، وأذكت جذوته لتلتهب من جديد.


أصبحت كل الأيام متشابهة لديها. لكنها بالتأكيد أيام مختلفة عن ذي قبل أيام خالية من الفرح والسعادة. خالية من الأحداث. خالية من الحياة. هل هذا هو الفراغ الخاوي الذي تحدث عنه أحمد؟ انتهت الحرب وعم السلام، وفقدت حياتها كل معانيها. لكنها تدرك أنه يكفيها أن يعود أحمد الترحب بحياة الاستقرار الرتيبة تلك مهما بدت مملة؟


تأففت سونيا بصوت مسموع، ثم صفقت الباب بحدة، وابتعدت وهي تضرب الأرض بخطوات عسكرية غاضبة. نفس المشهد أصبح يتكرر كثيرا في الفترة الأخيرة... لم يعد يثير في نفسها سوى جرعة صغيرة من المرارة الإضافية.


تعالی رنين هاتفها الملقى على المنضدة. لم تتحرك من مكانها ، ولبثت جامدة تصغي إلى رناته الصاخبة في لا مبالاة. لا تريد الحديث إلى أحد. انقطع الرنين. تنهدت في صمت وعاد الفراغ ليخيم على كيانها. كانت قد اقتنت الهاتف إبان انضمامها إلى حركة المقاومة. احتاجته للتواصل مع أعضاء المجموعة. يجب عليها أن تتخلص منه الآن... لم تعد لها به حاجة. يذكرها بأشياء كثيرة لا حاجة لها بها الآن. تعالى الرنين من جديد. بدا كأن في نغمته نوعا من الإلحاح. مدت ذراعها في كسل وأمسكته لتطالع الشاشة. لوهلة، رفعت حاجبيها دهشة وهي تكتشف المتصل. كان أحد أساتذتها في الجامعة...


- كيف حالك يا ندي؟ لم نرك منذ فترة في الكلية.. عسى أن تكون صحتك بخير...


أجابت في ارتباك:


- بخير ... أنا بخير.


لم تكن قد تجاوزت دهشتها بعد، وهي تحاول تذكر سبب وجود رقمه في ذاكرة هاتفها!


- اتصلت بك لأخبرك بصدور النتائج الخاصة بالمنحة.


- المنحة؟


آه.. نعم، الآن فقط تذكرت! كان قد أخذ رقمها منذ بضعة أشهر بعد أن أقنعها بتقديم ملفها للحصول على منحة جامعية، لمواصلة دراستها في فرنسا. لم تكن شديدة الاهتمام بالأمر، لكن الأستاذ بدا متحمسا، وطلب أن يظل على اتصال بها حتى يوافيها بالنتائج...


- تهاني الحارة يا ندى! لقد تحصلت على المنحة


تمتمت بعبارات الشكر، وهي بالكاد تستوعب كلماته عن الإجراءات اللازمة قبل الشفرة المرتقبة. لكن المعلومات ما لبثت أن تصاعدت إلى خلايا عقلها واتسعت عيناها حماسا وإثارة. نعم! هذا ما يلزمها! الهجرة !! كل أنبياء الله هاجروا حين ضاقت بهم السبل. هي لن تهاجر بدينها، لكنها سترحل بحثا عن سلامها الداخلي. المنحة جاءت في الوقت المناسب بالضبط؟ يجب أن تبتعد عن هنا.


عن والدتها التي تخنق حريتها وتحاول تزويجها بأي طريقة... وعن كل ما يذكرها بأحمد، وبالمأساة التي تعيشها في غيابه. عن سماح والسيدة سعاد اللتين لا تملكان ما تواسیان به نفسيهما فضلا عن مواساتها هي. سرت الحياة فيها، واستيقظت حواسها. رمت اللحاف عنها وغادرت الفراش وقد اتخذت قرارها... نعم، هذه المنحة هي فرصتها. قارب النجاة الذي جاءها من حيث لا تحتسب. ودون أي تردد، جرت إلى والدتها لتنبئها بقرارها الجديد.


