
رواية جمعية حب الفصل الثامن والثلاثون 38 بقلم شمس محمد بكري
|| هل التمني يُصبح ملك اليمين ||
بسم الله الرحمن الرحيم،
والصلاة والسلام على الرسول الكريم..
سبحان الله وبحمدهِ، سبحان الله العظيم..
|| صلوا على الرسول الحبيبﷺ ||
والمغفرة، اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.
____________________________________
لا تسأليني أنا عن أحوالي..
بل سِلي عن أحوال البلاد بأكملها في غيابك..
اسأليني عن الباعة الجائلين الذين غادرتهم الضحكة، اسأليني عن الشتاء العاصف حين دمَّر المدينة، اسألي عن هؤلاء الصبية الصغار الذين افتقدوا ضحكتكِ في كل صباحٍ،
لا تسأليني أنا كيف كان حالي، بل اسألي عن المدينة بأكملها كيف مرت لياليها عصيبة، كيف انطفأ ضوئها، وكيف غَرُبت شمها، كيف ركدت المياه بدونك، كيف اختفى الأمل برحيل مُقلتيكِ وجفونك، لا تسألي عن أنا
لكن اسألي كيف فقد الكل طاقته حين رحلتِ وكأنك شمسٌ غربت ولم تشرق من جديد.
<"فليشهد البحر والسماء والغيث أن قلبي بكِ أمسىٰ حُرًا">
أتعرفين معنى أن يكون المرء مُحبًا؟
أن يكون شغوفًا بعيني إحداهن حتى تكون له دُنيا خاصة به وحده وهو طوال اليوم كما الشريد في بلاد الغربِ،
كأنه يعود لأصلهِ كل ليلٍ حين يرتمي في عناقِ من يُحب وينسلخ عن هذا الغريب الذي تلبسه طوال اليوم..
معنى أن يكون المرء مُحبًا فهذا يعني أنه يعود لنفسهِ
كما يسكن الطير مرفأه من بعد الاغتراب..
حين تيقن "أدهـم" من اتفاق القلب والعقل همس لها وهو يضمها له أكثر فتأمن في عناقهِ وتسمع صوت نبضاته:
_أنا شكلي كدا حبيتك يا عُـلا..
كانت هذه هي المفاجأة الثانية بهذا اليوم، لم يكتفِ هو بما يفعل بل يزيد أفعاله بأقوالهِ، اليوم أسفل المطر في عناق الشاطيء والبحر بأمواجهِ يشهد عليهما، هو يعترف بحقيقةٍ لن تبقى مخبوءة كثيرًا وسيأتي عليها يومٌ تطل فيه شمسها من خلف الغمامِ له هو قبلها هي..
صوت الصخب حولها لم يُسكت صوت صخب قلبها، بل ازدادت نبضاتها جنونًا وتأثرًا وارتفاعًا بسبب جملته؛ فابتعدت عنه للخلف تُعلق عينيها بعينيهِ الصافيتين الحنونتين عليها لتجده يضيف مُسرعًا بتفسيرٍ أشبه بحائرٍ يتساءل ويبحث عن جوابٍ:
_ماهو لو أنا مش عاوز غير فرحتك وغير إنك تكوني في أمان وتكوني كويسة ومبسوطة ومفيش حاجة مزعلاكِ معايا يبقى دا إيه؟ لو مش عاوز غير فعلًا أشوفك مبسوطة ومرتاحة بعد كل يوم وحش شوفتيه يبقى دا إيه؟ يبقى أنا شكلي حبيتك بجد يا عُـلا.
كانت مشوشة، ضائعة كوصفٍ بليغٍ لحالتها، تضيع في بحرهِ وتأمن بنظراتهِ، تتوه في متاهات مشاعره ويُرشدها أمانه الذي اعتادته معه، لم تكن تعرف جوابًا صحيحًا، ولا حتى وجدت رد فعلٍ يناسب حديثه، نظرت في عينيه لتجدهما صادقتين، حنونتين، صافيتين، ارتاحت من تِيهها في نظراتهِ، أرادت الهرب منه فلجأت إليه، دست نفسها في عناقهِ حين شعرت بالبرودةِ تجتاحها وكان هذا أكثر من كافٍ له، أحس بها وهي تلجأ لأمانه فضمها وترك المطر يأويهما معًا..
زاد وجيف قلبها حين زادا البرق والرعد لوعةً في نفسها، فضم هو كفها وهرول بها بعدما لملم حاجتها واتجه للخارج، كانت حافية القدمين وتتعثر بين كل خطوةٍ وثانية حتى سقطت على رُكبتيها بسبب ثقل الرمال وهي تغرس فيها، وحينها التفت لها مبتسمًا وقال بسخريةٍ:
_مكتوبالك يا بنت عايدة.
أنهى جملته ثم مال يضع كفيه يدعم جسدها بهما ثم خرج بها حتى وصل لسيارته بالخارج وهي تتعلق بعنقهِ وكل فكرها ينحدر نحو السقوط في هاويته هو، حتى أحلامها لم تأخذ هذا المنعطف قط من الجرأةِ، أتى رجل الأحلام لكن تلك الأحلام ما كانت موجودة يومًا، أتاها يُشبه أحلامًا كانت تخشى التفكير فيها حتى لا تأمل بالكثير فتسقط كما الطير حين يُخذَّل من حُريتهِ.
ولج السيارة بعدما وضعها على المقعد المجاور له ثم أغلق الباب وأزاح خصلاته عن جبينه وتشدق بسخريةٍ لها:
_أنتِ متفقة مع الجو عليا ولا إيه؟ بحر ومطر وشط كل دا في ساعة واحدة؟ دي فيها لطشة برد مش أقل من أسبوع دي علشان أروق وأرجع تاني كويس، على الله بس تكوني كويسة.
ابتسمت له بعينيها ثم تنهدت وسألته بصوتٍ مكتومٍ:
_هو إحنا كدا هنروح فين؟ هنرجع القاهرة ونيجي تاني؟.
عقد حاجبيهِ وكرر مستنكرًا بعجبٍ خلفها:
_نرجع القاهرة ! ليه يعني كل دا؟ هنروح شقتنا اللي هنا، هي مش بعيدة عن هنا أوي، هي في الأنفوشي يعني تقريبًا بتاع ٤٠ دقيقة من هنا لهناك.
عقدت تلك المرة هي حاجبيها وحركت رأسها تستنكر قوله وأتته بسؤالٍ كان لا بُد منه بالنسبةِ لها:
_هو أنتوا عندكم شقة هنا؟ بتاعة مين؟.
_شقة أبويا جابها زمان أيام الرُخص لما والدتك بدأ قلبها يتبعها من المشوار والسفر من القاهرة لاسكندرية، يعني علشان ساعات كانت بتتعب في الطريق في نفس اليوم، وبعدها بقت شقة بنيجي فيها في المصيف، وساعات "آدم" كان بييجي هنا لما كان بيحاول يوصلك.
حركت رأسها توميء له حين فهمت مقصده ثم حركت كفيها تُدفىء جسدها البارد والثياب المُبتلة عليها، فانتبه هو لأمر الثياب وسألها بهدوءٍ:
_تعرفيّ مكان نجيب منه هدوم علشانك؟ أنا مارضيتش أقولك هاتي هدوم علشان ماتشكيش وتبوظي المفاجأة بتفكيرك، رغم إني كان ممكن أقولك شهر عسل عادي وأخلص نفسي من الصداع، بس لسانك مكانش هيسكت.
كشرت له عن أنيابها وبرقت بعينيها فيما مد يده يقبض على ياقة معطفها الشتوي ونطق بشرٍ كان أساسه ومضمونه المزاح معها:
_لأ بقولك إيه مش علشان في بلدك هتبصيلي كدا، بصي على قدك يا شاطرة مش أنا اللي يتبصلي كدا.
ضحكت مرغمةً وأزاحت كفه عنها ثم قالت بأثرٍ باقٍ من الضحك في نبرتها له:
_أبص زي ما أنا عاوزة مالكش دعوة، ليك فيه؟.
_ليا كل اللي فيه، كله يخصني أنا.
كان يقصدها هي ونظراتها وعينيها حتى تبدلت نظرتها للخجلِ ولا تعلم لمَّ يقتحمها هكذا بغير سابق إنذارٍ، لمَّ لمْ يُقدر عُذرية مشاعرها الغريبة التي تحتمي برجلٍ مثله وتخشى فراقه، تشعر أن البحر يسكنها، مشاعرها ثائرة كما الموجِ وهي غريقة فيها تبحث عن المرسىٰ، التزمت الصمت فيما راقب هو الشوارع حتى استهدى لمحلٍ تجاري خاص ببيع كافة المستلزمات البيتية..
أوقف السيارة ثم ثبت عينيه جهة جلوسها وقال بهدوءٍ:
_أنزل أنا أصرف نفسي وأجيب على ذوقي؟ ولا تيجي بس لو نزلتي بهدومك دي احتمال تاخدي دور برد يكومك جنبي.
جاوبته بتوترٍ لأنها تحتاج لبعض الملابس الخاصة بها:
_لأ أنا أكيد لازم أنزل، هتجيب أنتَ إزاي؟.
_هجيب إزاي يعني؟ هشوفلك أي بيجامة تنامي فيها النهاردة وأي طقم حلو لحد ما دا يتغسل وينشف، مش مستاهلة تنزلي، كفاية معدتك اللي بتتعب من أقل حاجة دي.
عاندته بقولها وكأن روحها عادت تشتعل من جديد أمامه:
_لأ هنزل بقى، ومعدتي كويسة على فكرة.
لوح لها بكفه وهو يخرج من السيارة فلحقت به وما إن خرجت وتعرضت لبرودة الجو مباشرةً تلجلجت واهتز ثباتها، لكنه التفت يكتم ضحكته عليها ثم سألها بنفاذ صبرٍ مفتعل:
_بت !! أنتِ عاوزة إيه في ليلتك دي؟.
_عاوزة أجيب حاجات ضروري من محلات السيدات، فهمت؟.
أتى ردها بنفاذ صبرٍ فرفع حاجبيه حين أدرك أنها مُحرجة منه لذا أشار لها فاقتربت منه وولجت بجواره داخل مجموع المحلات التجارية، وقد اشترت ما يُناسب الجو ويُناسب ذوقها وذوقه معها، حيث كان يختار الأنسب لها والأفضل ولاسيما الأغلى لأجلها، وقد ابتاعت هي المنتجات الخاصة بها ثم خرجت له..
اشترى لنفسه ثيابًا هو الآخر ثم خرج بها من المكان يتجه لسيارتهِ، وحين ولجا سألته هي بانتباهٍ:
_هي الشقة فين؟ تعرف اسم الشارع؟.
جاوبها بثقةٍ وتأكيدٍ لسؤالها:
_أكيد عارف، هي على البحر علطول في الأنفوشي، تقريبًا كلها تِلت ساعة من هنا ونوصل، ومتقلقيش الشقة مفروشة.
ضحكت بعد جملته الأخيرة وسألته بمزاحٍ وقد تورد وجهها وعادت الدماء تجري فيه:
_طب يعني بالله عليك فيه واحد يقول لواحدة كدا؟ متقلقيش الشقة مفروشة؟ إيه الجملة دي أصلًا؟ غريبة أوي وعيب.
توسعت عيناه على إِثر مزاحها ونطق بلهفةٍ يوقف مجرى أفكارها:
_أنتِ فهمتي إيه الله يخربيتك؟ إيه الدماغ السافلة دي؟ قصدي الشقة نضيفة وفيها فرش وجاهزة، نيتك دي أعوذ بالله منها، متركبة شمال.
لكزته في مرفقهِ فضحك هو مُرغمًا حين وجدها تعتاد عليه، حين بدأت تألفه وتتعامل معه على سجيتها وطبيعتها دون أن تكون متوترة أو حتى تضع الحواجز بينهما، ورُبما يكون تسرع في اعترافهِ بمشاعره التي تعتريه نحوها، لكنه كان صادقًا فيما تفوه به، هي وحدها من وصلت لمكانٍ في قلبه لم يصل له غيرها هي..
بعد مرور ما يقارب نصف ساعة وصل بها لبناية قديمة الطراز، مبنية على الطراز القديم شبه الأثري، وبها مصعد قديم يشبه ذاك الذي كان موجودًا في فترة الخمسينيات، كانت مذهولة لأنه أتى بها لهُنا وهي منطقة أعلى وأرقى شأنًا مقارنةً بحي المكس، وقد وصل بها لشقة والده، شقة كبيرة الحجم ذات سقفٍ عالٍ وفروقها شاسعة، بها شُرفة كبيرة كأنها غُرفة وحدها..
هرولت للداخل بخطواتٍ واسعة ووقفت في الشُرفة القديمة تشتم الهواء الحُر الطليق الذي يشبه نفسها الحُرة، كانت تبتسم لأنها في أوقاتٍ كُثر كانت تتمنى أن تجلس في مثل هذا المكان أو حتى بأقصى آمالها أن تقضي فيه ليلةٍ، اقترب يجاورها وقال بهدوءٍ:
_عجبتك الشقة؟ أنا خليت حد ينضفها ويروقها علشان لما نيجي، ادخلي غيري براحتك وخُدي دش سُخن كمان لحد ما أشوف في أكل هنا ولا أطلب، يلا أدخلي.
حركت رأسها توميء له ثم تنهدت وتحركت صوب الحقائب تأخذ الأغراض الخاصة بها وتابعها بعينيه الشغوفتين نحوها، استقامت في وقفتها وابتسمت له وحينها باشرها مستفسرًا بسؤالٍ لم تتوقعه:
_صحيح ماقولتيش رأيك في الكلام اللي قولته عند البحر.
تورد وجهها وهي تستعيد اللحظة وتستأنف الشعور ذاته، كأنه كرر الجملة على سمعها، وجدت نفسها تبتسم رويدًا رويدًا ثم تنهدت وردت عليه بإيجازٍ وهي تخبره خفيةً عن مشاعرها:
_مشاعرك غالية أوي يا أدهـم عليا، غالية لدرجة إني بفكر عملت إيه علشان استحقها، وفي نفس الوقت أنا متطمنة معاك، يمكن أكون تايهة شوية بس أكيد متطمنة ليك ومأمنة على نفسي جنبك، شكلي كدا هحبك.
ابتسم هو الآخر بالتبعية وتحرك كلًا منهما لوجهتهِ، وبعد دقائق كثيرة اجتمعا سويًا في الغرفةِ نفسها، كان يتسطح فوق الفراش وولجت هي له بعدما تحممت وبدلت ثيابها، اقتربت منه وجاورته ثم اقتربت هي من نفسها تضع رأسها عند موضع نبضه وضمته بقوةٍ، أنزل عينيه يلحظها ثم ابتسم ومسد بأنامله الدافئة العرق النابض في رقبتها..
استكانت هي على لمساته وأحست بألم عُنقها يتلاشىٰ شيئًا فشيئًا، ارتاحت من عناء السفر والمشوار، كأنه كان يدري أنها مُصابة بآلامٍ متفرقة في جسدها، بدأت تغفو وكادت أن تُغمض عينيها لكنها همست اسمه بنعومةٍ بالغة:
_أدهـم.
همهم مُجيبًا إياها وحرك عينيه يلاقي عينيها بهما فتوسعت بسمتها وهي تقول بامتنانٍ حقيقي له كأنها أدركت هذا:
_أنا عاوزة أقولك شكرًا على كل حاجة عملتها معايا وكل حاجة عملتها علشاني ولسه هتعملها تاني، صدقني ولا عمري خطر في بالي إني في يوم من الأيام أكون مع راجل زيك، راجل بجد مش كلام وخلاص، قبل ما توعد بتوفي بوعدك، ربنا يكتبلي نصيبي كله مع معاك ويقدرلي الباقي من عمري جنبك.
كانت تتمنى وتتضرع بصوتٍ عالٍ سمعه هو ووصل لقلبهِ، لتوهِ أدرك كيف لم يجرؤ والده ويقاوم براءة والدتها حين كانت صغيرة ولجأت إليه، اليوم هو يجرب الشعور ذاته، حيث هي تأمنه وحده من كل الدنيا، كأنها توليه حمايتها وتجعل منه حاميًا لأجلها، وقد يكون هذا ما يُريده هو يومًا أن تنتمي له أُنثاه وتجعله هو مدينتها الآمنة المُحصنة..
ومثل هذا المعنى هو حين ضمها لعناقهِ وطبع لثمة حنونة فوق وجنتها وهي تخلد للنوم في أمانهِ.
____________________________________
<"لأن الطريق لم يكن سهلًا كانت مغامرته مُمتعة">
قد تكون السهولة في الطريق هي ما تُفقده متعته..
لولا الصعوبة والمشقة في عبورهِ ما وجدنا ما يجعلنا نُغامر، أن نفعل ما نُحب رغم صعوبات الطريق واستحالة عبورهِ ومروره حتى النهاية هي ما تُولد فينا روح المغامرة،
لأن الحياة تكون فقط لمن يجرؤ ويُغامر.
الساعة شارفت على الثالثة صباحًا، قرر أن يعود للقاهرة وبالتحديد لبيت أمه، أراد أن ينمتي لها ويأمن كما لو كان صغيرًا ارتكب جُرمًا في الشارع وركض هربًا لأمهِ خوفًا من بطشِ المارة، هرول لبيتهِ ركضًا ولأول مرةٍ يشعر بهذه الراحةِ منذ زمنٍ، وصل البيت في جُنحِ الليلِ، وعلى الرُغم من يقينه من سكون البيتِ وسكوت حالهِ لكنه فوجىء حين ولج ولمح الضوء في ردهة البيت..
