
رواية أنا هبقى مرات حضرته ج2 الفصل السابع والعشرون 27 بقلم نور إسماعيل
أمامها وقف وسام، وقد بدا وكأنه حسم أمره أخيرًا، بينما كانت مى لا تزال تحاول أن تدفعه بعيدًا عنها بكل ما تبقى لديها من عناد.
وسام: طب مانا عارف إنهم مش هنا، أومال أنا جيت دلوقتى ليه؟
مى: أما شئ غريب يا حضرت، إيه الرخامة دى؟ بقولك اطلع برة.
وسام: بقولك إيه؟ أنا جاى النهاردة وناويها.
مى: ناوى على إيه؟
ظل وسام يتأمل يدها، ثم أشار إليها بعينيه.
وسام: فين دبلتك؟
مى: رميتها.
وسام: ولا يهمك.. تعالى ندور عليها، رميتيها فين؟
مى: يووووووه، إيه ده؟ إنت مش بتسمع؟ بقولك مش عايزاك! مش عايزااااااك!
وفجأة، ودون سابق إنذار، احتضنها وسام، حتى صار وجهه قبالة وجهها تمامًا.
وسام: بس أنا عايزك.. عايزك.. عاااااااااايزك و...
وقبل أن تستوعب ما يفعل، باغتها وقبّلها.
وهنا توقفت الدنيا للحظة.
بقى وسام يعمل كده؟! عدوها يا جماعة، مش متجوزين!
ما علينا...
ورغم أن قلب مى لان للحظات، وأن مشاعرها القديمة عادت إليها دفعة واحدة، فإنها أفاقت سريعًا، ودفعته في صدره بعنف.
مى: أوعى كده! إنت بتستعبط؟
وسام: فيه إيه؟ بعمل حركة متهورة عشان تدبسى فيا وتتجوزينى.
مى: إنت إزاي تعمل كده؟
وسام: إيه يا مى؟ إنتى مراتى، وعلى سنة الله ورسوله وقدام ربنا والناس مراتى.
مى: تقوم تبوسنى؟! فى بيت بابا؟
وسام: ولو مسكتيش هوريكى الجنان على أصله بقى، ونشوف مين فينا مجنون أكتر من التانى، يا مجنونتى.
مى: لا، روح اعمل الحركة دى مع الآنسة دنيا، اللى كنت بتدفّى إيدها فى عز الصيف اللى إحنا فيه، يمكن فعلًا تدبس فيك وتتجوزك. أنا خلاص مبقتش عايزاك، ولا طايقاك، ولا حابة أبص فى وشك.
وسام: مى، أنا عايز أفهمك موضوع معين، وإنتى كالعادة مش مدّياني فرصة.
مى: فرصة إيه؟ مافيش فرص. خلصت فرصك معايا. مش إنت كنت شجاع أوى وقلتلى ورقة طلاقى هتوصلنى؟ هى فين بقى؟
وضع وسام يده على فمه، وظل يفكر وهو ينظر إليها، كأنه يبحث عن الكلمات التي يمكنها أن تنقذه من هذا العناد الذي لا يعرف له بابًا.
وسام: هو يعنى جوزك لما يبقى مخنوق، متستحمليهوش؟
مى: خلاص خلصنا بقى. أنا عايزة ورقة طلاقى.. أنا مش على حسب مود حضرتك. تبقى متعكنن أكون تحت أمرك، وتبقى تمام أعمل أنا سمايل فيس وكأنى بالريموت! وبصراحة بقى عايزة أخلص من الجوازة دى. واتفضل يلا عشان أهلى مش هنا.
ابتعد وسام عنها خطوات، ثم عاد إليها مرة أخرى، وكأنه لم يعد يحتمل أن يترك شيئًا في قلبه دون أن يقوله.
وسام: بصى.
أمسك يدها، وبدأ يعد على أصابعها إصبعًا وراء الآخر.
وسام: أنا.. مش.. هطلقك. ومش هسيبك. ومش هخلى حد يفرق مابينا. وهتبقى معايا يا مى، بمزاجك، مش غصب عنك. وهسيبك تفكرى.
ثم اتجه نحو الباب، وفتحه.
وسام: أنا ماشى.. وهسيبك تفكرى. وع فكرة أنا عدتهملك على صوابعك عشان كل ما تبصى فى إيدك تفتكرى الكام كلمة دول.
مى: خد حاجتك معاك.
اتجهت نحو الدبدوب وبقية الهدايا، وكأنها تريد التخلص من كل أثر له.
مى: مش عايزة حاجة منك.
وسام: لا، مش هاخدهم. سلام يا مشمش.
لوّح لها بيده، وأرسل لها قبلة فى الهواء، ثم غادر.
وقفت مى فى مكانها بعد أن أُغلق الباب، وظلت تحدق فى يدها، تستعيد الكلمات التي عدّها لها إصبعًا إصبعًا، ثم انفجرت فجأة فى فرحة طفولية لم تستطع إخفاءها.
أخذت تتنطط فى مكانها كالقرد، ثم أسرعت إلى الدبدوب واحتضنته، وفتحت الشيكولاتة وأخذت تأكل منها، بينما حملت البوكيه بيدها الأخرى، واتجهت إلى غرفتها وهى تردد أغنية بين ضحكاتها.
مى: غلس بشكل!.. بس بموت فيه، الله يحرقه.
ثم راحت تغني:
مى: "حبيبى مالى عنيا.. وبلاقى راحتى معاه.. تيرارارا."
#بقلم_نور_إسماعيل
=========•••===========
كانت البيتزا الساخنة تتوسط المائدة، وإلى جوارها اصطفت علب البيبسي، بينما اجتمع الأصدقاء فى وقت الاستراحة داخل مكتب مى، وقد تحولت دقائق العمل القليلة إلى جلسة مليئة بالضحك والمشاكسات.
سامح: خدى دى فراخ يا منة، إنتى بتحبى الفراخ.
أمنية: مش اديتهالى ليه يا سامح؟ إنت عارف إنى بحب الفراخ.
غادة: خلاص كلوا سوا، متقرفوناش.
ممدوح: هاتى حتة بالتونة يا غادة.
غادة: لا.
سامح: ههههههههه يا ساتر.
منة: ع فكرة يا سامح.. بقالك فترة ستايل لبسك أحلى من الأول.
سامح: ربنا يخليكى يا منة.. حلو بجد.
أمنية: آه صح يا سامح، بقيت أمور على مكبر يا ناض.
غادة: أيوة اقعدوا اتغزلوا إنتو فى سامح لحد ما ممدوح يخلص كل الأكل منكم.
ممدوح: حرام عليكى يا شيخة، دى حتى أكلتى ضعيفة.
غادة: ضعيفة يا بطة؟! طب خدى كلى.
ثم قربت الطعام من فمه وأطعمته بيدها، وسط ضحكات الجميع.
أمنية: ومن الحب ما قتل ههههههههههه.
سامح: إنت حطيت الكاتشب فين يا ممدوح؟
ممدوح: فى التلاجة برة.
سامح: اللى هو إزاى يعنى؟ مش المفروض مع الأكل ده؟ إنت غريب، أنا هقوم أجيبه.
خرج سامح بحثًا عن الكاتشب، وبينما كان يمر أمام مكتب منة، لمح حاسوبها المحمول مفتوحًا على حسابها، وكانت إحدى الصور ظاهرة أمامه بوضوح.
كان مكتب منة فى مواجهة الباب مباشرة، وكانت قد تركت الحاسوب مفتوحًا دون أن تنتبه.
توقف سامح للحظة.
نظر إلى الشاشة باستغراب شديد، ثم شعر بوخزة غريبة عبرت قلبه دون استئذان.
رفع عينيه نحو منة، فوجدها جالسة تأكل فى هدوء.
كانت تلك أول مرة يراها بعين مختلفة؛ أول مرة ينتبه إلى أنها تبدو صغيرة، لطيفة، وكأنها أكثر رقة مما كان يتخيل.
ابتسم دون أن يشعر، ثم أخذ الكاتشب وعاد إلى مكانه.
#بقلم_نور_إسماعيل
=======•••=========
رن هاتف وسام، وكان شريف على الطرف الآخر.
شريف: الوووووووووووو.
وسام: هه؟ نعم.
كان وسام شارد الذهن، وكأنه ما زال عالقًا فى تفاصيل ما حدث مع مى.
شريف: سرحان فى إيه يا باشا؟ من الصبح بكلمك.
وسام: عايز إيه طيب؟
شريف: معاك 100 أخوك على الأسفلت.
أخرج وسام النقود من جيبه ومدها إليه.
وسام: معايا.. خد.
شريف: تدوم الجدعنة. بقولك صحيح، صالحت مى؟
وسام: دماغها فيها 100 ترباس.. مش راضية. بس أنا وراها. أنا الوحيد اللى عارف مفاتيح الأقفال دى.
شريف: بصراحة أنا فرحت لما قلت هترجعلها تانى. أيوة يا عم، مش تقولى دنيا وسكسونيا.
وسام: يا حمار يا غبى يا اللى مابتفهمش.
شريف: الله يكرم أصلك.
وسام: أنا مقولتش هرجع لدنيا ونتجوز والحوار الفكسان ده. هى صعبت بجد عليا إنها شالت حمل لوحدها زمان. واجبى دلوقت أقف جمبها لو احتاجت. أخوة مش أكتر. بس مش أعرف وأديها ضهرى، دى الندالة بعينها بقى.
شريف: بس أهم حاجة مى فهمت ده؟
وسام: حاولت معاها.. من كام يوم ومقبلتش. بس هفضل وراها لحد ما تلين. ما إنت عارف، أنا حياتى من غير مى... عدم!
شريف: كده إنت أخويا وصاحبى وكفاءة وجدعنة. أيوة بقى، أنقذ ما يمكن إنقاذه، عشان لو راحت هتبقى زى الكلب الكسيح زيى كده. لا عارف إنت رايح فين ولا جاى منين.
وسام: عارف يا شريف أكتر حاجة بحبها فيك؟
شريف: إيه يا عيونى؟
وأخذ يسبل بعينيه له بطريقة مضحكة.
وسام: إنك عارف قيمة نفسك بجد.. كلب كسيح.
انهالت ضحكات شريف، ثم ضربه فى بطنه.
شريف: يا ولا!
وبينما كانا يتحدثان، وصلت رسالة إلى هاتف وسام من مى.
فتحها، وكانت تقول:
"طالما مبعتش ورقة طلاقى لحد دلوقت وحضرتك بتماطل.. يبقى للأسف الشديد إنى لسه ع ذمتك.
ومعنى كده أنا لازم أقولك قبل م أعمل حاجة، لأنى اتعلمت ده وحفظته كويس.
أنا مسافرة إسكندرية كام يوم أغير جو فى شاليه بابا مع بابا وطنط وسهر وولادها.
لو مش هيدايق سعادتك."
قرأ وسام الرسالة كاملة، ثم ظل صامتًا لحظات، قبل أن ترتسم على وجهه ابتسامة صغيرة.
شريف: فيها إيه المسج؟
وسام: هتعرف.
شريف: إيه جو فوازير عم عطية دى؟ ما تقول وتخلص.
ظل وسام ينظر بعيدًا، وقد بدأ عقلُه يعمل بسرعة.
وسام: شريف! بعد الشغل عايزك معايا فى موضوع.
شريف: بييييييس يا كبير، بس هو إيه الموضوع؟
وسام: هقولك.. أهم حاجة تفضيلى نفسك خالص، لأنه موضوع كبير. ليلة يعنى، تفضيلى نفسك كام يوم دول من النهاردة بعد الشغل، تمام؟
شريف: دوس ولا يهمك.
وسام: تسلم يا حبيبى.
ثم تمتم لنفسه، وهو يبتسم بثقة:
وسام: هتروحى منى فين يا مى؟ أنا آخرك.. وأولك.
#بقلم_نور_إسماعيل
============•••=========
كانت المياه تمتد أمام الشاطئ كأنها صفحة زرقاء لا تنتهى، والنسمة تعبث بالشعر والرمل، بينما جلست مى على الشاطئ أمام الشاليه، وقد وضعت سماعات الأذن، وأخذت تكتب على الرمال ثم تمحو ما كتبت.
كانت شاردة، متضايقة، تحاول أن تفرغ شيئًا من قلبها على الرمل.
تكتب، ثم تمسح.
تكتب، ثم يأتى الموج فيبتلع الكلمات.
وكانت الجملة نفسها تعود إليها كل مرة:
"سرحت فيك فى صورة لينا من زمان وأنا ماسك إيديك وقلت لنفسى دى الدنيا هنعمل إيه."
ومع دمعة حملها الهواء بعيدًا، شعرت بريشة تمر بخفة على وجهها.
مى: إيه ده!
رفعت رأسها، فإذا بوسام هو من يمرر الريشة على وجهها.
وسام: ممكن أقعد معاكى شوية؟
جلس إلى جوارها على الرمال، وقد شمر بنطاله، وخلع نظارة النظر، وارتدى نظارته الشمسية بعدما لاحظ أنها تجلس تحت شمس النهار مباشرة.
مى: مانت قعدت، هقولك إيه يعنى؟
تحدثت ببرود متعمد.
وسام: وحشتينى.
مى: ماتشوفش وحش.
مد وسام يده ونزع السماعة من أذنها برفق.
وسام: ممكن تسمعى منى كام كلمة؟ ولو مش عاجبك ارمى للبحر.. أهو قصادك.
مى: يووووووووه ع حرقة الدم!
نهضت من مكانها واتجهت بعيدًا، لكنه أسرع وأوقفها.
مى: يا أخى إنت لازقة! والله بجد أنا مش فاهمة.. إنت عايز منى إيه؟
وسام: عايز منك إيه؟
ابتسم، ثم نظر إليها وكأنه يريد أن يضع العالم كله بين يديها.
وسام: أنا مش هقول قلبك، لأن قلبك معايا. ومش هقول روحك، لأنها سكنانى. ومش هقول عيونك، لأنى بشوف بيهم.
ثم اقترب منها أكثر.
وسام: هقولك عايزك كلك.. لأن مش فاضل غير إنك تكونى مامت ولادى! دى بقى الحاجة اللى لسه مش معايا.
مى: وسام أرجوك متحاولش. إنت كسرتنى. عارف يعنى إيه كسرتنى؟ يعنى مش بكلامك الحلو ده ولا بدباديب وأرانب، ولا بمجيك من القاهرة لإسكندرية ناو هيرجع اللى فات.
وسام: أنا مش عايز اللى فات يرجع.. أنا عايز أحلى منه هو اللى يفضل.
مى: هو إيه الأحلى منه إن شاء الله؟ بدل ما تعرف عليا دنيا بس.. اعرف عليا عشرة.
وسام: تؤ تؤ تؤ، مش ده قصدى.
مى: طب فهمنى عشان أنا غبية معلش.
وسام: لا، إنتى مش غبية. إنتى حبيبة قلبى. أفهمك يا ستى.
أشار وسام إلى مجموعة من الأشخاص يقفون بالقرب منهما.
مى: مين دول؟
وسام: دى...
وأشار إلى إحدى الفتيات.
وسام: أحسن وأسرع ماكيرة فى القاهرة، دوختنى ع بال ما لاقيتها.
ثم أشار إلى فتاة أخرى.
وسام: ودى بنت بتشتغل فى أتيليه أنا اشتريت منه فستانك الجديد لفرحنا.
مى: فرحنا؟!
قالتها بدهشة شديدة.
وسام: آه، فرحنا. وع فكرة، الفستان هى ماسكاه.
ثم أشار إلى بقية الموجودين.
وسام: ودول شباب، الله يكرمهم، جايين معايا لحد هنا عشان يرتبوا لحفلة فرحنا اللى هتبقى هنا.. عالبيتش.. قدام الشاليه بتاعكم.
ثم لف ذراعه حول خصرها.
وسام: النهاردة.. عشان النهاردة هنتجوز!
مى: إيه الهرتلة دى؟!
وسام: ودى تيكتس لعمرة هنطلعها بعد أسبوع الهونى مون، عشان أعوضك بيها فرحة الفرح الكبير اللى نفسك فيه، لأنى مش هقدر أعمله عشان وفاة بابا، ومش هينفع أستنى، لأنى بجد عايزك معايا أكتر من أى وقت فات.
مى: فرح إيه وجنان إيه؟ إنت بتدبسنى فيك وخلاص يعنى؟
وسام: وده شريف! طبعًا عارفاه. هو اللى رتب معايا كل ده، وجاب البنات صحابك كلهم، وممدوح وسامح وليلى وماما... ودنيا.
مى: وكمان دنيا تانى!! أوعى كده، أنا زهقت منك!
اتجهت بعيدًا، لكنها وجدت ليلى أمامها.
ليلى: مى، ممكن تسمعينى خمس دقايق؟
مى: ولا نص دقيقة بعد كده، أنا قرفت.
ليلى: بس مش عايزة غير خمس دقايق، وبعدهم اعملى اللى إنتى عايزاه.
مى: يوووه! أوف بقى.. اتفضلى قولى.
ليلى: لا، لوحدنا لو سمحتى.
مى: تعالى.. أما نشوف.
أخذت ليلى مى إلى جانب بعيد داخل الشاليه، وبدأت تشرح لها كل شيء؛ حكت لها عن وضع دنيا، وعن المعاناة التي تحملتها طوال السنوات الماضية، وعن السر الذى أخفته، وعن لقاء وسام بها، وأنه لم يكن يريد بها شرًا، وأن الأمر كله لم يكن كما تخيلته مى.
ثم شرحت لها ما يريده وسام منها حقًا؛ أن تتقبل دنيا كصديقة لهما، يسألان عنها من وقت إلى آخر، وألا يتركاها وحيدة أمام مرضها وظروفها.
ولم تكن ليلى قد أنهت حديثها حتى انهمرت دموع مى كالمطر.
تبدلت ملامحها فى لحظة، وكأن شيئًا انكسر داخلها ثم أعيد تركيبه على صورة أخرى.
تحول الغضب إلى شفقة، والعداوة إلى حب، وفهمت للمرة الأولى أن دنيا لم تكن عدوًا لها، وأن وسام لم يكن يخونها كما ظنت.
خرجت مى مسرعة من الشاليه، وما إن رأت دنيا حتى جرت إليها واحتضنتها.
مى: أنا بجد معرفش كل ده، أنا آسفة وسامحينى. إحنا من دلوقت أصحاب وأخوات.
دنيا: يعنى خلاص مش زعلانة؟
مى: بقولك إحنا إخوات خلاص، هاتى حضن كبيييييير بقى.
احتضنتها دنيا بقوة، ودموعها تسبق كلماتها.
دنيا: له حق يحبك.. ربنا يهنيكم ببعض.
ظلت المرأتان متعانقتين، بينما وقف الجميع يتابعون المشهد، وراحت ليلى تغمز لوسام، وكأنها تقول له إن الأمور سارت كما أراد.
ورد وسام بإشارة من يده: تمام.
مى: بس فرح إيه اللى هيتعمل دلوقتى؟! أنا مش مستعدة. وبعدين عمو عاصم لسه معداش تلات شهور عليه، والأربعين كان من يومين!
اقتربت والدة وسام منها وربتت على كتفها.
الأم: إحنا متأكدين إن عاصم لو كان موجود مكانش هيتردد يشوف فرحة ابنه. ودى حاجة هتفرحه فى قبره.. ادعيله يا بنتى.
مى: يارب يرحمه ويغفرله هو وماما يارب.
الأم: تعالى بقى أما أبوسك.. وأقولك متزعليش منى فى الكلام اللى قولته.. أنا زى ماما برضو.
ابتسمت مى، وكانت الدموع لا تزال معلقة بعينيها.
مى: إنتى ماما أصلًا.
رأى وسام المشهد، فلم تتسع الدنيا كلها للفرحة التي غمرت قلبه.
اقترب منهما، وضمهما معًا، ثم قبّل والدته ومى في آن واحد، بينما انسابت دموع قليلة من عينيه دون أن يحاول إخفاءها.
وسرعان ما أخذت الفتيات مى إلى داخل الشاليه، ودخلت معها الماكيرة، بينما بدأ وسام الاستعدادات.
كانت مساحة كبيرة أمام الشاليه قد حُجزت، وامتلأت بأحبال الأنوار والسماعات، وكل ذلك من تخطيط العريس وشريف.
كانت الأشياء بسيطة، لكنها كافية لصناعة فرحة لا تُنسى.
وكان هناك بانر كبير أهداه أصدقاء مى فى مكتبها، يحمل صورتهما بطريقة كرتونية، وكتب إلى جوارهما:
"هنا فرح مى ووسام."
يا أهلًا بالحضور...
بدأت التجهيزات، وارتدى العريس التوكسيدو، بينما انتهت العروس من استعدادها فى الداخل.
وبعد ساعتين بالضبط، كانت كل التفاصيل قد اكتملت.
خرجت العروس، وأمسك والدها يدها، ثم سلمها إلى وسام، فانطلقت الزغاريد وارتفعت أصوات الفرح.
مى: إنت إمتى فكرت فى الحاجات دى يا واد إنت؟
وسام: مين عاشر القوم بقى! ودول مش أربعين يوم.. دول أحلى أيام عمرى معاكى. بقيت مجنون شبهك.
مى: ده حتى سهر وبابا كانوا عارفين.
وسام: أنا بلغتهم بكـــــــــل حاجة، وقلتلهم ما يقولولكيش.
مى: قال يعنى واثق إنى هصالحك.
وسام: لا، واثق إنك هتفضلى معايا طول عمرى. يلا البسى.
أخرج دبلتها من جيبه.
وسام: طنط سميرة لاقتهالك، أوعى تقلعيها تانى لاقلع عنيكى.
مى: عمرى ما هقلعها يا بيبى.
وسام: شفتى؟ خليت فرحنا بالنهار زى خطوبتنا. يلا جنان بجنان بقى.
نظرت إليه مى بحب، وكأن كل الخلافات قد ذابت فى لحظة واحدة.
مى: أنا بــــــحـــــــــبـــــــك موووووووووت بقى بقى.
وسام: وأنا بعشقك بقى بقى.
قالها هامسًا، رغم أن العيون كلها كانت معلقة بهما.
ثم مال عليها قليلًا.
وسام: إيه رأيك فى حركة مجنونة تانى قدام الناس زى اللى عملتها من يومين؟
ضربته مى فى صدره، وهى تضحك.
مى: يا قليل الأدب، لا طبعًا.
وسام: ده إيه العقل والرزانة دى كلها.. ديمها نعمة يارب.
مى: هههههههههههههه.
شريف: يلا هيييييييييييييييييصة!! هوبا نولع الفرح!
#بقلم_نور_إسماعيل
=========•••=========
بدأ الفرح، وانطلقت الألعاب النارية، وارتفعت الزغاريد، وامتزجت الضحكات بالموسيقى، بينما أخذ الجميع يرقصون فوق الرمال، ثم امتدت فرحتهم إلى البحر مباشرة.
كان على الوجوه جميعًا شيء من البهجة الصافية، كأنهم قرروا أن يمنحوا الحزن إجازة ولو لساعات قليلة.
وكانت والدة وسام تضحك للمرة الأولى منذ وفاة زوجها، ضحكة حقيقية خرجت من قلبها بعد أيام طويلة من الوجع.
وفى وسط الرقص، كان شريف يفتح علب الكولا ويرشها فى وجوه المعازيم، الذين لم يكونوا سوى أصدقائهم المقربين بالطبع.
وفجأة حمل وسام مى، وجرى بها نحو البحر.
مى: الفستان هيشرب مية وأغرق يا ويسووووووو!
وسام: متقلقيش يا روح ويسو، أنا أعمل نفسى سمكة وأنقذك يا عمرى.
ضحك الجميع، بينما نزل وسام بها إلى الماء، وبدأت الفتيات يصورن المشهد بهواتفهن ويضحكن.
كان وسام نفسه يبدو شخصًا آخر؛ رجلًا عاد إليه شيء فقده طويلًا، وكأن مى لم تكن زوجته فحسب، بل كانت المفتاح الذى أعاد إلى قلبه الحياة.
مالت سهر نحو ليلى.
سهر: واضح إنها هى اللى عقلت، وهو اللى اتعلم الجنان.
ليلى: هههههههههه، ربنا يستر.
صرخ شريف من بعيد:
شريف: ياض اطلع، ملح البحر يبوظ البدلة، الله يقطع شكلك!
اقتربت أمنية من شريف دون قصد، وضحكت.
أمنية: شيلها يا ويسو عشان أصوركم.. يلا بيج سمااااااااايل!
مال شريف نحوها.
شريف: أنا لسه بحبك يا أمنية، ع فكرة.
أغلقت أمنية الكاميرا، ونظرت إليه باستغراب.
أمنية: أعتقد مالوش لازمة الكلام ده دلوقتى.
شريف: بس أنا عايز...
أمنية: أنا اتخطبت يا شريف.
تجمدت ملامحه.
شريف: اتخطبتى؟! لمين وإمتى؟
أمنية: لابن خالى، الأسبوع اللى فات. وإن شاء الله الفرح قريب.
شريف: يعنى إيه يا أمنية؟ خلاص كده؟
أمنية: إنت اللى خلصتها يا شريف، مش أنا. عن إذنك.
غادرت أمنية، واتجهت إلى الفتيات لتشاركهن الرقص والاحتفال، وكأن شيئًا لم يحدث.
لكن قلبها كان ينزف بصمت.
أما شريف، فظل يحدق فى أثرها بحزن لم يعتده، وكانت تلك أول مرة يشعر فيها بهذا الوجع مع فتاة من بين كل الفتيات اللواتى عرفهن.
احتفل الجميع حتى خرجوا من البحر وهم مبللون تمامًا، وقد باظ مكياج مى وطرحتها، ثم جاءهم صوت من بعيد ينادى:
"استنوا........ أوعو تكونوا خلصتوا الفرح!"
التفت الجميع إلى مصدر الصوت.
وسام: منى!
مى: هههههههه تعالى، اتأخرتوا خالص.
منى: ع بال ما عرفنا نيجي مكان الشاليه ده.
وسام: أنا قلت لشريف ما يتحركش إلا بيكم يا بنتى.
ثم حمل طفلها بين ذراعيه.
وسام: هاتى عنك.. بسم الله الرحمن الرحيم.
منى: خد، شيل.. فال حلو عقبال ولادك إنت ومى.
مى: يوغتى يوتى بطوطة يا خلاصى عالجمال والثوابع الصوغننه.. سميتوه إيه؟
منى: عادل.
شريف: عادل!! شىء طبيعى ابن منى يبقى اسمه عادل، أمال هيبقى اسمه أيهم يعنى؟
منى: بطل نقورة يا شريف.. لسه لسانك طويل زى ما إنت.
شريف: وعلى قلبك.. هو عنده كام سنة صحيح؟
وسام: كام سنة؟ ربنا ما يحرمك من العبط يا حبيبى.
مى: كام سنة إيه يا أهبل إنت؟
شريف: خلااااااااااااص، كلكم طلعتوا فيا زى المدافع! عنده قد إيه الأخ؟
منى: لسه عنده 25 يوم.
نظر وسام إلى الطفل بحنان، ثم قال:
وسام: ربنا يخليه يا منى.. اتفضل يا أستاذ أنور.
أنور: يزيد فضلك، ألف مبروك.
وسام: يبارك فيك يارب.
كانت منة تنظر إلى الصور.
منة: ع فكرة الصور طالعة حلوة أوى.
قالتها لأمنية، ثم وقعت عيناها على سامح، وكان يتحدث مع ليلى ويضحكان بينما يتناولان قطع الجاتوه.
غادة: آه.. ابقى ابعتيهملى كلهم يا بت.
كتمت منة شيئًا فى قلبها، ولم تقل شيئًا، ثم عادت إلى أجواء الفرح كأنها لم تر شيئًا.
وفى مكان آخر، كان سامح وليلى يقفان أمام طاولة البوفيه المفتوح الذى أُعد على عجل.
سامح: عقبالنا يا ليلى بقى.
نظرت إليه ليلى وارتبكت.
ليلى: اللى عايزه ربنا يكون يا سامح.. أنا هودى طبق لطنط.
سامح: اتفضلى.
ظل يتابعها بعينيه وهى تبتعد، وفى اللحظة نفسها جاءت عيناه فى عينى منة.
لكن منة أسرعت بالنظر بعيدًا.
ومرت ساعة أخرى...
وشطبنا.
دخل الليل، وانتهى الفرح، وغادر العروسان المكان بعد أن تحولت إطلالتهما إلى ذكرى مضحكة؛ العروس بمكياج باظ وفستان مبلل، والعريس بشعر منكوش وبدلة أنهكها البحر.
استقلا السيارة، وظل الأصدقاء يزفونهما بسياراتهم، وسط الضحكات والأبواق، حتى وصلا إلى الفندق.
دخلوا، وكانت عيون الموجودين تتجه إليهما؛ منهم من غمز لصاحبه، ومنهم من ابتسم، ومنهم من نظر إليهما بفرح.
وأخيرًا صعد العروسان إلى جناحهما.
أمنية: مى!! ارمى البوكيه من عالسلم يلا.
مى: آه صح.
التفتت مى، وعدت من خمسة إلى واحد، ثم ألقت البوكيه.
التقطته منة.
غادة: إيه ده!! منة اللى وراها وأنا لسه هقعد تانى؟
أمنية: هههههههههههههههه.
مى: يلا بااااااااااااااااااى، امشوا بقى.
وأخذت تشد وسام نحو الأعلى.
مى: يلا يا ويسو، يلا يلا.
وسام: طب أنا فوق عشان العروسة خطفانى.
الجميع: ههههههههههههههه.
وتعالت الزغاريد من جديد.
شريف: يلا هيص يا عرييييييييييييس! والجرى للمتاعيييييييس.
غادة: عقبالنا يا ممدوح، أخلص عشان قربت أموت.
ممدوح: إن شاء الله سنتين ونشوف.
غادة: لا والله!
ودعوا العروسين، ثم غادر الجميع، بينما صعد وسام ومى إلى جناحهما، ليبدآ ليلة جديدة، وحياة جديدة، بعد أن مرّا بعاصفة كادت تقتلع كل شيء بينهما.
وهكذا، انتهت الحكاية على فرحة تشبههما؛ صاخبة، مجنونة، مليئة بالضحك، لكنها فى النهاية... كانت حبًا انتصر على سوء الفهم.
مُباااااااااااااركـــــــــــ....