سار كل شيء بسرعة خيالية. أو هكذا بدت لها الأيام التي سبقت السفر... بما أنها شغلت بشيء آخر عن الانتظار اليائس الذي غرقت فيه لفترة طويلة. لم تكن شديدة الحماس للدراسة التي تنتظرها في فرنسا... لكنها تشبثت بحل الهرب. فلتذهب لتجتر أحزانها بعيدا. لم تجد أدنى اعتراض من والدتها على السفر، فهي الأخرى أيدت فكرة ابتعادها عن كل ما يذكرها بأحمد، عسى أن تستعيد توازنها وتحذفه من ذاكرتها نهائيا. لم تقتن الكثير من المشتريات... لم تجد المتعة لتقوم بالتسوق. اكتفت بحاجياتها القديمة... وإن كانت تحمل في طياتها الكثير من الذكريات.


أما اللحظات الأصعب، فقد كانت لحظات توديع سماح والخالة سعاد. من تشاركنها ألمها وحملها الثقيل. أحست بأنها تتخلى عنهما... أو تتخلى عن عهدها تجاه أحمد. لكنها لم تعد قادرة على التحمل. كان يجب أن تبتعد لبعض الوقت. وها هي هنا... ها هي تستلقي على سرير آخر، في مكان آخر. تحدق في السقف من جديد وتكتم عبراتها. لكنها الآن وحيدة... وحيدة حقا. لن تدخل عليها سونيا هنا. لن تشاجرها دانا هنا. ولن يشاكسها ميشال هنا. ولن ترتمي في حضن بابا جورج حين تحتاج المساندة...


وصلت في ذلك الصباح إلى العاصمة الفرنسية باريس، حين خطت خارج المطار، لفحت وجهها البرودة القارصة. برودة تشبه تلك التي سكنت قلبها وجمدت مشاعرها، فحملتها على ترك كل شيء وراءها والمجيء إلى هنا. كانت الجامعة قد اهتمت بتأجير شقة صغيرة لها في مبنى أكثر سكانه من الطلاب.


فلم يكن عليها إلا أن تعطي القصاصة التي تحمل عنوان السكن لسائق سيارة الأجرة. سرحت طوال الطريق وهي تتأمل المباني التي تحف جانبي الطريق في شرود لا مبال. إنها في مدينة الأنوار! كم حلمت بالسفر إليها مذ اختارت دراسة الفرنسية في الجامعة. لكنها تمنت أن يكون لرحلتها طعم آخر. أن تجيئها في شهر العسل. يرافقها فارسها. فترتبط بها أحلى ذكرياتها. لكن شتان بين الحلم وهذا الهروب الاضطراري الذي لجأت إليه.


حاولت أن تفر من أفكارها بمحادثة السائق... طرحت عليه بعض الأسئلة عن بعض المباني التي شدت انتباهها. لكنه كان يجيب على قدر السؤال دون استفاضة. تنهدت في ملل. لو كان سائقا لبنانيا لما أضاع الفرصة ليستعرض معلوماته ويغرقها بشتى ألوان الأحاديث عن التاريخ القديم والحديث. لكن يبدو أن السائق الفرنسي انضم إلى قائمة المتأمرين عليها. غاصت في وحدتها مجددا ولاذت بالصمت. عبرت السيارة الطريق السريعة، ثم اقتربت من قلب المدينة حيث يشتد الزحام وتتعطل حركة المرور، فانتهزت الفرصة لتتأمل المشاهد من حولها. اشرأبت بعنقها لتنظر إلى الماء حين شقت السيارة أحد الجسور التي تعلو نهر السين»... في تلك اللحظة، كان أحد المراكب السياحية التي تنظم جولات عبر النهر، يمر تحت الجسر. وجدت نفسها تبتسم دون أن تشعر، وتلوح لطفلة صغيرة جلست على السطح تطالعها بنظرات بريئة... تابعتها ببصرها إلى أن اختفت تحت الجسر، ثم تحولت عيناها إلى الدكاكين الصغيرة التي تناثرت على جانبي النهر، تبيع اللوحات والتحف التذكارية للسياح.