اقترب بخطواتٍ مُتلجلجة لأنه يعلم أنه سيتعرض للتقريع، لكن شقيقه ناداه بصوتٍ جهوري فاقترب "سُليمان" بنظراتٍ ضائعة ليجد شقيقه يسأله بقلقٍ بادٍ على قسمات وجهه ونبرته الزاعقة:
_أنتَ كنت فين كل دا؟ من الصبح بندور عليك ومحدش عارف يوصلك، بنرن على الزفت اللي معاك مش بترد ولا معبرنا، وآخرتها تفتح تنزل صورة العربية وتقفل تاني؟ يابني ارحمني وراعي عجزي وإني مش قادر أصلب طولي وأنزل ألف عليك
شعر بالندمِ يجتاحهُ وهناك غصة عَلُقَت في حلقهِ كونه تسبب في هذه المشاعر البغيضة لشقيقه، تمالك نفسه مُسرعًا واقترب يجلس بقربهِ وهمس له بخفوتٍ يتسجديه ألا يغضب منه:
_حقك عليا، امسحها فيا وخليك أنتَ الكبير العاقل، بعدين هي أول مرة؟ ما طول عمرها بتهب مني وأطلع مرة واحدة على الطريق وزي ما تيجي تيجي، إيه الجديد؟.
_الجديد إني مش زي الأول، كنت الأول في ضهرك وممكن ألحق وأروح وراك وأشوفك بعيني وأتطمن وأسيبك، لكن دلوقتي أنا قاعد أضرب كف بكف زي الأب العاجز ومش عارف ابنه بيعمل إيه برة، يرضيك تتعبني كدا؟ أنا دماغي مسابتنيش من التفكير في اللي ممكن يكون حصلك.
حين رد "سالم" بهذا الرد ابتسم "سُليمان" ومال بجسدهِ يرتاح فوق ساقي شقيقه، شعر به "سالم" فمد يده يُربت فوق ظهره وسأله بحنوٍ أبوي خالص من الحنقِ حيث تحكمت به عاطفته:
_مالك؟ مين مضايقك؟ وفين مها صح؟ مش المفروض أنها في بيتك؟ سايبها لوحدها في البيت دلوقتي؟ ولا متخانقين مع بعض؟.
رفع "سُليمان" نصف جسده وجاوبه باعتيادية جعلت الأمر طبيعيًا وأكثر:
_خلاص مابقاش فيها مـها تاني، خلصت.
ارتاب شقيقه من الجواب وسأله بتوترٍ:
_قصدك إيه بخلصت دي؟ سيبتها خلاص؟ خدت قرارك؟.
حرك رأسه موافقًا ثم تنهد يلتقط أنفاسه الهاربة وبدأ الحديث بقوله الذي بدا مشوشًا بعض الشيء:
_كان نفسي ارتاح وأخلص نفسي، أنا كنت زي المسجون معاها ومش لاقي نفسي، كأني بشوف واحد غريب عني ومش عارف هو مين يا سالم، وهي اللي ساعدتني أني أخلص نفسي، آمنتها على نفسي ومالي وبيتي وهي مكانتش قد الأمانة، وثقت فيها بس هي مش قد الثقة، اللي زي دي مفيش راجل يقدر يآمن على نفسه معاها.
لاحظ شقيقه ضياعه في الحديث وكأنه طعنته بخنجرٍ فرد عليه بتأكيدٍ يقول ويؤازره:
_طالما خدت القرار وأنتَ متأكد ومرتاح يبقى خلاص محدش ليه عندك حاجة، المهم تكون واثق أنه قرارك أنتَ وإنك لحد آخر لحظة ماظلمتش حد ولا جيت عليها، أهم حاجة بس لو ليها حقوق عندك خلصها، نفقة، مؤخر أي حاجة من دي علشان ماتفتحش باب للمشاكل عليك.
تبدلت ملامح "سُليمان" ورد عليه متشدقًا بنزقٍ:
_هو أنتَ عاوزني أديها حاجة بعد كل دا؟ كنت عاوزني بعد ما آخذ على قفايا منها وتعمل فيا اللي عملته دا وتدوس عليا بدل المرة ١٠٠ مرة وماتسألش فيا وفي الآخر أروح أديها مليون جنيه أقولها معلش أصلي كنت عبيط وشاري بالهبل؟ أنا علشان اللحظة دي سيبتلها الدنيا تتصرف هي بيها، قولت أشوف هي هتراعي غيابي ولا ما هتصدق؟ واللي حسبته لاقيته، هي فعلًا ماتستاهلش إن حد يآمنها على ساعة واحدة في عمره، مش حياته كلها، لو كانت المرة دي اتقت ربنا فيا وحاولت، أنا كان استعداد وقتها أردها من تاني لعصمتي.
_يعني إيه؟ أنتَ كنت بتختبرها؟.
سأل شقيقه مستنكرًا بحالة ذهولٍ فجاوبه بتأكيدٍ لظنونهِ:
_آه كنت بختبرها، أومال عاوزني آمن ليها إزاي بعد اللي حصل؟ هي راجعة مجبورة علشان أبوها رافض بنته تبقى مُطلقة، وهي مش عاوزة ترجع غير لأسباب معينة أنا عارفها، أهمها أنها تسنغلني وتعلقني بيها وتعرف تخلع مني اللي تطوله، بس هي نسيت إني مش النوع اللي تغرييه فيعمل اللي هي عاوزاه، ومليون مرة قولتلها دي مش طريقتي، أنا لو فيه حاجة مش عاوزها مابعملهاش لو السكينة على رقبتي.
_طب مش يمكن أنتَ ظلمتها؟ يعني ممكن تكون هي راجعة ليك بإرادتها وممكن تكون فهمت غلط وفيه سوء تفاهم، ليه تحسبها كدا؟ أنا بفكر معاك بصوت عالي علشان محدش يرجع يلوم عليك ويشيلك ليلة مش بتاعتك، افرض فعلًا هي لسه تايهة ومحتاجة منك تلم الدنيا وراها وتتفاهم معاها.
حين رد عليه شقيقه بهذا الرد جاوبه هو بكل ثباتٍ وقوة شخصية وشموخٍ ظهروا في كلماته ونبرته وصوته:
_وهو على كل خطوتين هنتحركهم تقابلنا زبالة في الطريق هنوقف سواقة وننزل نلمها؟ يبقى كدا مش هنوصل في سنتنا، هفضل ألم وراها لغاية إمتى أنا؟ حاولت مرة واتنين وتلاتة، وعلى يدك أنتَ قبل كدا أول جوازنا لما اشتكت مني إني بسهر ومش بسأل فيها ومهتم بشغلي والعربيات وقتها حصل مني إيه؟ عارضت مع حد؟ ولا فهمت غلطي؟ وساعتها خليتها تشاركني كل لحظة معايا، خليتها هي بنفسها تختار اللي عاوزاه ومباخلتش عليها بأي حاجة، إنما هي حتى اللقمة مستخسرة تعملهالي، لو الحكاية سهلة كدا ما كنت شوفت أي واحدة تيجي تشيل البيت وخلاص، لكن هي مش قادرة تفرق بين دورها كزوجة، ودورها كصاحبتي، يبقى خلاص بقى سكة السلامة.
تنهد شقيقه ومسح على ظهره ثم تشدق مغلوبًا على أمرهِ:
_هاقول إيه يعني؟ ربنا يعوضك خير ويهديها لنفسها ويبعد عنك شرها ومكرها، يا رب تتلهي بعيد عنك أحسن بدل ما تركز معاك وتفكرلك في كارثة ولا مصيبة، كلم أبوها وحل الدنيا معاه أحسن وفهمه اللي حصل بينكم بالظبط علشان مايرجعش يلوم عليك ويطالب بحاجة مش من حقه.
أومأ له موافقًا ثم عاد واستلقى بنصف جسدهِ فوق ساقيّ شقيقه الذي احتواه كأنه ابنه الصغير، يحتويه لأنه يعلم أن القلب العليل يُضعف صاحبه، ينشر السقم في كل الجسدِ فيصبح الشاب عجوزًا، قلبه عليلٌ وما أدراك ما علة القلب، خاصة إن كان سبب العِلة أهل الديار وأحبابها، أو رفقاء القلوب من كانوا ذات يومٍ أصحابها..
في مكانٍ آخر حيث الشقة المُطلة على نهر النيل..
كانت "رحمة" ساهرةً تُحضر لقضية الغدِ، قضية هي الأكثر أهمية في آواخر الأيام هذه، قضية لأنثى مظلومة، مقهورة، تتعرض للقمع على يد زوجها الذي سرق أموالها، تسبب لها في حالة نفسية مُزرية، يضربها في كل يومٍ، يحاول كل يومٍ أن يُعيدها حتى تسبب في هلعها وأضرار جسدية ونفسية شديدة، ولأن "رحمة" على يقينٍ بفكر الرجال وخاصة الذكور أمثاله، أخرجت التقرير الطبي الخاص بموكلتها..
قرأته باستفاضة، تمعنت فيه وركزت بصرها حتى وجدت الدليل على جُرمهِ، حيث وجدت في التقرير الطبي ما يُشير إلى محاولة اعتداءٍ تسببت لها في كسرٍ بمنطقة الحوض، وفتحٍ غائر بالرأس نتيجة اصطدامها بالجارور الخشبي بجوار الفراش، مع عدة صفعاتٍ تسبب لها في نزيفٍ من الأنفِ..
قامت بتحضير مرافعتها وهي ترى وجه موكلتها نصب عينيها، امرأة مغدورة على يد حبيبٍ أدمن المخدرات حتى فقد عقله، أصبح الحُب هو آفة حياتها الكُبرىٰ، تنهدت "رحمة" بتوترٍ ثم تركت الأوراق، فيما اقتربت "فايزة" منها وهي تقول بحنوٍ:
_يا ضنايا أنتِ لسه صاحية؟ قومي نامي وراكِ محكمة بكرة الصبح وموال صعب، هتقفي إزاي على رجلك كدا؟ قومي نامي.
رفعت عينيها من خلف عُويناتها الطبية وقالت بضجرٍ:
_مش جايلي نوم، عاوزة بجد أركز علشان المحامي بتاع جوزها مش سهل، راجل أنا وهو مفيش بينا أي عمار، عامل زي الحية، مش بالسهل يخسر قضية خصوصًا لو قصادي، ادعيلي بس ربنا يوفقني بكرة وأقدر أجيب حقها منه، الله ينتقم منهم أهلها بقى.
عقدت المرأة جبينها وسألتها باستنكارٍ شديد:
_مالهم أهلها؟ مش هي متجوزة برة العيلة؟.
_أيوة بس هما أجبروها عليه وخلوها توافق تتجوزه علشان قال إيه بتكبر في السن، وطلع بتاع قُمار ونصاب ومدمن زفت على دماغه، وكل يوم والتاني يديها علقة وياخد اللي هو عاوزه منها ويحبسها، كل ما تحاول تهرب يجيبها تاني، وكل ما تروح لأهلها يخافوا منه ويرجعوها لحد عنده تاني، لحد ما بقى عارف إن مفيش حد يقفلها، وآخر حاجة عملها إنه بيتهمها بالخيانة، وبيقول أنها تعرف واحد عليه وأنه كذا مرة يمسكها بتحاول تهرب معاه.
شهقت المرأة وضربت صدرها بباطن كفها وهي تقول باندفاعٍ كأنها أمٌ تلتاع لأجل فلذة كبدها:
_ليه كدا الحيوان المجرم دا، يعمل كدا في ولية مالهاش غيره وهي مأمناه على نفسها وحياتها ومالها؟ حسبي الله ونعم الوكيل، ربنا ينصرك أنتِ وهي عليه ويردلها حقها منه، الرجالة جرالهم إيه بس منهم لله، بقوا مجانين كلهم خلاص؟.
ضحكت "رحمة" على حديق السيدة وسحبت قدح القهوة ترتشف منه فيما ربتت هي فوق كتفها بحنوٍ وقالت تُعلن تضامنها بكافة المشاعر معها:
_ربنا يكرمك أنتِ بواحد ملو هدومه وابن حلال من وسط الغجر دول، والله حاسة إن ربنا هيعوضك براجل يكون في ضهرك ويقف في صفك ويردلك حقك قدام الدنيا كلها، ويقهر الجربوع اللي اسمه رمزي دا، دي دعوتي ليكِ من يوم ما شوفتك وعرفت حكايتك، بتمنى ليكِ الخير كأنك بنتي ومن لحمي، ربنا يفرحني بيكِ ويعلي مراتبك كمان وكمان وما يشمت فيكِ عدو ولا حاقد ولا حاسد.
ابتسمت لها "رحمة" بحنوٍ وامتلأت مدامِعُها وكادت أن تبكي، لكنها أخفت تأثرها وحُزنها وراقبت انسحاب السيدة من جوارها ثم عادت تركز في الملف الذي أمامها، كانت تبحث عن مسقط رأس الزوج وبيتهِ الذي قام بخطف موكلتها به ذات مرةٍ كي تُراجع كل معلومةٍ مهما كانت صغيرة.
وسُرعان ما تذكرت شيئًا جعل عينيها تجحظا بشدةٍ، فتحركت مُهرولةً تبحث عن الملف الخاص بقضية "سالم الإدريسي" ثم بحثت عن الملف الخاص بـ "صابرين" حتى وجدته، جلست وهي تلهث وظلت تبحث بداخل الأوراق حتى وجدت عنوان والدها ومسقط رأسهِ، اِفتر ثغرها ببسمةٍ ظافرة حيث وجدت العنوان بواحدةٍ من المُدن الريفية بجمهورية مصر العربية..
تنهدت بقوةٍ وكأنها تمسك الخيوط ببعضها، لأنها كُلما وجدت مأزقًا يُضيق عليها الخِناق اختلقت من عتمته نورًا جديدًا لنفسها، احتفظت بالعنوانِ ثم تحركت وعادت للقضية السابقة وتلك المرة كان شغفها ازداد الضعف تقريبًا، أصبحت كما السفينة التي لم تستسلم لغضبِ الطوفان..
____________________________________
<"مرة واحدة يأتينا الربيع من بعد كُربة العُمرِ">
في خريف العُمر قد يكون الربيع لم يُناسب أيامنا..
وحين يجىء الربيع قد يتحول عُمرنا لأرضٍ قاحلة غير صالحةٍ لاستقبال الورد فيها، في العُمر كل شيءٍ هُنا يخالف هوانا..
كانت السهرة طويلة ولازالت مستمرة، والداها يجلسان في بيتها بعد أن أتى بهما زوجها، وقد كانت هي تجلس بارتباكٍ وتحاول جاهدةً أن تخفي حالة اضطرابها، لم يلحظها سواه هو، الوحيد الذي يعرفها عن ظهر قلبٍ، كان يُتابع نظراتها، انفعالاتها، كل شيءٍ يصدر عنها، وحين تلاقت المُقل ومض بعينيه لها ففهمت أنه يود التحدث معها، لذا تقدمت "لمار" تحمل الصينية وهي تنطق بأدبٍ:
_عن إذنكم هعملكم قهوة، تشربي قهوة مع بابا يا ماما؟.
_ياريت يا حبيبتي خليني أفوق شوية مش متعودة أسهر للوقت دا، مظبوطة معلش.
أومأت على مضضٍ وتحركت تجاه مطبخها وقد راقبها "حلمي" ثم لملم الأشياء من فوق الطاولة واستأذن وتحرك لها حتى لا يكون موقفه مُحرجًا له، ولج خلفها فوجدها تستند على الحامل الرُخامي وصوت أنفاسها يخبره عن حالتها، ضاق نفسها وبدأت أعراض الاضطراب اللعين تظهر عليها بوضوحٍ، تحرك يُغلق باب المطبخ ثم اقترب منها يمسح على ظهرها وهو يحثُها بقوله:
_خُدي نفس طويل وخرجيه على مهلك، واحدة واحدة، بالراحة أنا معاكِ، يلا اتنفسي كويس وخرجي نفسك بالراحة.
كانت تفعل ما يُمليه عليها وتتمسك بكفه الذي يدعمها بها، حاولت أن تستجيب لكنها فشلت، فتحرك يجلب لها كوب مياهٍ وتجرعت نصفه تقريبًا، وقف بقربها حتى لاحظ تحسنها فسأل بقلقٍ بلغ أشده عليها:
_مين زعلك؟ حصل إيه يخليكِ تتعبي كدا؟.
انتبهت له بعينيها الدامعتين وردت بصوتٍ مرتجفٍ باكٍ:
_اللي هو عامله، هو إزاي حتى لما رجع مسألش عليا ولا فكر حتى يتطمن ويشوف حياتي ماشية إزاي؟ من ساعة ما رجع عمال يتكلم عن انجازاته هناك وحياته وشغله وازاي هو شاطر وناجح، طب وأنا؟ أنا مش في حسبته خالص؟ دا حتى عارف ظروف جوازنا وإننا كنا مضطرين مسألش عن الأسباب دي؟ مفكرش يعرف أنا عايشة إزاي؟ افرض أنا مش مرتاحة معاك ومش عاوزة أكمل؟ إزاي هو ساكت كدا؟.
كانت تسأله باكيةً وهي تُرثي حالها، تبكي نفسها وتبكي حالها وحال ربيع أيامها في حياتها مع أبيها الذي تلصص من مسؤوليتها لأجل الهجرة والعيش في الخارج وجني المال، ضمها له برفقٍ ومسح فوق ظهرها وعبر بكفهِ لرأسها يمسح فوقها ثم همس بحنوٍ يُطمئنها:
_يمكن هو مش عاوز يسأل عن حاجة ممكن تحرجنا، طالما هو متطمن عليكِ وشايف إنك بخير وكويسة وعلطول كان بيبعت يتطمن عليكِ ويكلمني وكل ما يشوف صورة لينا مع بعض كان بيسألني عنك وعني وكنت بطمنه، بعدين أنا قطعت وعد إنك معايا في أمان وفي حمايتي، يمكن هو شايف إني قد المسؤولية.
كانت حزينة وهو يُسايسها، تنظر له بعينين دامعتين لأنها لم تقتنع بما يتحدث عنه، لم تقتنع بفكرة أن يسلت والدها يديه من حياتها ويتركها للرياح هكذا، يسعى خلف المال والعمل والكسب المشروع، ولم تجد ما هو غير مشروع إلا أبوته لها، بالطبع هذا هو العمل الوحيد غير المشروع في حياتها معه..
قام "حلمي" بدعمها واحتواء نوبتها قبل أن تزداد ويتوقف قلبها كما يحدث حين تحزن أو تغضب، دعها تجلس أمامه وتحرك هو يصنع القهوةِ ثم قام بسكبها وقبل أن يخرج مال يُلثم قمة رأسها ثم همس بخفوتٍ:
_خليكِ هنا شوية بلاش تخرجي، لو فضلتي كاتمة جواكِ كدا ممكن يجيلك بانيك تاني، أنا هخرج أقعد معاهم شوية وأقولهم إنك نمتي علشان تعبانة طول اليوم في التحضير، تمام كدا؟.
حركت رأسها توميء له بحركةٍ بالكاد لحظها هو ثم خرج هو لوالديها، قدم لهما القهوة وأعطاها لهما فسألته أمها عنها بقولها:
_أومال لمار راحت فين؟ مش كانت هنا؟.
رسم بسمة هادئة رزينة وجاوبها بثباتٍ:
_كانت عاوزة تسهر معانا شوية قولتلها ترتاح علشان هي صاحية من الصبح، تحبي أناديهالك؟.
حركت رأسها نفيًا فيما نطق "هشام" والدها يعبر بإعجابه بعلاقتهما سويًا وبدعمه المتواصل لابنته:
_ربنا يباركلك يا حلمي، حقيقي والله أنتَ راجل بجد وباين إن لمار بتحبك وعايشة مبسوطة معاك، ربنا يسعدكم وكفاية إنك مخليني متطمن عليها معاك، لمار طول عمرها ذكية وشاطرة وبتعرف تمشي حياتها كويس، علشان كدا مش بحب أتدخل في أي حاجة تخصها.
تشكلت السُخرية على ملامح "حلمي" وبانت إمارات التكذيب على ملمح وجهه، أو رُبما التقليل من شأن الحديث والمُتحدث، فياليته غَّير هذه الفكرة كُليًا وبدلها بالحقيقة وهي أن ابنته هشة وضعيفة وتحتاج لمن يقود بها الطريق، ويتولى المسؤولية عنها، كاد أن يرد لكنه التزم الصمت احترامًا لوجودهما ببيتهِ.
بعد مرور الكثير قادهما لغرفة أخرىٰ يبيتان فيهما ليلتهما ثم ولج الغرفة لزوجته، وجدها تنام متكورةً على نفسها كما الجنين، مط شفتيه بيأسٍ ثم مال بنصف جسدهِ مقتربًا منها ثم مد أنامله يمسح على جبينها ثم تنهد بقوةٍ وفرد جسده وضمها له، فك تخشب جسدها بصعوبةٍ ثم احتواها في عناقهِ وهمس بضياعٍ:
_ماتزعليش نفسك لأي سبب، هو كلها كام يوم ويرجع تاني برة لغربته وحياته، اعتبريه ضيف عندك كام يوم وكل حاجة هترجع زي ما كانت، في النهاية هو أبوكِ يا لمار، مش هتقدري تقاطعيه.
وجاء الرد منها تنهار ببكاءٍ وهي تشعر بالشفقة حيال الأمر على نفسها ومشاعرها:
_يعني أنا كنت ضيفة عنده في حياته؟ دا حتى حضنه كان بارد أوي كأنه بيسلم على واحد صاحبه يا حلمي، أنا بس صعبان عليا أنه عايش أنا ماعرفش شكل حبه دا عامل إزاي، ماعرفش المفروض أتطمن للغُرب إزاي وبابا عايش وماطمنيش، مشاعر وحشة أوي وبتوجع بزيادة عن اللزوم.
كانت تشاركه لأنها أحست بالخيبة من أبيها، كيف يكون المرء واثقًا من نفسه والآخرين إذا كان يعيش على حُطام المشاعرِ من ذويه؟ بكل أسفٍ مشاعر والدها لم تكن كافية كي تبني حياتها على أساسها، هو ترك لها الرُكام وبقايا الهدمِ، وطلب منها أن تُقيم بهم بيتًا من المشاعرِ الغالية..
مشاعرها التي بُنيَّت لم تكن لغير "حلمي" فقط وكأنه هو وحده من يستحق مشاعرها وعمرها بأيامهِ ولحظاته، تمسكت به وهي تُفكر هل لو تبدلت الأدوار وأصبح هو بموضع والدها بالطبع كانت حياتها تبدلت كُليًا، على الأقل كانت تلاشت الهشاشة التي تسكن بداخلها، لكن يبدو أن ربها رزقها بزوجٍ كما زوجها كي يُقوم خطواتها.
____________________________________
<"افعلها مرة واحدة لأجلي، وألف مرة أفعلها لأجلك">
لم تكن الحياة مُستحقة إلا على من يُحاول جاهدًا..
من يتمسك بالنورِ ويُقهر الظلام، من يرى الأملِ من شِق جدار الألمِ، من يلمح الغدِ بشمسهِ رُغم ظلام اليوم بليلهِ..
الحياة لا تُعاش بغير شيئين للمرءِ إما يُغامر وإما يُغادر..
في صبيحة اليوم الموالي..
تجهز وحضر ثيابه الرسمية ووقف يُهندم مظهره في باكورة الصباح على عكس عاداته، لملم أغراضه في حقيبة ظهر شبابية المظهر ثم خرج من غرفته ونزل للأسفل فوجد والده يرأس مائدة الفطور وأمه بجوارهِ، اقترب منهما ينطق بصوتٍ حيوي نشيط:
_صباح الخير.
ردت عليه أمه بينما والده فلم يفعل، وحينها رفع حاجبه وكرر التحية فتجاهله "طاهـر" مُركزًا بعينيه في فطوره فسخر منه ابنه بقوله:
_يا جدع بقولك صباح الخير رد عليا، طب والله لأشيلك ذنب، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يا بابا.
استطاع بمكرهِ أن يسرق ضحكة من بين شفتي والده الذي ابتسم مُرغمًا وهو يرد عليه التحية الإسلامية:
_وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، اتفضل أفطر.
_لأ أنا مستعجل جدًا يادوب ألحق أروح آخد نـوف علشان تنزل بدري بدري، المهم إني هتأخر برة النهاردة، هاروح مع نـوف الشركة وبعدها أروحها وفيه مشوار تاني مُهم هاروحه وممكن اتأخر فيه شوية.
عقدت أمه حاجبيها وكذلك والده فيما سحب هو قطعة خبز وصنع لنفسه شطيرة طعامٍ ثم غادرهما مُسرعًا قبل أن يباشراه بالحديث مجددًا، نظرا في أثرهِ وقد أحس "طاهر" بتخبطه وبحيرته في شأن ابنه، أحس بالضياع في دربهِ لذا تمنى لو يتسم ابنه ببعض الحكمةِ التي تجعله يدير شؤونه برزانةٍ دون أن يخسر أي طرفٍ على حساب نفسهِ..
بعد مرور نصف ساعة تقريبًا كان يقف أسفل بنايتها ينتظر ظهورها، ينتظر أن تفي بوعدها وتنزل لتعود لعملها ومكانها، لن يتركها تهرب وتترك مكانًا صنعت لنفسها به شأنًا كبيرًا في وقتٍ قليلٍ، لن يتركه لمُنافسيها يربحونه كما الصيد السهل، لذلك طلب رقمها عبر هاتفه فأغلقت في وجهه، وقبل أن يتحرك وجدها تفتح باب المصعد وتخرج منه وهي تحمل حاسوبها وتقول بلهفةٍ:
_آسفة آسفة بجد بس ماما أصرت تفطرني قبل ما أنزل.
