
رواية آلاء من الله الفصل الاول 1 بقلم حنين سامي
( آلاء )
كنتُ شاردة الذهن، أفكر فيما حدث وما سيحدث لي، لم أكن أتوقع أن تنتهي حياتي بهذا الشكل!
أفقتُ على صوت المأذون وهو يقول: "هل تقبل الآنسة آلاء إبراهيم البكر الرشيد زوجة لك؟"
قال بفرحة: "نعم."
ثم نظر إليَّ وقال: "هل تقبلين بحبيب حازم عبد الله زوجًا لك؟"
نظرتُ في وجوه الحاضرين، بحثًا عمّن ينقذني، وانتظرتُ للحظة، ربما يكون كابوسًا سأستيقظ منه قريبًا...
إبراهيم قال بمرح: "إيه يا أستاذ رأفت، أومال إحنا عاملين الفرح ده كله ليه؟ أكيد موافقة، توكل على الله يا شيخنا."
المأذون بحزم: "لازم آخد موافقة العروسة."
ثم نظر إليَّ مرة أخرى، ولم يكن وحده من ينظر، بل كانت هناك نظرات توعد من أبي، وأخرى قلقة من أمي وصديقتي، وبعضها شامت من أقاربي ...
أخذتُ نفسًا عميقًا ثم ...
لحظة واحدة، دعوني أخبركم ماذا حدث ...
أنا اسمي آلاء، فتاة عادية، مختمرة، متوسطة الطول، ذات أنف حاد وعيون كبيرة، من عائلة متوسطة الحال. أسكن مع أبي وأمي، وأخي مسافر إلى لندن يعمل هناك.
أدرس في السنة الأخيرة بكلية التربية، وحُلمي أن أُدرّس للأطفال في روضة.
في الصباح ، استيقظتُ على صوت المنبه بعد الغفوة العشرين، دخلتُ إلى الحمام، استحممتُ، ثم ارتديتُ فستانًا باللون الأزرق وعليه خماري الأسود المفضل، وخرجتُ من الغرفة لأجد أمي تخرج من المطبخ بيدها الفطور.
أمي قالت بلهجة معاتبة: "صباح الخير يا آلاء، كل ده نوم! صحيتك خمسين مرة."
أخذتُ شريحة خيار من الطبق على السفرة وقلتُ: "بجد؟ مسمعتكيش خالص!"
ابتسمت وقالت: "شوفي كنتِ بتكلمي مين طول الليل، المهم خدي فطارك بسرعة عشان تلحقي الكلية."
تجاهلتُ كلامها، فأنا أعلم جيدًا ما تقصده...
نظرتُ إلى الساعة على الحائط، وجدتها الثامنة والربع، بينما موعدي الثامنة والنصف!
قلتُ بسرعة، وأنا أرتدي الحذاء الأسود: "ماما، أنا متأخرة! ادعيلي أوصل في معادي."
خرجتُ من المنزل مسرعة، فوجدتُ الشاب الذي يُدعى حبيب يقف عند ناصية الشارع مع أصدقائه على ما يبدو . لا أحب هذا الشاب أبدًا، فهو دائمًا صوته مرتفع، كالآن، ولا يمتّ للاحترام بصلة.
نظرتُ أمامي، ووقفتُ في انتظار الباص الذي سيأخذني إلى الكلية كالمعتاد...
لكن رغم بُعدي عنهم، كان صوت حبيب وأصدقائه عاليًا لدرجة أنني سمعته بوضوح.
قال أحد أصدقائه: "إيه يا بوب، مش هتيجي النهاردة حفلة هشام؟"
رد حبيب بكسل: "لا يا شهاب... ولا أقولك، هيبقى فيه نسوان؟"
غمز شهاب وضحك: "طبعًا، كل الأنواع اللي تحبها هتبقى موجودة، تعالى بس وغير جو يا بوب."
حبيب بعد تفكير: "ماشي هاجي، بس السهرة لازم تكون حلوة يا إما همشي."
نظرتُ إلى الساعة مرة أخرى، فقد أصبحت الثامنة والنصف إلا خمس دقائق، وأخيرًا وصل الباص. ركبتُ وذهبتُ إلى الكلية...
هناك، قابلتُ صديقتي المقربة "غادة"، وكانت متأخرة مثلي.
سلمتُ عليها مازحة: "أهلًا بالمتأخرة!"
ضحكت وقالت:"شوف مين اللي جاية من بدري!"
ضحكنا سويًا، ثم طرقتُ الباب ودخلنا المحاضرة. الحمد لله ، دخل الدكتور بعدي بدقيقة فقط!
خلال المحاضرة، كان هاتفي يرنّ مرارًا، لكنني تجاهلته.
بعد انتهاء المحاضرة، قالت غادة بفضول: "إيه يا بنتي، ما تردي؟"
قلتُ بجدية: "هرد عليه في المحاضرة إزاي؟ كده كده هرن عليه دلوقتي."
رنيتُ بالفعل على خطيبي أمجد . آه، صحيح! نسيت أن أخبركم أنني مخطوبة منذ خمسة أشهر، وهذا هو الشهر السادس.
أمجد طبيب يبلغ من العمر ٢٩ عامًا، يعاملني باحترام، فأنا لا أسمح له بتجاوز الحدود معي . هو أطول مني قليلًا ، ذو بشرة بيضاء ، و وجهه خالٍ من اللحية.
عندما ردّ، قلتُ: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته."
أمجد بقلق: "و عليكم السلام يا آلاء، فينك؟ مش بتردي ليه؟"
قلتُ: "كنت في المحاضرة ولسه مخلصة."
أمجد: "طب، كنت عايز أقابلك، إنتِ فين بالضبط؟"
قلتُ بحزم: "مش هينفع أقابلك بره لوحدي، تعالى البيت، كده كده بابا زمانه رجع من الشغل."
سكت قليلًا ثم قال: "كنت عايز أشوفك بره."
قلتُ بضيق:"يا أمجد، قلت لك مية مرة مينفعش نتقابل بره من غير مِحرِم!"
قال بنبرة ضيق: "بس أنا عايز أشوفك، إحنا بقالنا خمس شهور مخطوبين، لسه مش واثقة فيا؟"
قلتُ بحزم: "عايز تشوفني، شوفني في البيت، إنما بره ولوحدنا، لأ! وبعدين إيه علاقة الثقة بالحرام؟"
تنهد وقال: "ماشي، على راحتك يا آلاء، سلام."
قلتُ بضيق: "سلام."
غادة نظرت إليَّ وقالت: "إيه يا لولا، اهدي."
قلتُ بانفعال:"اهدى إيه يا غادة، بقالي خمس شهور بقوله مينفعش نتقابل بره وهو مُصّر! إحنا دايما بنخرج و بابا معانا ، إيه المشكلة يعني!"
ربتت على كتفي وقالت: "فهمتِك، اهدي طيب، إن شاء الله خير." ثم ابتسمت وقالت: "إيه رأيك نشرب عصير قصب؟ لولا حبيبتي بتحبه."
كنتُ سأرفض، لكنها سحبتني من يدي وذهبنا فعلًا، ثم ركبنا الباص كي تعود كلا منا إلى منزلها و هي نزلت قبلي ..
ترجلتُ من الحافلة وأنا أفكر في أمر أمجد، وأتمنى ألا يكون قد غضب...
رأيتُ حبيب ما زال واقفًا عند الناصية، يدخن سيجارة وينظر إليّ. أشحتُ ببصري، وأخرجت المفتاح وصعدتُ إلى المنزل وأنا أشعر بالإرهاق...
عندما دخلتُ الشقة، وجدتُ أبي وأمي يتحدثان، لكنهما صمتا فور رؤيتي.
قلتُ باستغراب: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته."
قالا معًا: "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته."
قال أبي:" عاملة ايه مع أمجد يا آلاء؟"
قلتُ:" الحمد لله ، كله تمام يا بابا، في حاجة و لا ايه ؟"
سكت قليلًا، ثم قال بغموض: "لا مفيش."
نظرتُ إلى أمي، فوجدتها تتجنب النظر إليّ، لكني تجاهلت الأمر وقلتُ: "أنا هدخل أنام شوية عشان أصحى أذاكر."
قال أبي: "استني، أمجد جاي عايز يقعد معاكي."
"تُرى هل أخبر أمجد أبي بشيء أم لا؟"
قلتُ: "حاضر يا بابا."
دخلتُ غرفتي، وضعتُ حقيبتي، وجلستُ على السرير .
بعد لحظات، دخلت أمي قائلة: "في ايه يا لولا مالك ؟ شكلك تعبان."
قلتُ: "مفيش يا ماما مرهقة من المحاضرة و عايزة أنام".
قالت: "قومي بس ده أمجد جاي ، اغسلي وشك و شوية و هتفوقي."
قلتُ: "حاضر يا ماما."
قمتُ بالفعل، غسلتُ وجهي، تأكدتُ من ترتيب المنزل، ثم أعددتُ عصير المانجو لأنه يحبه، وجلستُ في الصالة أقرأ القرآن حتى يصل...
بعد ربع ساعة، سمعتُ جرس الباب، فنهضتُ لفتح الباب، لكن أبي قال: "خليكي، هفتح أنا."
دخلتُ المطبخ في تلك الأثناء، ووقفتُ بجوار أمي، التي ربتت على كتفي بحنان وقالت: "ربنا يهديكم لبعض يا بنتي."
ابتسمتُ وقلتُ: "يا رب."
"أمجد شخص جيد، وأنا أقدّره، لكن يزعجني أمر الخروج كثيرًا، فقد أخبرته أكثر من مرة، لكنه يتجاهل الأمر. نحاول تجاوز الخلافات من أجل إتمام الزواج، فبالتأكيد لديّ عيوبي أنا أيضًا، وكل منا يحاول التغاضي للحفاظ على استمرار العلاقة."
قالت أمي ضاحكة:"يلا يا لولا، خذي عصير المانجا، الدنجوان بتاعك بيحبه!"
احمر وجهي خجلًا وقلتُ: "هاتي يا ماما هاتي ، مش عملاه تاني."
حملتُ الصينية ودخلتُ إلى الصالة، ثم قلتُ: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
قال أبي: "ادخلي يا بنتي، هو في حد غريب هنا ؟!"
دخلتُ مبتسمة، وضعتُ العصير أمام أمجد، وقلتُ له: "اتفضل يا أمجد."
قال بابتسامة: "يزيد فضلك يا آلاء".
جلستُ على الكرسي بجوار أبي، فقال أبي: "طيب أسيبكم أنا ، هروح أشوف حماتك عايزة مني ايه يا أمجد."
قال أمجد: "اتفضل يا عمي، سلملي عليها"
غادر أبي، ثم نظر إليّ أمجد مطولًا ثم قال: ....
(يتبع)...