
رواية في قلبي انثي عبرية الفصل الرابع 4 بقلم خولة حمدي
بهدوء من المكان، دون أن يلاحظ تسللهما أحد، وظنا أن
النجاع كان حليفهما... لكن في رحلة العودة، حصل ما
لم يكن في الحسبان. فقد انفجرت قذيفة في مكان
قريب منهما، وتناثرت الشظايا المعدنية لتصيب أحمد
في ساقه إصابة بليغة، اختبا بين الأحراش لبعض
الوقت، قبل أن يتمكنا من الهرب باتجاه السيارة التي
أخفياها جيدا قبل بداية العملية.
كان قد تجاوز إحدى القرى المتاخمة لقانا، ودخل المدينة
منذ دقائق، راح يجيل بصره في الشوارع الهادئة في
توير، وهو يبحث عن أقرب مستشفى يمكنه أن يتوقف
عنده، ليت "حمد كان أكثر وعيا، فهو يعرف المدينة جيدا.
نشأ فيها مع عائلته ولم يغادرها إلا من أجل الدراسة،
فجأة سمع صوت انفجار مكتوم، تلاه أزيز عنيف مع
انهيار السيارة على جانبها الأيمن... صرخ حسان في
- الإطار انفجر... لا حول ولا قوة إلا بالله.
أخذ يضغط على الفرامل في هدوء عجيب مناقض
للموقف العصيب، يعلم جيدا أن أي توقف مفا .
سيؤدي حتما إلى انقلاب السيارة رأسا على عقب!
وأخيرا توقفت السيارة بعد أن قطعت مسافة لا بأس بها.
نظر حسان إلى صديقه في قلق... ما العمل الآن؟
كانت الشمس قد مالت إلى الغروب، وإن لم يكن الظلام
قد خيم تماما، فاصطبغت سماء قانا بلون الشفق،
وعكست احمرارها على واجهات المباني، تسللت خيوط
الشمس الأخيرة عبر زجاج النافذة المغلقة، لترسم بقعا
مضيئة على أرضية غرفة الجلوس، حيث جلست ندى
على الأريكة تشاهد شاشة التلفاز في ملل، لم يكن في
البيت غيرها وأختها دانا، فقد سافر والداهما لحضور
زوا ج بعض الأقارب في بيروت ولن يعودا قبل يومين.
كانت دانا تطالع جريدة الأمس في اهتمام، بل لعلها
قرأت الملف الخاص بالمقاومة اللبنانية، والأحداث
الأخيرة التي هزت الساحة السياسية مرات ومرات،
محاولة دراسة هذه الظاهرة... رفعت رأسها فجأة وقالت
كأنها تخاطب نفسها:
- إنه لشيء عجيب حقا... كل هؤلاء الشباب الذين
يتركون عائلاتهم ومستقبلهم وينضمون إلى جيش
مبتدئ لا يعترف أحد بمشروعيته، ويضحون بأنفسهم
دون نتائج تذكر!!
ألقت عليها ندى نظرة احتجاج، ثم قالت في ثقة:
- إنهم يدافعون عن وطنهم... ولا يهمهم أن يعترف بهم
أحد، طالما كانت قضيتهم عادلة...
أضافت في تهكم تشوبه مر رة:
ثه
- طبعا ليس غريبا ألا ندرك ما يحركهم... فنحن لم نعرف
معني الوطن...
حدجتها دانا بنظرة غاضبة، وقالت وهي تطوي الجريدة
وتلقي بها جانبا:
لبنانيون... ولبدان طسا
هزت ندى كتفيها في لامبالاة، لكنها في داخلها لم تكن
تستهين بالأمر إلى تلك الدرجة، بل إنها لتستشعر يوما
بعد يوم المزيد من الإعجاب بشباب المقاومة البواسل،
تحس بإيمانهم بقضيتهم وتصميمهم على إعادة الحرية
إلى أراضيهم المسلوبة... لكنها لم تستطع أبدا أن تعلن
عن تعاطفها معهم واستهجانها للعدوان الإسرائيلي
على جنوب لبنان، فذاك كفيل بإعلان الحرب عليها داخل
العائلة، حيث لكل رؤيته المختلفة للصراع اللبناني
الإسرائيلي.
لم يكن قد مر سوى عامان اثنان على المجزرة
الاسرائيلية التي عرفتها المدينة... مجزرة قانا، «عناقيد
الغضب» اسم رواية أمريكية شهيرة كتبها (جون
شتاينبك) واسم عملية عسكرية إسرائيلية ضد لبنان عام
1996. كانت أهدافها تتلخص في ضرب المقاومة
اللبنانية ومحاولة القضاء عليها، أسلوبها الحرب عن .......
بعد، حملة جوية شاملة وقصف من البر والبحر دون
توغل بري، قصفت مدن لبنان وقراه خلالها بما لا يقل
عن عشرين ألف قذيفة، وانتهكت سماؤه بأكثر من
خمسمائة غارة جوية حصيلتها خمس مجازر، أخرها
وأعنفها مجزرة قانا، القوات الإسرائيلية قصفت سيارة
إسعاف ومركز وحدة الطوارئ الدولية لتسقط ما يزيد
على المائة من نساء وأطفال قانا، لا تزال ندى تذكر تلك
الحادثة التي تركت في نفسها الفتية أعمق الأثر... هي
الفتاة اليهودية ذات الستة عشر عاما، أيقنت منذ ذاك
الحين أن المقاومة لا تلام على شيء مما تفعله لتحرير
الأراضي المغتصبة، وأيقنت أيضا أنها وإن كانت
يهودية، فإنها لن تنتمي يوما إلى الفكر الصهيوني!
فاحتلال أرض الغير وقتل المدنيين العزل هو دون شك
عمل إرهابي، مهما ادعت أمها أن لسياسة تقتضي
بعض التجاوزات، ومهما ادعى والدها أن ما يحصل
يتجاوز تفكيرها المحدود...
فجأة تعالى صوت جرس الباب بحدة، كأن أحدا ما
يستعجل الفتح، تبادلت ندى ودانا نظرات متسائلة، فهما
لم تكونا تنتظران زوارا... وما لبثت ندى أن هبت في
رشاقة لتفتح الباب وهي تسوي غطاء رأسها. فتحت
الباب وتطلعت إلى الشبحين الذين وقفا عند مدخل
الحديقة، وقد كادت ستائر الظلام التي أسدلت لتوها
تطمس ملامحهما، لكنها تبينت شكليهما من موقفها
ذاك، كان أحدهما يبدو غائبا عن الوعي تقريبا، وقد
أحاط صاحبه خصره بذراعه اليمنى، في حين شده من
ذراعه اليسرى التي مررها خلف عنقه حتى يساعده
على الوقوف، تسارعت دقات قلبها في إثارة، وقد أيقنت
أنها مقبلة على مفامرة ما... فالوشاح الذي يتدلى على
صدر أحدهما كان شبيها بالألثمة التي يستعملها
المقاومون في العمليات الجهادية، تسمرت أمام الباب
في تردد وهتفت من مكانها:
هناك؟
أجابها الشاب في لهفة:
أختاه... عذرا على الإزعاج في هذه الساعة... لكن
أخي مصاب في ساقه، والسيارة تعطلت بنا في
شارعكم، ولا يمكننا الوصول إلى المستشفى... نحن
غرباء عن المدينة... فهل يمكن لوالدك أو أحد إخوانك أن
يمد لنا يد المساعدة لإيجاد طبيب قريب؟
وقفت للحظات وتفكيرها يعمل بسرعة لإيجاد حل
سب، وسرعان ما هتفت قبل أن تغيب في الداخل:
منا
- انتظر قليلا...
دخلت بخطوات سريعه، وتوجهت مباشرة إلى درج
الخزانة في غرفة والديها، وأخذت تفتش في محتوياته
في توتر، جاءها صوت دانا من قاعة الجلوس مستفهمة:
- من الطارق»
ردت ندى بصوت متلعثم من الاضطراب،
أه... الجيران...
- الجيران؟ وماذا يريدون؟
أجابت ندى وهي تمسك بمفتاح المستودع في ظفر:
- بعض الأدوات من المستودع...
ثم خرجت مسرعة مجددا. بقدمت في اتجاه باب
الحديقة وفتحته، ثم أشارت للشاب بأن يتبعها إلى
الداخل، لم تكن إلى تلك اللحظة قد لمحت جرح الشاب
المصاب، لكن ما إن فتحت الباب حتى انقبض صدرها،
مع اصطدام نظراتها بمشهد ساقه التي شقها جرح
عيناه على نجمة داود التي تدلت من سلسلة فضية
أحاطت عنقها، فاتسعت عيناه دهشة، انتبهت ندى إلى
تغير ملامحه، لكنها تجاهلت الأمر، وأسرعت بجلب
طاولة قديمة وكرسيين خشبيين وهي تهتف:
- يمكنك أن تجعله يستلقي على الطاولة... سأستدعي
الطبيب فورا...
خرجت ندى من المستودع، فتابعها حسان بنظراته في
استغراب متزايد... إنها يهودية! لا شك في ذلك، ولكنها
استقبلتهما دون تردد، وهي بالتأكيد تدرك إلى أي جهة
ينتميان، هل يكون في الأمر خدعة ما؟ انتبه في تلك
اللحظة إلى جسد صديقه الذي يكاد ينهار على الأرض.
رفعه بصعوبة ليستلقي على الطاولة كما طلبت منه ندى،
وأخذ يمسح وجهه الذي كساه العرق، كانت علامات
الألم واضحة على ملامحه. لم يفقد الوعي بعد. ناداه.....