سبقت السيارة أفكارها وهي تمر بالقرب من الحي اللاتيني. الحي السياحي عن جدارة، حيث كل ألوان المطاعم، ألقت نظرة سريعة على الطرق الضيقة الملتوية التي تزخر بالألوان الصاخبة التي تغطي واجهات المحلات ولافتاتها، وبمزيج من الروائح التي تداعب الحواس. لبثت تتلفت إلى الخلف بعد أن تجاوزت مدخل الحي، وقد حرك المكان رغبتها في الاستكشاف. لكن السيارة لم تبتعد كثيرا ... بل توقفت بعد أن عبرت بضعة شوارع، أمام مبنى قديم. مثل كل المباني الباريسية الصامدة. نزلت وهي لا تزال تحت وقع المفاجأة. ستكون قريبة من أجمل المعالم الباريسية.


بعد دقائق قليلة، كانت تدخل شقتها في الطابق الخامس للمبنى العتيق. غرفة ذات مساحة صغيرة، لكنها جيدة الترتيب والتنسيق. قامت بجولة استكشافية سريعة. لم يكن هناك الكثير لتراه. سارت ناحية النافذة. منظر جميل... عرفت فيما بعد أنها كانت تطل على حديقة اللكسمبورج المعروفة! موقع سكن مميز.


لكن ما إن انتهت من التعرف إلى المكان، حتى سرى في نفسها الانقباض من جديد، وفتر حماسها تجاه المدينة والسكن والشقة والدراسة. عادت تسترجع شريط الذكريات القريبة. عادت تناجي أطياف الماضي التي خلفتها وراءها، ظانة أنها ستقدر على الفرار منها ... وجدت نفسها تتخذ تلك الوضعية...


تستلقي على الفراش وتحدق في السقف...


لم تدر کم مضى عليها من الوقت وهي تتأمل الفراغ في وضعية الاستلقاء.


لكن طرقات مترددة على باب شقتها أيقظتها من غفوتها. رفعت رأسها في استغراب. إنها لا تعرف أحدا هنا... غريبة في باريس، من ذا الذي يزورها؟


وقفت في ارتباك واقتربت من الباب. هتفت بالفرنسية دون أن تفتح الباب:


- من هناك؟


جاءها صوت أنثوي ذو لكنة أجنبية:


- مرحبا... أنا جارتك...


اطمأنت ندی، وسارعت بفتح الباب لتطالعها فتاة شابة بنظرات باسمة. بدت ملامحها أوروبية، لكن لكنتها لم تكن فرنسية. ابتسمت بدورها وهي تقف مترددة أمام الباب. هل تدعوها إلى الدخول؟ لكن الفتاة بادرتها على الفور بفرنسية متعثرة:


- علمت أنك وصلت اليوم... لذلك فكرت في دعوتك لشرب الشاي معي. أنا أيضا وصلت منذ أيام قليلة وأسكن في الشقة المواجهة... أرجو أن نصبح صديقتين!


لم تملك ندي إلا أن تجيب دعوة الفتاة الرقيقة والعفوية. فهي على أية حال كانت تضيق ذرعا بوحدتها، وتبحث عمن ينتشلها من دوامة الحزن. فاغتنمت الفرصة لتمضي أمسية مسلية مع جارتها أنابيلا القادمة من إيطاليا. تحدثتا عن باريس وأجوائها، وعن الدراسة التي تنوي كل منهما القيام بها... كانت أنابيلا تكبرها بسنتين، وقد جاءت لدراسة الفنون التشكيلية. لكنها لم تتعلم الفرنسية إلا في مرحلة متأخرة، لذلك فإنها لم تكن تتقنها بشكل جيد. وكانت تعتبر وجود ندى إلى جانبها فرصة طيبة حتى تمارس اللغة ما أمكنها ذلك...


تطرقتا إلى جذورهما وبلاد كل منهما وما يميز ثقافتها وتقاليدها. واستمرت الأحاديث بينهما حول شتى الموضوعات العامة... وبسرعة، ارتاحت كل منهما للأخرى، وتواعدنا على القيام بجولة سياحية مشتركة. أحبت ندى الشاي والحلويات الإيطالية الخفيفة، ووعدت صديقتها الجديدة بتعريفها إلى الأصناف اللبنانية التي تجيدها.


حين انسحبت إلى غرفتها أخيرا، كانت قد استعادت بعض الحماس. لديها الكثير لتفعله هنا... وهي لن تكون وحيدة! تنهدت وهي تفتح حقيبتها التي ألقتها جانبا حين دخولها. ربما عليها أن تفرغ محتوياتها وترتبها حتى تحس ببعض الاستقرار في شقتها الخاصة. فتحت الصوان وأخذت ترصف حاجياتها بعقل شبه غائب. أمامها يومان قبل انطلاق الدروس في جامعة السوربون. عليها إنهاء الكثير من المعاملات، واقتناء ما ينقصها من مستلزمات الطبخ والتنظيف، وكل ما يخص الحياة اليومية. نعم... لقد أصبحت لديها حياتها الخاصة الآن، أصبحت مسؤولة بالكامل عن طعامها ونظافة شقتها.


تلزمها بعض الحاجيات الدراسية أيضا.


كانت قد أخذت تعد قائمة في ذهنها، حين لامست كفها جسما صلبا حشر بين الملابس. سرت في جسدها قشعريرة باردة وهي تخرجه بيد مرتجفة. كان كتاب القرآن الكتاب الذي أهداها إياه أحمد حين كان يعلمها مع ريما. لا تذكر أنها وضعته في حقيبتها. بل لا تذكر آخر مرة رأته فيها! منذ اختفاء أحمد لم يخطر ببالها... لكنها كانت سعيدة باكتشافها الغريب ذاك. مهما كانت الطريقة التي وصل بها إليها، فهي سعيدة لوجوده بين يديها الآن... بوجود قطعة من ذكرياتها أصرت على ملازمتها عنوة رغم محاولة الفرار المتعمدة. احتضنته في تأثر وأجهشت بالبكاء. لم تستطع تمالك نفسها أكثر بعد مقاومتها العنيفة منذ وطئت قدماها هذه الأرض الغريبة. تركت العبرات تسيل على وجنتيها وتطفئ حرارة حسرتها.


توقفت فجأة عن البكاء، ومسحت وجهها بظهر كفها. كيف سهت عن ذلك؟


تذكرت موقفا جمعها بأحمد منذ سنة ونصف... حين علمها الوضوء وقراءة القرآن، تذكرت وقوفها عند عتبة الباب تودعه، وكلماته التي ما زالت ترن في أذنيها بكل وضوح: «عديني... إن حصل لي مكروه ما... أن تقرئي كل يوم ربع ساعة من القرآن... من أجلي...»


يا الله ! مرت شهور على غيابك يا أحمد وأنا لم أفكر في الوفاء بوعدي لك.


استسلمت للحزن واليأس، ونسيت ما عاهدتك عليه! وضعت الكتاب جانبا ونهضت في اتجاه دورة المياه. حفظت درسها... عليها أن تتوضأ أولا! أتمت طقوس الطهارة على الطريقة الإسلامية، ثم وضعت غطاء رأسها وجلست على الأرض تحتضن كتاب القرآن، أخذت تقرأ في اهتمام... قرأت وقرأت كثيرا.


تجاوزت ربع الساعة التي طلبها منها، كأنها تحاول التعويض عن الأيام الطويلة الماضية التي قصرت فيها. لم تكن تفهم الكثير... بل لم تكن تركز كثيرا مع المعاني، أصوات تخرج من بين شفتيها لا غير. لكنها أحست بالراحة حين انتهت من حصة القراءة الغريبة تلك. أحست بأن أحمد قريب منها، يراقبها من مكانه المجهول، وروحه ترعاها أينما كانت. وعلى تلك الأفكار الوردية الحالمة غفت على الأرض وهي تحتضن الكتاب... وعلى شفتيها شبح ابتسامة راضية.....



              الفصل الثالث والعشرون من هنا 

             لقراءة جميع فصول الرواية من هنا

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة