رواية آلاء من الله الفصل الرابع 4 بقلم حنين سامي


رواية آلاء من الله الفصل الرابع 4 بقلم حنين سامي


( آلاء )

خرجتُ من الصالة وبحثتُ عن أمي، لكنها لم تكن هناك، وكذلك أبي.

اتجهتُ نحو الباب الذي كان جرسه لا يتوقف عن الرنين ، و عندما فتحته ، كانت المفاجأة حين وجدته أبي عند الباب و معه كرتونة حلويات فاخرة.


قلتُ باستغراب: " يا بابا، خضتني !"


قال لي ، و قد بدا عليه التعب:  "خدي من ايدي، فين أمك؟"


أخذتُ الكرتونة من يده وأدخلتها المطبخ، و وجدتُ أمي تخرج من غرفتها بإسدال الصلاة.


سألتها: "هي فين غادة يا ماما؟"


قالت: "روحت يا بنتي عشان مامتها اتصلت."


قلتُ: "ماشي، هبقى أكلمها."


قاطع كلامنا بابا قائلًا : "يا أستاذة آلاء، انتي سايبة الراجل لوحده ليه؟ ادخلي يلا وخدي الطبق ده."


أعطاني طبقًا يحتوي على حلوى، و لكن ليست كأي حلوى ، بل غالية الثمن .

أخذته من يده وأنا بداخلي أريد أن أدخل غرفتي وأكلم أمجد. أه صحيح، أمجد...


نظرتُ إلى أبي و قلتُ بتساؤل و قلق: "بابا ، انت كلمت أمجد؟"


نظر لي نظرة حادة ثم قال من بين أسنانه: "ادخلي يا آلاء وعدي ليلتك."


(حبيب)


كنت أجلس في انتظارها أن تأتِ ، و لكن صوت الرسائل من هاتفها بدأ يصدح في المكان بشكل مزعج ، و لم تكن رسالة واحدة ! بل عدة رسائل متتالية ، تُظهِر أن الشخص ملح في محاولاته لكي تجيب .




ولحسن الحظ أو لسوء الحظ، كانت الشاشة تضيء باسم "أمجد". لم أقصد التطفل وحاولت ألا أنظر، لكن لفت انتباهي كلمة "بحبك".




كادت يدي تمتد لتأخذ الهاتف ، لكن في تلك اللحظة دخلت هي ، فلوّحْتُ لها بيدي وقلت : "أهلاً برجوعك."


كان بيدها طبق من الحلوى ، و ما إن رأيته حتى قمت و أخذته من يدها ، ثم ابتسمت وقلت: "عنك يا عروسة."


نظرت إليّ بضيق ، و جلست في مكانها ...


لا أخفي عليكم سرًا ، كنت أخشى أن تدلقه عليّ كما فعلت من قبل، ليصبح حالتي كـ"حبيب بالكيكة و عصير المانجا الطازة ..."




قاطع أفكاري كلامها وهي تقول: "وبعدين؟"




(آلاء)


كان جالسًا، يبدو أنه يفكر في شيء ما ، و ابتسامته على وجهه ، فقررت أنني يجب أن أنهي هذا الموضوع .




فقلت: "وبعدين؟"


نظر لي وقال: "انتي عايزة إيه بالضبط؟"


قلت بضيق: "انت راضي عن الجوازة دي؟"


قال بابتسامة عريضة حتى ظهرت أسنانه: "طبعًااا."




قلت، وقد بدأ صوتي يرتفع: "بس أنا مش موافقة، بص يا ابن الناس أنا واحدة أصلاً مخطوبة وبحب خطيبي، وخطيبي بيحبني، ثم أصلًا أنا مش هنفعك."


كنت أتحدث بكل ما في داخلي على أمل أن يقول لي: "خلاص، أنا مش هتجوزك،  براحتك."




لكنه نظر لي بنظرة جعلتني أصمت تمامًا ، فقد ظهر عِرق في جبهته و آخر في رقبته ، يدل على غضبه الشديد ، ثم قال بهدوء عكس ما يظهر عليه : "استسمحك يا آنسة آلاء، متذكريش اسم الشخص ده تاني، وقلت لك مرة ، الجوازة هتّم حتى لو على جثتي ."




كان صوته يتسلل مثل خيوط الدخان، ناعمًا و خطيرًا في آنٍ واحد ، يوحي بتهديد خفي لا يحتاج إلى صراخ ليُشعِر سامِعُهُ بالخطر .




قلت بصوت يشوبُه الحزن : "لكن أنا مش بحبك ، و مش هقدر أعيش معاك."




توقفت عيناه عندها ، مظلمة كسماء بلا نجوم ، لا رجاء فيها و لا تردد . نظرة باردة ، هادئة حد الرعب ، و كأن كلمتي لم تحرك داخله شيئًا . لكنه لم يرمش ، لم يحِد بنظره و لو لثانية ، كأن عينيه تحيطان بي كفخ لا سبيل للهروب منه . لم يكن هناك غضب ظاهر ، و لا ألم ، فقط يقين مخيف بأني سأكون له ... مهما قلتُ العكس .




قام من مكانه، أخذ هاتفه وأغراضه، وقال بهدوء وجفاء، مع ابتسامة خالية من أي ملامح ابتسام حقيقية :


"أشوفك بكره يا ...... عروستي."


ثم غادَر ، فقط … غادَر !!!




"أنا لن أبكي . حتى عندما شعرت بالغصّة تخنق حلقي ، حتى عندما ضغطت الدموع على أطراف عينيّ ، بقيتُ واقفة ، ثابتة . لا أسمح لصوتي أن يرتجف ، لا أسمح لأنفاسي أن تتقطع . رأيته ينظر إليّ ، باردًا ، و كأن كلماتي لم تعنِ له شيئًا... لكن داخلي؟ داخلي كان يعج بالفوضى . الحزن يجثم على صدري كصخرة ثقيلة ، يؤلمني لكنه لن يكسرني . قبضتُ على يدي بقوة ، دفنتُ أظافري في راحتي ، و أخذت نفسًا عميقًا . "


لا، لن أسقط الآن . لن أعطيه هذا الانتصار.




ذهبتُ إلى غرفتي فورًا و لم أحدث حتى أمي التي نظرت لي بقلق ، و كانت تريدُ محادثتي ..




"بمجرد أن أغلقت الباب خلفي ، سقط القناع . لم يعد هناك داعٍ للتماسك ، لم يعد هناك من يراقب . ارتخى كتفاي كما لو أنني كنت أحمل وزن العالم فوقهما ، و ابتلعتُ أنفاسي المرتجفة و أنا أستند إلى الباب . عينيّ لم تخذلاني أمامه ، لكن الآن ... الآن لم أستطع منع الدموع من الانهمار . شعرت بها تحرق خديّ ، ساخنة ، سريعة ، كأنها كانت تنتظر هذه اللحظة لتتحرر . لا شهقات ، لا صوت ، فقط الدموع تتساقط ، و صوت أنفاسي المتقطعة يملأ الغرفة الصامتة . مررتُ يدي على وجهي بعنف ، كأنني أحاول مسح الألم كما أمسح الدموع ، لكن الحزن ... الحزن لا يُمسح بهذه السهولة."




اهتز الهاتف بين يديّ مرارًا ، الشاشة تضيء باسم صديقتي ، ثم اسم خطيبي ، ثم تعود إلى السكون لثوانٍ قبل أن تعاود الرنين من جديد .


نظرتُ إليه بلا تعبير ، بلا رغبة حتى في تحريكه . تركته يهتز ، يصرخ بأسمائهم ، لكنني لم أمد يدي للرد .




كان صوت الرنين يملأ الغرفة ، يذكرني بأن هناك أشخاصًا بالخارج ينتظرون مني إجابة ، لكنني لم أكن مستعدة للكلام . شعرتُ و كأن الكلمات تهرب مني ، كأن أي جملة سأقولها ستكون خاطئة ، ضعيفة ، بلا معنى .




أخيرًا، توقف الرنين. عاد الصمت ليبتلعني من جديد، لكن هذه المرة كان أثقل ... و كأن هروبي من الرد جعل الفراغ داخلي أكبر.