ابتسم مُرغمًا ثم ولج السيارة وولجت هي بجوارهِ وحاولت أن تندمج مع حماسهِ وشغفه، كانت تخشى ردود الأفعال على ذهابها لكنه أصر أن تفعلها، أن تعود من جديد للمكان الذي يستحقها، لذا قاد سيارته مسرعًا حتى وصل بها للشركة الخاصة بوالدها، ترجل هو أولًا ثم فتح الباب لها فرفعت عينيها المُرتبكتين ليلمح هو اهتزاز حدقتيها فقالت تستجديه بصوتٍ متوترٍ:
_ما بلاش خلاص، صدقني مش لازم والله، كمل أنتَ.
_لأ مش هكمل أنا ومش هطلع غير ورجلي على رجلك، دا مكانك وشغلك وحقك وتعبك اللي حاولتي علشانه وقدام الكل اثبتي نفسك فيه، عاوزة تسيبيه؟ يبقى هيقع ويفشل ومش هيبقى ليه قيمة وكل اللي عملتيه هيضيع، لازم تاخدي الخطوة دي وترجعي من تاني، لازم تثبتي إنك قد كل حاجة وتقدري تعملي كل حاجة.
حديثه بثها عزيمة وإقدامٍ كانت تفتقدهما في متاهات خوفها وترددها، لا تعلم كيف ظهر هذا كي يؤثر على كل قرارات حياتها بهذا الشكل، والغريب بل كل الغرابةِ أنها ترتاح لهذه القرارات، تقبل بتواجده كحامٍ لها وفي ظهرها دومًا، لذا تحركت خلفه بتوترٍ على استحياءٍ..
التفت لها هو فجأةً حتى كادت أن تسقط لكنه حذرها بقوله:
_أوعي تمشي موطية راسك ومكسوفة، ارفعي راسك وحطي عينك في عين التخين هنا، أنتِ غلطتي في حاجة؟ بالعكس دي كلها تُهم كدب ومتلفقة وربنا نصرك في وقتها، يبقى ترفعي راسك وتدخلي مبتسمة واللي يسلم عليكِ تردي عليه كأنك كنتِ في السُخنة ولسه راجعة، واللي يسألك عن حاجة ردي عليهم السجن للرجالة والحبس للجدعان، وأنتِ جدعة بـ ١٠٠ راجل.
ضحكت رغم أنف توترها وخوفها وابتسم هو لهذه الضحكة الجميلة، ضحكة بشوشة من فتاةٍ يائسة مثلها تكون كما شعاع الشمس الأول من بعد المطر والغمامِ الداكنِ، سارت معه للداخل تتلقى التحية والترحيبات وهي تبتسم بسمة منقوصة مهتزة، وهو خلفها بعدة خطواتٍ يتركها تعتمد على نفسها حتى واجهت عمها في وجهها فتنهدت بقوةٍ لتجده يقول بأسفٍ مفتعلٍ ودرامي:
_جيتي ليه يا حبيبتي؟ مش لسه تعبانة من نوم الحجز؟ ولا خلاص بقى كيف عندك إنك تفضحينا كلنا؟ الله يرحمه أبوكِ لو كان عايش كان راح فيها بسبب أفعالك وعمايلك في حقه وحق سُمعته.
توسعت عيناها وبحثت عن الحديث فبدت كابنة صغيرة في أولى سنوات عمرها لا تستطع التحدث وكأنها تجهل الأبجدية كُلها، ظهر بجواره "معتز" ابنه فقال بتهكمٍ مشيرًا عليها:
_إيه اللي جاب عديمة الرباية دي هنا؟ هي ناقصة ناس تربيتها **** هنا علشان توقف الحال؟.
نزلت دمعتها فورًا وشعرت بالخنجر يطعن كرامتها وشرفها، فيما أسرع هو بخطواته وظهر وهو يقول بتهكمٍ:
_أنتَ فاهم غلط يا معتز، هي اللي مربيها ناجي وفريدة أبوها وأمها، التربية الـ**** اللي ربوهالك أبوك وأمك فمتخلطش الأمور ببعضها، بعدين هي مش بجاحة برضه إن حد يقفل بابه في وشك ويطردك وتفضل مركز معاه وتنطله كل شوية؟ يا أخي مفيش دم؟ جلدك تخين ليه؟.
نظر ابن عمها في وجهه بحدةٍ فتحدث هو بضجرٍ ردًا على نظراته التي ظنها شرسة:
_بقولك إيه الله يكرمك على الصبح هي مش ناقصة قلبة دماغ، خد أبوك في إيدك وأمشوا من هنا شوفوا حالكم، بدل ما نقلبها صداع ووجع دماغ بقى لينا كلنا، صاحبة الشأن جت تاني ومعايا إعلام الوراثة وكل حاجة تثبت إن الشركة دي بتاعتها هي وحماتي وأختها، يعني من غير مطرود.
تبادلوا النظرات مع بعضهم لكن "نـوف" تلك المرة تولت هي الرد والحديث حيث استعادت رباطة جأشها لتنطق بثباتٍ أمامهما:
_أظن زي ما قال كدا، صاحبة الشأن جت يبقى برة من غير مطرود.
نظر عمها في وجهها بأعين ترميها بشظايا تكاد تحرقها، لكنها ابتسمت ساخرةً وردت بتبجحٍ كأنها ولجت واديه وأصبحت بمثل صفات أهله:
_مستغرب ولا إيه؟ أنتَ عاوز بعد الشدة اللي مريت بيها وشوفت بعيني إنك بتتخلىٰ عني وعن أمي أقف في صفك؟ لا أنسى، أنتَ عارفني من يومي مش ضعيفة ولا قُليلة ولا حتى بعرف أسكت لحد، يبقى خلاص القرابة اللي بينا أنا مش عاوزاها، اللي بيني وبينك أخوك الله يرحمه ودا سبقنا على دار الحق، وزي ما عاش ومحدش عرف يكسره هيفضل برضه اسمه عالي بعد موته.
طردته وردت وأخرجت نيران قلبها لتحرق قلبه هو، ردت له صفعاته بعشر أمثالها فوق وجهه حتى أنه عجز عن الردِ، ظنها سوف ترحل وتترك له مكانها، لكنها لأجل هؤلاء الحمقىٰ عادت، عادت حتى لا يحل الوضيع موضع الأصيل.
رحل عمها وابنه معه فيما تنهدت هي والتقطت أنفاسها فوجدت "غسان" يقف في مواجهتها مبتسمًا بفخرٍ كأنه يرى صغيرته تُحسن صنعًا فتصنع فخرًا، أراد أن يُكافئها فتحدث بهدوءٍ:
_أنتِ كدا محتاجة مكافأة حلوة أوي، بقولك صح فاضية يوم الخميس الجاي؟.
بدا التعجب جليًا فوق ملامحها وسألته بعد الجواب:
_تقريبًا، بس ليه؟.
_هتجوزك.
كان هذا هو جوابه فتوسعت عيناها، وومض لها هو بعينيه ثم تحرك نحو الداخل فتشكلَّت البسمة فوق شفتيها ثم وصلت لعينيها لأنها ولأول مرةٍ تشعر أنها تريد أن تنتمي لرجلٍ غير والدها، أن يكون هناك من يسير معها الطريق ممسكًا بيدها، أرادت الآن أن تُكمل الطريق إذا كان هو الرفيق..
____________________________________
<"لأن المرء مِنّا يُحب أن يكون مُحاطًا بالأمانِ">
في الموضع الذي تجد أمانك خُذ منه مأوىٰ لك..
ليس لأجل الثراء ولا لأجل الوصول ولا لأجل المال
بل لأن المرء فينا دومًا يرغب أن يكون آمنًا ومطمئنًا.
في مطعم "آدم الشيمي"..
أنهى المناوبة الأولىٰ وخرج من المطبخ نحو الحديقة الخارجية، يجلس على السُلم المعدني الرفيع يأخذ قسطًا من الراحةِ، أخرج الهاتف يُراسل أخيه ويطمئن عليه وعلى أخته لكن الرسالة وصلته ولم يرّها، رجح أنه قد يكون لازال نائمًا لأن الوقت لم يزل في باكورة الصباحِ..
ترك موضعه وصنع لنفسه قدحًا من القهوةِ ووضع سماعات أذنيه يستمع لموشحٍ أندلسي قديم، كان يعيش في الأجواء الخاصة به ولم يكترث للعالمِ، حتى العداءات تجاهل أمر أصحابها، وبكل بساطةٍ لأنه صاحب هدفٍ، وصاحب الهدف يصل مهما كان الطريق شاقًا عليهِ..
اقترب على لوح الطلبات وسحب وُريقة صغيرة الحجم أشبه بقصاصاتٍ ثم سحب القلم ودون عليها جملة لنفسه كما اعتاد أن يفعل كل يومٍ، ابتسم "آدم" بعينيه ثم بدأ يخط بيده عبارة تليق مع مشاعر اليوم:
_"ويحك يا فتىٰ أكُلما استثقلت غادرت؟
وإنما الحياةُ للمرءِ يفعل بها شيئين؛ إما يُغامر وإما يُغادر".
ابتسم وشعر بعزيمته تتجدد لأنه يفعل شيئًا يُحبه، بل يعيش حياة يرضىٰ بها، يرضى بما يفعل ويعمل ويحاول الوصول إليه، إضافةً أنه يُحب كتابة المقالات عبر واحدٍ من المواقع الإلكترونية، يعشق الكتابة عن التاريخ والأدب والفنون والحياة، لذا هو متعدد الهوايات ويُحب أن يكون "آدم" فقط.
في بيت "مُرسي"..
كانت "خيرية" تجلس رفقة زوجها بعدما تناول فطوره، منذ أن رحل ابنها وزوجته خارج البيت عند أهلها، كانت تشعر بالقلق لكن هناك فكرة أخرى أراحتها من عبء وثقل التفكير حِيال الأمر، وقد صدح صوت جرس الباب فتحركت تفتحه لتجد "مروة" وأمها على البابِ، رحبت بهما ودعتهما للداخلِ بقولها:
_يا صباح النور، تعالي يا أم مروة أدخلي افطري تعالي يا مروة يا حبيبتي.
ولجن الشقة معها وقد حياهُنَّ "مُرسي" وتحرك بمقعده نحو التلفاز يجلس أمامه وهو يُنصت لأحد دروس محطة إذاعة القرآن الكريم، بينما زوجته ظلت تعرض ضيافتها عليهما حتى تحدثت الأم ترفض بقولها:
_ولا أي حاجة ماتتعبيش نفسك ياختي هو إحنا أغراب؟ فطرنا أنا ومروة مع بعض وقولت آجي أقعد معاكِ شوية وهي تنزل شغلها، صحيح فينها ورد مش باينة ليه بقالها كام يوم؟.
جاوبتها "خيرية" بهدوءٍ وهي تقوم بتشغيل غلاي الماء الكهربائي لتصنع الشاي لهن مع زوجها:
_راحت تقعد مع أمها يومين كدا علشان عندها معاد دكتور وأخوها هيوديها، ربنا يهون عليها فترة حملها شكلها هتتعب أوي، الدكتورة طالبة منها ترتاح وتاخد بالها.
اقتربت تجلس بجوارهن بعد الحديث ثم أكملت:
_والله قولت تيجي وتبقى قصاد عيني هنا، ورجعت تاني قولت لأ بلاها خلاص أحسن تتعب ومانقدرش نباريها هنا ويقولوا حماتها أبصر عملتها إيه وسوتلها إيه، خليها طالما هتبقى بخير.
تدخلت "مروة" وقالت تبدي اقتراحها غير المطلوب أساسًا:
_بس لأ ماينفعش، الناس تقول إيه يعني يا مرات عمي؟ بكرة يتقال إن منتصر ساب مراته عند أهلها في غُربته علشان يصرفوا عليها؟ ومش بعيد بعد كدا يتحكموا هما فيه وفي العيل ويتقال إن هما اللي شالوها، الصح إنها تيجي هنا أحسن وتبقى وسطكم، وبراحتكم يعني بس أنا قولت أعرفكم اللي فيها وعلشان محدش يركبكم الغلط في الآخر.
بدأ الحديث يدور في عقل "خيرية" من جهةٍ أخرىٰ وكأنها تكتشف نفقًا يُخرجها من جحيمِ الأفكارِ، لذا شردت هي مع نفسها تُنقح وتُفند القول الذي سمعته لأنه أعاد الضوء لأفكارها مرة أخرىٰ، إذا كان الأمر يخص كرامة ابنها وسُمعته يجب عليها أن تستردها.
وفي بيت "الشيمي" قضت "ورد" هُناك أيامٍ معدوداتٍ في بيت أمها ورُغم ذلك هي تشتاق لبيتها، لكن بيتها تحديدًا هُنا يعني "منتصر" وعناقه وأمانه واحتوائه، هي تكره غربة زوجها، تكره قوتها بدونه، تكره المكالمات المرئية التي تجعلها تدرك حجم الحدود التي تفصل بينهما، تكره كونه يحاول هناك في الغُربة وهي بدونه هُنا تعيش في غُربة..
صدح صوت هاتفها برقمه فابتسمت وهي تجاوب بلهفةٍ عليه وقد رد عليها هو بصوتٍ منهكٍ وقال وهو يشعر بالنعاس يغلبه:
_صباح الورد، عاملة إيه يا ورد؟.
_كويسة الحمدلله، طمني عليك، نزلت الشغل برضه؟.
جاوبها بأسفٍ لأنه كان يأمل في التضاد:
_للأسف نزلت، الشغل هنا مضغوط وشبه موقفين إجازات للكل دلوقتي، قولت الحمدلله إني لحقت أنزل وأشوفك، المهم أنا كلها أسبوعين وهحولك فلوس علشان مصاريف الدكتور والعلاج، ومصاريف ماما هبعتها ليها هي علشان تريحي نفسك من المناهدة.
تنهدت كأنها تعرف أنه مغلوبٌ على أمرهِ بينما هو فحدثها بهدوء:
_بقولك إيه أرجعي الشقة أحسن وخليكِ هناك، أنا عارف إن محدش هيرضى ياخد منك فلوس ولا مصاريف وعارفة إن حاجة زي دي هتضايقني، أنا مابحبش اتقل على حد، يا تقعدي ومحدش يدفع جنيه في حاجة تخصك.
زفرت لأنها تعلم أن الجدال معه يعني هزيمتها لذا ردت بثباتٍ:
_مفيش مصاريف لسه يا منتصر والاستشارة تمنها مدفوع أصلًا لما كنا هناك، بلاش تكبر الموضوع وتعمل حزازية كدا، ويا سيدي كلهم عارفين إنك مش مقصر معايا وبتعمل اللي عليك.
_ماشي بس أنا هتحرج يا ورد، أنا رضيت بالغُربة وقبلت بيها علشان مارضيتش حد يمدلي أيده، وبعدين يا ستي أنا بغير عليكِ وأنتِ عندك هتكبري دماغك مني أنا عارف، بعد الاستشارة روحي البيت ولو احتاجتي حاجة كلميني هتصرف وتحضر لحد عندك.
تنهدت مُرغمة ثم وافقت على مضضٍ تقول بعنادٍ له:
_حاضر، بس مش هاروح علشانك أنتَ، علشان عمو مُرسي بس، لكن أنتَ عادي مش فارق كدا كدا خلي الغُربة تنفعك، أنا هطب عليك مرة وأكبس عليك هناك لحد ما أقرفك في عيشتك.
ضحك على حديثها ثم ودعها بعدما غازلها وظل يُملي عليها مشاعره وحبه وشوقه، بينما هي فتمنت أن تمر فترة حملها بكل خيرٍ وأن يرزقها رب العالمين القوة والصبر كي تستمر في هذا الدور العظيم، أن تُكمل لأجله كما بدأ وتحمل هو لأجلها..
-لأن الأرواح تتآلف مع بعضها..
تتقاسم الحزن والغضب والنصبِ
وتُوهب لأجل شبيهتها الحُب والأمان والحنين.
____________________________________
<"من يعود مُتأخرًا عن الوقتِ عليه الإدراك أن الوقت قد فات">
العودة متأخرًا قد تكون أفضل من ألا تأتي أبدًا..
لكن هل يُعقل أن المُتأخر يلوم الوقت على سُرعته ويترك نفسه وهو اختار التأخر؟ على من يقع الاضطراب إذا كان الشخص تخلى وترك؟ نلوم من إذا غادر المرء وهجر؟.
في مدينة الغردقةِ بداخل القرية السياحية..
كان "يُسري" بداخل مكتبه يدير العمل وشؤونه وقد صدح صوت الهاتف الخاص به فسحبه يجاوب دون أن يستبين هوية المتصل ليجد "ولاء" تقول بارتباكٍ:
_أنتَ وراك حاجة مهمة دلوقتي؟.
عقد حاجبيه ورد مستنكرًا سؤالها:
_آه عندي شغل مهم، حصل حاجة ولا إيه؟ أنتِ كويسة؟.
جاوبته بعدما أطلقت أنفاسها المُقيدة تقول:
_أنا كويسة متقلقش بس بابا جاي هو وأخويا يتطمنوا عليا، قولت الأفضل لو تيجي أنتَ أحسن علشان عمو حُسني مش هنا وعمو حسين رجع من ساعتين وخايفة هو وبابا يطبشوا في بعض.
رفع حاجبيه ذاهلًا وخشى نفس الشيء الذي تخشاه هي، لكنه زفر معبرًا عن ضيقه ثم قال بنفاذ صبرٍ وطاقةٍ:
_خلاص هاجي وأبقى أرجع تاني بعدما يمشوا، بس مش هجيب صُهيب معايا، هخليه هنا مع مُراد أحسن علشان مايعملش شقاوة ويتعبك ومحدش هيركز معاه هناك، وهخلي مُراد مكاني، المهم عاوزة حاجة أجيبهالك وأنا جاي؟.
_تيجي بالسلامة، أنا والله قولتلهم إني كويسة وإنك مش مقصر معايا بس بابا صمم ييجي يتطمن عليا وأنا مش عاوزاها يتضايق ويفتكر إني مش عاوزاه ييجي أو فيه حاجة مخبيينها عليه، قولت ييجي وخلاص بس هتطمن لو أنتَ هنا يا يُسري.
اِفتر ثغره ببسمةٍ حنونة ورد على حديثها بهدوءٍ وعاطفة حقيقية:
_وأنا هاجي علشان أطمنك، متقلقيش بس أنا مش عاوز مشاكل تاني وما صدقت الدنيا هديت شوية معايا وبقيت عارف أفكر واتصرف، نصاية وتلاقيني عندك.
أغلق الهاتف وسحب سترته وخرج بإتجاه الجسر فوجد شقيقه مع ابنه يُعلمه الركوب على الدراجة الهوائية وكيف يعتمد على نفسه وحده دون مساعدات، ابتسم لأن "مُراد" وجد ما يكشف عقله بعيدًا عن غطاءِ الخمور، بدأ يستعيد نفسه ووعيه من جديد..
اقترب منهما مبتسمًا ثم حاوط كتف شقيقه الذي استقام واقفًا ونظر في وجه أخيه الذي أخبره برحيله مؤقتًا:
_ظهرلي مشوار فجأة كدا يادوب شوية وهرجع تاني، خلي صُهيب معاك هنا أحسن أهو يتعلم يركب العجلة ويسيب دماغي في حالها شوية، بس ماتسيبهوش لوحده بالله عليك هنا علشان كذا مرة ألاقيه عاوز ينزل المياه وبلحقه على آخر لحظة.
وجاء الرد من شقيقه متفهمًا وأكثر من مُراعٍ له:
_في عيني متقلقش عليه، أنا برضه ورايا حاجات مهمة في المعرض ممكن ساعتين وأروح هناك وهاخده معايا وأبقى تعالى خدنا من هناك، إحنا بنتمشى من غير عربية أنا وهو.
وافقه واتفق معه ثم ربت فوق كتفهِ ثم ودعه وودع ابنه واتجه نحو سيارتهِ، بينما "مُراد" عاد لابن شقيقه بتركيزه وهو يدربه من جديد حتى نطق "صُهيب" بلهفةٍ معبرًا عن جم حماسه:
_بقولك إيه سيبني أمشي لوحدي خلاص هعرف والله.
ضيق "مُراد" جفونه مُشككًا في حديث الصغير الذي زاد حماسه أضعافًا وأضاف قولًا أكثر حماسًا:
_والله سيبني وشوف بنفسك.
_ماشي، مع إني لما بمشي وراك بلبس في الحيط.
ابتسم كلاهما واستعد الصغير وأخذ وضع القيادة منذ بداية الجسرِ، تحرك وحده بدراجته وخلفه تحرك عمه ضاحكًا وهو يُصفر له عاليًا فيدعمه دون أن يشكك في قدراته، أكمل الطريق حتى نهاية الجسر فصدم شخصًا كان يقف يتحدث في هاتفه في ركبته من الخلفِ..
توقف "مُـراد" بعلامات صدمةٍ تعتلي ملامحه فيما التفت الشاب له مضيقًا جفونه ووقت هذا شعر "صُهيب" بالخوف حتى رجف جسده لكن عمه هرول بخطواته الواسعة وقال بأدبٍ ولباقةٍ:
_معلش أنا متأسف جدًا هو بس لسه بيتعلم جديد وكان متحمس، أكيد غلط مش مقصود منه وأسف طبعًا لو عطل حضرتك.
ابتسم الشاب له ورد عليه بتفهمٍ وذوقٍ وكياسةٍ:
_ماحصلش حاجة عادي، ربنا يحفظه ويبقى أشطر بطل في الدنيا كلها، بس خلي بالك ممكن المرة الجاية تُقع من هنا، لما تتعلم كويس ساعتها كمل براحتك، اتفقنا؟.
كان يوجه كلماته للصغير الذي ابتسم له بإشراقٍ وسأله يطمئن أنه لم يغضب منه:
_هو حضرتك مش زعلان مني؟ علشان أقولك Sorry، ماما قالتلي لو ضايقنا حد حتى لو هو ماقلش المفروض نقول Sorry، ممكن أقولك Sorry؟.
لمعت عيناه وابتسم بحبٍ ووجه سؤاله للآخر:
_ممكن آخده؟.
ضحك له "مُراد" ورحب بمعرفته ثم مد كفه يعرف نفسه بقوله:
_يا سيدي خُده براحتك بس مش هتقدر على شغفه، مع حضرتك مُراد نصار، مدير العلاقات العامة هنا ومسؤول الدعاية والإعلان.
قابل الشاب ترحيبه بحبورٍ وهو يقول بذات الكياسة:
_اتشرفت بحضرتك يا أستاذ مُراد، أنا هيثم عُثمان مهندس معماري وحاليًا عندي مكتب هندسة ديكورات تبع أخويا ولينا شغل هنا اعتقد مع أخو حضرتك أستاذ يُسري، بس حقيقي المكان هنا جميل وذوق جدًا وكأنه عالم تاني، بقى مفضل ليا مؤخرًا، وبفكر أكتب كتابي هنا.
تحمس الآخر للحديث وقال مُرحبًا:
_طبعًا المكان تحت أمرك وأكيد حضرتك شوفته ووقتها نقدر نتفق على التفاصيل كلها، ألف مبروك مُقدمًا وهنستنى تفرحنا قريب.
قبل أن يرد عليه صدح هاتفه مرة أخرى فاستأذن منه وجاوب على المكالمة بقوله آسفًا:
_معلش بس حصل سوء تفاهم وماعرفتش أكمل كلامي، أنا جوة عند الجسر اللي قولتلك عليه قبل كدا تعالي ونشوف أنتِ محتاجة إيه نجيبه بالمرة…ماشي هستناكِ.
اتفق مع خطيبته ثم أغلق الهاتف وعاد لمن يقف معه بتركيزه، وحينها استعد "مُراد" للمغادرةِ مع ابن شقيقه لكن الآخر طلب رقمه مُبديًا الأسباب بقوله:
_أنا محتاج رقمك ممكن؟ علشان لو حبينا نتكلم في أي تفاصيل.
وجاء الرد بترحيبٍ حار من طرف الآخر قائلًا:
_آه طبعًا مفيش مشاكل.
أخرج البطاقة التعريفية له وقبل أن ينطق اقتربت "هاجر" تقول بعتابٍ رقيقٍ يُشبهها هي:
_هفضل مستنية كدا كتير؟.
التفتا معًا على صوتها، كلاهما يدور ظنًا أن الحديث يخصه ويُوجه إليه هو، فيما توسعت عيناها وهي ترى الإثنين يوجهان نظراتهما لها، رُغم اختلاف النظرة بذاتها لكنها في النهاية هي مصدر النظرة، تعلقت عينا "مُـراد" بها بأملٍ طفق يُعلن عن نفسهِ كما الخبر السعيد حين يزف نفسه للعلنِ، لكن هذه الشمس التي أشرقت لثوانٍ غربت حين تحدث الآخر يوجه كلماته لها:
_حقك عليا معلش يا حبيبي.
انتبه "مُراد" للصفةِ الموهوبة لها بينما هي فكانت كمن وضعت رأسه بين مطرقةٍ وسندانٍ، كأنها ولجت برأسها لقفص الأسد وتتمنى أن تنجو منه سالمةً، لكن هل التمني يكون ذات يومٍ يكون حقيقة ملك اليمين وطوع اليد؟ خاصةً إذا كانت تجهل رد فعل "مُراد" الذي صوب عينيه نحوها هي..
#يُتَبَع
#جمعية_حب
#الفصل_الثامن_وثلاثون.
________________
_متنسوش الدعاء لأخواتنا في فلسطين والسودان ومصر وسوريا ولبنان واليمن وكل بقاع الأراضي العربية، فاللهم لا ترفع للعدو راية ولا تحقق له غاية والدعاء لأمواتنا وأموات المسلمين أجمعين، كسفوا الدعاء لأهلنا في سوريا ومخيمات فلسطين.
_اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.
_إهداء إلى "نادين جمال" حبيب عيوني كل سنة وأنتِ بخير ويارب تحققي كل أحلامك أنتِ و"غادة" مع بعض..