
رواية في قلبي انثي عبرية الفصل التاسع 9 بقلم خولة حمدي
.يبدو أن الراهب متعدد المواهب...
شاركه حسان ضحكة مرحة، وما لبث "حمد أن غرق في
الصمت، قبل أن
أفكاره من جديد، مضت دقائق من
يطلق تنهيدة عميقة، نظر إليه حسان وابتسم مداعبا:
- ما الذي يشغل بالك... أخبرني...
حين لم يأته الرد على الفور، أضاف وهو يغمز بعينه:
- لعلك تفكر في مضيفتنا الحسناء...
بدا على وجه أحمد الانزعاج من دعابة حسان السمجة،
لكنه لم يجب، بل غير الموضوع فجأة، وهو يقول في لهجة
حادة:
- هل اتصلت بالقيادة؟
ارتبك حسان وقد عادت إليه جديته المعهودة:
- نعم... وسأذهب للقاء القائد غدا، حتى أحيطه علما
بكل التفاصيل...
- سآتي معك.
رد حسان في حزم:
- لن تذهب إلى أي مكان، يجب أن تلازم الفراش حتى
تسترد عافيتك وتصبح قادرا على المشي...
ثم هتف وقد تذكر شيئا غاب عنه:
نسيت أن منزل والديك قريب من هنا! ألا تريد
- يا الله...
أن تقضي بضعة أيام مع عائلتك؟ على الأقل ستجد من
يعتني بك ويخدمك حتى تتعافى!
أطرق أحمد مفكرا وقال مهمهما:
- لا أريد أن تقلق أمي علي إن علمت بما حصل...
لكنه استدرك بسرعة وقد التمعت في عينيه نظرة غريبة:
- انتظر... ربما كنت على حق! انعطف من هنا..
ألقى حسان عليه نظرة جانبية، ثم أذعن لأمره، وتنهد
وهو يدور بالسيارة حول المنعطف، ليعود إلى أحياء قانا
القديمة.
يلا لا لا
دخلت ندى غرفة الجلوس وهي تحمل طبق الحلويات.
وبعد أن قامت بجولة على أفراد عائلتها لتوزيع ما يحمله
طبقها، اتخذت مقعدا وجلست تستمع إلى مختلف
الأحاديث التي يتبادلونها في جو مرح، كان والداها قد
عادا من بيروت منذ أيام، وانضم إلى الجلسة ميشال
وزوجته ماري وطفلاه كريستينا وجابريال، وخطيب دانا
المسيحي إيميل... كان اجتماعا عائليا مميزا من تلك
الاجتماعات التي تحرص عليها الوالدة سونيا كل يوم
سدت، فالطقوس اليهودية تقتضي أن تتفرة العائلة يوم
السبت من كل أعمالها، فتتبادل الزيارات واللقاءات
الاجتماعية، وكان جورج يتقبل بصدر رحب كل
ممارسات زوجته، مثلما تتقبل هي ممارساته الخاصة
بالدين المسيحي.
كانت الأحداث السياسية تشغل قسما لا بأس به من
أحاديث العائلة واهتماماتها، ففي تلك الفترة التي تلت
الاعتداء الإسرائيلي على لبنان، تفاقم العدوان في
الأراضي الفلسطينية، وتزايد القمع الإسرائيلي
للمدنيين العزل، وفي الجنوب اللبناني، حيث للأحد ث
صدى كبير نظرا للقرب الجغرافي، تباينت المواقف
وانقسم الناس من أتباع الطوائف الدينية المختلفة بين
مؤيد ومعارض... لكن الأكيد هو أن الصهيونية كونت
عداوات جديدة ومتجددة منذ احتلالها لفلسطين وبنائها
للدولة العبرية، وامتدت هذه العداوة لتشمل اليهود
أنفسهم، بظهور طوائف منشقة في الداخل والخارج
تعتقد بأن الحكم الإسرائيلي قائم على دوافع سياسية
وإيديولوجية مغلفة بقناعات دينية مشكوك فيها.
ومن بين هؤلاء طائفة «الناتوراي كارتا»، التي يرى
أفرادها أن اليهود استحقوا الحكم الإلهي الوارد في.التوراة بالشتات في مختلف أنحا الارض، دون الانتماء
إلى وطن يجمعهم ويلم شملهم. ولذلك فإنهم يعتبرون كل
محاولة لبناء دولة يهودية قبل عودة المسيح إلى الأرض
خرقا للإرادة الإلهية، لكن هذا لا يعني أن هذه الطائفة
تساند الاسلام والجهاد أو تدعمه، فهي تستنكر
استعمال العنف في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي،
مهما كان العدوان شديدا.
وفي داخل عائلة سونيا، كانت مختلف هذه المواقف
ممثلة، سونيا نفسها كانت من اليهود المتشددين الذين
الأنبياء، وبطرد
يطالبون بحقهم في القدس، أرض
الفلسطينيين منها، ربما لم تكن تحمل نفس الحقد تجاه
المسلمين في صباها، فهي كمعظم اليهود العرب، نشأت
بين المسلمين وجاورتهم، وعائلتها تمسكت بانتمائها إلى
تونس ولم تفكر في الهجرة إلى فلسطين لتعمير
المستوطنات الإسرائيلية، بل فضلت عيشتها الآمنة وسط
مجتمع مسلم يحترمها ويقسط إليها... لكن تجربة
زواجها الفاشلة كانت بمثابة الصدمة، وأثر ذلك على
نظرتها للأحداث التي تشهدها الساحة السياسية في
السنوات الأخيرة في منطقة الشرق الأوسط، فولدت
لديها ضغينة تجاه المسلمين كافة، لكنها لم تنجح في
ترسيخ قناعاتها الخاصة في الفتاتين، أو على الأقل لم
تنجح في ذلك مع ندى.
ندى كانت طفلة ذكية، تسأل كثيرا وتفكر أكثر... فكونت
فكرتها الخاصة عن كل هذه المسائل، بل كانت لديها
أفكارها الخاصة بشأن كل شيء، في سن السادسة،
بدأت تكتب مذكراتها، مذكرات بسيطة وطفولية في
معظمها، صارت أكثر عمقا وحكمة مع الزمن، في سن
الثامنة، كانت ترتاد مدرسة داخلية دينية نصرانية، لم
تكن الراهبات يجدن سلوكها قويما في تلك السن، مع
أنها كانت تحفظ نصوص التوراة كاملة عن ظهر قلب.
كانت أسئلتها وملاحظاتها الغريبة تتسبب في عقابها
غالبا، ولم تكن المدرسات يغفلن عنها للحظة، لكن
عقوبتها الأكبر كانت بسبب حكاية ««الصرار والنملة»!
حين قدمت المدرسة تلك الحكاية الرمزية، أشاد الجميع
بحكمة النملة وحرصها. عندئذ، رفعت ندى يدها لتطلب
الكلمة وقالت إنها تكره النملة، فالنملة بورجوازية، ربما
تكون صاحب بنك أو ما شابهه في عصرنا هذا، لا تفكر
إلا في التوفير وكنز الأموال، بينما يموت الصرار الفنان
من الجوع في مجتمع لا يؤمن إلا بالمادة! فقد وجه
الراهبة العجوز ألوانه، وغدت كالأشباح بياضا، قبل أن
تطلب من ندى مغادرة القاعة، وكان أن عوقبت لأسبوع
كامل بإجبارها على تناول الخبز الجاف وحده... بسبب
كلماتها الشيطانية التي صئفت ضمن «الكفر
والهرطقة».
ولم يبد أن تلك العقوبة قد ساهمت في ردع البنت عن
سلوكها. فقد كبرت وهي تؤمن بحرية الفكر على تدينها.
أمنت بحكمة التوراة ومبادئها وتعاطفت مع أهل
الأراضي المحتلة، تمسكت بتعاليم الدين اليهودي
بحذافيره، حتى إنها كانت أكثر التزاما من والدتها
بغطاء الرأس، فلا تترك شيئا من شعرها يظهر على
عكس السائد في المجتمعات اليهودية المعاصرة،
واعتقدت في نفس الوقت بشرعية المقاومة... وكانت
راضية عن توجهها ذاك، رغم ما تلاقيه من اعتراض من
طرف والدته
لم تكن ندى منطلقة كعادتها في تلك الأمسية، بل إنها
جلست ساهمة، بالكاد تصغي إلى ما يقولونه بغير
تركيز، كانت على تلك الحالة من الاكتئاب منذ بضعة
أيام، فكرها مشغول باستمرار، ونظراتها سارحة في
الفراغ، لم تكن في مزاج يسمح لها بالمشاركة في
النقاش السياسي الذي سيؤدي حتما إلى صدام ترتفع
فيه الأصوات... فقد أدركت منذ وعت أنها تمتلك نظرة
مختلفة إلى الأمور- أنه لا فائدة من الإعلان عن موقفها
الذي يجعلها تتعرض إلى السخرية والإهانة من طرف
والدتها وشقيقتها دانا، ورغم اقتناعها الكبير بتعاليم
الديانة اليهودية، فإن تلك النقاط السوداء في عقيدة
أبناء طائفتها تجعلها تتساءل وتحتار، ثم ترجع فتنفض
عنها ««الأفكار الشيطانية» وتنتهي إلى الإقرار
بمشروعية الاختلاف بخصوص الأمور الدنيوية.....