رواية آلاء من الله الفصل الخامس 5 بقلم حنين سامي


رواية آلاء من الله الفصل الخامس 5 بقلم حنين سامي


ثم نظر إليَّ مرة أخرى، ولم يكن وحده من ينظر، بل كانت هناك نظرات توعد من أبي، وأخرى قلقة من أمي وصديقتي، وبعضها شامت من أقاربي...


أخذتُ نفسًا عميقًا ثم قلت و أنا أخرجُه ببطء و كأني أخرِج آخر نفس لي و أنا على قيد الحياة : "موافقة " .


قال المأذون : " إذًا مُبارك للعروسين ، خد بالك منها يا عريس ، هي دلوقتي سابت أهلها و كل حاجة و هتبقى في بيتك أنت ؛ تحت وصيتك أنت ، و كما قال الرسول ﷺ ( استوصوا بالنساء خيرًا ) ، و انتي يا عروسة حافظي على بيتك و على جوزك و على عرضه و ماله في غيابه قبل حضوره ؛ فهو طريقك إلى الجنَّة ، و بارك الله لكما و بارك عليكما و جمع بينكما في خير ".


تابعتُ المأذون الذي ذهب لكي يغادر ، و لكن تسمرت عيناي عندما وجدتُ أمجد يقف عند باب القاعة ينظر إليّ ، كانت عيناه كسماءٍ ملبدة بالغيوم ، يشتد فيها البرق غضبًا ، لكن المطر لم ينهمر بعد . نظراته ثائرة، تفيض بالقسوة، لكنها في الوقت ذاته تحمل شرخًا خفيًا ، وجعًا متواريًا خلف الجفون المتوترة .


قاطع صدمتي حبيب و هو يقول بفرحة : "مُبارك يا عروستي ، اظن بقا دلوقتي بقيتي مراتي رسمي ."


لم أستطع الرد .


و ازداد الأمر سوءًا عندما وجدتُ عائلته تكلم أبي الذي اتجه مسرعًا نحوهم ، و أخذهم بعيدًا .

فرقع حبيب أصابعه أمام وجهي ، فصدر صوت خافت كأنه همسة في الهواء ، فالتفتُّ نحوه ببطء . كأنه يذكرني بوجوده .


نظر نحو باب القاعة و قال بتساؤل : " في حاجة ؟ انتي بتبصي على ايه ؟ مالك شكلك مخطوف ".




( حبيب )




نظرتُ إليها بقلق فقد كانت متجمدة في مكانها، و تلاشت الألوان من وجهها ، و كانت تتنفس ببطء و في نفس الوقت بسرعة فائقة كأنها لا تستطيع التنفس ، كانت عيناها متسعة و تحدقان في الفراغ .




قلتُ لها مرة أخرى بقلق شديد : " آلاء ، انتي كويسة ؟ انا هتصل بدكتور ".




لكنها قالت بشفتين مرتجفتين : " انا بخير الحمد لله ".




أتت أختي " دعاء " و قالت بابتسامتها المعهودة : " معلش يا عريس انا هاخد عروستك منك عشان نهيص سوا مع البنات ".


قلت بابتسامة قلقة : " خلي بالك منها يا دعاء ."


ضحكت و قالت : " حاضر يا عاشق ".


نظرت لها نظرة أخرستها ، قلت : "امشي يلا يا دعاء ".




أحسست بها كانت كالجسد بلا روح كأنها تمشي إلى طريق مجهول ، لكني أقسم أن أعوِّضها عما حدث .




( آلاء )




ذهبنا إلى قاعة النساء و كل ما أفكر فيه أمجد ، كنت أريد مقابلته و أن أصرخ له بأعلى صوتٍ لي و أقول له " أنقذني " .




غادة : " مالك يا آلاء في حاجة ؟ "


قلتُ لها بتوجس : " أمجد هنا هو و عيلته "


قالت بصدمة :" بجد ؟!"


أومأتُ برأسي و قلت بخوف : " انا خايفة ".


قالت و هي تربّت عليّ : " متخافيش يا لولا ، ربنا يستر و تعدي على خير ، طب هو راح فين دلوقتي ؟ "


رفعتُ كتفيّ إلى الأعلى في استسلام ؛ فأنا لا أعرف مكانه .




قالت لي بهمس : "طب بصي أنا هروح أشوف الدنيا فيها ايه ، بس خليكي طبيعية ، ماشي ؟"


قالت آخر كلمة بتحذير كأنها تريد إيقاظي من توتري و قلقي .


قلت بهمس أنا الأخرى : " ماشي مستنياكي ".




(الكاتبة)




ذهبَت غادة تبحث عن أمجد ، فكانت تنظر بجانبها تبحث عنه بعيناها ، لكن وجدت شابين أمامها ينظران لها بنظرة لعوبة .