"جلستُ على طرف السرير، أحدّق في الفراغ، لكن رأسي كان يعجّ بالأسئلة . ماذا سيحدث غدًا ؟ هل سأظل قادرة على التماسك ؟ هل يمكنني الهروب من هذا المصير الذي يقترب مني كظل لا أستطيع الإفلات منه ؟ شعرتُ بثقل يجثم على صدري ، ليس جسديًا ، بل شيئًا أعمق ، كأن الهواء نفسه أصبح أثقل من أن أتنفسه بحرية."




مرّت الدقائق ، أو ربما الساعات ، و أنا غارقة في أفكاري. لم أدرِ متى أغمضتُ عينيّ ، و لا متى توقفتُ عن التفكير . كل ما أعرفه أنني لم أقاوم النوم ، لم أحتضنه أيضًا .


"فقط ... غُصتُ فيه كما يغرق شخص متعب في بحر بلا قاع."




```


                      ــــــــــــــــــ


```




في صباح اليوم التالي، استيقظتُ على صوت أمي و هي تطرق الباب و تقول : "قومي يا آلاء، يلا، الفطار جاهز".




جلستُ على السرير للحظة أسترجع ما حدث ، و تمنيت لو كان حلمًا، لكن خابت توقعاتي عندما وجدتُ نفسي ما زلت أرتدي نفس الفستان، وعيني المنتفختين من آثار البكاء.


دخلت الحمام و توضأت ، ثم صليت الضحى .


خرجت من الغرفة و أنا أشعر بأنني أريد المكوث في غرفتي إلى الأبد.




جلست في مكاني كالمعتاد، لكنني لم أمس الطعام.


قال أبي مازحًا: "إيه يا لولا، مفيش سلام عليكم؟"


نظرت له بحزن مدفون وقلت: "السلام عليكم".


قالت أمي بنبرة حنونة: "كلي يا بنتي عشان تعرفي تواصلي، اليوم هيبقى طويل".


أجبت:"مليش نفس يا ماما، أنا شبعانة، عن إذنكم".




سمعت أمي تقول لأبي بهمس: "كده يا إبراهيم، شوف البنت حالتها عاملة إزاي! ما كانت مبسوطة وطايرة من الفرحة!"


قال بهدوء:"كلي يا سلوى و انتي ساكتة ، أنا عارف أنا بعمل إيه".


وهنا تحطم آخر أمل لي ، و أدركت أنني متورطة في هذا الموضوع لا محالة .




دخلت غرفتي و أمسكتُ هاتفي لأجد عشر مكالمات فائتة من غادة ؛ و عشرون رسالة من أمجد بالإضافة إلى المكالمات أيضًا .




كنت سأتصل بغادة و لكن وجدتها تتصل بي ، فأجبتُ و ألقيت السلام عليها ثم قلت :  " ازيك يا غادة ".


قالت بانفعال : " ازيك ايه يختي ! قومي افتحي الباب انا بره ".


لم تعطني فرصة للرد ؛ بل أغلقت في وجهي .




قمت و اتجهت لباب الشقة ، و في طريقي قلت لأبي  و أمي أنني سأفتح لغادة ، و بدت الفرحة على أمي كأنها صديقتها هي !




فتحتُ الباب و نظرت إليها ، فكانت غاضبة جدًا لكن عندما رأتني تبدل الغضب بقلق شديد ، قالت و هي تحتضنني : " عاملة ايه ؟ رنيت عليكي كتير امبارح ".


قلتُ و قد أخذت يدها لكي ندخل غرفتي : " نمت غصب عني " .




جلسَت على طرف السرير ، و قالت بحاجب مرفوع : " نمتي برده ؟"


نظرت إلى الحائط متحاشية عيونها ، و قلت : " ايوا "


قالت بمرح : " باين على عيونك بس ماشي هعمل مصدقة ، احكيلي اللي حصل" .




قلت بهدوء محاولة عدم تذكر ما حدث : " بصي يا غادة انا مش قادرة احكي ، بس كل اللي هقوله انه مصمم على الجوازة دي ".




و هنا دمعت عيني مع آخر كلمة ؛ فقد تذكرت ما حدث ، أنا لم أنسى ؛ لكن كنت أحاول التناسي .


أخذتني في حضنها و قالت : " انا مش عارفة اقولك ايه و الله يا آلاء ، بس بجد سيبيها لله و متزعليش نفسك ، هنحاول نتعايش مع الوضع ، انتي عارفة والدك لما بياخد قرار مش بيرجع فيه " .




قلت بانفعال :" طب و أنا ؟! انا مشاعري راحت فين ؟! انا مش طايقة البني آدم ده ! ده المفروض قراري انا و جوازي انا ، طب حتى يعرفني ايه اللي حصل ! يديني سبب واحد بس للتغيير ده ."




زادت من احتضاني و أخذت تربّت على ظهري .


فقلتُ بانكسار بعدما مسحتُ دموعي : " كده كده مفيش فايدة من الكلام ده ، انا هرضى بالواقع و خلاص . "


قالت في محاولة لمواساتي : " انا واثقة إنه خير يا روحي ، و انتي كلمتيه امبارح صح ؟ ايه رأيك فيه ؟ "


قلت بعد تفكير : " عادي يعني ، بس الغريب انه وافق يعملي فرح إسلامي " .




صرخت غادة بفرح و قالت : " بس .. مش ده اللي كنتي عايزاه ؟ انا جبت شنطتي و أدواتي و هخليكي أحلى عروسة  ."


قلت بتحذير و انا أشير بإصبعي السبابة : " غادة انا بحذرك ، حطي حاجة خفيفة متبانش " .


قالت بمرح : " ده انا هخليكي أحلى كلاون " .


نظرتُ لها بحدة ، فقالت مستدركة  : " يا بنتي بهزر بهزر " .


ابتسمتُ لابتسامتها الجميلة ، فهي حقًا أغلى من مجرد صديقة .




قضينا الوقت في الأكل الذي غصبتني غادة على تناوله بحجة أن المكياج لن يتمكن من الثبات إذا لم آكل ، و لن يكون هناك طعام آخر ، بالإضافة إلى جلسة البنات و الماسكات و جميع أنواع العناية بالجسم و البشرة .


و أخيرًا، ارتديتُ فستاني الذي أحضره أبي من المحل وهو عائد من العمل.




كان الفستان يتميز بتصميم راقٍ وأنيق، يجمع بين الفخامة والبساطة في آن واحد. مصنوع من قماش أبيض ناعم يمتد بانسيابية ليشكل تنورة واسعة و محتشمة. الجزء العلوي مزين بطبقة من الدانتيل المطرز بشكل فاخر ، يغطي الأكتاف و الأذرع على هيئة كاب أنيق يصل إلى الأرض ، مما يمنحه لمسة ملكية جذابة .




كما ارتديت طرحة بيضاء اللون، كنت أتمنى لو كنت أرتدي فستانًا أسود مع طرحة سوداء ، و لكن أمي كانت تأتي تطمئن عليّ بين الحين والآخر ، و غادة كانت جالسة ، فلم أتمكن من تنفيذ الفكرة.




نظرتُ إلى نفسي في المرآة، كنت جميلة بفضل الله ، لكن نظرة الحزن في عيني لم أستطع إخفاءها .


أطلقتُ تنهيدة طويلة قبل أن أقول : "يلا يا غادة، قولي لماما إني جهزت".


قبلتني غادة وقالت بعيون دامعة: "شكلك جميل أوي أوي". ثم غمزت لي وقالت: "يا بخته".


ابتسمت بخجل وقلت وأنا أنظر إليها بحب: "انتي اللي جميلة، اللهم بارك".




فقد كانت ترتدي فستانًا باللون الأزرق البترولي، و كان واسعًا و جميلًا عليها ، مع حجاب باللون البيج و شنطة بنفس اللون.


قبلتني مرة أخرى وخرجت لتخبر أمي.




جلستُ أفكر في كيف ستسير الأمور، وهل أبي أخبر أمجد؟ بالطبع أخبره وإلا لم يكن ليتصل بي كثيرًا. ثم خطرت في بالي فكرة…


أمسكتُ التليفون وفتحت المحادثة بيني وبينه، كان قد كتب :


"إيه يا آلاء مش بتردي عليّ ليه؟"


"عاملة إيه يا عروسة؟"


ثم تحول الحديث بعد دقائق إلى:


"آلاء هو صحيح اللي والدك بيقوله ده؟!"


"آلاء ردي عليّ، برن عليكي".


"يا بنتي ردي!!! فهميني إيه اللي حصل!"


"آلاء أنا بموت هنا، رنيت عليكي خمسين مرة!"


ثم أرسل لي العديد من النقط لأرد. لو كنت أعرف ماذا حدث، لكنت أخبرت نفسي قبل أن أخبره، لكنني فقط أُجبرت على ذلك.




دخلت أمي وغادة، ونظرت أمي لي بحب وقالت: "بنتي كبرت يا أخواتي".


نظرتُ لها بعينين مليئتين بالدموع وقلت: "ماما أنا مكبرتش، أنا لسه صغيرة، خليني قاعدة معاكي هنا".




قالت بحنية وهي تطبطب عليّ: "متزعليش يا آلاء، حاولي تسعدي نفسك يا بنتي، لازم تتخطي اللي فات وتبدأي حياة جديدة. قدامك حياة جميلة تعيشيها".


ثم قبلتني على جبهتي وقالت: "أنا معاكي دايمًا يا عيون ماما، و مش هسيبك أبدًا".




كنت على وشك البكاء، لكن يد غادة منعتني حيثُ أمسكت وجهي و قالت بتذمر وهي تحاول مسح دمعة تسللت مني بمنديل : "يا خالتو متعيطهاش، الميكب يا جدعان! أنا تعبانة فيه وما خدتش عمولتي حتى! لو كده هاتي حقه وامشي يا ست آلاء".


ضحكتُ وقلت: "خلاص يا ستي، مش هبوّظه عشانك".




ماما قالت بتذكر: "صحيح يا بنات، حبيب هيعدي عليكي بالعربية بتاعته ياخدك يا آلاء، وانتي يا غادة اركبي معايا أنا وعمك إبراهيم".


غادة:"ماشي يا خالتو، كده كده بابا وماما هييجوا لوحدهم".


ماما: "وكمان متقلقيش يا آلاء، أنا وديت شنطة هدومك في بيتك الجديد".


بصيت لها وقلت: "شكرًا يا ماما".




خرجنا من الغرفة و اتجهتُ نحو الصالة حيث كان أبي ينتظرنا ، و عندما رآني وقف و قال لي بابتسامته الجميلة : "بسم الله ما شاء الله ، ايه الحلاوة دي"


قلتُ بابتسامة:" الله يسعدك يا بابا ."




احتضنني بقوة و قال : " انا عارف انك قدها ، و انك هتتأقلمي مع الوضع ، و عايزك تعرفي انه غصب عني."


كنت سأنتهز الفرصة و أسأله عن السبب ، لكنه لم يعطني فرصة بل قال في عجلة : " يلا يا عروسة ، عريسك مستنيكي تحت بقاله نص ساعة ، قالي سيبها براحتها يا عمي ."




و هنا سمعتُ صوت ضحكة غادة العالي فنظرتُ لها وجدتها تغمز لي ، فتكرتُها و أخذتُ يد أمي كي ننزل لنقابل هذا العريس ، و لكن بالطبع غادة لحقَت بنا ، نزلنا و كان يقف أمام سيارته الفاخرة السوداء ، أنا لا أعرف في السيارات لكن يظهرُ عليها الفخامة.




"وقف هناك ، في الظلال ، مرتديًا بدلة سوداء أنيقة تناسب جسده تمامًا . عيونه اللامعة تحت ضوء الشارع كانت تراقبني بثقة ، و خطى نحوي ، مشيته كانت هادئة و واثقة ، كأن كل خطوة يخطوها محسوبة بدقة ، تحمل معه هالة من القوة و الجاذبية .




مد يده لي و معه باقة من الورود البيضاء المغلفة بدقة ، و قال لي بابتسامة ساحرة و بنظرة مليئة بالإعجاب:" جبتلك ورد أبيض لإنه يُشبهك يا قمري."


احمررت خجلًا و لم أستطع قول شىء عدى كلمة " شكرًا"




مد كف يده مرة أخرى و قال : " تسمحيلي يا عروستي."


و هنا حدثتُ نفسي قائلة "فوقي يا أستاذة آلاء"


نظرتُ له ثم قلت بجفاء : " مش بلمس حد اجنبي ."


و تركته بعد ما ودّعت أمي و أبي و غادة ، و اتجهت نحو السيارة و ركبتُ فيها .




كان أبي يحدثه هناك كي يخفف عنه الاحراج ، لكنني لا أكترث .


وجدته يتجه نحوي بخطوات ثابتة ، و ركب بجانبي ، لكني كنتُ أذكى منه فقد وضعتُ باقة الورود لتفصل بيني و بينه .




( حبيب )




عندما رأيتُها لم أستطع وصف شعوري فقد كانت جميلة جدًا أكثر مما تخيلت ، و فرحت انها ترتدي محتشم  و تغطي سائر جسدها .


دخلتُ السيارة و قلت لصديقي هشام أن يتحرك ، و جلستُ بجانبها او بجانب باقة الورود و يكأنني سآكلها .




نظرتُ لها بحب فلم أستطع منع نفسي ، لكن قطعَت أفكاري عندما قالت ببرود :  " حضرتك هتفضل باصصلي كتير ؟! "


قلت بابتسامة : " بلاش حضرتك دي ، انا جوزك برده " .


قالت بسخرية : " لا لو سمحت انت لسه مش جوزي " .


غيرتُ الموضوع و قلت : " بس شكلك ملائكي و رقيق " .


قالت بجفاء : " الله يعزك " .


قلت محاولا التغاضي عن معاملتها الجافة : " احم ، ان شاء الله هنروح نكتب الكتاب و كل المعازيم هيبقوا موجودين ، بعد كده هتروحي لقاعة مخصصة للبنات و انا هكون مع الرجالة . "


لم تنطق حرف فقط هزت رأسها لأعلى و لأسفل .


أخدتُ نفس عميق و أنا أُحِث نفسي على الهدوء  .


( آلاء )


كنت اسمع صوت أنفاسه من هنا و كأنها بركان ثائر ، لكني لا أكترث .


وصلنا إلى القاعة و ترجَّل هو قبلي من السيارة و فتح لي الباب و مد يده بمعني ' اتفضلي' ، ترجَّلتُ من السيارة و دخلنا القاعة و كانت القاعة قد امتلأت بالمدعوّين ، لأن أبي كان قد عزم الناس بالفعل على زفافي بعد هذا التغيير ..!


دخلنا و جلسنا في المكان المخصص لنا و حضر المأذون .


كان يُكلم أبي و هذا الشخص بالأمور المعتادة ...


كنتُ شاردة الذهن، أفكر فيما حدث وما سيحدث لي، لم أكن أتوقع أن تنتهي حياتي بهذا الشكل!


أفقتُ على صوت المأذون وهو يقول: "هل تقبل الآنسة آلاء إبراهيم البكر الرشيد زوجة لك؟"


قال بفرحة: "نعم."


ثم نظر إليَّ وقال: "هل تقبلين بحبيب حازم عبد الله زوجًا لك؟"


نظرتُ في وجوه الحاضرين، بحثًا عمّن ينقذني، وانتظرتُ للحظة، ربما يكون كابوسًا سأستيقظ منه قريبًا...


إبراهيم قال بمرح: "إيه يا أستاذ رأفت، أومال إحنا عاملين الفرح ده كله ليه؟ أكيد موافقة، توكل على الله يا شيخنا."

المأذون بحزم: "لازم آخد موافقة العروسة."

ثم نظر إليَّ مرة أخرى، ولم يكن وحده من ينظر، بل كانت هناك نظرات توعد من أبي، وأخرى قلقة من أمي وصديقتي، وبعضها شامت من أقاربي...


أخذتُ نفسًا عميقًا ثم...


( و هذا ما حدث أعزائي....)


( يتبع ) ...


                   الفصل الخامس من هنا 

           لقراءة جميع فصول الرواية من هنا

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة