
رواية آلاء من الله الفصل الثالث 3 بقلم حنين سامي
انتظرتُ أن يبدآ في تناول الطعام، لكن أبي كان ينظر إليّ وكأنه يفكر في شيء ما.
قلت: "مالك يا بابا؟ عايز تقولي حاجة؟"
قال بهدوء: "آه، أنا هكلم أمجد انهاردة عشان..."
قلتُ بفرحة: "ايوا يا بابا كلمه ، بقالك كتير مكلمتوش ، و فرحنا بكره ."
قال بغضب: "متقاطعنيش ."
قلتُ بإحراج: "حاضر."
استكمل بحزم: "أنا هكلم أمجد عشان نلغي الفرح و هتتجوزي حبيب جارنا ."
جاءني الخبر كالصاعقة، حتى أنني نظرت إليه وبدأت أضحك من شدة الصدمة، ثم قلت له:
"بابا، بجد مش وقته هزار."
نظرتُ إليه فوجدته يحدق بي بجدية تامة، ثم التفتُ إلى أمي التي كانت تمسك بالملعقة وتقلب طبق السلطة.
قال أبي: "بصي يا بنتي، هو قرار و مفيش رجوع فيه."
حاولت أن أستجمع نفسي وقلت: "بابا، هو إيه اللي حصل؟! أمجد زعلك في حاجة؟"
قال: "لا محدش زعلني ولا حاجة، و ده قراري سواء عجبك أو لأ."
قلت بانفعال بسيط: "بابا ، فرحي بكره ، وأمجد شاب محترم و خلوق، إيه اللي حصل لكل ده؟ وحبيب مين أصلًا ؟ ده لا يمكن مقارنته بأمجد!"
قال بحزم : "وفري اللي بتعمليه ده لإنه ملوش لازمة، وفرحك بكره برده بس على حبيب، سلام."
وقف أبي واتجه نحو الباب، ولم أستطع إيقافه.
نظرت إلى أمي التي ظلت صامتة حتى الآن وقلت بحزن: "ماما، قولي إن بابا بيهزر."
كان الحزن واضحًا على وجه أمي عندما قالت: "لا يا بنتي، مش بيهزر."
قلت بانفعال: "أمال إيه اللي حصل؟! مش ده أمجد اللي بابا كان فخور بيه طول الوقت، وكان بيتباهى بيه و الدكتور راح و الدكتور جه ؟! إزاي فجأة هتجوز حبيب اللي منعرفش له لا أصل ولا فصل؟ وإزاي أصلًا وافقتوا على حاجة زي كده؟!"
قالت وهي تحاول مواساتي: "اهدي يا آلاء، انتي عارفة إن كلام أبوكي بيتسمع."
قلت: "آه يا ماما، بس مش على حساب فرحتي! أنا مش عايزة أتجوز حبيب ده.. بصي ، أنا مش عايزة أتجوز أصلًا ."
تركت مائدة الطعام، ودخلت غرفتي وأغلقت الباب على نفسي، وجلست أبكي حتى أذّن الظهر، فصليت ودعوت الله كثيرًا أن يهون عليَّ وأن يلهمني الصواب.
خرجت إلى الشرفة لأستنشق بعض الهواء وأحاول التفكير جيدًا. نظرت نحو شرفة المنزل المجاور للمنزل المقابل لنا ، فوجدت فتاة تُدعى "دعاء"، وهي أخت حبيب.
وكأنني كنت بحاجة إلى المزيد! نظرت إليَّ وابتسمت ولوّحت بيدها، فنظرت إليها بضيق ودخلت إلى غرفتي مجددًا.
سمعت صوت غادة من خلف الباب تنادي بصوت عالٍ: "يا آلاء، يا لولااا!"
نظرت إلى نفسي في المرآة، مسحت ما تبقى من دموعي، ثم فتحت الباب. وما إن رأيتها حتى انهرت بالبكاء مجددًا.
قلت باكية: "شوفتي اللي حصل يا غادة؟"
قالت بعيون دامعة: "آه يا آلاء، خالتو قالتلي."
قلت وازداد بكائي:"عايزين يجوزوني حبيب يا غادة! حبيب! ده أنا مش بطيق أبصله بجد في الشارع، ما بالك هبقى معاه في بيت واحد!"
احتضنتني بحنان وقالت بصوت دافئ: "لولا حبيبتي، أنا عارفة إن الموضوع صعب، بس مش يمكن ده الخير ليكي؟"
حاولت أن أتماسك وقلت: "طبعًا، أقدار ربنا كلها خير، وأنا واثقة إن ربنا مش هيضيعني."
قالت بابتسامة: "خلاص، يبقى سيبيها لله يا آلاء."
قلت بحزن: "طب وأمجد؟! تخيلي مشاعره إيه و بابا بيقوله كل شيء قسمة ونصيب بعد ست شهور خطوبة!"
قالت: "دي حاجة والدك هيتصرف فيها، انتي ملكيش دعوة."
قلت: "بس صعب يا غادة، إحنا بقالنا مدة كبيرة مع بعض، و يعتبر اتعودت عليه."
قالت بحنان :"متزعليش نفسك يا لولا، الوقت بينسي، وادعي ربنا كتير، وإن شاء الله هتعدي على خير يا قلبي."
مسَحَتْ دموعي واحتضنتني بقوة قائلة: "يلا يا عروستي قومي اغسلي وشك، متخْفِيش ضحكتك الحلوة."
نهضتُ بالفعل، و غسلت وجهي، ثم أدّينا صلاة العصر معًا. وبعد فترة، جاء والدي ليقول: "اعملي حسابك هتقابلي حبيب النهاردة الساعة سبعة." ثم غادر.
نظرتُ إلى غادة، التي كانت تجلس معي طوال الوقت، وقلت: "شوفتي بيعاملني إزاي."
فقالت: "هو بس يمكن مش عايز يواجهك عشان متحاوليش تقنعيه."
فأجبتُ بغضب: "أنا مش عايزة أقابل حد."
قالت بسرعة: "استهدي بالله يا آلاء وقومي اجهزي، الساعة ستة اهي."
قاطعتنا والدتي وهي تدخل الغرفة قائلة: "عاملة إيه دلوقتي يا آلاء؟ أنا مرضيتش آجي أكلمك عشان عارفة إن غادة هي اللي في القلب."
ابتسمتُ قائلة: "لا يا ماما متقوليش كده، انتوا الاتنين في القلب."
ردّت أمي: "ماشي يا آلاء، صدقيني يا بنتي أنا زيك معرفش تفاصيل، وحقيقي حاولت أقول لأبوكي بس هو مسمعنيش."
فأجبتها بتفهم: "خلاص يا ماما ولا يهمك، أنا هسلم أمري لله و خير ان شاء الله ."
احتضنتني والدتي وربّتت على ظهري بحنان.
قالت غادة بمزاح: "احم، أنا مكنتش عايزة أقطع اللحظة الرومانسية دي ، بس يلا يا لولا ورينا جمال فستانك."
قلت بتحدٍّ: "ده أنا هلبس أسود حاجة عندي، و هكرهه في اليوم اللي فكر يتجوزني فيه."
تدخلت أمي قائلة: "يا بنتي إحنا مش ناقصين مشاكل مع أبوكي."
فقلت: "هو كده يا إما بلاش."
قالت أمي: "إنتي حرة، أنا رايحة المطبخ أجهز كيكة و عصير."
قلت بسخرية: "مش مستاهلة يا ماما، ملهاش لازمة، كده كده مش هيطول في القاعدة."
نظرت إليّ بحدة ثم غادرت الغرفة.
ضحكت غادة قائلة: "يلا البسي، أنا هستناكي بره."
ارتديت الفستان الأسود الواسع، ولتجنب غضب أبي، كان مزينًا بورود بيضاء صغيرة، ثم وضعت خماري الأسود المفضل.
سمعت جرس الباب، ثم طرقَت غادة باب غرفتي ..
قلت: "ادخلي يا غادة."
دخلت وكانت على وشك الحديث لكنها صُدمت وقالت: "يا الله، إيه اللي إنتي لابساه ده؟!"
نظرتُ إليها ببراءة وقلت: "إيه؟"
قالت بانفعال: "هو إيه اللي إيه؟ لابسة أسود كده ليه؟ طب كنتي غيرتي الخِمار!"
فأجبتها: "بصي يا غادة، هو كده إذا كان عاجب."
قالت: "طب يلا يا أختي اطلعي، العريس جه."
نظرتُ إليها بحزن، وداهمتني ذكريات أمجد. لا أصدق ما يحدث، أشعر وكأنني أخونه.
قطعَت أفكاري وهي تربّت على كتفي قائلة: "يلا يا أجمل عروسة، إيه الحلاويات دي؟"
ابتسمتُ ودخلتُ إلى المطبخ، فوجدتُ أمي هناك، وبالطبع لم أكن بحاجة إلى شرح التوبيخ الذي تعرضتُ له بسبب ملابسي.
أخذتُ العصير، ثم ألقيت السلام قبل الدخول إلى الصالة، فسمعتُ صوته يجيب: "وعليكم السلام."
للحظة، شعرتُ بالتوتر، وبدأتُ يداي بالارتجاف. كان صوته رخيم .
قال أبي: "تعالي يا آلاء، ادخلي."
وقفتُ في مكاني وكأن قدميّ تجذرتا في الأرض، بينما الصينية ترتجف بين يديّ.
تقدمت غادة و أخذت الصينية من يدي وأعطتها لأمي، ثم همست لي وهي تمد لي منديلًا : "يلا يا آلاء، اهدي عادي ، خشي ارمي الصينية في وشه و اطلعي تاني."
برغم التوتر، لم أتمالك نفسي من الضحك ، و مسحت يدي ووجهي قائلة: "حاضر، دي سهلة." ثم خطرت لي فكرة، فقلت: "غادة، ما تدخلي انتي."
نظرت إليّ وكانت على وشك الرد، لكن فجأة، سمعتُ صوت أبي يقول: "يا آلاء يا بنتي، تعالي."
التفتُّ إلى الخلف، فرأيتُ أمي تشير لي كي أدخل.
أمسكتُ الصينية مجددًا من غادة، وأخذتُ نفسًا عميقًا، ثم دخلتُ ...
(حبيب)
كنت جالسًا مع والدها في انتظارها أن تدخل. ألقت السلام من خلف الباب، ورددتُّ عليها.
سكتنا لدقائق في انتظارها، وعندما تأخرت قال والدها:"آلاء يا بنتي، تعالي."
نظر إليّ بابتسامة وقال: "أنت عارف البنات بقا."
وفي تلك اللحظة، دخلت أجمل من رأت عيني . نعم، رأيتُ الكثير، لكنها كانت مختلفة ومميزة. لم أستطع أن أغض بصري عنها، بالرغم من أنها كانت ترتدي الأسود، ومن الواضح أنها فرِحة جدًا هه .
وضعت العصير على الطاولة، ثم جلست على الكرسي بجانب والدها.
نظر إليّ والدها ثم قال: "أقدّم لك بنتي آلاء."
و يكأنني لا أعرفها، إنني أحفظها عن ظهر قلب.
قلت بابتسامة: "إزيك يا آلاء؟"
قالت بصوت منخفض: "الحمد لله."
لم تنظر لي حتى! انتظرت أن يذهب والدها لكنّه ظل جالسًا يتحدث في كلام لا معنى له بالنسبة لي.
قاطع تفكيري وهو يقف قائلًا : "هسيبكم لوحدكم شوية."
ابتسمت له و قلت في نفسي "أخيرًا".
ثم خرج والدها، ويا ليته لم يخرج، فقد تركني معها وحدنا، ولا أستطيع إيقاف قلبي عن النبض. كنت أخشى أن تكون تسمع دقاته الآن من شدة السرعة.
طال الصمت ، فقلت لأكسره : "منورة الدنيا كلها."
قالت بجدية: "ده نورك."
قامت من مكانها و أخذت الكوب من الصينية، وقالت وهي تمده إليّ: "اتفضل."
كنت على وشك أخذه من يدها، لكن ما لم يكن في الحسبان أنها سكبته عليّ ...!
(آلاء)
أخذت كوب العصير، وكنت على وشك إعطائه له طبعًا هه ، لكن و يا للأسف وقع عليه...
نظر لي بصدمة، فقلت وأنا أمثل التفاجؤ: "يا الله، أنا آسفة خالص، مخدتش بالي." و أخذت مناديل من على الطاولة و أعطيتها له .
أخذ المنديل من يدي وقال بابتسامة: "خير خير، دلق المانجا خير."
إيه الخير ده! كنت أفكر أنه سيقوم ليأخذ أغراضه و يغادر ...
جلستُ في مكاني مرة أخرى و أنا أفكر في ذهني : ماذا أفعل الآن؟
جفف ملابسه ، التي كانت عبارة عن قميص أبيض كلاسيكي و بنطال أسود .
لحظة، لاحظت أن له ذقنًا مصففة بعناية و له عينان .....
فجأة ، وجدته ينظر إليّ ، فتصنعتُ أنني أنظر إلى السجادة .
قال بابتسامة: "تحبي تعرفي عني إيه يا آلاء؟"
' يا رب صبرني '
قلت بابتسامة جافة : "أنا معرفش عنك حاجة أصلًا غير أنك واحد بتشرب سجاير و بتقف على الناصية، ومفيش لا شغلة ولا مشغلة."
نظر إلي وضحك بقوة لدرجة أن أسنانه ظهرت، كانت أسنانه منتظمة وكأنها منحوتة بعناية.
وضع يده على لحيته يهذبها ثم قال: "أولًا يا ستي، أنا بشرب سجاير آه، هل ده مضايقك؟"
قلت بضيق: "آه، لإنها حرام، وكمان أنا بتخنق من ريحة السجاير."
قال: "أممم طيب، فهمت. ثانيًا بقى أنا مش دايمًا بقف على الناصية."
ثم نظر إليّ بنظرة غامضة أربكتني، وقال: "أنا بقف في أوقات معينة بس."
ثم ابتسم ابتسامة خفيفة وأكمل: "ثالثًا بقى أنا بشتغل."
قلت باستهزاء: "ويا ترى بتشتغل إيه؟ بتشتغل نفسك؟"
قال بابتسامة باردة: "لا، بشتغلك انتي."
سكتُّ و كنت أتمنى بداخلي لو كان هذا حلمًا و سوف أستيقظ منه قريبًا.
(حبيب)
نظرت إليها وكانت صامتة، فقررت أن أتكلم وأقطع الصمت مرة أخرى، فقلت: "إيه أكتر أكلة بتحبيها؟"
نظرَت إليَّ بضيق خفي وقالت: "الفسيخ."
كنت أعلم أنها تكذب عليّ، فأنا أعرف ما تفضله أكثر من نفسها.
قلت لها: "اه حلو الفسيخ، أنا بحبه أنا كمان."
رفعت حاجبها و نظرت لي باشمئزاز و قالت : "انت بتحب الفسيخ؟"
قلت: "مش انتي بتحبيه؟"
قالت: "ولا عمري دقته."
قلت بابتسامة جانبية: "ولا أنا."
قالت بضيق: "يعني إنت بتكدب عليّ؟!"
قلت باستفزاز: "شوف مين بيتكلم."
قالت وهي تحاول تخفي توترها : "على فكرة أنا... أنا كنت بختبرك."
قلت بابتسامة: "طب ونجحت؟"
قالت بغضب طفولي: "لا، مش هتنجح."
قلت: "طيب، إيه أكتر حاجة نفسك فيها؟"
قالت بسرعة: "إنك تمشي من هنا، يا أستاذ أنا منفعكش صدقني."
قلت بضيق: "لا، حاجة غير دي لإنها مستحيل."
قالت بتساؤل: "نفسي أفتح حضانة، ماشي؟"
نظرتُ لها ثم قلت بابتسامة: "طب إزاي طفلة هتدرّس أطفال؟"
نظرت لي نظرة حادة و لم ترد ، فأكملتُ: "حلم جميل أوي، إن شاء الله تحققيه في يوم من الأيام."
نظرت لي بدهشة لوهلة ثم دارت بوجهها وقالت: "طب أنا عايزة فرح إسلامي."
قلت بابتسامة واسعة: "اعتبريه حصل، أنا محبش إن الرجالة تشوف مراتي."
نظرت إليّ بذهول مختلط بالفرحة ، لكنها أيضًا حاولت إخفاء مشاعرها...!
كانت تعتقد أنني سوف أرفض ، لا تعرف أنها لو طلبت نجمة من السماء سأحضِرُها لها...!
قلت بعدما صمتت ، أعتقد أنها لا تجد ما تغضبني به: "طيب، أنا هعرفك بنفسي، اسمي حبيب حازم ، عندي ٢٩ سنة، عندي أخت صغيرة اسمها 'دعاء'، وأخ كبير اسمه 'ناصر'، بشتغل..."
قاطع كلامي صوت هاتفها و هو يرن ..
(آلاء)
كنت أستمع إليه بإنصات حتى رن هاتفي، وكان أمجد!
توترتُ جدًا ولم أعرف ماذا أفعل، لكني قمت بإغلاق الهاتف حتى أنتهي من هذا الشخص...
قلت: "كمل."
قال : "ردي."
قلت: "لا، ده تليفون مش مهم."
قال بشك: "متأكدة؟"
كنت على وشك الرد عليه، لكن قاطعني صوت جرس منزلنا ... كانت الرنات متتالية لدرجة جعلتني أقوم بفتح الباب بنفسي بعد أن استأذنت منه.
خرجتُ من الصالة ونظرتُ بحثًا عن أمي، لكنها لم تكن هناك ، وكذلك أبي...
اتجهتُ نحو الباب الذي لم يتوقف جرسه عن الرنين حتى الآن، وعندما فتحته، كانت المفاجأة عندما وجدت ...
( يتبع ) ....