قال أحدهم : " ايه يا اتش شكلنا لقينا فريسة انهاردة ".


نظر لها هشام و قال : " بتدوري على حاجة ؟ "


حاولت إخفاء توترها و قالت : " بدور على أخويا ، أنت اللي في حاجة ؟! "




ذهبت عدة خطوات في الإتجاه المعاكس لهما و أخرجت هاتفها و أخرجت رقم أخيها الوهمي ؛ فهي لا تملك أى إخوة ، ثم رأت في طريقها أمجد و عائلته المكونة من أبيه و أمه و عمه ، فهي تعرفهم .




كانوا يتحدثون بصوت مرتفع في الحديقة ..


قال أبو أمجد بصوت مرتفع : " ايه اللي بيحصل ده يا أستاذ إبراهيم ، يعني ايه تكلمنا قبل الفرح بيوم تقولنا كل شىء قسمة و نصيب ؟!! ".




قال إبراهيم بهدوء :" اسأل ابنك يا أستاذ محمد و شوف هو عمل ايه ".


نظر محمد إلى ابنه و قال :" عملت ايه يا أمجد أنا مش فاهم حاجة ! "


قال أمجد بتوتر : " انا معملتش حاجة يا بابا ."


قال إبراهيم بانفعال : " يعني انت عايز تنكر إنك ....."




قطع أستماع غادة صوت هذا الشاب الذي يُدعي هشام و هو يقول بمكر : " ايه يا حلوة ، هو أخوكي واقف في الجنينة و لا ايه ؟"




نظرت له غادة نظرة نارية فقد كانت تريد أن تسمع السبب لصديقتها ، و هذا الجاهل قطع تركيزها ...


نظرت مرة أخرى إلى الحديقة فوجدت عائلة أمجد تهمُّ بالمغادرة ، و كذلك والد آلاء يتجه إلى القاعة مرة أخرى .




نظرت بحسرة إلى الحديقة ، ثم نظرت إلى هشام و قالت بضيق : " لو سمحت عيب اللي انت بتعمله ده "


و اتجهت مرة أخرى نحو قاعة النساء لكنه لم يتركها تذهب ؛ بل وقف أمامها مباشرة ؛ و كاد أن يلمس كتفها لكن امتدت يد من خلفه و دفعته عنها .


نظرت غادة و إذا بها ترى شاب طويل ، يتمتع ببشرة قمحية ناعمة و لون ذقنه الفاتح الذي يبرز بشكل جذاب . أما شعره ، فهو أيضًا فاتح اللون ، مما يضفي عليه مظهرًا طبيعيًا و مشرقًا . يحمل قوة و حضورًا لا يُمكن تجاهله .


قال ببرود : " مش هتبطل اللي بتعمله ده يا هشام ."


نظرَت لهما بلامبالاة ، ثم ذهبت فلم تكن في حالة جيدة للعبث هنا و هناك .




( آلاء )




كنتُ أجلس على الكرسي المخصص للعروس ، و كنت أحاول بشتى الطرق أن أظهر بشكل طبيعي كما أوصتني غادة ، لكن شعرتُ أنّ محاولاتي بائت بالفشل عندما رأيتُ " دعاء " تتجه نحوي و بيدها كأسين من العصير .


مدت لي يدها و قالت بلطف :" اتفضلي اشربي ، زمانك تعبتي ".


أخذتُ منها الكأس بيدٍ ترتعش لا إراديًا و قلتُ : " شكرًا ليكي ".




قالت بابتسامة و هي تأخذ رشفة من كأسها بين الحين و الآخر : " انا عارفة إنك شبه مجبرة على الجوازة دي ، بس حبيت أقولك إن حبيب شخص طيب ؛ يعني هو ممكن يبان من بره وحش و مش محترم لكن بجد هو إنسان كويس ."




نظرتُ لها و قلتُ : " أولًا : انا مجبرة بالكامل مش شبه مجبرة ، ثانيًا : حتى لو اللي اسمه حبيب ده قلبه قلب خصاية فأنا ميهمنيش ."


ثم أشحت بوجهي عنها و كنت أفكر " هي غادة اتأخرت ليه ؟ "


كنت أعرف أنها ستثرثر حول أخيها و كم هو شخص رائع و مذهل و يا للهول ، لكن ما فاجئني أنها قالت : " عندك حق ، الموضوع صعب ".


نظرتُ لها بتفاجؤ ، ثم قلتُ بتساؤل : " انتي متعرفيش هو اتجوزني ليه ؟ ".




كنتُ أرجو بداخلي أن تعرف أى شىء يفيدُني .


قالت بعد تفكير : " و الله انا كل اللي اعرفه إنه جه مرة متعصب من بره و ...."




( دعاء بتذكر)




كنتُ أُنظم غرفتي ليلًا حين سمعتُ صوت حبيب الغاضب و هو يقول : " يعني أنت هتسيب اللي الأستاذ ده بيعمله ؟!"


خرجتُ من الغرفة لكي أمنع الجدال بينهم .


قالي أبي بهدوء : " و أنت مالك يعني ؟ "


قال حبيب بصوت مرتفع و صدره يعلو و يهبط بسرعة : " خلاص مش شغالك فيها ".




ثم همّ حبيب بالمغادة لكن أوقفه صوت أبي و هو يقول بصرامة : " تعالى هنا يا ولد ".


نظر له حبيب بغضب حاول التحكم فيه و قال : " هي كلمة واحدة يا بابا ، يا هتجوزها يا مش شغال فيها ".




تنهد أبي ثم قال : " تعالى نتكلم في المكتب ."


نظر لي أبي و قال :" واقفة عندك كده ليه يا دعاء ؟ ادخلي ذاكري يا حبيبتي ".




( الواقع )


(آلاء)




أنهت دعاء كلامها بقول : " بعد كده دخلت أوضتي عشان أذاكر و ده كل اللي اعرفه ".




ابتسمتُ لها و قلتُ : " شكرًا يا دعاء بجد ."


ردت لي الابتسامة و قالت : " عفوًا على ايه ، انا بعتبرك أختي ، أنا معنديش أخوات بنات ، و اصلًا بحبك من زمان ".


قلت لها و أنا أربّت على كتفها : " أنا كمان معنديش أخوات بنات ، و أنا كمان حبيتك ".




وضعَت الكأس من يدها و قالت و هي تمد لي كف يدها :" يعني نبدأ صفحة جديدة ؟"


قلت بابتسامة صادقة : " نبدأ أحلى صفحة جديدة ".


قالت لي بمرح : " طب يلا تعالي نرقص و نهيص شوية يا عروسة ، هو في بنوتة بالجمال ده كله ".


ضحكت بخجل و قلت : " بس انا بتكسف ، مش هعرف ".




قالت برفض : " مفيش الكلام ده كلنا بنات ، أنا أصلًا مستغربة ازاي حبيب قرر فجأة أنه يعمل فرح زي كده ! "


قلت لها و نحن نتجه إلى مكان الرقص : " ليه هي الأجواء وحشة ؟ "


قالت : "لا طبعًا دي جميلة أوي ، كفاية اننا ماشيين براحتنا و هنرقص براحتنا ، بس مش عارفة جاب الفكرة دي منين برده ! أصل حبيب و فرح إسلامي شتان بينهم ."


قلتُ لها بابتسامة : " أنا اللي قولتله ".


قالت بتفاجؤ : " اااه اتاريه كان طول الليل امبارح بيدور على أغاني إسلامية و آخر ما زهق كلم القاعة و سألهم فيه أغاني إسلامية و لا لأ ، و اتفق معاهم على كده ".




أطلت عليّ فكرة عابرة كانت فحواها " يعني هو عمل كل ده عشاني ! كان ممكن يرفض طلبي و خلاص ، و كده كده عارف إني مجبورة !" ، لكني آثرتُ تجاهل هذه الفكرة قبل أن تجرّني إلى دوامة من التفكير .




رقصنا سويًا لكن ذهني كان مشغولًا بغادة التي ما إن نظرتُ إلى الباب حتى وجدتها تتجه نحوي بتعابير محبَطة .


نظرت لي ثم أشارت بإصبعها إلى منصة العروس .


تركتُ " دعاء " بعد أن قلتُ لها أنني متعبة و أريد الاستراحة .




اتجهت إلى غادة بقلق و قلتُ لها : " ها عرفتي حاجة ؟ "


قالت بخيبة أمل : " لا للأسف ، كل اللي عرفته إن أمجد عمل حاجة مضايقة والدك ".


قلت بابتسامة : " طيب خلاص متزعليش ، شكرًا إنك حاولتي ".


قالت بنرفزة : " يا بنتي أنا كنت واقفة بسمع و جه واحد غبي عند الحته المهمة ، معرفتش اسمع الباقي ".


نظرتُ لها بحدة و قلت : " يا ستي متشتميش ، انتي كده ادتيله حسناتك . "


تنهدت ثم استغفرت و جلست ترتشفُ من كأس عصير كان موضوع على الطاولة .




إنهالت عليّ التبريكات من أقاربي ، و فتيات أعرفها و لا أعرفُها ..!


و كنت شبه سعيدة بالأجواء إلى أن قطع سعادتي وجود عمتي التي قالت لي بابتسامة صفراء : " مبروك يا عروسة تتهني في بيت الدكتور .. يوه قصدي ال... صحيح هو جوزك بيتشغل ايه ؟ "




حاولتُ تذكر كلامه عندما كان يحدثني عن نفسه لكن للأسف لم يقل لي أين يعمل .


أنقذني من هذا الموقف أمي و هي تقول : " الله يبارك فيكي يا أم أحمد ، جوزها يختي بيشتغل مدير في شركة قد الدنيا ".


لم تكتفي بهذا الحد بل قالت : " اومال فين يختي الدكتور ؟"


قالت أمي بابتسامة هادئة : " محصلش نصيب يا أم أحمد ، سيبي البنات يهيصوا و تعالي كلي جاتوه ".


ثم ذهبت عمتي مع أمي التي كانت مشغولة بالمدعووين .




جلستُ مع غادة و دعاء ؛ اللتين قمتُ بتعريف إحداهما على الأخرى ، إلى أن حان وقت الرحيل عندما وجدتُ أمي تقول لي بابتسامة و أعين مختلطة بالدموع : " يلا يا لولا ، حبيب مستنيكي بره عشان تروحوا ."




نظرتُ لها ثم قلت : " يعني مفيش أمل يا ماما ؟ "


كنت أعرف إجابة سؤالي لكن هذا الأمل الزائف خطر بذهني .


هزّت رأسها نفيًا ثم عانقتني بقوة و همست في أذني : " و من يتوكل على الله فهو حسبُه . "


ارتعش قلبي بعد هذه الجُملة فأنا أعرف هذه الآية عن ظهر قلب ، دمعت عيناي و قلتُ لها و أنا أُحكِم عناقي لها : " نعم ، لن يضيعني الله ."


تركتها ثم نظرتُ إلى " غادة " التي كانت تقف و تحاول إخفاء دموعها ، عانقتُها بقوة و بادلتني العناق و هي تقبلني و تقول لي بتأثر : " أوعي تعيطي ، العياط مش بيليق بيكي ، اضحكي دايما و خلي بالك من نفسك ".


ثم غيرت نبرة صوتها محذرةً لي و هي تقول : " و إياكِ ثم إياكِ متتصليش بيا ."


قلتُ لها مازحة : " انتي اللي المفروض تسألي عني يا هانم ".


ودعتُ المتبقي من المدعووين ، و ذهبت حيث يقف حبيب ينظر في ساعته ، و يتحدث إلى صديقه الذي قام بإيصالنا قبلًا .


نظر لي ثم تركه و تقدم نحوي و قال بابتسامة : " وحشتيني ".


قلت : " هو أنا لحقت أوحشك ؟! "


قال بهيام : " انتي بتوحشيني كل ثانية ."


لم أرد عليه اكتفيت بالسكوت أو الكسوف أيهما أقرب .


قال لي : " انا قلت لهشام يروح ، و انا اللي هوصلك ، تسمحيلي أكون سواق سعادتك ".


قلت له : " اه مجبرين ، يا ترى قدامنا حل تاني ! "


أتي أبي و قال لحبيب بتحذير : " حطها في عينيك يا حبيب و إياك أسمع إنك ضايقتها ."


كنتُ أصرخ بداخلي " يا بابا روحني ، هو مضايقني من دلوقتي " لكن لم أجرء على قول شيء .


عانقني أبي و قبلني ثم قال : " خلي بالك من نفسك يا بنوتي ، و متقلقيش أنا معاكي دايما ."


قلتُ و قد دمعت عيناي : " حاضر يا بابا ، هتوحشوني ".


تركني أبي مع هذا الشخص الذي لا أطيقه ، فتح لي الباب و قال بابتسامة : " اتفضلي يا مراتي ."


جلستُ بجوار مقعده ( مقعد السائق ) ، كم تمنيتُ لو أجلس في الخلف .


انطلق بالسيارة ، ثم قال لي : " تحبي تسمعي إيه ؟"


قلتُ له بابتسامة جافة : " احب أسمع صوت الصمت جدًا ."


أومأ برأسه ثم سكت ..!


نظرتُ إلى الطريق من خلف زجاج السيارة ، وددتُّ لو أنني طائر يطير في الهواء بحرية بعيدًا عن الأماكن التي لا تناسبه .


أفقت على فتحِه لنافذة السيارة ، و دخل الهواء يداعب بشرتي ، أغمضتُ عيني و أنا أستمتع بهذه اللحظة و امتدت يدي لتخرج من النافذة لتلامس الهواء المنعش .


أصابني الذُعر حين توقفت السيارة بشكل مفاجئ ، نظرتُ لحبيب فإذا به ينظر أمامه كالصقر و عينه لا تتحرك ، نظرتُ أمامي فإذا بي أرى أمجد ....


( يتبع) .....


                   الفصل السادس من هنا 

          لقراءة جميع فصول الرواية من هنا

تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة