
رواية حين يناديك الله الفصل الواحد والعشرون 21 بقلم هيام ايمن الطوخي
"أحيانًا يكشف الله لك الحقيقة في اللحظة التي تظن فيها أنك لن تحتملها...
لأن الله لا يختار وقت انكشاف الحقيقة بعشوائية،
بل حين يصبح قلبك مستعدًا لأن يعرف دون أن ينكسر."
ساد الصمت داخل الغرفة.
الطرق على الباب توقف.
لكن صوت الرجل ظل عالقًا في رأس جنة.
"أخيرًا... عرفتي إني موجود."
اقترب يوسف من الباب بحذر.
أشار لحسن أن يظل بعيدًا.
ثم همس:
"جنة..."
نظرت إليه.
"أيوه؟"
"إنتِ متأكدة إنك تعرفي الصوت ده؟"
هزت رأسها ببطء.
"متأكدة."
"مين؟"
لم تجب.
كانت تحاول أن تستوعب كيف يمكن لصوت واحد...
أن يعيدها عشرين سنة إلى الوراء.
ثم قالت:
"عمي."
تجمد يوسف.
"عمك؟"
أومأت.
"أخو بابا."
عاد الطرق على الباب.
ثم جاء الصوت:
"جنة..."
"افتحي."
"أنا عارف إنك جوا."
وضعت جنة يدها على فمها.
كان صوت عمها هادئًا.
كأنه جاء لزيارتهم في يوم عادي.
وليس بعد عشرين سنة من الأسرار.
قال يوسف:
"ما تفتحيش."
لكن جنة لم تتحرك.
قال حسن:
"اسمه إيه؟"
أجابت:
"عصام."
تغير وجه حسن فجأة.
"عصام؟"
نظرت إليه.
"إنت تعرفه؟"
سكت.
ثم قال:
"أبوك كان بيخاف منه."
اتسعت عيناها.
"بس ده أخوه."
قال حسن:
"وعشان كده كان أخطر."
اقتربت جنة من الباب.
قال يوسف:
"جنة، لأ."
نظرت إليه.
"أنا مش هفتح."
ثم أشارت إلى الكاميرا الصغيرة بجوار الباب.
"بس عايزة أشوفه."
فتح يوسف شاشة المراقبة.
ظهر رجل في أواخر الخمسينات.
شعره رمادي.
ملامحه هادئة.
يرتدي ملابس أنيقة.
ويقف أمام الباب...
وكأنه لم يفعل شيئًا طوال حياته.
حدقت جنة في الشاشة.
ثم قالت:
"ده هو."
قال عصام من الخارج:
"أنا مش جاي أأذيكي يا جنة."
ابتسمت جنة بمرارة.
"كل الناس اللي بتقول كده بتبقى عايزة تأذيني."
جاء صوته:
"أبوك كان هيقول نفس الكلام."
تجمدت.
قالت:
"إنت عرفت بابا إزاي؟"
"كان أخويا."
"بس أنت كنت بتكرهه."
صمت.
ثم قال:
"هو اللي قالك كده؟"
ردت:
"أنا شفت."
سأل:
"شفتِ إيه؟"
أغمضت عينيها.
"شفت بابا بيطردك."
لأول مرة...
اختفت ابتسامة عصام.
وقال:
"كان لازم يطردني."
سكت الجميع.
قال يوسف:
"ليه؟"
أجاب عصام:
"لأني كنت غلطان."
نظرت جنة إلى الشاشة.
لم تتوقع الإجابة.
قالت:
"غلطان في إيه؟"
جاء صوته:
"في كل حاجة."
ساد الصمت.
ثم قال:
"لكن أبوكي كان فاهم نص الحقيقة بس."
قال يوسف:
"والنص التاني؟"
"أنا."
قالت جنة:
"يعني إنت تعرف مين كان بيهدده؟"
"أيوه."
"تعرف مين قتل أبويا؟"
توقف.
ثم قال:
"قلتلك..."
"أبوك ما اتقتلش قدامي."
صرخت:
"أنا مش بسألك شوفته بيموت ولا لأ!"
ثم انهارت دموعها.
"أنا بس عايزة أعرف مين السبب!"
سكت عصام طويلًا.
ثم قال:
"لو فتحتي الباب..."
"هقولك."
نظر يوسف إليها.
"ما تعمليش كده."
لكن جنة كانت قد اتخذت قرارها.
قالت:
"أنا هفتح."
أمسك يوسف يدها.
"جنة."
نظرت إليه.
"أنا طول عمري بهرب من الحقيقة."
ثم قالت:
"المرة دي مش ههرب."
فتحت الباب.
دخل عصام.
للحظة...
لم يتحرك.
ظل ينظر إلى جنة.
ثم قال:
"كبرتي."
ردت ببرود:
"وأنت كبرت في نفس الوقت اللي كنت أنا فيه بحاول أفهم ليه بابا سابني."
انخفضت عينا عصام.
"أبوك ما سابكيش."
قالت:
"أمال مات ليه؟"
سكت.
ثم جلس.
قال:
"لأننا خسرنا."
سأل يوسف:
"مين؟"
قال عصام:
"كلنا."
أخرج من جيبه مفتاحًا قديمًا.
وضعه على الطاولة.
قال:
"ده مفتاح مكتب أبوكي القديم."
نظرت جنة إليه.
"المكتب اللي اتقفل بعد موته؟"
أومأ.
"لسه موجود."
قال يوسف:
"إزاي؟"
"لأن محدش عرف إنه موجود."
سألته جنة:
"إنت مخبيه؟"
"أيوه."
"ليه؟"
نظر إليها.
وقال:
"لأن أبوكي طلب مني."
توقفت أنفاسها.
"إمتى؟"
"قبل موته بثلاث أيام."
سأل يوسف:
"وقالك إيه؟"
أجاب عصام:
"قال لي..."
ثم أخرج ورقة صغيرة.
"لو جنة رجعت تدور ورايا..."
توقف.
ثم قال:
"خدها للمكتب."
نظرت جنة إلى المفتاح.
ثم قالت:
"نروح."
قال يوسف:
"دلوقتي؟"
أومأت.
"دلوقتي."
قال عصام:
"مش هينفع."
"ليه؟"
رفع عينيه إليها.
"لأن المكتب مراقب."
ساد الصمت.
قال يوسف:
"مين بيراقبه؟"
أجاب:
"الناس اللي كانوا بيراقبوا أبوكي."
سألت جنة:
"يعني لسه عايشين؟"
قال:
"بعضهم."
"ورائد؟"
"لسه."
"كمال؟"
سكت.
"لسه."
ثم أضاف:
"لكن في حد تالت..."
تجمدت جنة.
"مين؟"
قال:
"الشخص اللي أبوكي كان خايف منه."
ثم نظر إليها.
"والشخص اللي أخد كل حاجة بعد موته."
قال يوسف:
"اسمه."
لم يجب.
صرخت جنة:
"قولي اسمه!"
رفع عصام عينيه إليها.
وقال:
**"والدك ماكانش بيحميكي من كمال ولا رائد..."**
توقف.
"كان بيحميكي من واحد كان أقرب ليكي منهم كلهم."
قالت:
"مين؟"
نظر إليها مباشرة.
وقال:
"يوسف."
تجمدت جنة.
نظرت إلى يوسف.
ثم إلى عصام.
ضحك يوسف بصدمة.
"إنت مجنون؟"
لكن عصام لم يبتسم.
قال:
"اسأل أبوها."
قال يوسف:
"أبوها مات من عشرين سنة!"
أجاب عصام:
"وساب دليل."
فتحت جنة عينيها.
"دليل إيه؟"
قال عصام:
"المكتب."
ثم نظر إلى يوسف.
"ولو دخلناه..."
سكت.
"كل واحد فينا هيعرف حاجات مش هيقدر يرجع بعدها زي الأول."
في تلك اللحظة...
رن هاتف جنة.
رقم مجهول.
فتحت الرسالة.
كانت صورة.
صورة لها مع يوسف.
التقطت قبل دقائق.
وتحتها:
"اختيارك الأخير هيحدد مين هيموت."
تجمدت.
نظر يوسف إلى الهاتف.
ثم قال:
"إحنا لازم نخرج من هنا."
قالت جنة:
"ليه؟"
"لأنهم عرفوا مكاننا."
لكن عصام وقف بهدوء.
وقال:
"لأ."
نظر إليه يوسف.
"إيه؟"
قال عصام:
"هما مش عايزيننا نهرب."
ثم نظر إلى جنة.
"هما عايزينك تروحي للمكتب."
سكت الجميع.
قالت جنة:
"ليه؟"
ابتسم عصام بحزن.
"لأنهم مستنيينك هناك."
ثم اقترب منها.
وقال:
"والظاهر إن أبوكي كان عارف إن اليوم ده هييجي."
خرجت جنة من المنزل.
كانت السماء تمطر.
وقفت للحظة تحت المطر.
رفعت وجهها للسماء.
وهمست:
"يا رب..."
ثم أغمضت عينيها.
"أنا مش عارفة مين الصح."
"ومش عارفة مين الغلط."
"بس لو الطريق ده فيه شر..."
"وريني."
ثم قالت:
"ولو فيه خير..."
"قويني."
كانت لا تعرف...
أن أحيانًا إجابة الدعاء لا تأتي على شكل راحة.
أحيانًا...
تأتي على شكل كشف.
شخص يسقط من عينك.
حقيقة تظهر.
باب يُفتح.
وأحيانًا...
شخص كنت تظنه سندًا...
تكتشف أنه كان جزءًا من الاختبار.
لكن الله لا يكشف لك الحقيقة ليهدمك.
بل يكشفها...
حتى لا تبني بقية حياتك فوق كذبة.
وصلوا أمام المكتب القديم.
كان مبنى مهجورًا.
دخل عصام المفتاح.
دار المفتاح في القفل.
تك.
انفتح الباب.
دخلت جنة.
كان المكان مظلمًا.
لكن شيئًا واحدًا لفت انتباهها.
صورة كبيرة معلقة على الحائط.
صورة والدها...
وبجواره ثلاثة رجال.
رائد.
كمال.
عصام.
والرجل الرابع...
كان وجهه ممزقًا.
اقتربت جنة.
مدت يدها نحو الصورة.
ثم قالت:
"ليه حد شال وشه؟"
أجاب عصام:
"لأن أبوكي ماكانش عايز حد يعرف إنه كان موجود."
سأل يوسف:
"مين هو؟"
لم يجب.
فجأة...
أضاء جهاز تسجيل قديم وحده.
ثم جاء صوت والد جنة:
**"لو أنتِ هنا يا جنة..."**
توقفت.
"يبقى كل اللي حاولت أخبيه عنك... فشل."
ثم سكت قليلًا.
وقال:
"بس افتكري حاجة واحدة."
جاء صوته أكثر هدوءًا:
**"ربنا أحيانًا يؤخر كشف الحقيقة..."**
"مش علشان يسيب الظالم."
"لكن علشان يهيئ المظلوم."
ثم قال:
"ويمكن أنا ماقدرتش أحميكي..."
"لكن ربنا عمره ما سابك."
نظرت جنة إلى السماء من النافذة.
وانهمرت دموعها.
لكن هذه المرة...
كانت تبتسم.
ثم عاد التسجيل للعمل.
وجاءت الجملة الأخيرة:
"افتحي الدرج التالت."
نظرت جنة إلى المكتب.
كان أمامها ثلاثة أدراج.
مدت يدها...
وفتحت الأول.
فارغ.
الثاني...
فارغ.
الثالث...
توقف قلبها.
كان بداخله...
ملف باسمها.
وعليه تاريخ...
قبل ولادتها بسنة.
وتحت اسمها كلمة واحدة:
"الحقيقة."
وفي اللحظة التي مدت فيها يدها لتفتح الملف...
انطفأت الأنوار.
وسُمع صوت قفل الباب من الخارج.
ثم صوت رجل مجهول:
"أخيرًا وصلتي يا جنة."
#يتبع....
لقراءة جميع فصول الرواية من هنا