
رواية أنا هبقى مرات حضرته ج2 الفصل الثامن والعشرون 28 بقلم نور إسماعيل
كان الصباح قد انزلق من بين أصابع الليل دون أن يشعر به أحد، وظلت الغرفة غارقة في سكونها، لا يقطعه إلا صوت أنفاسهما المتعانقة في نوم عميق، كأن العالم كله توقف خارج هذا الباب، وترك لهما مساحة صغيرة من الأمان لا يشاركهُما فيها أحد.
تك.. تك.. تك
جاء طرق الباب متتابعًا، خافتًا في بدايته، ثم أكثر وضوحًا، حتى تسلل إلى الحلم الذي كان وسام غارقًا فيه، وهو يحتضن مى بين ذراعيه في راحة لم يعرفها قلبه منذ زمن.
وسام: (نايم خااااالص وفحضنه مى ورايحين ف احلى نومه )
أما مى، فبدأ صوت الطرق ينتشلها ببطء من غفوتها، ففتحت عينيها نصف فتحة، ثم عادت تحاول مقاومة اليقظة، قبل أن تهمس له وهي لا تزال معلقة بين النوم والصحو.
مى: (بدأت تفوق) حبيبى... حبيبى الباب بيخبط
وسام: هه...حاضر(مش مركز)
عاد الطرق مرة أخرى، وجاء صوت العامل من خلف الباب، رسميًا ومهذبًا، فتنهد وسام ونهض على مضض، وكأن جسده لا يزال يريد أن يحتفظ بتلك اللحظة الدافئة إلى أطول وقت ممكن.
الروم سيرفيس: روم سيرفس ..سيدى
وسام: (قام وراح يفتح الباب ) ايوة..
الروم سيرفيس: مسا الخير أستاذ وسام
وسام: مساء النور
الروم سيرفيس: اليوم م وضعتم شو بتحبو تاكلو ع وجبة الغدا وبشو تحبو تتروقو ؟
وسام: مممممم.. طيب انا هشوف وهقولكم بالفون
الروم سيرفيس: تحت امرك سيدى ، تكرم عينك
أغلق وسام الباب، ثم عاد إلى الداخل، وقبل أن يخطو خطوته التالية، وقعت عيناه على الساعة في هاتفه. للحظة بدا عليه الذهول، كأن عقارب الساعة قررت أن تقفز فوق نصف اليوم بينما كان هو غارقًا في نومه.
وسام: يانهار ابيض! الساعه 4 يامى
مى... قومى
كان صوت وسام يحمل شيئًا من الضحك والدهشة، بينما كانت مى لا تزال متشبثة بآخر خيوط النوم، وكأنها لم تكتفِ بعد من هذا العالم الصغير الذي صنعاه لأنفسهما بعيدًا عن كل شيء.
مى: مممممم لا والنبى اناام شوية، تعبانة كتيييييير
وسام: قومى يابت .. تعبانة كتير ده ايه ؟ ولا اتعديتى منهم هنا
بتتكلمى لبنانى
مى: شوووووو
وسام: ههههههههه، يلا عشان عايزين يعرفو شوبدنا نتروق!
مى: نتروق.. اه
طب بقولك ايه انا هخطف حلم سريع وارجعلك
وسام: طب والله لو ماقومتيش.. هشوف اى بنوتة لبنانية هنا تخرج معايا سهرة بليل
مى: بنت! (قامت ع حيلها) لالالالالالا 5 دقايق وهبقى ع سنجه 10
قال موزة لبنانية قال
وسام: ايوة كده .. ناس مبتجيش غير بالعين الحمرا، ، انت يابت !تعالى هنا
مى: (رايحة الحمام) نحم
وسام: فين بوسه حبيبى ؟
مى: (ميلت تبوسه) اموووووووووووووووه
#بقلم_نوراسماعيل
===========•••=========
وفي مكان آخر، كانت الصداقة تستعيد صوتها بعد غياب، وكانت غادة ومنة وأمنية يجلسن في أحد المقاهي بعد انتهاء يوم العمل. لم يكن حديثهن بحاجة إلى موضوع محدد؛ فحين تجتمع الصديقات، يصبح الغائب حاضرًا بالسخرية والضحكات والذكريات، خصوصًا إذا كان ذلك الغائب هو مى، التي تركت وراءها فراغًا لم تستطع أي واحدة منهن أن تتجاهله.
وكانت غادة تقود حملة النميمة المرحة، بينما تتبادل الثلاثة النظرات والضحكات، وكأنهن يحاولن الاقتراب منها بالكلام بعدما أبعدتها المسافات.
غادة: زمانك هااااايص يافوزى
امنية: هههههههه ع مين يابت
غادة: ع البت مى .. هونى مون الاول بهانوفيل العجمى ..تمام مقولناش حاجة،
وبعد كده عمرة هى وهو سوا وبعدين يطيرو ع لبنان يكمللو الهونى مون
وانا ماليش غير خلقه ممدوح الى اصطبح بيها كل يوم الصبح ..عااااااااااا
منة: ههههههههههه
امنية: والله وحشتنى اوى البت دى ، وحشتنى غلاستها وشقاوتها
منة: طب تعالو نغلس عليها ونكلمها
امنية: ناو؟!عندك كريدت كفايه
منة: ايوة.. الساعه دلوقت 7ونص يعنى اكيد صاحية
امنية: مش حكاية صاحية ،، بس ممكن تكون بتخرج او كده او مشغوله
غادة: لاتعالو ياعيال نكلمها وننق عليها ونحقد شوية عشان انا متغاظه (قطمت حتة سندوتش )
منة: انا هطلبها .. عندى رصيد كفايه
....
كان هاتف مى يرن، مرة تلو الأخرى، بينما كانت صاحبة الهاتف في عالم آخر تمامًا؛ عالم لا تسمع فيه شيئًا سوى ضحكتها وضحكة وسام، ولا ترى فيه إلا الشارع الممتد أمامها واللحظة التي تحاول أن تختزنها بكل تفاصيلها.
فون مى بيرن ... بيرن .. بيرن
كانت مى تركض في الشارع، ووسام يركض خلفها محاولًا استرداد نظارته التي خطفتها منه في لحظة شقاوة عابرة. لم يكن المشهد يحتاج إلى تفسير؛ فهما لم يعودا يتصرفان كعروسين في رحلة عادية، بل كطفلين عادا إلى الحياة بعد غياب طويل.
ومع ذلك، ظل الهاتف يرن داخل حقيبة نونو المعلقة إلى جوارها، بعيدًا عن انتباهها.
منة: ممممم مش بترد!
غادة: طب ورينى كده (خدت الفون) انا هفضل وراها لحد م اقرفها
لغاية م تفتح
وعلى الجانب الآخر، كانت مطاردة صغيرة قد تحولت إلى مشهد أضحك المارة، بينما كان وسام يحاول اللحاق بمى التي لم تكن تنوي الاستسلام بسهولة.
وسام: ياغلسة هاتيها .. (بيحاول ياخدها من مى وعادى فالشارع والناس بتبص وتضحك وفيه الى مالوش دعوة )
مى: لالالالالامش هديهالك ... استنى يا ويسو
فونى بيرن
وسام: طب هاتى النضارة وردى .. يلا متبقيش رخمة والله مش شايف كويس
مى: خلاص خد اهيه (ادتهاله وباسته فخده) دى منة
مى: الوووووووووووووو وحشتوووونى
منة: ميوووووش !! ازيك وحشتنيا
غادة: هاتى هاتى يامنه ... ازيك يابت يابتاعه لبنان انتى..جيتك من آخر لبنان
مى: وحشتووونى كتيييييييير كتييييييير خالص مالص جدآ بقى
غادة: بقولك ايه يابت .. ولا اقولك ياحجة بعد العمرة
مى: هههههههه انتى هتعملى زى ويسو سعات بيقولى اقولك ياحجة بقى خلاص
امنية: والنبى انا اكلمها والنبى والنبى
غادة: خدى يامى مونى عايزة تكلمك
مى: هاتيها هاتيها دى وحشتنى موت (لفت دراع وسام حوالين رقبتها وهى بتتكلم وبيتمشو )
امنية: عاملة ايه ياميووووووووش.. مبسوطة حبيبى؟حلوة لبنان يامى
مى: خالص يا مونى .. كل حتة فيها روحتها ، وسومى محرمنيش من ولا حاجة ، كل حاجة وعملهالى ..تعرفى !عمرى م شفت ايام احلى من دى فحياتى
غادة: انتى يابت يامى (بتشد الفون)
منة: الكافيه بيبص علينا يا غادة مش كده
غادة: لا استنو... شوفتى يابت العيال بتوع الاعلانات الى عيونهم زرقه دى وقمامير ميتخيروش عن البعيد جوزك
مى: اتلمى ياجزمة متعاكسيش ويسو روحى قدامى ، ايوة شفت مرطرطين هنا..تعالى نقى كام واحد ع قفا مين يشيل اهم
غادة: اوعدنا يا رب .. مش ممدوح ابوعيون ملتهبه
امنية: (بتشد منها) اهم حاجة يامونى تنبسطى خالص بقى فالهونى مون
وافضلى حبى ويسو وكده ومتفوتيش لحظة غير وانتو مبسوطين
مى: ياقلبى يامونى .. والله وسام ورانى الجنة فعلا لدرجه انى مش عايزة افوق من احلى حلم انا فيه،انتى عارفة شوية كده انا رايحة انا وويسو حفلة لراغب علامة لايف وااااااااااااو
غادة:راغب علامة ! لاكده حراااااااام حراااااااام
امنية: مالها البت دى ؟ههههههه
غادة:طيب شفتى . فريد الاطرش يابت ؟
مى: ههههه لا شفت فريد الظريف ياخفه
منة: هاتو بقى الفاتورة هتخلص يا بت منك ليها... ميوشه !
مى: منة وحشتينى خاااالص ووحشنى بوتجازك
منة: ههههههه ماشى ياختى .. طيب هنسيبكم بقى
ابقى كلمينا
؟(بتبص لامنية ) مش هتقوليلها ؟
امنية : (عملت براسها لا
مى: تقولولى ايه ؟ فيه ايه يابنات
منة: لا خلاص هتيجى امتى
مى: ممكن اخر الاسبوع..
منة: اوك توصلو بالسلامة .. باى
انتهت المكالمة، لكن أثرها لم ينتهِ. وضعت منة الهاتف، وسرحت الصديقات الثلاث للحظات، وكأن صوت مى أعاد إليهن شيئًا من دفء الأيام التي كنّ يعشنها معًا.
امنية: تفتكرو فيه كام حد زى وسام كده فالدنيا
غادة: مافيش ياختى (بتشرب العصير بعصبية تضحك) هى قطعية واحدة وفازت بيها بنت المحظوظة !
منة: والله البنت مننا لما بتحب واحد .. بتحس انه احسن واحد فالدنيا ومش شبه حد
غادة: ايه ده ايه ده ..الصوغنن بيحب
ايه الوش الى اتقلب قلب فجأة ده ؟
امنية: يا حياااااااتى .. بتحب يا منونة ؟
منة: (بصت بعيد بحزن) بس مش عارفه بيحبنى ولا لا
غادة: بصى .. لو كان الى فبالى ، يبقى تدخلى عليه وبقلب جامد ويا صابت ويا خابت
منة : بس انا خايفه
امنية: لا غادة عندها حق.. قوليلو اهو عالاقل تبقى اسمك وقفتى ع ارض صلبه ..وبلاش تفضلى عايشة فااوهام
منة: تفتكروا...
امنية : ايوة طبعآ
منة: انتى ليه مش رضيتى تقولى لمى ع خطوبتك ؟
امنية: مش دلوقتى ..سيبوها تنبسط مش عايزة اعكنن عليها
#بقلم_نوراسماعيل
=========•••===========
وكانت الحياة بالنسبة إلى وسام ومى في تلك الأيام أشبه بشريط طويل من الضوء؛ حفلات تتوالى، وضحكات لا تعرف طريقًا إلى الصمت، ومشاوير لا تنتهي، وفسح يختلط فيها الحب بالدهشة، حتى بدا وكأنهما يحاولان تعويض كل لحظة حُرما فيها من هذا الشعور.
وفي تلك اللحظات تحديدًا، لا يحتاج الإنسان إلى الكثير كي يكون سعيدًا؛ يكفيه أن يجلس إلى جوار من يحب، وأن يشعر أن الطريق الذي كان يخشاه بالأمس صار اليوم طريقًا مشتركًا، وأن اليد التي أمسك بها ذات يوم خوفًا من الفقد أصبحت اليوم يدًا يحق له أن يمسكها أمام الحياة كلها.
احلى حاجة انك تكون مع حد بتحبه، والاجمل ان ربنا يكلل حبكم ده .. بالجواز فالنهاية
عشان تفضلو سوا فالحلال.. ومتتفرقوش ابدآ
وتبقى مابينكم اسمى العلاقات الى ربنا نزلها .
وسام : (بيلف لف مى بايده وهما بيرقصو ) تحبى بعد الحفلة نروح فين يا روحى ؟
مى: اى حتة يا بيبى ، اى حتة معاك جنه
وسام: طيب انا محضرلك مفجأة تحفه !
مى: ياعمرررررررى .. متخلنيش احبك اكتر من كده
وسام: (بيلف قدامها ) ليه بس
مى: عشان معنديش قلب تانى انا
وسام: انتى حبيبة قلبى يا مشمش هو انا ليا غيرك
مى: (وقفت)
وسام: (اتخض) مالك يا روحى
مى: دوخت من الرقص تعالى نقعد
وسام: تعالى ياقلبى ... الف بعد شر عنك يا روحى
جلس الاثنان، وبقيت الموسيقى من حولهما، فيما كانت مى تحاول أن تستعيد أنفاسها. كان وسام ينظر إليها بعينين ممتلئتين بالقلق، ذلك القلق الذي لا يظهر إلا حين يصبح الإنسان متعلقًا بآخر إلى الدرجة التي يخيفه معها مجرد تعب عابر.
مى: بقولك كلمت ماما انهاردة ؟
وسام: كلمتها واتطمنت عليها وكلمت ليلى وكلهم كويسين
مى: اتصلت بدنيا انهاردة ؟
وسام: لا .. مكلمتهاش غير مرة من ساعه الفرح، لما كنتى جمبى واحنا فالعمرة
مى: طيب عشان انا كلمتها
وسام: امتى (مبسوط من جواه)
مى: لما نزلت تجيب التيكتس ، اتطمنت عليها وفرحت لما كلمتها
وسام: كويس يا روحى .. ماتيجى هنا وانا احبك
مى: (بعتتله بوسه فالهوا ) ادينى بحبك اهو (بتبص عالرقص وبترقص وهى قاعده)
وسام: مبسوطة يا بيبى ؟
مى: طبعآآآآآآآآآآآآآآ جامد بقى
وسام: طب لسه دايخه، تعالى نرقص غعالاغنيه دى
انا بحبها
مى: انا بعشق اغنية العسل لسامو اصلا ، لا خلاص الدوخه راحت يلا بينااااااااا
وسام: (قومها) يلا يا حبيبة ويسو
==========•••===========
ومرت أيام أخرى، وفي المكتب كانت الحياة تستمر بطريقتها المعتادة، إلا أن قلبًا واحدًا كان يعيش قصة مختلفة تمامًا عن كل ما حوله.
كانت منة تعيد أغنية واحدة مرارًا، وكأنها لا تستمع إلى لحن، بل ترسل رسالة لا تملك الجرأة على قولها مباشرة. وكانت عيناها، كلما مر سامح، تفضحان شيئًا تحاول هي إخفاءه عن الجميع.
ممدوح: صدعنا منها الاغنية دى يامنة.. اقفليها ولا غيريها
منة: لا اصل انا بحبها اوى (بتبص لسامح)
سامح: مين الى نفذ شغل دعاية شركة داليدا للملابس؟
امنية: ورينى كده ؟ (بتبص ) ده شغل مى
سامح: مانا قلت .. كويس
منة: (متأثرة بالاغنية ومتدايقه حبتين وحطت راسها عالمكتب)
غادة: مالك يابت ؟
منة: تعبانة شوية
سامح: طيب انزل اجيبلك حاجة من الصيدليه ؟
منة: (بتبصله بصة مفهومه انها حب) لا شكرآ ياسامح
وفي لحظة بدا فيها أن الكلمات المعلنة لا تكفي، نهضت أمنية واتجهت إلى سامح، وكأنها قررت أن تدفعه دفعًا إلى الحقيقة التي تقترب منه من أكثر من اتجاه.
امنية : قامت من مكانها) سامح خد عايزاك
سامح: نعم
خرجا إلى الخارج، وظل السؤال معلقًا للحظات قبل أن تطرحه أمنية، وهي تعرف أن الإجابة قد تحمل لمنة فرحًا أو وجعًا.
امنية: سامح هو ينفع اسألك سؤال بحكم الصداقه والعشرة الى بينا
سامح: اه طبعآ والاخوة كمان.. اتفضلى
سامح: انت فيه حد فحياتك؟
سامح: (استغرب السؤال واخد ثوانى للرد) بينى وبينك.. فيه ومش فيه
امنية: وده معناه ايه ده بقى
سامح:يعنى فيه واحدة بحبها من زمان .. بس يعنى فيه ظروف مفرقه او مش بتجمعنا ببعض
امنية: ممممم
سامح: ممكن اعرف اشمعنا السؤال ده خطر فبالك ليا دلوقتى ؟
امنية: اسمع كويس الاغنية الى مشغلاها منه .. وانت تفهم
تركته أمنية وعادت إلى الداخل، بينما وقف سامح للحظات، وقد بدا على وجهه شيء من الحيرة. لم يفهم الرسالة كاملة، لكنه بدأ يبحث عنها بين الكلمات التي كانت تتردد في الخلفية.
سمع بعض الكلمات من الاغنية
فيه واحدة بتحبك اوى .. من كام سنة قدام عنيك وانت بتسأل هى فين
فيه واحدة بتحبك اوى من كام سنه قدام عنيك وانت بتسأل هى مين
ياريتك تحس ان الى بتحبك انا !!
ظل سامح صامتًا، وعيناه ثابتتان في الفراغ. لم تكن الكلمات مجرد كلمات بالنسبة إليه الآن؛ لقد أصبحت سؤالًا مباشرًا يطرق بابًا ظل مغلقًا طويلًا، وربما كان يخشى أن يفتحه حتى لا يرى ما بداخله.
سمع وركز اووووى .. ومنعرفش ايه الى بيدور فدماغه..
#بقلم_نور اسماعيل
========•••=========
في مكان آخر، كانت ليلى تستعد للرحيل مرة أخرى. كانت حقيبتها أمامها، وأشياؤها تُرتب بعناية، لكن شيئًا في داخلها لم يكن مرتبًا على الإطلاق. كانت العودة إلى ألمانيا تعني الرجوع إلى حياتها التي اختارتها، وإلى المسافة التي ظلت تبنيها بينها وبين أشياء كثيرة تخشى أن تقترب منها.
وبينما كانت ترتب أغراضها، تحدثت مع دنيا عبر الهاتف.
ليلى: لا خلاص بقى عشان بجد معرفتش اركز ولا اذاكر هنا الوقت كده بيضيع .. انتى هترجعى المانيا ولا هتفضلى هنا
دنيا: لا خلاص ، ممكن اروح أخر متابعه ليا اخر السنه
وبعدين ارجع مصر ع طول .. كده كده انا مستمرة فشغلى هنا وهناك
بس اصل الغربة متعبه ليا
والحمدلله حالتى اتحسنت واقدر اكمل متابعه مع الدكتور بتاعى هنا
ليلى: والله براحتك.. يادندونه
دنيا: طيب ياجميل، اسيبك بقى عشان تخلصى عمايل حاجتك
هتمشى فرحلة الساعه كام بكرة ؟
ليلى: رحلة الساعه 1..
دنيا: طيب اجى اسلم عليكى ؟
ليلى: ها !! (ارتبكت) لا خليكى عشان مش تتعبى نفسك
انا هروح لوحدى
دنيا: ماشى ياحبيبتى .. توصلى بالسلامة
أغلقت ليلى الهاتف، لكن ارتباكها ظل معلقًا في الهواء. لم يكن رفضها مجرد رغبة في ألا تتعب دنيا نفسها؛ كان وراءه شيء آخر لم تكن مستعدة حتى للاعتراف به لنفسها.
دخلت عليها مرات خالها، فرفعت ليلى عينيها إليها بابتسامة تحمل من الحنان بقدر ما تحمل من الحزن. كانت تعرف أن الرحيل هذه المرة لن يكون سهلًا؛ فكلما ابتعد الإنسان عن بيت امتلأ بالذكريات، شعر وكأنه يقتلع جزءًا من نفسه ويتركه خلفه.
الام: خلاص نويتى يا ليلى ؟
ليلى : معلش بقى يا طنط ، ان شاء الله اسجل الدكتوراه وابقى أجى
الام: ياااااه يعنى لسه كام سنه تانين، م كنتى ماليه عليا البيت
بعد وفاة خالك عاصم يابنتى
ليلى: دلوقتى وسام ييجى وربنا يرزقه ببنات وولاد زى القمر يملو عليكى البيت ، وبعدين انا مش هسيبكم ابدآ
غلطة زمان خلاص بقى
هتصل بيكم كل يوم
الام: طيب يابنتى ربنا معاكى ويوفقك ..
=========•••==========
وفي الناحية الأخرى من العالم، كان آخر يوم من رحلة وسام ومى يقترب. لم يكن أحد منهما يريد أن يعترف بأن النهاية قد حانت؛ فالأيام الجميلة تمر دائمًا أسرع مما ينبغي، وكأن الزمن يتعمد أن يختصر أجمل اللحظات.
هو انهاردة ايه صحيح ؟
آخر يوم فالاجازة او الهونى مون بتاع العرسان وبكرة راجعين مصر خلاص ..
لقد استنفدا كل ما استطاعا من الفرح؛ رقصًا ومشاوير وحفلات وضحكات وصورًا وذكريات. وحين عاد التعب إلى أجسادهما، كانا ينامان كمن خاض معركة طويلة، لكنهما كانا يستيقظان وفي القلب رغبة في المزيد.
الرقص والمشواير والفسح والتنطيط، جاب آخرهم ال 2
يدوب بيرجعو مهدودين .. ينامو زى القتله,,
وفي إحدى تلك الليالي، جاء وسام حلم طال انتظاره، حلم بدا له أكثر وضوحًا من الأحلام العادية، كأنه رسالة وصلت إليه من مكان لا يعرف كيف يصل إليه.
وفي الحلم، وجد نفسه واقفًا في مكان جميل، أمامه بحر ممتد، والهواء هادئ، والسماء تحمل صفاءً غريبًا. وهناك، كان والده يجلس إلى جوار البحر، مرتديًا ثيابًا بيضاء، بملامح هادئة وصافية، وكأن الموت لم يستطع أن يأخذ منه شيئًا سوى الجسد.
وسام: باابا! وحشتنى اوى
الاب: (بص ناحيته ورجع بص للبحر تانى )
وسام: انت زعلان منى يابابا ؟
الاب: ربنا ادالك عاصم يا وسام ؟
وسام: لا يابابا .. ربنا يكرمنى بيه قريب
الاب: (هز راسه يعنى لا وميل جاب من جمبه علبه قطيفه شيك كده ) خد دى يا وسام يابنى، شيلها وحافظ عليها
وسام: دى فيها ايه العلبه دى يابابا؟
الاب: فيها جواهرك..جوهرة كبيرة وجوهرة صغيرة
وسام: طب وعاصم يابابا
قام الاب مشى ووسام لسه بيكلمه
وسام: يابابا.. بابا... مش بترد عليا ليه ؟
طب وعاصم
الاب: لا يا وسام ... عصماء!!
وفجأة، انقطع الحلم كما لو أن يدًا خفية أغلقت بابه، واستيقظ وسام على ضوء الصباح، وقلبه يخفق بإحساس لم يستطع تفسيره. لكنه لم يشعر بالخوف؛ بل بشيء يشبه اليقين الغامض، وكأن الحلم ترك داخله بشارة لم تكتمل كلماتها بعد.
وسام: (قام من نومه مبسوط وباس كف ايد مى وهى نايمه جمبه )..صباح الفل يا مشمشتى
مى: مممم صباح الثوكر يا ثوكر قلبى .. ليه صاحى بدرى كده ؟
وسام: جاتنى البشارة يا روح روح قلبى
مى: (ابتسمت وهو بيلعب فشعرها) بشارة ايه ؟
وسام: انتى حامل .. ياااااه يا ميوش
مى البنوتة الشقيه هتبقى مامى صوغنونة ، فرحااااان اووووى
اللهم لك الحمد يارب
مى: هههههه كشفت عليا وانت نايم ، ولا فجأة بقيت دكتورفالحلم ولا ايه ؟حامل مين يارجل لسه مش دلوقتى
وسام: (باسها فجبينها) عبيط صوغنن ..(قام وسابها)
مى: هييييييييح طويب (نامت تانى
=========•••==========
وفي المطار، كان لكل شيء طعم مختلف. ضجيج المسافرين، النداءات المتكررة، الحقائب التي تُسحب على الأرض، والوجوه التي تعبر من مكان إلى آخر؛ كل ذلك كان مجرد خلفية لمشهد صغير يجلس فيه شخصان يعرف كل منهما أن لحظة الفراق قد وصلت.
كانت ليلى تجلس أمام سامح، وبين يديهما كوبان من النسكافيه، لكن الصمت كان أثقل من أي حديث. لم تكن المشكلة أن الكلام قليل؛ بل أن الكلام الكثير كان سيجعل الوداع أكثر صعوبة.
ليلى: انا من الاول فهمتك امورى.. مش هينفع
انا وانت خطين متوازيين.. مافيش مقابله بينا ابدآ
انت ليك حياتك فمصر .. وانا ليا حياتى الى بحبها
انت عايز تبقى حاجة وانا طموحى حاجة تانيه خالص
سامح: متدوريش ع اى كلام ياليلى انا فاهمك، ومش زعلان عشان انتى خلاص مسافرة واختارتى البعد للابد
ليلى: مش الفكرة بس ..
سامح: انا كنت بحاول المرة دى انى اقرب منك اكتر من الفترة الى فاتت ، والى هى احسن فترة فحياتى
بس انتى بكل تصرفاتك كنتى بتحسسينى انى بزق فحيطة .مافيش امل
ليلى: سامح مش عايزاك تزعل منى .. واتأكد انى هفضل فاكرة كل حاجة بينا وهتفضل معزتك فقلبى طول العمر
سامح: معزتى ! اوك (بيطفى السيجارة)
جاء النداء الخاص برحلة ليلى، فشعرت للحظة أن الزمن الذي كانت تؤجله قد وصل أخيرًا. نهضت، وهي تحمل حقيبتها وقلبًا أثقل مما أظهرت، ثم نظرت إلى سامح نظرة طويلة، كأنها تريد أن تحفظ ملامحه قبل أن تبتلعها المسافة.
ليلى: طيب انا هقوم.. اتمنى ياسامح اسمع عنك كلام كويس لما انزل تانى
وانك بدأت حياتك بجد
وبقيت احسن
سامح: اوعدك..(ابتسامه خفيفة) توصلى باللسلامة
ليلى: لا اله الا الله
سامح: محمد رسول الله
النداء الاخير لرحلة ..... المتجهه من مطار ... الى .....
مضت ليلى في طريقها، وترك سامح المطار، وفي داخله ثقل لا يعرف كيف يحمله. لكنه ما إن خرج حتى فوجئ بوجه لم يكن يتوقع أن يراه في تلك اللحظة.
كانت منة تقف أمامه.
سامح: منة ؟
رفعت منة عينيها إليه، وكان في عينيها خوف سنوات كاملة، وخجل حب أخفته طويلًا، ودموع لم تعد قادرة على البقاء خلف جدار الصمت.
منة: عارفة انك بتحبها (فعيونها دموع) وعارفه انك مش قادر تنساهاومتسألنيش عرفت ازاى
بس انا مش قادرة احب غيرك
بجد المرة دى انا بحب بجد مش زى كل مرة
ومش عارفه اسيطر ع قلبى
ساد بينهما صمت قصير، لكنه كان كافيًا ليختصر أشياء كثيرة. نظر سامح إليها، وكأن مفاجأتها لم تكن في وجودها أمامه، وإنما في تلك الجرأة التي امتلكتها فجأة لتقول ما عجزت عن قوله طويلًا.
سامح: (ابتسم ومسك ايدها ) انتى عرفتى ان انا هنا منين
منة: مش مهم .. دلوقتى انا الى بقولك بدل م انت الى تقولى
وللمرة الأولى، بدا أن سامح لا يريد الهروب من الإجابة، ولا تأجيلها، ولا تركها معلقة بين الاحتمالات. ضغط على يدها برفق، ونظر إلى عينيها مباشرة، ثم خرج السؤال من بين شفتيه وكأنه كان ينتظر لحظة كهذه منذ زمن.
سامح: .. تتجوزينى يا منة ؟!
تجمدت منة في مكانها، واتسعت عيناها، وكأن الكلمة لم تصل إلى عقلها بعد، أو كأن قلبها سمعها قبل أن تصدقها أذناها.
منة : ها!...