رواية حين يناديك الله الفصل الثاني والعشرون 22 بقلم هيام ايمن الطوخي

 

رواية حين يناديك الله الفصل الثاني والعشرون 22 بقلم هيام ايمن الطوخي


"أحيانًا نتأخر في الوصول إلى الحقيقة...


ليس لأن الطريق كان طويلًا،

وجودكم وتشجيعكم بيفرق معايا أكتر مما تتخيلوا.


ويلا نرجع لجنتنا...


انطفأت الأنوار.


ساد الظلام داخل المكتب.


تجمدت جنة في مكانها.

كانت يدها ما زالت فوق الدرج الثالث.


الملف أمامها.


ملف يحمل اسمها.


وتاريخًا...


قبل أن تولد بسنة كاملة.


ثم جاء الصوت من خلف الباب.


"أخيرًا وصلتي يا جنة."


تراجعت خطوة.


اصطدمت بظهرها بالمكتب.


قال يوسف بسرعة:


"جنة... ابعدي عن الدرج."


لم تجبه.


كانت عيناها معلقتين بالملف.


قال عصام:




"محدش يتحرك."




رد يوسف:




"إنت بتقول إيه؟"




"اسكت."




"إنت اللي جبتنا هنا."




"وأنا اللي عارف المكان ده أكتر منك."




تقدمت جنة خطوة.




"مين برا؟"




جاء الصوت مرة أخرى.




"الشخص اللي أبوكي حاول يدفنه من عشرين سنة."




شعرت جنة بقشعريرة تسري في جسدها.




قال يوسف:




"مفيش حد هيدخل."




ثم تحرك نحو الباب.




أمسكت جنة ذراعه.




"استنى."




نظر إليها.




"إيه؟"




قالت:




"هو عايزنا نفتح الباب."




"ومين قال إننا هنسمع كلامه؟"




"محدش."




ثم نظرت إلى الملف.




"بس هو عارف إن الملف هنا."




صمت يوسف.




كان واضحًا أن الجملة أصابته.




اقترب عصام من الدرج.




"ما تلمسيهوش."




نظرت إليه جنة.




"ليه؟"




"لأن أبوكي ما كانش بيخاف من الورق."




"أمال كان بيخاف من إيه؟"




نظر إلى الملف.




"من الشخص اللي هيقرأه."




سأل يوسف:




"إيه اللي جواه؟"




أجاب عصام:




"مش عارف."




رفعت جنة حاجبها.




"إنت اللي خبيت المفتاح."




"أيوه."




"وأبوك طلب منك تحافظ عليه."




"أيوه."




"يبقى أكيد عارف."




هز رأسه.




"أبوك قال لي حاجة واحدة."




"إيه؟"




"قال لي لو جنة وصلت للمكتب... ما تفتحش الملف غير لما تكون لوحدها."




ساد الصمت.




قالت جنة:




"لوحدي؟"




أومأ.




"ليه؟"




"ما قالش."




ضحك يوسف بسخرية.




"كل شوية سر جديد."




ثم نظر إلى عصام.




"وأنت متوقع نصدقك؟"




رد عصام بهدوء:




"لا."




"أمال؟"




"أنا نفسي مش عارف مين فيكم أصدقه."




تجمد يوسف.




أما جنة...




فشعرت أن شيئًا ما غير طبيعي.




كان عصام ينظر إلى يوسف بطريقة مختلفة.




وكأنه يعرف عنه شيئًا.




شيئًا لا يريد قوله.




قالت:




"عصام."




"نعم؟"




"إنت كنت تعرف يوسف قبل النهارده؟"




لم يجب.




قال يوسف:




"أنا أول مرة أشوفه."




رد عصام:




"وأنا ما قلتش إني أعرفه."




نظرت جنة إلى الاثنين.




"بس نظراتك ليه بتقول غير كده."




وقبل أن يجيب...




سمعوا صوت ارتطام قوي بالباب.




انتفضت جنة.




قال الرجل من الخارج:




"الوقت بيخلص."




اقترب يوسف من الباب.




"لو عايز تدخل ادخل."




ضحك الرجل.




"أنا مش محتاج أدخل."




سأل يوسف:




"ليه؟"




جاء الرد:




"لأنكم هتفتحوا الباب بنفسكم."




ثم...




انقطع الصوت.




ساد الصمت.




قال عصام:




"لازم نخرج."




قالت جنة:




"مش قبل ما أعرف اللي في الملف."




"جنة..."




"أنا تعبت."




نظر إليها.




"تعبت من كل واحد بيقولي استني."




ثم أمسكت الملف.




"استني لما تكبري."




"استني لما تفهمي."




"استني لما الوقت المناسب ييجي."




رفعت عينيها.




"أنا استنيت عشرين سنة."




ثم فتحت الملف.




سقطت أول ورقة على الأرض.




انحنى يوسف والتقطها.




لكن بمجرد أن قرأ السطر الأول...




تغير وجهه.




قالت جنة:




"إيه؟"




لم يرد.




انتزعت الورقة من يده.




قرأت.




"مشروع جنة..."




توقفت.




نظرت إلى يوسف.




"إيه ده؟"




قال عصام:




"كنت خايف من اليوم ده."




بدأت تقرأ.




"الاسم: جنة."




"تاريخ بدء المشروع: قبل الميلاد بسنة."




تجمدت.




"قبل ميلادي بسنة؟"




أومأ عصام.




تابعت القراءة.




"الهدف..."




لكن الكلمة التالية كانت مشطوبة بعنف.




حاولت جنة قراءة ما تحتها.




لم تستطع.




قلبت الصفحة.




كانت هناك صورة.




صورة والدها.




لكن لم يكن وحده.




كان يحمل طفلة صغيرة.




طفلة رضيعة.




حدقت جنة في الصورة.




ثم اقتربت أكثر.




"دي..."




ارتجف صوتها.




"أنا؟"




قال عصام:




"أيوه."




"بس الصورة دي..."




"اتصورت بعد ولادتك بأيام."




هزت رأسها.




"مستحيل."




قال يوسف:




"ليه؟"




أشارت إلى أسفل الصورة.




كان هناك تاريخ.




"التاريخ ده قبل تاريخ ميلادي."




صمت الجميع.




قالت:




"إزاي؟"




لم يجب أحد.




ثم لاحظت شيئًا.




خلف والدها في الصورة...




كان هناك رجل.




وجهه غير واضح.




لكنها تعرف تلك الهيئة.




اقتربت أكثر.




"استنى."




قال يوسف:




"إيه؟"




أشارت.




"الرجل ده..."




ثم التفتت إلى عصام.




"هو نفس الشخص اللي في الصورة القديمة."




نظر عصام إلى الصورة.




ثم قال:




"أيوه."




"مين؟"




صمت.




"عصام."




"ما أعرفش."




صرخت:




"بتكدب!"




تراجع خطوة.




قالت:




"أنت عارف!"




"قلتلك ما أعرفش."




"إنت عارف كل حاجة!"




اقترب يوسف منها.




"جنة..."




ابتعدت عنه.




"ما تلمسنيش."




توقف.




نظرت إليه.




ولأول مرة...




ظهر الخوف في عينيها منه.




تذكرت كلمات عصام.




"أبوك ماكانش بيحميكي من كمال ولا رائد..."




"كان بيحميكي من واحد كان أقرب ليكي منهم كلهم."




يوسف لاحظ نظرتها.




فقال:




"إنتِ صدقتيه؟"




لم تجب.




اقترب منها خطوة.




"جنة، بصيلي."




رفعت عينيها.




قال:




"لو أنا الشخص اللي أبوكي كان بيحميكي منه..."




صمت لحظة.




ثم قال:




"كان زماني سبتك تموت من أول مرة قابلتك فيها."




سكتت.




كان كلامه منطقيًا.




لكن...




هل المنطق يكفي؟




أحيانًا أكثر شخص نثق به...




يكون هو الشخص الذي لا نرى حقيقته.




قالت:




"أنا مش عارفة."




هز رأسه.




"تمام."




ثم تراجع.




"ما تصدقيش."




نظرت إليه.




"إيه؟"




قال:




"ما تصدقيش أي حد."




ثم أضاف:




"حتى أنا."




ارتبكت.




قال عصام:




"يوسف..."




التفت إليه.




"إيه؟"




"إنت لازم تمشي."




ضحك يوسف.




"ليه؟"




"لأن أبوها طلب كده."




تدخلت جنة:




"أبويا قال له إيه عن يوسف؟"




سكت عصام.




"قولي."




"ما أقدرش."




"ليه؟"




"لأن الكلام ده لو اتقال..."




"إيه؟"




نظر إليها.




"مش هتعرفي ترجعي تثقي فيه."




نظرت جنة إلى يوسف.




ثم قالت:




"يمكن أنا أصلًا مش واثقة."




ظهر الألم على وجه يوسف.




لكنه لم يرد.




وفجأة...




صدر صوت من جهاز التسجيل.




عاد للعمل وحده.




تجمد الجميع.




وجاء صوت والد جنة:




"لو سمعتِ التسجيل ده..."




"يبقى الملف اتفتح."




رفعت جنة رأسها.




"بابا..."




تابع التسجيل:




"جنة..."




"لو أنتِ بتسمعيني دلوقتي، يبقى لازم تعرفي إن في حاجة واحدة أخفيتها عنك طول حياتك."




تسارعت أنفاسها.




"أنا ما كنتش أبوكي الحقيقي."




تجمدت.




لم تستوعب الكلمة.




لم يتحرك أحد.




كأن الزمن توقف.




اقتربت من الجهاز.




"إيه؟"




تابع الصوت:




"لكن ده مش معناه إنك مش بنتي."




نزلت دمعة من عينها.




"إنتِ بنتي..."




"حتى لو الدم ما كانش بيربطنا."




وضعت يدها على صدرها.




"أنا ربيتك..."




"وحبيتك..."




"وحاولت أحميكي من ناس ما كانش ينفع تعرفي بوجودهم."




ثم سكت التسجيل.




صرخت جنة:




"بابا!"




ضربت الجهاز بيدها.




"كمل!"




لكن التسجيل توقف.




قال يوسف:




"لازم نلاقي باقي التسجيل."




بحث عصام في المكتب.




فتح الأدراج.




لكن جنة كانت واقفة مكانها.




كأنها فقدت القدرة على الحركة.




"أنا مش بنته؟"




قال يوسف:




"هو قال إنك بنته."




"بس مش بالدم."




ثم ابتسمت بمرارة.




"يعني طول حياتي..."




"كنت عايشة بكذبة."




اقترب يوسف.




"لا."




نظرت إليه.




"إنت مش فاهم."




"أنا فاهم."




"لا، مش فاهم."




ثم قالت:




"كل حاجة اتبنت عليها حياتي طلعت غلط."




قال:




"مش كل حاجة."




"أمال إيه الصح؟"




نظر في عينيها.




"إنه حبك."




سكتت.




"ودي مش كذبة."




انهمرت دموعها.




لكنها مسحتها بسرعة.




ثم عادت إلى الملف.




"أنا عايزة أعرف مين أمي."




تجمد عصام.




قالت:




"أمي الحقيقية."




لم يجب.




اقتربت منه.




"إنت تعرف."




"جنة..."




"تعرف مين أمي؟"




سكت.




صرخت:




"قولي!"




أجاب أخيرًا:




"أمك ماتت."




توقفت.




"إمتى؟"




"قبل ولادتك."




"إزاي؟"




"في الحادثة."




"أي حادثة؟"




خفض رأسه.




"الحادثة اللي أبوكي كان بيحاول يخبيها."




قال يوسف:




"حادثة إيه؟"




نظر عصام إليه.




ثم قال:




"الحريق."




تغير وجه يوسف.




"حريق المنشأة؟"




نظرت جنة إليه.




"إنت تعرف المنشأة؟"




صمت.




قالت:




"يوسف."




لم يجب.




"إنت تعرفها؟"




أجاب:




"أيوه."




تراجعت.




"إزاي؟"




"لأني كنت هناك."




توقفت أنفاسها.




"إمتى؟"




قال:




"من سنين."




"قبل ما أعرفك؟"




أومأ.




"كنت طفل."




قال عصام:




"مش طفل."




نظر إليه يوسف بغضب.




"كفاية."




قالت جنة:




"إنت كنت هناك؟"




"أيوه."




"وشفت أبويا؟"




سكت.




"يوسف!"




قال:




"أيوه."




"وشفت أمي؟"




لم يجب.




اقتربت منه.




"شفتها؟"




أغمض عينيه.




ثم قال:




"أيوه."




سقطت الكلمات عليها كالصاعقة.




"كانت عايشة؟"




ظل صامتًا.




"يوسف..."




رفع عينيه إليها.




"كانت عايشة."




تراجعت جنة.




"إنت بتكدب."




"لا."




"بابا قال إنها ماتت قبل ولادتي."




"أبوك كان بيحاول يحميكي."




"من إيه؟"




لم يجب.




صرخت:




"من إيه؟!"




قال:




"من الحقيقة."




ثم أضاف:




"أمك ما ماتتش يوم الحريق."




ساد الصمت.




"أمك اختفت."




قالت:




"اختفت؟"




أومأ.




"وأبوك قضى سنين بيدور عليها."




قال عصام:




"لحد ما عرف مين أخدها."




سألته جنة:




"مين؟"




لم يجب.




قال يوسف:




"الشخص اللي في الصورة."




تجمدت.




"يعني هو عايش؟"




قال عصام:




"أيوه."




ثم سمعوا صوت ضحكة من خارج المكتب.




ضحكة باردة.




رفع يوسف رأسه.




"إحنا مش لوحدنا."




انطفأ جهاز التسجيل.




ثم اشتعلت شاشة قديمة في آخر الغرفة.




ظهر عليها رجل.




لم يكن وجهه واضحًا.




لكنه قال:




"كفاية لعب."




اقتربت جنة من الشاشة.




"مين أنت؟"




ضحك.




"السؤال الغلط يا جنة."




"أمال السؤال الصح إيه؟"




قال:




"ليه أبوكي أخفى عنك الحقيقة؟"




سكتت.




تابع:




"وليه يوسف كان موجود يوم اختفاء أمك؟"




نظرت جنة إلى يوسف.




ثم إلى الشاشة.




قال الرجل:




"وليه عصام كان أول واحد وصل للمكان بعد الحريق؟"




تجمد عصام.




ثم ظهرت صورة على الشاشة.




صورة قديمة.




جنة طفلة صغيرة.




وبجوارها امرأة.




رفعت جنة يدها إلى فمها.




"ماما..."




قال الرجل:




"أيوه."




ثم ظهرت صورة ثانية.




لرجل يقف بجوار المرأة.




كانت الصورة مشوشة.




لكن هذه المرة...




عرفت جنة الوجه.




صرخت:




"لا..."




كان والدها.




لكن بجواره...




كان يوسف.




أغمض يوسف عينيه.




قالت جنة:




"إنت كنت تعرفني قبل ما تقابلني."




لم يجب.




"صح؟"




ظل صامتًا.




اقتربت منه.




"يوسف..."




رفع عينيه إليها.




كانت عيناه ممتلئتين بالحزن.




وقال:




"أيوه."




تراجعت.




"من إمتى؟"




قال:




"من قبل ما تعرفي اسمي."




تجمدت جنة.




ثم قال الرجل عبر الشاشة:




"دلوقتي بدأتِ تفهمي."




اقترب من الكاميرا.




وقال:




"بس لسه ما عرفتيش أهم حاجة."




سألته جنة:




"إيه؟"




ابتسم.




"ليه أبوكي اختارك أنتِ بالذات."




ثم انطفأت الشاشة.




وفي نفس اللحظة...




انفتح الدرج الثالث مرة أخرى.




وسقطت ورقة وحيدة على الأرض.




انحنت جنة والتقطتها.




كانت مكتوبة بخط والدها.




قرأت السطر الأول.




فتوقفت أنفاسها.




كان مكتوبًا:




"جنة ليست ابنتي الوحيدة..."




ثم سطر آخر:




"ولدي الحقيقي ما زال حيًا."




رفعت جنة رأسها ببطء.




ونظرت إلى يوسف.




ثم إلى عصام.




ثم قالت بصوت مرتجف:


"مين ابنه؟"


لكن لم يجب أحد.


وفي الخارج...


صدر صوت خطوات تقترب من باب المكتب.


خطوة...


ثم أخرى...


ثم توقفت أمام الباب.


وجاء صوت الرجل:


"لو عايزة تعرفي ابن أبوكي..."


سكت قليلًا.


ثم قال:

"افتحي الباب...


يتبع...


             الفصل الثالث والعشرون من هنا 

           لقراءة جميع فصول الرواية من هنا

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة