رواية جمعية حب الفصل السابع والثلاثون 37 بقلم شمس محمد بكري


رواية جمعية حب الفصل السابع والثلاثون 37 بقلم شمس محمد بكري



|| تطل شمسها من خلف الغمام  ||

بسم الله الرحمن الرحيم، 
والصلاة والسلام على الرسول الكريم..
سبحان الله وبحمدهِ، سبحان الله العظيم..

|| صلوا على الرسول الحبيبﷺ ||

والمغفرة، اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.

مبدأيًا دا فصل استثنائي صغير علشان ماطولش في الغياب على حضراتكم..
____________________________________

ألم أخطر ببالكِ كفكرةٍ حتى تمر كما يمر الطيفِ اللطيف؟ 
ألم تشغلك أحوالي ولو لثوانٍ خلال يومك المليء بالكثير من الأحداثِ فأكون أقلهم ضجيجًا وأكثرهم أملًا؟..
ألم أكن ولو للحظةٍ حتى على الخاطرِ وكأني التصق بحبالِ أفكارك؟ ألم أثِيرُ فضولك كما نشرة الأخبار حتى وأنتِ تطمنين على كل البلادِ البعيدة وتتركين شأني للغُرباء؟ 
أولم أكن أحق وأولىٰ باهتمامك من مسلسلك اللعين هذا؟
ألم يكن لقلبي الحق على قلبك الذي يهمله؟ ألم أكن أنا بكل أحبتكِ وغُربتك عني تعني ضياعي، وغُربتي عنكِ تعني أيضًا ضياعي..
أنا بدونك ضائعٌ عن بلادي، وأنتِ هويتي المفقودة.

   <"لأجل فرحك أقبل بالغُربة والضياع، فقط كوني معيّ">

الحُب لا يعني أن تنبهر برؤية الصفات الحسناء المليحة..
ولا حتى أن تُكثر من كلامك المعسول في حقِ الطرف الآخر، ولا أن تكون حاضرًا في كل وقتٍ بجوار من تُحب..
الحُب يعني أن تلمح بعينيك سماؤه مظلمة فتضويها أنتَ بنجومك، أن تراه كما البحر يهيج ويعصف ويغضب فترمي نفسك في تيارهِ فقط كي تكون رفقته، الحُب أن ترى الجانب المُظلم فتختاره هو وترفض ضي العالمِ..

كانت "عُـلا" مُصابة بتخمةٍ كأنها تناولت وجبة دسمة من المشاعر التي اعترتها، حيثُ قادها "أدهـم" لداخل بناية فاخرة وهي حتى لم تجرؤ وتسأله أين هما، تحركا معًا للأعلى وولج بها مصعدًا حتى تحرك بهما وخرجا منه وتقدمها هو يطرق بابًا يعرفه، وقفت خلفه بعدة سنتيمترات فيما فُتِح الباب لتتسع عيناها حد الجحوظ..!!

بينما حمحم هو ثم وجه حديثه يسأل بثباتٍ وأد قوة من يواجهه:

_إزيك يا مأمون، الحجة "ياقوت" موجودة هنا؟.

فجر حديثه بكل ثقةٍ وكأن اليوم الاسكندرية تشهد صراعًا جديدًا،
اليوم المدينة تفتح أذرعها ترحيبًا بالغائب، وتستقبل العائد وكأن رُصفان الطريق تودي بأكملها لمكانٍ واحدٍ وهو ظهوره في نهاية كل مسلكٍ ومسارٍ، تبادلوا النظرات ولازالت "عُـلا" تحت وطأة صدمتها فيما سدَّ هو الطريق على مرمىٰ عينيْ الآخر وتفوه بجمودٍ:

_أنا اللي بكلمك بُصلي، الست "ياقوت" موجودة هنا؟.

أرشقه الآخر بنظرةٍ نارية أشبه بالجمرِ المًشتعل ثم أومأ له موافقًا فمد "أدهـم" يده وأمسك كفها كأنه يُعلن نفسه حامي حمىٰ المدينة لأجلها هي، ولج بها للداخل فلمحت هي عمتها تجلس رفقة "شيماء" ابنتها، وقد رُمِقت منهُنَّ بنظرةٍ حادة كأنها نصل سكينٍ حاد ينغرز في قلبها بغير رحمةٍ..

كان يقف هو بينهن وبغير كلامٍ منه فرض هيبته، مظهر وجهه وملامحه ونظرات عينيه كلها مظاهر أوحت بما ينتويه لهم جميعًا، وحين طال الصمت قطعه هو حين بادر بالسؤال الذي أتى كي ينل جوابه:

_فين الست ياقوت؟ هي مش برضه نفسها تشوف حفيدتها؟ حفيدتها هنا أهيه وجاية لحد عندها تشوفها، مش دي برضه شقتها؟.

تهكم في الحديث بجملته الأخيرة فرمقته عمتها باستعلاءٍ ونفورٍ فيما سأله "مأمون" بلهفةٍ لم يستطع احتواء شظاياها المُتناثرة:

_وأنتَ عرفت المكان منين؟ وجاي ليه أصلًا؟.

اِفتر ثغر "أدهـم" ببسمةٍ غير مكتملة توشي بسخريةٍ على الحال برِمتهِ ثم استطرد رده بقوله الهازىء:

_جرى إيه يا بلدينا ما تخليك شواف، مراتي وعاوزة تشوف جدتها هسيبها تيجي لوحدها يعني؟ ولا الموضوع علشان واخدين عليه بقى عادي عندكم؟.

بدأت حرب النظرات بينهما فتدخلت هي بصوتٍ مبحوحٍ تسأل عمتها:

_هي هنا صح؟.

_يا عُـلا، أنتِ فين يا بنتي؟.

جاء الجواب على هيئة نداءٍ من جدتها كأنها تجاوبها بصورةٍ غير مباشرة عن مكانها، وفي لحظتها اندفعت "عُـلا" ركضًا للغرفةِ حيث أتاها الصوت ولحق بها "أدهـم" يقف على أعتاب الغُرفة احترامًا لحُرمة البيت وسيدته الكُبرىٰ، اندفعت "عُـلا" كما المطر بغزارةٍ ترتمي في عناق جدتها التي شعرت بها..

رُغم فقدانها لحيثيات عقلها الكُبرى، وعزوفها عن العالم مُلملةً عنه عقلها إلا أن قلبها يعمل ولازال يتذكر، تذكرت عناق حفيدتها فضمتها لصدرها وهي تهتف اسمها باكيةً بلوعةٍ وترفع كفيها المُجعدين المُرتعشين تحاوط بهما وجهها وأضافت بصوتٍ مبحوحٍ:

_عُـ عُـلا !! وحشتيني أوي، كنتِ فين يا ضنايا؟.

بكت "عُـلا" مع حنو نبرتها وسؤالها واندفع الدمعُ منها بغزارةٍ ولم تستطع أن تجاوبها، فقط بكت وهي تعود للعناق مُجددًا كما كانت تعود إليه في كل مرةٍ ومُرة، حين كانت صغيرة وحين كانت تعود من موعد الرؤية الخاص بأمها وحين كانت تعود من الشارع وحدها، كانت هي ملاذًا آمنًا لها وعناقًا دافئًا يأويها بعيدًا عن برودة العائلة وقسوتها، ارتمت لها من جديد كما المُحارب حين يلهث على تراب موطنه عند عودته..

وقف "أدهـم" يراقبهما ونظراته تُعلن التعاطف معهما، أشفق على كلتيهما فحمحم واقترب منهما وحين أحست به زوجته التفتت له تقول بلهفةٍ مخنوقة بسبب البكاء:

_ياقوت أهيه يا أدهم، شوفت جميلة إزاي؟.

ابتسم لها بحزنٍ واقترب من السيدة يمد كفه لها وقال بهدوءٍ يواري بين طياته تأثره وحزنه لأجلهما:

_إزيك يا ست ياقوت عاملة إيه؟ كويسة؟.

نظرت له السيدة بنظراتٍ مُرتابة لأنها لم تعرفه وملامحه لم تكن مألوفة لها، لم يَرد عليها هذا الوجه من قبل ولا هذه البشاشة تعرفها هي من وسط متهجمي الملامح الذين يسكنوا معها، حركت عينيها نحو حفيدتها التي ابتسمت لها وهمست بتوترٍ تُعرفه وتضع لنفسها نسبًا صريحًا معه:

_دا أدهـم يا تيتة، أخو آدم أخويا و..

صمتت وهي تنظر لعينيه كأنها تدرك لمرتها الأولى هذه الحقيقة، كأنها كانت غائبة عن الوعي وعاد لها رُشدها فهمستها خجولة ومُحبة في نفس الوقت:

_وجوزي.

_بالله !! الله أكبر هو جه إمتى؟ مش كان مسافر؟.

ردت عليها جدتها بهذا الرد فعادت لها بتركيزها بعدما شخصت ببصرها بعيدًا عن لُقيا عينيه وابتسمت لجدتها التي رحبت به ودعته للجلوس، اقترب "أدهـم" يسحب مقعدًا وثيرًا ووضعه قرب السيدة العجوز وجلس بقربها فوجدها تهمس لحفيدتها تؤنبها بقولها:

_ماجيبتيش عيالك معاكِ ليه؟ قولتلك ماتخليهمش بعيد عنك.

توسعت عيناها على الفورِ فيما جاهد هو ليكتم ضحكته ثم تدخل ينطق بمزاحٍ للسيدة التي وقع في حبها وحب طيبتها وتلقائيتها:

_قوليها يا تيتة بالله عليكِ دي منشفة ريقي أوي في موضوع العيال دا، مش عاوزانا نجيبهم خالص، عقليها كدا.

حدجته "عُـلا" بتحذيرٍ فهز هو كتفيه كأنه يخلي مسؤوليته عن الحديث، وقد ولجت عمتها مثل الشرر المتطاير من ماكينة صنعٍ للحديد والصُلب، ووقفت تراقب المنظر الذي لم يعجبها ثم سألت بتهكنٍ وهي تهز جسدها بانفعالٍ مكبوتٍ:

_خير يا حبيبتي جاية ليه؟ ناوية ترمي بلاكي علينا ولا إيه؟.

تابعها "أدهـم" بعينيهِ الحادتين وكأن عقله استحضر كل مشاهد وحوش البرية التي يحفظها عن ظهر قلبٍ منذ صغرهِ، فيما تجاهلتها "عُـلا" وتصنعت هندمة خصلات جدتها المُشعثةِ وهي تقول:

_وأرمي بلايا عليكِ ليه؟ لا ناقصني حاجة ولا محتاجة منك حاجة، لو هنتكلم بحق ربنا يبقى أنا اللي اسأل وأتكلم وأنتوا اللي راميين بلاكم عليا، وعلى العموم مش فارقة حاجة، مفيش حاجة هنا تخصني غير ياقوت.

ابتسم لأنه ظنها سلبية وساكتة عن حقها، لكنها ترد وتقف وتعلن قوتها وقد يكون هذا هو سبب تخليهم عنها، أنها لم تكن يومًا تسكت عن حقها، اقتربت عمتها تقف بقربها وهي تقول بتهكمٍ:

_لا يا شيخة؟ أنتِ يا بت ماتبطليش الشويتين بتوعك دول؟ عاملة زي أمك بالظبط كانت ست متدلعة وشبه مياعتك دي، يا ترى بقى أخوكِ رضي بيكِ ولا قفل بابه في وشك؟.

كادت أن ترد وتثأر لأهلها لكن "أدهـم" تحرك ووقف بينهما ونطق هو بدلًا عنها ببوادر غضبٍ مكبوتٍ حاول أن يتحكم فيه:

_يقفل بابها في وشه ليه هو منكم وتربيتكم ولا إيه؟ أخوها وجوزها موجودين الحمدلله وهي رجعت لمكانها الصح، رجعت لبيتها والمكان اللي المفروض تكون هي فيه من الأول.

تخصرت ورمقته بنفورٍ وهزت جسدها وهي تتشدق بنزقٍ مستفسرةً:

_وسيادتك مين إن شاء الله؟ جايباك علشان تقلب الحق باطل؟.

تلونت ملامحه وبدت مبسوطة وهو يرد عليها بمنتهى التلقائية:

_لأ خالص أنا جاي هنا علشان أقف مع الحق، بس أنا الحق عندي اسمه عُـلا.

ابتسمت "عُـلا" وهي تشخص بعينيها نحوه وتُمركز بصرها عليه هو، حيث وقف يعلن الحرب لأجلها وتولى هو الدفاع عنها بل وتركها مُحصنة داخل قلعتها حتى لا تراها الأعين، لأول مرةٍ تجد من ينصرها هنا وينوب في القتال عنها، لذا رمقتهما عمتها بضيقٍ ثم جلست على أقرب أريكة قابلتها، فيما أعاد هو زوجته بجوار جدتها ثم مال على أذنها يهمس:

_أنا هنزل تحت في القهوة اللي جنب العمارة، أقعدي مع جدتك براحتك متقلقيش أنتِ، بس خلي موبايلك معاكِ وكلميني لو فيه حاجة حصلت أو حد ضايقك.

تعلقت عيناها به على الفورِ وخشيت يتركها لهم كأنها استمدت قوتها من تواجده، لذا تركت مكانها ووقفت في منتصف الغرفة فلمحت بها شُرفة مغلقة فاقتربت منها وفتحتها ثم أشارت له، اقترب منها عاقدًا حاجبيهِ فهمست هي له بثباتٍ تصنعته:

_أقعد هنا وخليك براحتك، أنا ليا في المكان دا زيي زيهم واللي مش عاجبه يخرج برة، هتنزل تقعد في الشارع والبيت هنا موجود؟ دي حتى تبقى عيبة في حقنا، أقعد براحتك.

سحبت له مقعدًا فجلس عليه وهو ينظر لها مبتسم العينينِ بينما هي خرجت ترشق عمتها بنظرة مستحقرة ثم جلست بجوار جدتها وضمتها لعناقها حتى رحلت عمتها من الغُرفة أخيرًا، وبعد مرور ثوانٍ ولجت "شيماء" تتحدث في الهاتف بلهفةٍ وهرولت للشُرفة التي جلس بها "أدهـم" وتابعتها "عُـلا" بعينيها..

أنهت المكالمة والتفت لتجده ينظر بعيدًا عنها فبادرت هي تسأله بلهفةٍ:

_هو أنتَ قريب عُـلا؟.

رفع رأسه وثبت عينيه عليها فوجدها تُوسِع من ابتسامتها وهي تنظر له فابتسم هو بسخريةٍ ونطق يُجاريها:

_قريبها آه، أخوها الكبير في الرضاعة.

استشفت سُخريته منها فتبدلت نظراتها لتجده يُضيف مفسرًا:

_عُـلا مراتي.

حقًا ! هذا هو "أدهـم" إذًا وهي من ظننته "آدم" أخيها، نظرت له تتفصحه بجرأةٍ لتدرك أنه أكثر من أن يستحق "عُـلا" هذه، هو رجل له هيبة بادية فوق ملامحه، يبدو صاحب قرارٍ ورأيه يُحترم، وسيمًا كما ترى أمثاله في مواقع التواصل الاجتماعي، يبدو أنه رياضي، حسن المظهر، مقارنةً حتى بِـ "مأمون" ابن خالها هذا يفوقه في كل شيءٍ، يكفي أن "عُـلا" تبدلت معه لهذا الحد البائن لهم.

خرجت من الشُرفةِ فوجدت "عُـلا" تهتم بجدتها وبخصلاتها حيث تُمشطها وتفك العُقدِ التي ربطت شعرها، فلوت فمها للأسفلِ ثم خرجت لصالون الشقة فوجدت "مأمون" يجلس رفقة أمها، وحينها نطقت بذهولٍ سيطر عليها:

_هو بجد المُز دا جوزها؟ دي وقعت واقفة زي ما بيقولوا.

حدجها "مأمون" بعينيه الناريتين فابتسمت بسخريةٍ وجلست بجوار أمها تسخر منها ومن العائلةِ بأكملها:

_سبحان الله ترموا أمها زمان علشان ربنا يكرمها وتروح تتجوز أبوه، وبعدها تعاندوها وتروحوا تاخدوا البت بحكم محكمة وتحرموها من أمها لحد ما تموت، وييجي أخوها يحاول ياخدها تطردوه، بعد دا كل ترموها عليه تاني فتروح تتجوز ابن الراجل اللي لحق أمها؟ دا أنتوا لو قاصدين مش هتيجي كدا معاكم.

تجاهلتها أمها وزفرت الهواء بضيقٍ لأنها لم تتحمل هراء ابنتها أكثر من ذلك وفي الوقت نفسه حضروا أعمامها الثلاث، ولجوا معًا وقد تحدث "عطا" بجمودٍ يسأل شقيقته:

_هي فين؟ ومين عرفها مكاننا؟.

ردت عليه شقيقته تتشدق بنزقٍ أقرب للتقريع:

_وأنا إيه عرفني يا أخويا؟ مش عملتلي فيها المفتح اللي مفيش منه وقولتلي إنك فاهم أنتَ بتعمل إيه كويس؟ أشرب بقى أهي جت ومش بطولها دي جاية ومعاها واحد نابه أزرق وشكله مش سهل، وروني بقى هتتصرفوا إزاي؟.

تدخل عمها الثاني "عرابي" ينطق مستنكرًا:

_واحد ! واحد مين دا؟.

_جوزها يا أخويا، قال إيه اتجوزت.

ولج عمها للداخل حيث غرفة أمه وفتح بابها بقوةٍ فلمحها تجلس رفقة جدتها ولم يلمح "أدهـم" فاندفع نحوها كما الرصاصة يسألها هي بجمودٍ وتصلدٍ أتيا حاديْن في نبرتهِ:

_إيه اللي جابك هنا تاني يا بت أنتِ؟.

توسعت عيناها وهي ترى هجومه عليها فيما خرج "أدهـم" بلهفةٍ بانت على ملامحه ووقف أمامه فانتبه عمها له وقال بتهكمٍ مُشيرًا عليهِ:

_هو دا بقى جوزك؟ مش عيب برضه تتجوزها من غير ما ترجع لأهلها وكمان جايبها وجاي؟ عاوزين تعرونا وسط الناس؟.

كانت مذهولة لدرجة أنها تحيَّرت في الردِ عليه لكنه أناب عنها وتحرك بطواعيةٍ منه يقابل وقوف عمها وحمَّل نفسه الحق بقوله:

_عندك حق فعلًا وغلط إني اتجوزها من ورا أهلها علشان دي حاجة في عُرف الرجالة عيبة كبيرة، بس هو عادي يعني إن رجالة يبيعوا بيتهم ويرموا بنت أخوهم في الشارع؟ أظن مهما كان العيب اللي عملته مش هييجي بحجم العيب بتاعكم وهو راكبكم من ساسكم لراسكم، وبرضه أنا ابن أصول وبفهم، لو مش مرحبين بيها أنا راضي، بس هخرج بيها هي وجدتها مع بعض، أنتوا لا كنتوا معاها رجالة ولا خليتوا الرجالة تعرف تتعامل معاها.

حديثه أسكتهم لأنه تحدث بالحقِ..
لم يصمت أمامهم لأنه صاحب الوجهة الصائبة هُنا
كأنه صوتٌ لضميرٍ غائب عنهم وأتى يوقظهم جميعًا 
وفي الوقت ذاته يُعرفهم بنفسه أنه أتى من جديد 
حيث المرة السابقة كان الفريسة بين أنيابهم، واليوم هو الضارية في عُقر دارهم..
____________________________________

   <"لابُد من المغامرةِ كي تتأكد أن قلبك لازال ينبض">

من لم يُغامر يظل مفتقرًا لمعنىٰ المُتعةِ..
فكيف يُبصر المرء جمالًا في طريقٍ يسيره على عماهِ؟
كيف يستطع المرء أن يدرك مُتعته المخبوءة وهو لم يُغامر قط؟
كل مغامرٍ باللذةِ ينعمُ، وكل من وجد متعته وجد نفسه..

أنهى المضمار وأعلن بعودته احتفالًا، كانت الأعين كافة تُبصره هو والرُصفان تتراقص فرحًا بعودتهِ، كأنه جعل الأسفلت يتراقص أسفل إطارات سيارتهِ ويسرق كل الأعين له هو حتى تخشى الأعين أن تَحيد بعيدًا عنه، وهو حين وجد الأجواء التي اعتاد زاد من معدل السرعة والجنون..

أنهى المضمار بعد ساعاتٍ من القيادة وهو يعود لسيرته الأولىٰ، حيث يدور بالسيارة بطريقةٍ عكسية ويصنع حلقات مالا نهائية مُفرغة عليها أثره وأثر سيارته، حتى انتهى وشعر بالانتشاءِ ولذة الانتصار ووقتها أنهى المضمار والسباق كله ثم ترجل من السيارةِ، نزل منها يُقابل الهتافات العالية والصيحات المتناغمة باسمه فابتسم لهم ثم أشار بيده يعني نهاية السباق ووقت هذا اُلتقطت له صورة وسط المضمار والحلقات الدائرية تحاوطه..

اقترب منه "دويدار" مُعلمه الأول وأول من استثمر به خبرته في هذا المجال وجعله خليفةً من بعدهِ على الطريق، وقد كان "سُليمان" نعم التلميع التلميذ الذي ورث طريقة مُعلمه ومُدربه، رحب به "دويدار" في عناقهِ ثم ربت على ظهره وعاد للخلف يُخاطبه بفخرٍ:

_استنيتك كتير ترجع، مكانتش تنفع من غيرك.

ابتسم له "سُليمان" وتنهد مُخرجًا الضيق من صدرهِ ثم نطق بثباتٍ وهدوءٍ رغم صخب نبضاته العنيفة:

_قولتلك لما أفوق لنفسي هرجع.

_وفوقت؟.

أتاه السؤال مباشرٌ له فشعر كأن الخنجر يخرج من موضعه بالجسد ويبقى مكان الجرح يؤلمه، هل حقًا استفاق هو من غيبوبتهِ؟ أم مجرد صحوٍ لحظي ويعود لخموده من جديد؟ رفع عينيه يواجه بهما مُعلمه ثم وتحيَّر أثناء الرد فقال بإيجازٍ:

_والله ما عارف، أديني فضلت اتخبط وأخبط لحد ما لاقيت نفسي هنا، شوف ناوي على إيه وأنا معاك، الحاجة الوحيدة اللي هتخليني أكمل هنا هي إني أورط نفسي، شوف أنتَ بس.

أثناء حديثه اقترب منه غريمه ومُنافسه الذي ظن الساحة خلت منه ومن ظهوره، تعلقت بها عينا "سُليمان" على الفورِ فيما أصبح الآخر يواجهه مباشرةً ثم ابتسم بفتورٍ وكأن ظهور غريمه في ساحته أفسد عليه متعته وهو يرحب به مضطرًا:

_نورت الدنيا يا سليمان، دا أنا قولت خلاص راحت عليك.

وبنفس البسمة جاءه الرد حيث اقتبسها منه هو ليكون ندًا صريحًا في ساحته:

_لا تروح عليا إيه؟ أنا نفسي طويل أوي فوق ما خيالك يجيبك، بعدين عاوزها تروح عليا وأسيبها لمين يعني؟ أديك شوفت لما بشيل أيدي الجو بيريح خالص، وعلى إيه بقى؟ خليني في مكاني واللي مش عاجبه يروح.

تبادلا سويًا نظراتٍ نارية معًا وكلًا منهما يتمنى أن يفتك بالآخر، لكن "عابد" بادر بإظهار العدائية الشديدة حين أفصح بقوله:

_والله قولت خلاص هتقعد بقى وتريح وتبيع الجو دا حياتك.

_أنا بايع الدنيا كلها وشاري نفسي ودماغي يا عابد، يا سيدي أنا سيبتلك السكة أهو عملت إيه بقى؟ مش هتلاقي حد ترمي فشلك عليه غيري؟ وريني شطارتك يا عابد وأنا مستني أهو.

تدخل "دويدار" يفصل بينهما حين هدر بجمودٍ:

_بس أنتَ وهو خلاص، روح شوف حالك يا عابد وسيبه ماتنكشهوش يلا.

رحل من أمامه ونظرات "سُليمان" تلاحقه كأنه صقرٌ يتربص بفريسته وما إن اختفى أثره تحدث "دويدار" بحكمة أفصحتها كلماته وهو يُعيده لمركز عقله وتعقله:

_سيبك منه أنتَ عارفه عيل بطنه فاضية، كلام وبس ووقت الجد مايجيش منه حاجة، المهم عاوزين نشوف حوارات المسابقة علشان ألحق أكلم الاتحاد وتسجل، مابقاش فيه وقت، ها اعتمد؟.

سأله وكأنه يختبره عن مصيره وقد تباينت نظرات "سُليمان" وتاه وهو يتذكر كل ما مر عليه، هو شخص نشيط ويستحيل أن تخمد نيرانه، هو دومًا يحمل شعار الحياة فوق كتفيه، لا يعرف الخمول أو كيف تخمد نيرانه في هذا العالم، لذا شعر بأمله يزداد وحلمه يُضيء من جديد فحرك رأسه موافقًا وأضاف بعزيمةٍ:

_شوف اللازم وأنا معاك في كل حاجة.

ابتسم له "دويدار" وربت فوق كتفه مستحسنًا وتركه وحده، وقف "سُليمان" وحده واتكأ على مقدمة سيارته ثم مسح برفقٍ فوق سطحها وعيناه تعودان للذكريات القديمة والبعيدة، حيثُ كانت هي رفيقة دربه وجنونه وكانت تشاركه الإنطلاق في الحياة

 كانت أنثى بنكهة الحياة حتى تتوق هو لمذاقها، ولم يكن يدري قط أن الحُلو في البداية فقط وينتهي المذاق بطعم العلقم، تركته معطوبًا في قلبه وروحه ولأنه لم يكن كثير الشكوىٰ والنواحِ تجاوزها وطوىٰ صفحتها من حياتها، ليُكمل ما أراد أن يبدأه لكن هذه المرة بنفسهِ وفقط لأجل لنفسه..
لأجل الحُلم الذي عاش فيه كما النور حين يحتل موضع الظلام..
____________________________________

  <"تلك الأسطورة القديمة منقوصة، لأنها لم تكتب عنكِ">

بعض المُفارقات الغريبة التي تحدث يوميًا في حياة المرءِ حين يعيش على أثر أساطيرٍ سابقة، وتكاد تكون كاذبة، مجرد أساطيرٍ تُروىٰ فقط لأجل إذهال العقل وإدهاشهِ، وفي الحقيقة؛ بل وفي واقعه هو بصورةٍ شخصية يُعايش الأفراد التي لم تكتب عنهم الأساطير، بل ويتجاهل الراوي حكي قصصهم..

حين خرجت له لم يُصدق نفسه، التقط أنفاسه الهاربة، أصر أن يأخذها وينزل من الشقة وبعد إصرارٍ قاتلٍ منه وافقت أخيرًا ونزلت معه مُرغمة ومُجبرة حتى قادها هو لسيارته وذهب بها بعيدًا عن كآبة المُحيط، وقد ذهب بها للنادي الرياضي الذي كان يتدرب فيه سابقًا.

ولج بسيارته واختار مكانًا يجلسا فيه سويًا، فجلست بصمتٍ ورفعت قبعة السترة الشتوية التي ترتديها ثم أخفت وجهها المضروب وأثر الكدمات والتشوه الذي حدث فوق صفحات وجهها، ظل يُتابعها حتى وجدها تتلوى في جلستها ونطقت أخيرًا بنزقٍ:

_ أخرتها إيه طيب؟ خرجت معاك ممكن نمشي؟.

انتبه لصوتها المكتوم فحرك عينيه يتفحص عينيها ووقتها لاحظ العبرات المكتومة، تنهد متمسكًا بآخر ذرات صبرهِ ثم نطق بهدوءٍ:

_اللي تعوزيه بس أنا مش جايبك علشان تفضلي ساكتة وباصة قدامك، على الأقل يا نـوف تتكلمي تعرفيني مالك، دلوقتي حسيتي بإيه؟ تقوليلي أعمل إيه يخليكِ ترجعي زي الأول وأحسن، أنا مش عاوزك تضايقي وتزعلي كتير، عاوزك ترجعي تاني تضحكي وتشاركيني يومي زي ما كُنا.

نزلت عبراتها وقد أطبقت جفونها فوق بعضها ثم ردت بصوتٍ مبحوحٍ عليه وكأنها تكشف له عُري روحها وسترها:

_بس أنا تقيلة أوي على اللي أنتِ عاوزه، أنتَ عاوز واحدة فيها الروح لسه وأنا روحي مش هنا، مش موجودة أصلًا، مجرد منظر بس، علشان كدا قولتلك شوف حد تاني غيري، حد يكون لسه عنده امل يعيش ويحلم ويساعدك تحقق، بس الحد دا مش أنا.

اندفع بمجرد أن وصله حديثها بنبرةٍ هادرة:

_ليه مش أنتِ؟ مش هينفع يكون حد غيرك أصلًا، أنا جنبك لحد ما تكوني كويسة، ولو مابقيتيش كويسة مش مهم أنا راضي بيكِ كدا، بس فكرة إنك تطفشيني دي تنسيها، أنا مش هسيبك.

نزلت عبراتها وشعرت بضميرها يئنِ وتتألم لأجلهِ، اعتصرت عينيها ثم أخيرًا انهارت لتفصح عن ما تُخفيه خلف جدار ألمها:

_ما هو أنا تعبت، تعبت ومابقاش عندي طاقة أعمل حاجة، كل ما أقول خلاص بقت زي الفل أرجع ألاقي كل حاجة بتخرب تاني، إزاي الشخص المفروض يعيش حياته كلها يحاول من غير ما يلاقي نتيجة المحاولة دي؟ إزاي المفروض أتعامل في يوم وليلة من غيره؟ دا أنا عمري ما روحت المدرسة بمشكلة لوحدي وكان علطول سابقني على هناك، فجأة كدا أدخل قسم وأقعد في حجز واتضرب ويتخاض في شرفي وسُمعتي؟ واقعد يتحقق معايا؟ هي سهلة أوي كدا؟.

كلماتها اصابته بخيبة الأملِ والخذلان، كيف بدت مقهورة لهذا الحدِ وعاجزة وهو منذ أن وطأ حياتها لم يعهدها إلا قوية ومُحاربة ومقاتلة؟ كيف يُرغم المقاتل على ترك سيفهِ والحرب بكل ما فيها تخصه وشأنها من شأنه؟ اقترب ومال مقتربًا منها ينطق بحكمةٍ عقلية أكبر بكثير من إدراكهِ:

_الإنسان مننا مأجور على كل حاجة، على الحزن والزعل والألم والوجع حتى مشاعر الفقد برضه، لما حصل اللي حصلي ومشيت واخترت الغربة بعيد عن هنا كنت هتجنن، ليه اتغرب وأمشي وأبعد مع إني مأذيتش حد؟ ولا عمري ضريت حد؟ بالعكس دا أنا طول عمري ببعد عن المشاكل، وقتها سافرت وهناك بدأت اختلط بالناس وأشوف شغلهم وحياتهم وتفكيرهم، ودا خلاني بفكر زيهم وبقيت بشتغل، وحسيت إني أقدر أعمل أكتر بكتير من اللي كنت بعمله هنا، لدرجة إني كنت بشتغل هناك مُدرب خيول وسباحة، وليا دلوقتي اسمي وفيه شركات بتتعامل معايا بالاسم، واللي حصلك كان بداية خير.

عقدت حاجبيها حين استطاع أن يستحوذ على فكرها وانتباهها بكلماته وطلَّ من عينيها سؤالٌ يحوي الحيرة في طياتهِ، فأضاف برزانةٍ أكبر:

_يعني اللي حصلك دا خلاني أفكر بصورة تانية، كنت فاكر إن اللي عمل كدا هو جدي علشان يلوي دراعي بيكِ بس لأ ماطلعش هو، طلع حد تاني خالص بعيد كل البُعد عن تفكيري، ورغم موقفي ناحية داغِـر إلا أنه وقف معايا وفضل موجود لحد ما خرجتي، ومش بس كدا، دا كمان قرر يعاقب اللي عمل كدا علشان خاطري، مش دا برضه خير؟.

توسعت عيناها تلقائيًا بصورةٍ مُفاجأة وقد حرك رأسه مومئًا لها يؤكد صدق ما تفوه بهِ فسألته هي بصوتٍ أقرب للهمسِ:

_هو مش جدك اللي عمل كدا فيا؟.

_تصدقي إنه مش هو؟ لو قولتلك مين هتتصدمي.

_مين؟.

سألته بلهفةٍ لمعت بها عيناها حتى تنهد هو وزفر بقوةٍ ثم رد بما لم تتوقعه هي:

_عمتك.

للمرة الثانية يزداد توسع عينيها حتى أن بؤبؤيها أوشكا على السقوط من داخل عينيها، كيف تظهر هذه القسوة من الغُرباء ويستحلون جُرحها ودمعها؟ كيف استطاعت أن تفعلها بابنة شقيقها الميت؟ نزلت عبراتها ولم تجد ما يُعبر عن مشاعرها، لكنه أدرك على الفورِ فاندفع يقول يتسجديها بقوله:

_أنا معاكِ ومش هسيب حقك، وطول ما أنا عايش محدش هيقدر يرفع عينه فيكِ ويبصلك بصة متعجبنيش، حقك أنا اللي الملزوم أجيبه، وعلشان كدا مستني الوقت المُناسب علشان أعرف أرد حقك، عاوزك بس تثقي فيا، مش عاوز غير كدا منك.

حركت رأسها توميء له ثم شردت بحزنٍ حتى أحس هو بثقل روحها ينتقل له فهبَّ منتفضًا من موضعهِ واستقام واقفًا ثم رمىٰ لها سؤاله الملهوف كأنه لم يُحجم حماسه:

_تقومي تجربي حاجة جديدة معايا؟.

عقدت حاجبيها وضمت جبينها، فيما أومأ لها موافقًا ثم تحرك وحرك مقعدها حتى يترك لها مساحة كافية تتحرك خلفه، وبمجرد أن لاحظت حماسه تحركت خلفه بخطواتٍ وئيدة، بينما هو اتجه للخارج فوجد شابًا يُعيد ربط المركبة التي أوصلته، اقترب يسأله عن عدة تفاصيلٍ ثم قام بطلب واحدةٍ وهي تتابعه بترقبٍ لما ينتويه، وفجأة وجدته يسحب دراجة حديثة الطراز فقال بلهفةٍ:

_بتعرفي تركبي سكوتر؟.

تدلىٰ فكاها وافترقا عن بعضهما فاقترب منها وهو يقول بحماسٍ:

_مش مهم يلا هعلمك أنا.

اقترب منها بالدراجة ووقف ثم عاونها حتى وقفت فوقها وقبل أن يختل جسدها وثقلها دعمها ودعم الدراجة ثم بدأ يشرح لها بقوله:

_أفردي جسمك وأهم حاجة التوازن، شدي جسمك وخدي نفس طويل بعدها ابدأي وبصي على الطريق كويس، سيبي تلقائية جسمك هي اللي تتعامل هنجرب هنا لحد ما تتعلمي بعدها نخرج الشارع برة وسط الطريق، يلا؟ ابدأي وأنا جنبك.

دفعها وحثها حتى بدأت تتحرك بالمركبة الغريبة هذه المسماة "سكوتر" وحين تحركت بها في هذا الشارع الشاغر وجدت نفسها تتنفس وتخرج الصخب من داخلها لتدمجه مع ضجيج العالم، كأنها تكتشف ما هو جديد في العالم هذا، استطاعت أن تتحرك به وأكملت الطريق بسبب روح المغامرة التي تملكها، فيما كان يتبعها هو حتى وجدها تلتفت له بالدراجة وهي تبتسم وبسمتها تتحول لضحكةٍ تختصه ثم توقفت عنده وسألته بلهفةٍ وقد عاد الضوء لوجهها بدون سابق إنذارٍ:

_تيجي تسابقني؟.

ضحك هو بالتبعية وكأن ضحكتها تصيبه بعدوىٰ، أخذ واحدًا وتحرك معها، يسيران بجوار بعضهما في الطريق كلًا منهما يأخذ بيد الآخر نحو الحرية التي حُرِمَّ منها، كانت تبتسم ثم ضحكت فجأةً وعلا صوت ضحكاتها فشاركها الضحك حين لفح الهواء وجهيهما معًا؛ وكأنهما سويًا ضد العالم في حربهما لأجل الحب..
____________________________________

   <"أنا والشتاء والبحر والاسكندرية نشتاق لضحكتكِ">

تُحبين أنتِ الشتاء وتجهلين بعواصف حُبك في قلبي؟ 
تشتاقين الاسكندرية ولم تُدركِ يومًا كيف قهرتني القاهرة في غيابك، تنتمين للبحرِ وأمواجه وأنا الذي جفَّ حلقه على اليابسةِ من كثرة مشيه بحثًا عنك، كيف بربك تكونين كما البلاد البعيدة المرغوبة من شابٍ يطمح لأجل العيش، وفي نفس الوقت أنتِ هويته الحقيقية؟..

جلست مع جدتها حتى نامت وآمنت لتواجدها، كانت كلتاهما تتشبثُ بالأخرىٰ كما يتمسك الغريق في عرض البحرِ بطوق النجاة، اطمئنت عليها "عُـلا" ولثمت جبينها ثم دثرتها بالغطاء وجلست بقربها تضم كفها بين عناق كفيها الباردين، كان "أدهـم" في الشُرفة يراقبها ولاحظ تأخر الوقت ووجود "مأمون" بنفس المكانِ فاقترب منها يهمس بخفوتٍ:

_هي خلاص نامت وخدت العلاج، مش هينفع نفضل هنا وفيه راجل في الشقة، يلا ننزل وبكرة الصبح هاجيبك ليها من النجمة، بس علشان تنامي أنتِ وترتاحي شوية.

حركت رأسها نحوه وحين كان شعاع الضوء يسقط على عينيه أحست بدفء نظراته المصوبة نحوها، فهمست له بحقيقة مشاعرها الصادقة:

_مفيش راحة أكتر من اللي أنا فيها دي، أنتَ مش مستوعب أنا حاسة بإيه وهي قدام عيني بخير كدا، حاسة إني مالكة الدنيا وما فيها، ممكن أقولهم يسيبونا هنا معاها، هي المفروض كان ليها شقة بتاعتها كنت أنا وهي قاعدين فيها.

_أديكِ بتقولي كان، يعني الوضع اتغير دلوقتي، قومي معايا بس ووعد مني بكرة الصبح هتكوني عندها، يلا علشان محدش يفكر يفتح بوقه بكلمة معاكِ، أنا مش جاي أرازي في حد، أنا جاي علشانك أنتِ يا عُـلا.

ابتسمت له وحركت رأسها توميء له ثم تنهدت بقوةٍ ومالت تُلثم جدتها وتحركت معه بخفةٍ فالتقط كفها وخرج بها أمامهم وحين وجدهم جالسين بالخارج وجه حديثه للرجالِ قائلًا:

_أنا همشي أنا وعُــلا دلوقتي وبكرة الصبح هنيجي علشان تشوف جدتها وتطمن عليها، وصحيح دي أول مرة بس طول ما أنا عايش وفيا النفس مش هتبقى الأخيرة.

_يوه بقى، شكلنا مش هنفضها سيرة بقى.

نطقتها عمتها بتهكمٍ فانتبه لها وضيق عينيه نحوها كما الصقر الجارح وبدلًا من الرد عليها تغاضى وأكمل توجيه الحديث لأخيها بقوله:

_كلامي معاك أنتَ بما إنك راجل البيت والكبير بتاعهم،عُــلا ليها حق تيجي تشوف جدتها زي ما تحب ووقت ما تحب، وأظن اللي عملتوه زمان بحكم محكمة أنا أقدر أرد عليه دلوقتي بس من غير قاضي، هعمله بنفسي لنفسي.

ألقى خطبته العصماء أمامهم ثم قصد باب الخروج من هذا المكان الذي أمسى يُطبق فوق أنفاسه وكأنه يسحبه نحو عراكٍ يكتمه في صدرهِ منذ أن حُرِمت هي من عائلتها وربيعها لتعيش معهم في كربٍ لا ينتهي. نزل بها من البيت ووقف لثوانٍ يتسعيد ثباته وهدوء حاله ثم زفرَّ بقوةٍ وأمسك كفها يسألها:

_تحبي نروح الشقة ولا نروح ناكل ولا تحبي تعملي إيه؟.

ضوت عيناها بشغفٍ ونطقت بلهفةٍ أعرب عنها الحماس:

_ينفع نروح نقعد على البحر؟ وحشني أوي.

ابتسم لها وحرك رأسه موافقًا ثم قادها وعبر بها الطريق وهي تمسك كفه حتى ولج بها عند باب الدخول للشاطيء، كانت الأمواج هائجة والبحر يعصف كأنه يُناديها بلوعةٍ ليعبر عن اشتياقهِ لها، دفع رسوم الدخول وقادها للداخل فيما هرولت هي تسبقه ثم خلعت خُفيها وجلست فوق الرمال الباردة..

وقف يراقبها بعينيه حتى التفَّت تشير له فاقترب وجلس بجوارها وهو يقول بسخريةٍ:

_طب ما فيه كراسي، ليه العذاب؟.

_الكراسي مش ممتعة زي الرملة وهي باردة كدا ومعيشاك الجو.

كانت تبتسم وهي تجاوبه حتى ضحك هو الآخر وشرد في اللاشيء أمامه، ينظر في الفراغ لكنه رُغم ذلك يبتسم لأنه لم يُقصر معها بشيءٍ، فرح لأنه لأول مرةٍ يظهر في صفها أمامهم، حتى لو فكر أحدهم أن يخطو على بداية طريقها سيكون هو ندًا لأفكارهم، حرك عينيه يلحظها بطرفهِ فوجدها تلعب بيدها في الرمال لكنها شاردة كأنها في عالمٍ آخر..

_مالك ساكتة ليه؟ فيه حاجة مضايقاكِ؟.

رفعت عينيها نحوه تجاوب على السؤال ببسمةٍ صافية ظهرت في عينيها:

_بالعكس، أنا مبسوطة أوي وبفكر في اللي حصل وفرحانة أوي إني شوفت "ياقوت" واتطمنت عليها، أنا بس مستغربة وحاسة إن مشاعري كلها مش مفهومة، يعني عمري ما كنت أتخيل إن أدخل البيت كأني غريبة، وبرضه عمري ما تخيلت إن الشخص اللي فضلوا طول صُغري يقولولي إنه السبب في اللي أنا فيه يكون هو اللي واقف في صفي قصادهم.

جعد جبينه ضاممًا حاجبيهِ ثم سألها بحيرةٍ:

_قصدك إيه؟.

_طول ما كنت صغيرة كنت دايمًا اسألهم ليه أنا؟ يعني ليه أنا طفلة صغيرة المحكمة تحكم عليا إني أكون بعيدة عن حضن أمي وتجبرني أعيش مع ناس مش بحبهم، كنت بشوف الأطفال كلها مع أمهاتهم وكل البنات مبسوطين مع أهاليهم حتى لو فقرا، بس أنا غيرهم كلهم، أنا كنت بستنى حكم المحكمة علشان أشوف أمي في الرؤية، وقتها كانوا بيقولوا ليا إنها اختارتك أنتَ وسابتني، هي وافقت إن أنتَ اللي تعيش معاها واختارت ابنها التاني، علشان بتحبهم هما وأنتِ لأ، بس لما كبرت عرفت إن هما اللي كرهوني مش هي، كرهوني لدرجة إنهم استكتروا فيا الحياة معاكم.

كان مُدركًا لكم التخبط الذي تُعانيه، مُدركًا لكل اللحظات التي تصيب المرء بالصدمة والتخبط، ظل يُراقبها بعينيه حتى وصوت الموج يضيف لمسة خاصة ببريقٍ لن يُنسىٰ فيما أضافت هي من جديد ببسمةٍ متعجبة:

_الغريب إن الشخص دا هو الوحيد اللي اختارني بعدما هما سابوني، ونصفني قصادهم كمان، وأنا أصلًا كنت خايفة منك أنتَ ومن دخولك حياتي، ماكنتش أعرف إنها من غيرك كانت هتعطل زي حاجات كتير وقفت في غيابك.

ابتسم لها بالتبعية ومد كفه يضعه فوق كفها البارد ومسح عليه برفقٍ وحنوٍ ثم أكد صدق أفعاله وأقواله حين نطق:

_وأنا معاكِ في أي حاجة، المهم تكوني مبسوطة يا عُـلا.

أومأت له وومضت بعينيها ثم عادت تنظر للبحر وتتذكر كم مرةٍ أتت للبحر باكيةً تشكو له صعوبة أحوالها وحرارة عيشها، كم كانت تتمنى لو أن تجد من يحتضنها ويضمها مواسيًا لها في أصعب لحظات حياتها، فجأة حدثت ضجة عالية من خلفهما، حيث تعالى صوت الزغاريد العالية فالتفتا سويًا في نفس التوقيت، حينها تبسمت هي فوجدت علامات الاستغراب باديةً فوق ملامحه، حينها فسرت بقولها ضاحكةً:

_دول عرسان جداد تلاقيهم لبسوا الدهب عند الصايغ وييجوا هنا يتصوروا ويحتفلوا وياخدوا كام صورة حلوين احتفالًا بالمناسبة، وبس كدا ويبدأوا يجهزوا مع بعض لحياتهم الجاية.

حرك رأسه للخلف مجددًا فوجد العروسين مع بعضهما تُلتقط لهما الصور سويًا احتفالًا بهذه المناسبة، راقب بساطتهما وفرحة عائلتيهما، صدحت كلمات أغنية عاطفية من خلفهما فضحكت زوجته حتى عاود لها بتركيزه فقالت بتفسيرٍ:

_كنت بقعد علطول على البحر وأقعد لوحدي زعلانة وأنا فيا هموم الدنيا كلها، وكنت فجأة أشوف كل العرايس دي وفرح ورا التاني أقعد أبصلهم وابتسم، وساعات كنت بشوف العرايس الجديدة وهي جاية شهر العسل وبتجري على البحر وفرحانة وبتتصور، كان نفسي مرة أجرب احساسهم أوي.

ابتسم لها ثم راقب المشهد لثوانٍ، فجأة وجد قطرات الغيث تسقط عليهما، بدأ المطر يهطل عليهما وتلقائيًا شهقت هي بفرحةٍ، بدأوا الناس يغادرون الشاطيء وظلت هي موضعها تجلس وتنتظر القرار الأخير كي تستمتع، راقبها هو ولمح الشغف في عينيها ولهفتها فابتسم بقلة حيلة وتشدق بنزقٍ:

_هقولك إيه يعني؟ براحتك يا عُـلا.

كان حديثه بمثابة الإذن لها، قفزت من موضعها وتحركت من المكان وكررت عليه تحذره مستخدمةً ضده كلماته:

_خليك فاكر إنك قولتلي براحتك.

أومأ لها مؤكدًا فوجدها تقفز من مكانها ثم تركت الحذاء وغطته بحقيبة خصرها الصغيرة وهرولت، هرولت كأنها نالت الحُرية، ضحكت وهي تشعر بالسعادةِ تغمرها وتملأ قلبها، اليوم الاسكندرية تشهد على فرحها وسعادتها بعد سنواتٍ قضتها في الحزن والغبطِ، تحرك خلفها حين وجدها تبتعد ثم عادت من جديد راكضةً أسفل المطر والموج يهيج وبحره يعصف وحين ارتمت اقتربت فرق ذراعيه وضمها له بقوةٍ..

كانت هي في غمرة سعادتها وهو في غمرة الشعور بها، كأنها منه وتنتمي لضلعهِ وتُكمل الناقص منه، كأنها خُلِقت فقط كي تناسبه هو في كل زمانٍ ومكانٍ، هي وحدها التي تجعله يشعر بالوجود والانتماء وهذه هي الحقيقة التي لن يستطع ويُكذبها، لذا حين تيقن من اتفاق القلب والعقل همس لها وهو يضمها له أكثر:

_أنا شكلي كدا حبيتك يا عُـلا..

كانت هذه هي المفاجأة الثانية لهذا اليوم، لم يكتفِ بما يفعل بل يزيد أفعاله بأقوالهِ، اليوم أسفل المطر في عناق الشاطيء والبحر بأمواجهِ يشهد عليهما، هو يعترف بحقيقةٍ لن تبقى مخبوءة كثيرًا وسيأتي عليها يومٌ تطل فيه شمسها من خلف الغمامِ 

#يُتَبَع
#جمعية_حب
#الفصل_السابع_وثلاثون.

                ________________

_متنسوش الدعاء لأخواتنا في فلسطين والسودان ومصر وسوريا ولبنان واليمن وكل بقاع الأراضي العربية، فاللهم لا ترفع للعدو راية ولا تحقق له غاية والدعاء لأمواتنا وأموات المسلمين أجمعين، كسفوا الدعاء لأهلنا في سوريا ومخيمات فلسطين.

_اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.




تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة