رواية الماسة المكسورة 2 الفصل الثالث والاربعون 43 ج 2 بقلم ليله عادل


رواية الماسة المكسورة 2 الفصل الثالث والاربعون 43 ج 2 
بقلم ليله عادل


فيلا سليم وماسة7ص

كانت الشمس قد بدأت في الارتفاع، بينما كان سليم يركض حول الحديقة بخطوات ثابتة، وبعد دقائق، رن هاتفه.

توقف عن الركض، وأخذ نفسا عميقا قبل أن يجيب: أيوة عرفان؟... طيب، أنا جاي.

أغلق الهاتف، تناول قليلا من الماء، ثم تحرك نحو البرجولة المقابلة، كان عرفان بانتظاره برفقة مكي.

نظر سليم إلى مكي، وقال باستغراب: إنت إيه اللي مصحيك بدري؟

ابتسم مكي: نفس اللي مصحيك بدري.

جلس سليم وهو يقول: طيب، إيه الأخبار؟

عرفان بجدية: عثمان وتمساح اتقتلوا.

تغيرت ملامح سليم قليلا: عماد قتلهم؟

أومأ عرفان: اممم، تسريب غاز، بعت ناس تبعه، وعايز يطلع على أمريكا، فإنت لو عايز تجيبه مصر حاول تسرع خطواتك.

أومأ سليم ببطء، وكأن الأمر لم يفاجئه: نهاية متوقعة، عموما عماد ممكن بكرة بالكتير يكون هنا..

ثم وجه حديثه إلى عرفان قال: النهاردة عندنا كذا مشوار، وإنت اللي هتكون معايا..

ثم وجه نظرة إلى مكي قائلا: مكي، خليك مع ماسة وارتاح شوية.

أومأ عرفان: تمام يا باشا أنا جاهز، اديني بس المواعيد والأماكن..

ثم مد يده وأضاف: هات تليفونك.

تنهد سليم، أعطاه الهاتف، وبدأ عرفان يعبث ببعض إعدادات الهاتف، وبعد لحظات أعاد إليه وقال: إنت كده على تليفون الباشا الجديد.

تبسم سليم: برافو عليك يا عرفان، دخل مكي كمان عشان هو اللي هيتابع، وجهز الرجالة، إحنا هنروح على المجموعة وإحنا في الطريق هقولك خطواتنا إيه النهاردة؟!

ثم نظر لمكي: وإنت روح ناملك ساعتين إنت شكلك مانمتش من إمبارح.

أومأ مكي بتعب: ده حقيقي، صحيح الاوضة بتاعة حور خلصت.

أومأ سليم براسه ثم قال طب أنا هروح اللبس.

نهض سليم وتحرك إلى الداخل بينما نهض عرفان ليجهز السيارات 

وفي اللحظة نفسها، كانت سلوى تخرج من المبنى قالت: صباح الخير يا سليم.

التفت إليها مبتسما: صباح النور، صاحية بدري كده ليه؟

تبسمت: عندي شغل وشفت مكي من البلكونة، فاستغربت إنكم رجعتوا، قلت أما أروح أسلم عليه وأزعقله عشان ما أتصلش بيا.

ضحك سليم: احدفيه في النيل على طول! إنتِ لسه هتزعقي؟

ابتسمت سلوى: عندك حق يا سليم.

سليم بتهذب: بعد إذنك.

ابتسم لها، ثم تحرك إلى الداخل.

أما سلوى، فاتجهت نحو مكي أسفل البرجولة، وهي عابسة الوجه، بينما كان هو ينتظرها بابتسامة.
توقفت أمامه وقالت بعتاب: يعني رجعت من إمبارح ومقولتش وقولت تمام، الحمد لله رجع بالسلامة، كمان متتصلش؟

ابتسم مكي: والله يا سوسكا، كان عندنا حوارات كتير جدا، عشان كده ماعرفتش أكلمك.

ضيقت عينيها وجلست جانبه قالت باستنكار: لا، مافيش حاجة اسمها ماعرفتش، ممكن تكلمني دقيقة عادي جدا تقولي: أنا جيت بس مشغول، أي حاجة.

ضحك مكي: حقك عليا، بس كان في حوارات كتير من ساعة مانزلت مصر، ولازم أكون متابعها مع عشري، خصوصا إن سليم كان تعبان ونام، والله أنا مانمتش من أمبارح.

اقتربت منه، وتأملته للحظات، ثم مسحت على وجهه قائلة: شكلك فعلا تعبان، طب خلاص روح ارتاح.

ضحك بتعب: راحة إيه بس؟ هي شكلها مفيهاش راحة خالص! محتاج أجيبلي جردل قهوة، عشان اقدر أفضل متابع عزت باشا.

ابتسمت سلوى: أنا ممكن أقعد أسمع مكانك، هاخد النهاردة إجازة، وإنت نام، بس قولي أعمل إيه؟! 

مسح على كتفها برفق وقال: روحي شغلك إنتِ، أنا متعود، وبعدين أنا بس هروح أنام ساعتين، بالنسبة ليا هايبقوا حلوين أوي.

زمت شفتيها وهي تنظر إليه بشك: متأكد؟

تبسم لها: متأكد.

فكرت للحظة، ثم قالت: طب بقولك إيه؟ إنت أصلا وحشتني، أنا مش هروح الشغل، هقعد معاك أسليك واساعدك، بما إنك مش هتروح مع سليم النهاردة.

ابتسم مؤيدا: فكرة حلوة أوي، أنا موافق.

تبسمت بحماس: خلاص، أنا هروح أبلغهم، ومش 
هفطر. معاهم، نفطر سوا، هي الساعة كام دلوقتي؟!
نظرت في ساعتها وهي تواصل: داخلة على تمانية، بص نام، وهصحيك الساعة عشرة.

هز رأسه بايجاب: ماشي.

ابتسمت سلوى، ثم قالت بمكر: طب قوللي بقى وحشتك قد إيه؟ وبعدين جبت ليا هدية من هناك ولا لأ؟

ضحك بسخرية: يا حبيبة قلبي، أنا ماكنتش رايح اتفسح! أنا كنت بقابل رجالة مافيا، طلعت من مصر على إنجلترا، ومن إنجلترا على روما، ومن روما على مصر في يومين... أنا شايفك عشرة دلوقتي!

وضعت يدها على فمها وانفجرت ضاحكة: بهزر معاك! يا روحي معلش ارتاح وهتكون كويس 

هز رأسه مبتسما وهو ينهض مازحها: طب أنا هروح على الاستراحة، تصبحي على خير الصبح.

تبسمت برقة: وإنت من أهله والخير الصبح!

تحرك مكي مبتعدا عنها، لكنه لم يكد يخطو خطوتين حتى توقف، ثم عاد إليها خطوة وقال: على فكرة إنتِ وحشتيني.

التفتت برأسها، ونظرت إليه بابتسامة لم تستطع إخفاءها، أما هو، فاكتفى بأن غمز لها بعينه، ثم استدار وأكمل طريقه وكأنه لم يقل شيئا.

في اتجاه آخر، عند سليم وماسة.

كانت ماسة تساعد سليم في ارتداء سترته، تتفقد ياقة قميصه وتعدلها بين الحين والآخر، دققت النظر في عينه باهتمام وقالت: شكلك تعبان ومتوتر، ماترتاح شوية؟

أجابها وهو يغلق أزرار معصمه: لا، أنا كويس، خلينا نخلص، أرتاح بعدين

نظرت إليه بضيق خفيف: دايما مستعجل كده.

ابتسم وقال: وإنتِ دايما عايزاني أقعد وأرتاح.

أجابته ببساطة واهتمام وهي تلف ذراعيها حول رقبته بدلال: أيوة، عايزاك ترتاح وتبقي مبسوط.

أخرج زفرة ثقيلة ممزوجة بالضجر، ثم قال:
أنا لو غمضت عيني ثانية، عدوي هيطعني! زي ماحصل زمان! مصطفى انشغل في حياته يومين، وبطل يسمع تسجيلات، فخلى عزت يعرف حاجات ماكانش لازم يعرفها، وغيرلي الخطة!

سألته باستغراب وهي تهبط يدها: حاجات إيه؟!

تنهد، ثم أجاب موضحا: لما حصل موضوع حور، بدأت أدور وراه، لأني بطلت أسيب أي حاجة الاحتمالات، وعرفت إن عزت شاف صورنا وإحنا في خطوبة سلوى ومكي، وشاف حور، وعرف بالحمل وعايز يتأكد حور بنتنا ولا لأ.

اتسعت عيناها، وقالت بتوتر: إنت بتقول إيه؟! وإزاي ماتقوليش حاجة زي كده؟!

تقدم خطوة وأمسك يديها بين يديه يطمئنها: 
حبيبتي، أنا لسة عارف الموضوع ده وأنا مسافر وعلشان كده، أنا هأكد لعزت إن حور بنتنا، وهأكد له كمان خبر الحمل..

اتسعت عيناها بدهشة: طب ليه تغامر وتعمل كده؟

أجابها بهدوء، وهو ينظر إلى الأمام بنبرة مهتزة: عايز أدي له فرصة أخيرة.

تساءلت بشتات: وأفرض ماطلعش قدها؟

نظر لها بابتسامة صغيرة، وهو يمرر أصابعه على ظهر كفها قائلا بحنان: ماتخافيش أنا مش هعمل كده، 
من غير ما اكون واخد احتياطات، بعدين أنا مش هفضل مخبيكي إنتِ وحور طول العمر، من حقكم تعيشوا حياة طبيعية، ومسؤوليتي إني أحافظ على أمانكم، مالكيش دعوة بأي حاجة تانية، زي ماقولتلك إمبارح، إنتِ تبقي مبسوطة وبس. 

نظرت إليه بقلق: حاسة إنك بتجازف.

اقترب منها قليلا، ووضع كفه على خدها قال: بتثقي فيا ولا لأ؟

تنهدت بإبتسامة ثقة وهي تضع يدها فوق يده: أكيد بثق فيك، اعمل اللي إنت شايفه صح، أنا معاك، وعارفة إنك مستحيل تعمل حاجة تأذيني أنا أو أولادنا..
ثم سألته باستفسار: بس معنى كده إنك هتقوله على الحادثة؟ وعلى رشدي؟ هتحكيله كل حاجة؟

أجابها بهدوء، وهو يهبط يده من على خدها: مش بالظبط.

سألته وهي تعقد بين حاجبيها: أمال إيه اللي في دماغك؟

تبسم لها وهو يداعب ذقنها بأصابعه: بصي أنا هنزل أفطر، عشان عندي اجتماع، وزيارات كتير مش هينفع أتاخر، ولما أرجع هنقعد أنا وإنتِ، تحت برجولة ونشرب كوبايتين شاي، وأحكيلك كل حاجة اتفقنا يا أم حور.

تبادلا النظرات لثوانٍ كانت ماسة مترددة قليلا،ثم أومأت برأسها: موافقة، بس لما ترجع هتحكيلي كل حاجة.

اقترب منها ووضع قبلة سريعة على خدها قائلا: كل حاجة وعد.

ابتسمت ماسة وقالت: طب ماتتأخرش بقى، علشان أوضة حور خلصت.

نبهها،وهو يشير إليها بيده، واتجه نحو المرآة ليتأكد من ملابسه: ممنوع تدخلوا الأوضة غير لما أجي، مفهوم؟

ضحكت ماسة: أنا أصلا عايزة أشوفها!

التفت إليها، ثم وضع يده أسفل ذقنها وقال: إنتوا الأتنين هتشوفوها لما أجي، يا قطتي الشقية.

زمت شفتيها بدلال: طب هاتلي كيس شيتوس بالشطة بقى وأنت جاي نفسي فيه.

ضيق عينيه، ووضع يده على بطنها بمزاح: مش إحنا عدينا مرحلة الوحم دي؟

ضحكت: لسة، وأعمل حسابك، الأسبوع الجاي هنروح للدكتور.

أومأ بابتسامة: أنا مش ناسي

ثم وضع قبلة خاطفة على شفتيها وقال: خلينا ننزل.

وقبل أن يخطو خطوة، قفزت ماسة على ظهره فجأة.

نظر إليها من فوق كتفه باستغراب: بتعملي إيه؟!

ضحكت وهي تتمسك به بدلال: يلا نروح نفطر سوا.

هز رأسه مبتسما: يلا بينا يا شقية.

تحرك بها إلى الأسفل، حاملا إياها على ظهره، حتى وصلا إلى السفرة، حيث كانت سحر قد أعدت الفطار،
جلسا يتناولان فطورهما سويا، وبعدها توجه سليم إلى المجموعة، بينما صعدت ماسة لتطمئن على حور. وجدتها لا تزال نائمة، فتركتها ترتاح، ثم نزلت وجلست مع سعدية وسلوى في الحديقة
♥️____________بقلمي_ليلةعادل 
مجموعة الراوي

مكتب سليم 10ص

جلس سليم خلف مكتبه، يتصفح بعض الأوراق أمامه، وهو يحتسي قهوته بهدوء، كان تركيزه منصبا على ما بين يديه، حتى انفتح الباب ودخل عزت.

عزت بنبرة ذات معنى: حمد لله على السلامة.

رفع سليم عينيه عن الأوراق للحظة، ثم أعاد نظره إليها وهو يجيب بسخرية هادئة: الله يسلمك، رجعت بالمعلومات؟

جلس عزت أمامه، ونظر إليه باستغراب متسائلا: معلومات إيه؟

رفع سليم عينيه إليه، وارتسمت على شفتيه ابتسامة جانبية تحمل قدرا من السخرية: أصل الهانم كانت بتقولي إنك هترجع بمعلومات مهمة، عندها يقين غريب إني بعمل حاجة، وإنك هترجع عارفها... ها عرفتها؟

ضحك عزت وهز رأسه: لا، إنت قافل ورقك كويس، إنت تلميذ تفوق على أستاذه، بس أوعى تنكر إنك بتعمل حاجة.

أسند ظهره إلى مقعده قائلا بخبث: وإنت ليه عندك يقين إني السبب في كل اللي بيحصل ده؟

أومأ عزت وهو يقول بتصحيح: أنا ماقولتش إنك السبب في كل اللي بيحصل، بس إنت سايبها تحصل، ونغرق.

رفع سليم حاجبه بدهشة مصطنعة قائلا بمكر: مدهش، وأنا لو بعمل كده! فأكيد فيه سبب! تفتكر إنتوا عملتوا حاجة تخليني أعمل كده؟

نظر إليه عزت طويلا، ثم قال بنبرة فاهمة:
مابيليقش عليك المكر يا سليم.

انفلتت من سليم ضحكة قصيرة، فهما الأثنان يعرفان جيدا أنهما ثعلبان، والمباراة بينهما صعبة

سليم بهدوء، وهو يعيد نظره إلى الأوراق: عايز إيه يا عزت؟

تنهد عزت طويلا، وظلت عيناه معلقتين بفنجان القهوة للحظات، قبل أن يرفع نظره إلى سليم ويتأمله بنظرة فاحصة ثم  قال: إنت عندك معلومات عن طه هيطلق منى ليه؟ خصوصا إنك كنت موجود في القصر وقتها.

ارتسمت على شفتي سليم ابتسامة جانبية، ثم مد يده إلى فنجان القهوة، رفعه إلى شفتيه وارتشف منه قليلا، ثم أعاده إلى مكانه بكل هدوء، قائلا ببساطة: آه طبعا عارف خانته.

تجمدت ملامح عزت للحظة ثم قطب حاجبيه.
خانته؟

أومأ بهدوء غريب: اممم خانته معايا.

ساد الصمت للحظات، كان عزت مذهولا مما يسمع، قبل أن يتابع سليم بنبرة عادية: إنت عارف الفترة دي كنت مخنوق شوية، هي وكل شوية تسألني: مالك؟ فيك إيه؟ ولو كنت سمعت كلامي واتجوزتني، ماكانش كل ده حصل، الصراحة أنا استدرجتها في الكلام، وابنك سمع وطلقها.

أومأ عزت بعدم التصديق: أنا مش قادر أصدق إن منى تعمل كده، أنا عارف إنها طماعة وانتهازية، بس مش للدرجة دي.

هز سليم كتفيه بلا مبالاة: عادي كل حاجة بقت متوقعة دلوقتي.

ضرب عزت بيده على الطاولة بضجر: منى لازم تدفع الثمن.

رفع سليم عينيه إليه، وقال بحزم وتنبيه: هتدفعه بس مش قدام أولادها، مش هينفع تيم ومراد يعرفوا إن أمهم خانت أبوهم، فكّر في نفسية الأولاد الأول! يكفي تخوفها وأخليها تفهم إن اللي عملته مش هيعدى كأن ماحصلش.

تنهد عزت، وهز رأسه بتفهم: مفهوم، بس شكل رفيق وحسام مايعرفوش، خصوصا إننا كنا بنتكلم عن المقبرة وكانوا بيتكلموا عادي جدا.

أومأ بتفهم: أكيد مش هتقولهم حاجة زي دي.

ساد الصمت للحظات، قبل أن يغير سليم مسار الحديث فجأة، وقال بنبرة هادئة: سيبك من منى، في  موضوع أهم..
نظر له عزت بتركيز تابع: عرفت إن عماد هيحول نسبة صافيناز لتيمو!

أومأ بحسرة: امم، عرفت طلع خسيس، بس أنا..

قاطعه سليم: أنا طلبت من باولو يساعدنا ويجيبه مصر.

تغيرت ملامح عزت فورا: هتعمل إيه؟

ابتسم سليم ابتسامة خفيفة مصححة: إسمها هنعمل معاه إيه؟ أنا اتأكدت خلاص إنه شارك إريك في الحادثة، بعلم وموافقة صافيناز. 

عزت بعدم تصدق: إنت متأكد من صافيناز؟

أومأ بمرارة مصطنعة: أيوة متأكد..

ثم أمسك سليم هاتفه ووضعه أمام عزت، ثم بدأ في تشغيل التسجيل، استمع عزت إلى الحديث المسجل بين تيمو وعماد، وبدا الصدمة واضحة على وجهه، بعد انتهاء التسجيل.

رفع عينيه إلى سليم سأله بترقب: وإنت ناوي تعمل إيه؟! سليم ما تتهورش اللعب مع الناس دي فيه خطورة.

أوما ثم قال بهدوء: عارف، عشان كدة لازم تساعدني، هات الورق اللي مسكه على المنظمة، عشان أحمي نفسي.

أومأ بموافقة: هديك اللي إنت عايزه، بس أوعى تعمل حاجة من ورايا خلينا سوا، أنا عارف الناس دي كويس، عائلة التابيلو كبيرة ومش سهلة.

رفع سليم عينيه إليه، سأله: خايف عليا؟

ابتسم عزت ابتسامة صغيرة بصدق: طبعا، إنت ابني.

ساد صمت قصير، قبل أن يتحدث عزت بنبرة أكثر جدية من بين أسنانه: أما صافيناز، فحاسبها حساب عسير، كل فلوسها وكل ما تملك هايتكتب باسمك، هنفيها برة مصر وهخليها لوحدها، ماكنتش أتوقع إن طماعها يوصل للدرجة دي..

ظل سليم صامتا للحظات يتأمل حديثه، ثم سأله عزت فجأة: هي ماسة حامل؟

رفع سليم عينيه إليه وأجابه ببساطة: أمم... حامل واتصالحنا؟

سأله باستغراب: حملت إزاي؟

انفلتت من سليم ضحكة قصيرة: إيه حملت إزاي دي؟!

أوضح عزت سريعا: أقصد، مش إنت مابتخلفش؟!

تنهد سليم، ثم أجاب بهدوء: خفيت وعملت العملية لما كنت مسافر، وأختفيت تلات شهور.

هز عزت رأسه وكأنه استوعب الأمر، ثم قال: كنت شاكك، لإن اختفائك ده ماكانش طبيعي، مبروك، وكويس إنك اتأكدت إنها ماخانتكش.

أجاب بنبرة هادئة: لسه ماوصلتش لكل التفاصيل، بس الرسالة بالنسبة لي كفاية، كمان اللي عشته مع ماسة ومعرفتي بيها تأكدلي إنها مستحيل تعمل كده.

حاول عزت أن يغير الحديث بخبث: ما هو أكيد بعد كل اللي بيحصل لنا ده فيه طرف تالت، حد هو اللي خطف مراتك، وهو اللي حرق المصنع، ودمر كل اللي بنيناه... وضرب رشدي كمان بالنار.

هز سليم رأسه مصححا: لا اللي ضرب رشدي، كان عماد.

رفع حاجبه بدهشة: إنت متأكد؟ وليه عماد يعمل كل ده؟

مد وجهه بخبث يعتمد التلاعب به: واضح إن فيه حاجة بين عماد ورشدي، لو تفتكر، عماد قدامنا كلنا فضحه وقال إنه بيشرب مخدرات، واضح إن بينهم حسابات إحنا لسه ما عرفناش تفاصيلها.

صمت عزت لحظة، يفكر ثم قال وهو يتنهد: تمام يا سليم، عموما ركز في شغلنا، ومبروك على الشغل الجديد اللي بدأت فيه.

ابتسم سليم ابتسامة خفيفة: الله يبارك فيك، جامد إنت برضوا يا عزت، تفتكر أنا اللي عايزك توصل للمعلومات دي؟ ولا إنت بتعرف توصل لها بمزاجك؟

نظر إليه عزت بثبات: إنت شايف إيه؟

سليم بنبرة ونظرة لها معنى: شايف إنك لسه يتخاف منك.

ابتسم عزت بثقة: وأنا برضوا مش هبطل أقولك، إنت تلميذي اللي تفوق على أستاذه بكتير، طول عمرك كده من وإنت صغير، شاطر ومميز... طالع زيي.

تغيرت ملامح سليم قليلا بالم، ثم قال بمرارة: أحيانا التميز بيكون نقمة...يا ريتني كنت عادي، إنت دفعت الثمن إنك لسه لحد دلوقتي شايل وصمت عار إخواتك على ظهرك لما نفيتهم، وأنا إخواتي مابيحبونيش لدرجة إن واحدة منهم اتفقت مع جوزها عشان تقتلني، وأكيد لسه في حاجات كتير هعرفها.

أجابه بهدوء مرير وهو ينظر بعيدا: عندك حق، تميزك كان نقمة، أو يمكن إحنا اللي ماعرفناش نتعامل مع إخواتك صح..

ثم أضاف بجدية وهو يغير الحديث: المهم تاخد بالك من نفسك يا سليم، والنهاردة الورق هيكون عندك، يلا خلينا نروح اجتماعنا.

أومأ سليم: يلا بينا.

نهض سليم وتحرك أولا إلى الخارج، بينما ظل عزت واقفا للحظات.

أنزل عينيه إلى فنجان القهوة، ثم أخذه بحذر وأخفاه تحت سترته، قبل أن يلحق بسليم.

كان سليم قد لمح الحركة من طرف عينه، لكنه تعمد أن يتظاهر بأنه لم ير شيئا.

التفت إليه وقال: بتعمل إيه؟

أجاب ببساطة: ولا حاجة. بقولك إيه؟ هروح أجيب حاجة من المكتب وأجيلك.

أومأ سليم دون تعليق، ثم أكمل طريقه.

انتظر عزت حتى ابتعد، ثم دخل إلى مكتبه وأغلق الباب خلفه.

أخرج الفنجان ووضعه جانبا، ثم أجرى اتصالا سريعا:
شاكر،  تعالى خد الفنجان دلوقتي، عايز النتيجة النهاردة، فاهم؟ أتصرف.

أنهى المكالمة، وظل للحظات يحدق في الفنجان تمتم بحيرة: مش معقول تكون بنته... بس خلينا نتأكد، أخذ نفس عميق ثم تحرك للخارج.

إيطاليا/ مؤسسة التابيلو القابضة12ظ

جلس أريك خلف مكتبه يتفحص بعض الملفات، حين دخل أحد رجاله على عجل.

قال الرجل: وصلتنا معلومات تفيد بأن سليم توصل إلى خيوط تتعلق بالحادثة القديمة، وأصبح شبه متأكدا من تورط عماد وصافيناز فيها، وهو الآن يبحث عن عماد، ويريد الوصول إليه لمعرفة من ساعده.

رفع إريك عينيه باهتمام، فأكمل الرجل: سليم التقى بأكثر من شخص من المنظمة، ودفع لهم مبالغ كبيرة مقابل مساعدتهم، كما أن الخلافات بينه وبين إخواته ازدادت، وصافيناز مختفية منذ فترة، ورشدي دخل مصحة، كل المؤشرات تؤكد أن سليم توصل إلى معلومات مهمة.

سأل إريك بشك: هل أنت متأكد تماما من تلك المعلومات؟

في تلك اللحظة، دخل تيمو وهو يقول: نعم إريك، عماد جاء إليّ بنفسه وأخبرني، لكنني لم أصدقه، قلت له إنه من المستحيل أن يكون سليم قد عرف شيئا ونحن لا نعرف.

ثم أضاف بثقة وهو يجلس: لكن لا تقلق، عماد أعطاني نسبة صافيناز من الأسهم مقابل حمايته، ومن المستحيل أن يتحدث..

إريك بحدة: علينا التخلص من عماد، هو الشخص الوحيد الذي يملكه سليم، ويجب أن نعرف كيف عرف.

تيمو بعقلانية: سليم كان يشك طوال حياته، لكنه لم يكن يملك دليلا مؤكدا.

أومأ إريك بحسم: والآن يملك عماد وصافيناز، ويجب أن نتخلص منهما قبل أن يصل إليهما سليم..

ألقى إريك نظرة على تيمو، ثم أسند ظهره إلى المقعد، وقال بهدوء: لا أريد خوض تلك الحرب مع سليم، لدي أبناء وزوجة الآن، والدخول في مثل هذه الحروب قد يكلفني الكثير..

تابع وكأنه يطلع على أشياء قد تكون لا يراها بنبرة ضعيفة: تيمو، لم نعد كما كنا في الماضي، لم نعد بمفردنا... أصبح لدينا نقاط ضعف..

ثم صمت لحظة، قبل أن يضيف: وسليم الآن سيكون كالذئب الجريح ضرباته قاتلة..

رفع عينيه نحو الرجل الواقف أمامه، والذي بدا كأنه ذراعه اليمنى، وقال بحسم: تخلص من عماد في أسرع وقت... ثم صافيناز.

أومأ الرجل بإيجاب، وانصرف لتنفيذ الأمر.

أحد المنازل التي احتجزت بها صافيناز،4م

كانت صافيناز تجلس في غرفتها، بينما وقف الحراس في الخارج، وبعد قليل، فُتح الباب ودخل سليم 

بابتسامة باردة مستفزة قال: عاملة إيه يا صافي؟

ما إن رأته حتى أسرعت نحوه بضيق: سليم، إزاي تسيبني كل ده لوحدي؟ أنا كنت خلاص قربت أتجنن! أنا كأني محبوسة بالظبط، مابشوفش غير وشوش الحراس والحيطان والدكتور، حتى الجنينة بمواعيد، وربع ساعة بس...

أضاف باستهجان: أنا لازم أمشي من هنا! هتفضل حابسني لحد إمتى؟ أنا بقيت كويسة.

أجابها بهدوء: لحد ما الدكتور يسمح.

ردت بعقلانية وملل: ممكن أكمل علاجي في أي مكان تاني؟ أنا زهقت من هنا.

نظر إليها باستغراب بارد: إيه المشكلة؟ إنتِ محبوسة لمصلحتك، بتتعالجي من الإدمان..

تابع وهو يميل برأسه بازدراء: وبتعيشي نفس المصير اللي بسببك ماسة عاشته سنة كاملة، ما هي ماسة برضوا فضلت محبوسة في الفيلا سنة..

صمت لحظة، ثم تابع بسخط بارد: أصل أنا نويت أعيشكم نفس اللي أنا ومراتي عشناه بالظبط لا أكتر ولا أقل، هي اتحبست سنة، وعاشت في ترهيب وخوف لمدة سنتين، يعني معدل تلات سنين، فإنتِ لسة قدامك وقت.

هزت راسها بسرعة تحاول إسقاط التهم على غيرها: أنا ماليش دعوة، عماد، هو اللي عمل كل ده.

وضع يده أسفل ذقنه متصنعا الاندهاش: عماد عامل إيه؟

قالت بتلعثم: هو... هو اللي كان بيفكر في كل حاجة.

حدق بها متسائلا: وإنتِ كنتِ بتسمعي كلامه وماشية وراه؟

أجابته بضعف: علشان كنت بحبه.

أومأ بسخرية، يعتمد استفزازها: وهو سافر مع مراته، وقبل مايسافر غرز المخدرات في جسمك عشان تموتي ويورثك، وصحيح، نقل كل الأسهم باسم تيمو.

اتسعت عيناها بصدمة، قالت: إنت بتقول إيه؟

ابتسم ابتسامة قصيرة لم تصل بعينه: ما أنا عرفت، عرفت كل حاجة.

ثم قالت بإنفعال، وكأنها تحاول تغيير الحديث: بس إنت لازم تقتله! ولازم تسيبني أخرج من هنا عشان أقتله! إنت متأكدتش من موضوع بنتك؟ أوعى تكون فاكر إن خلص على الموضوع بنتك وبس!

نظر إليها طويلا بصمت، وكأنه يتعمد دفعها للكلام أكثر، قال بهدوء مستوحش: أكيد عارف إن عماد عمل حاجات أكتر بكتير، وعشان كده مش هقتله بسهولة، هستنى لما أعرف كل حاجة، وبعدين أعاقبه، الراحة مش للناس اللي زي عماد! اللي زيه لازم يفضل عايش ويواجه نتيجة اللي عمله.

اقتربت منه بإصرار بنظر شرسة: بس إنت لازم تنتقم منه يا سليم! تنتقم من كل حاجة عملها فيك، فيا، ده عمل فيا زي ما عمل في رشدي.

توقفت عينا سليم عندها قال متعجبا: رشدي؟ هو الموضوع فيه رشدي كمان؟

هزت رأسها، وكأنها أدركت أنها قالت أكثر مما ينبغي ابتلعت ريقها: أيوة، أنا وعماد كنا بنحط لرشدي المخدرات في العصير، وفي أي حاجة بيشربها.

ظل صامتا، يحدق فيها دون أن يظهر على وجهه شيئا،  تابعت بضجر واضطراب: هو عمل فيا زي ماعملنا في رشدي، لازم يدفع الثمن! لازم تخليني آخد حقي بإيدي، أرجوك يا سليم، خليني أجيب حقي بنفسي.

سألها ببرود: وأساعدك ليه؟

نظرت إليه بثبات، وقالت بطريقتها المعتادة: عشان مصلحتك معايا.

مالت شفتيه بابتسامة قال مستنكرا: مصلحتي معاكي إنتِ؟

أخذت نفسا عميقا، ثم نظرت إليه بتلك النظرة القديمة التي طالما عرفها سليم، وقالت بمنطق غلب عليه الحقد والشر: أيوة، طبعا، لما تحط إيدك في إيدي وننتقم أنا وإنت من عماد، دي مصلحة، أوعى تكون فاكر إن الموضوع وصل لحد إنه خد بنتك وخطفها وهي عايشة وبس، كل حاجة حصلتلك زمان كانت بسبب أفكاره..

صمت سليم وكأنه يريد أن تعترف بكل شيء، فتابعت على ذات الوتيرة: هو اللي خطط للقضية بتاعة الزنا، عشان يشكك في أخلاق ماسة، وهو اللي خطفها زمان باتفاقه مع محمود عبد القادر، استغل إن محمود كان عايز ينتقم منك بسبب أبوه، وعمل كده، وهو اللي راح اتفق مع إريك علشان الحادثة، عماد هو السبب في كل حاجة حصلتلك.

ثم ابتسمت ابتسامة مُرة ممزوجة بألم: ودلوقتي بدأ ينتقم مني أنا كمان، فزي ماقولت، الراحة في الموت، وأنا عارفة إنك مش هتقتله بإيدك، فخرجني من هنا وأنا هخليه يتمنى الموت، مش هقتله مرة واحدة، هخليه يعيش اللي أنا عشته ثانية بثانية.

تابعت بعينتين مشتعلتين بالحقد والضجر تحاول أن تقنعه، قالت بشيطانية: أنا أعرف حاجات كتير عنه،  خرجني من هنا، وهنشتغل سوا، إحنا الاتنين عدونا واحد، إحنا إخوات، أوعى تنسى أننا عيلة واحدة، والعيلة لازم دايما يبقوا في ضهر بعض، وسند لبعض، زي ما دايما الباشا كان بيقول لنا، العيلة هي السند، هي الرابط القوي ضد أي حد.

ظل سليم يستمع إليها بهدوء غريب، وفجأة أنفجرت  ضحكة عالية بسخرية من حديثها، تحرك خطوتين مبتعدا عنها، ظلت صافيناز تتابع خطواته باستغراب، حتى ألتفت إليها: عارفة يا صافيناز؟ أحيانا بسأل نفسي: ليه عملتِ كده؟

اقترب منها قليلا، وقال بحيرة: رشدي كان عنده سبب، المقارنات اللي كانت بتحصل زمان أثرت فيه، فخليته يكرهني، ده غير المعاملة القاسية اللي كانت الهانم بتتعامل بيها معاه، هو كل ده مش مبرر أكيد! بس إسمها عنده سبب!

صمت للحظات، وظل يتأملها باستغراب، وكأن ملامحه تسبق لسانه عن سؤال لم يجد له إجابة، عن سبب يجعله يفهم كيف استطاعت أن تحمل كل ذلك الحقد في قلبها، وأن تعيش بكل هذا السواد طوال تلك السنوات واصل:  لكن إنتِ؟ إيه مشكلتك غير إنك اشتريتي واحد باعك بأرخص تمن؟ بعتي اخوكي واشتركتي في قتله وتدمير حياته علشان عماد؟!

تغيرت ملامحها قليلا وابتلعت ريقها، بينما تابع سليم بمرارة بعينين ألتمعتا بدموع: أنا عمري ماذيتك! وماكانش بينا حاجة زمان تخليكي تعملي فيا كل ده؟ ليه كل الكره ده؟! وعلمك كل اللي اعترفتي بيه أنا عارفه، عارف أنك كنتي مشتركة مع عماد..

ابتسم بسخرية: مش بقولك عرفت كل حاجة خلاص! فماتحاوليش ترمي كل الإتهام على عماد، ولعلمك كل اللي بيحصل ده! أنا اللي عامله.

اتسعت عيناها بصدمة، بينما اقترب منها أكثر، حتى أصبح وجهه قريبا من وجهها، وقال بنظرات حادة: وبما إنك صحيتي وبقيتي بتركزي، والنظرة القديمة رجعت تاني، يبقى نلعب على المكشوف يا صافيناز الراوي...

هز رأسه بابتسامة مستفزة، ثم أضاف: أنا مش هخليكي تقربي من عماد، عشان غلك يكلك، أصل إحنا عارفين بعض،؟ أخوات بقى..

تابع ببرود أكثر يعكس مدى قوته: إنتِ عارفة نقطة ضعفي ماسة، وأنا عارف نقطة ضعفك: غلك وحقدك.
السم اللي جواكي هو اللي هياكلك لو ماخدتيش حقك..

تابع بهمس كفحيح: وعلشان كده أنا مش هديكي إللي إنتِ عايزاه..

نظر إلى الحائط ثم عاد بعينيه إليها: هخلي شاشة هنا، وهخليكي تشوفي عماد وهو رايح جاي مع مراته وعياله، مبسوط، وإنتِ تتفرجي عليهم، وتتفرجي كمان على اللي أنا هعمله بإيدي أنا، مش بإيدك.

شهقت وهي تدفعه بعيد عنها: إنت مجنون!

لم يهتز، بل أمسك كتفها وأقربها منه قليلا، وتحدث بنبرة ثابتة مرعبة حتى جعلت احشائها ترجف:
هتفضلي محبوسة هنا تلات سنين، مش هتشوفي الشمس غير من الشباك الصغير الحديد ده، ولما نخلص التلات سنين، ساعتها نتفاهم على العقاب الجديد..

ثم ابتسم ابتسامة باردة: ده كان عقاب ماسة، وحق ماسة، لسة حقي أنا كمان وأنا مش مستعجل..

أتجه نحو الباب، ثم توقف للحظة وقال: ده لو قدرتي تفضلي عايشة..

ثم التفت إليها بإبتسامة مستفزة: سلام يا صفصف. 
وعلى فكرة، دي آخر مرة هتشوفيني فيها، وآخر مرة هتشوفي فيها أي حد مننا، أنا ناوي أخدك من هنا، وهوديكي مكان محدش يعرفه غيري.

قال كلماته وتحرك خطوتين، بينما كانت صافيناز تنظر إليه بعينين تحملان بغل وحقد، وقد قبضت كفيها بقوة، لكن قبل أن يخرج، أوقفه صوتها.

جاء صوتها هذه المرة مختلفا، مريرا، ممتلئا بكل ماخفته لسنوات: كنت عايزني أعمل إيه يا سليم؟

توقف مكانه، لكنه لم يلتفت، تابعت بنبرة لازعة: أنا ماتعلمتش أحبك، ولا علمونا نحب بعض، ماعلموناش غير إننا نبقى أحسن من بعض، لما كل واحد فينا ينجح في حاجة، ماكانش بيتقاله: إنت شاطر، برافو عليك! تؤ، كانوا يبصوا لأخوه ويقولوا: شايف أخوك عمل إيه؟ خليك زيه، وأحسن منه يا فاشل، حتى فريدة وياسين اللي الكل بيقول عليهم أحسن مافينا، بتوع مصلحتهم، ولو جه الطوفان، هيقولوا نفسي نفسي، خاصة فريدة، سلبية، الباشا كان دايما يقوللي خافي من الساكت أكتر ماتخافي من اللي بيتكلم كتير..

التفت إليها ببطء، ووصلت وهي تضحك بمرارة: أيوة، أنا كنت الأقرب للعيلة، الأقرب للهانم، بس الهانم ماعلمتنيش أحب، علمتني أبص على الناس من فوق وبس، علمتني أبقى أحسن من الكل، وماحدش يبقى أحسن مني..

ثم أرتفع صوتها، وعيناها تمتلئان بالحقد، بضجر: كنت عايزني أعمل إيه لما تجيب خدامتي وتخليها هانم عليا؟ لما أشوفك بتحبها وبتتمعشق فيها؟ وإنك بتعمل كل حاجة علشان تشوفها مبسوطة، حتى لو على حسابك، وأنا جوزي كان بيعاملني المعاملة دي ! مش حنين ولا مهتم بيا؟

أختنق صوتها بالحقد واصلت: خدامتي اللي كانت بتغسل لي رجلي وبتقول لي: يا صافيناز هانم، تجيبها وتخليها الهانم؟ البنت الجاهلة الحقيرة بقت هانم، والناس بتحترمها وبقت شاطرة وبقت زينا بالظبط؟

اقتربت منه وهي تقول بعينين مشتعلتين بأنفاس متعالية: كنت عايزني أعمل إيه ها؟ 

تابعت وهي تضغط على أسنانها الأمامية وكراهية شديدة: أكيد كنت هبقى عايزة أقتلها وأذلها وأحتقرها!

سكتت لحظة، ثم قالت بمرارة بعينين اغرورقت بدموع: ولما حملت وسقطت وشلت الرحم، وبقيت فرصتي في الحمل معدومة؟! وهي كانت حامل؟ خادمتي هتبقى حامل وهتجيب أولاد، وهيتقالها ماما، وأنا صافيناز الراوي مش هكون أم؟

ارتجف صوتها، وتابعت بغل بارد، وهي تضغط على أسنانها وتقبض يدها بقوة: كان لازم أحرمها هي كمان، علشان كده لما عماد قاللي إن بنتك اتولدت عايشة، قلتله: أقتلها، بس الغبي قلبه ماستحملش، وقالي: ماقدرتش طفلة صغيرة..

رفعت عينيها إليه، وتابعت بنبرة أكثر قسوة: أنا لو كنت مكانه، كنت وقفت قدام سريرك وذبحتها يا سليم، وصورت الفيديو وخليته لليوم ده، عشان أحرق قلبك وقلب ماسة عليها..

كان يستمع لها بذهول، وعيناه تلمعان بدموع محبوسة، لم يكن متأثرا بكلماتها، بقدر ما كان عاجزا عن استيعاب حجم الحقد الذي تحمله في داخلها.

تابعت بغل أشد، وهي تصيح وتشير بيديها: كان لازم أعمل كل حاجة عشان أرجعها زي ما كانت، خدامة، كان لازم أشوفها مكسورة، وتعبانة، ومش سعيدة.

ثم صاحت بإنفعال، وقد أشتعل الحقد في عينيها: ليه هي جوزها يحبها ويدلعها أكتر مني؟! اشمعنى هي جوزها يتحدى الدنيا علشانها ويحضن الموت بس مايحصلهاش خدشة وأنا لا؟! هي تكون أم وأنا لا؟!  الخدامة يتعمل معاها كل ده وأنا لا؟! هي أحسن مني في إيه؟! اتعلمت أحسن مني؟! شكلها أحسن مني؟! 

أخذت نفسا متقطعا، ثم تابعت بصوت أكثر غرورا: أنا هانم... اتولدت هانم وهموت هانم، وهي خدامة، ولازم تفضل عايشة زي الخدامين الرعاع اللي زيها، ماينفعش خدامة تبقى أحسن مني، ولا تعيش أحسن مني...

رفعت عينيها إليه بتحدي، وأضافت: فإنت ليه مصدوم؟! أوعى تكون فاكر نفسك أحسن مننا! إنت زينا بالظبط، إنت كمان فيك سم عيلة الراوي.

اقتربت منه خطوة، وكأنها تريد أن تلقي في وجهه كل ماظل عالقا بداخلها: إنت لو كنت عاقل شوية، ماكنتش عملت اللي عملته في ماسة، ماكنتش ضربتها، وماكنتش صدقت إنها خانتك، ماكنتش حبستها سنة، ولما اكتئبت بدل ماتوديها الدكتور وتطبطب عليها، ضغطت عليها أكتر، إنت اللي كنت مخليها صيدة سهلة في إيدينا يا سليم، بسبب كبريائك وغرورك، إنت السبب الأساسي في كل اللي حصل لماسة مش إحنا..

رمش بعينه ويبدو أن آخر كلماتها هزت استقراره، بينما ضحكت بسخرية مريرة تابعت: إنت عارف إحنا وصلنلها إزاي؟ بسبب غرورك، إنت دايما مش شايف حد، وفاكر نفسك فوق كل البشر، بس في الآخر إحنا كلنا قدرنا عليك..

سكتت للحظة، ثم تابعت بنبرة أكثر مرارة: وإنت كمان ماحبتنيش، يمكن آه، مافكرتش تأذيني، بس ماحبتنيش، كام مرة جيت قولتلي نبقى إخوات؟ كام مرة طبطبت عليا؟ مرة؟ مرتين؟ وبعدين؟ مافيش..

حدقت فيه طويلا، وقالت: إنت كمان زينا يا حبيبي، أوعى تكون فاكر نفسك مختلف أو تفكر نفسك برئ.

ظل سليم ينظر إليها وكأنه يسمع للمرة الأولى حجم السواد الذي أخفته خلف قلبها سنوات، لم يجبها فورا، بل ترك الصمت يمر بينهما للحظات.

ثم اقترب منها عدة خطوات، وقال بهدوء ثقيل:
صح، أنا ماكنتش نضيف، بس قعدت أدور على الطريق لحد ماوصلتله، إنما إنتوا ماحاولتوش حتى تنظفوا نفسكم، عجبكم تفضلوا جوة السم.

ثبت عينيه في عينيها، وتابع بنبرة هادئة لكنها حاسمة: وإنتِ واقفة قدامي، وحاطة عينك في عيني، وبتقوليلي إنك حقودة وإنك ماتعلمتيش غير كده؟! كان ممكن تتعلمي يا صافيناز، بس إنتِ اللي اخترتي تفضلي كده..

اشار بيده بنبرة حادة: وأوعي تلوميني إني ماقربتش منك؟ أنا قربت، حتى لو مرتين تلاتة زي مابتقولي! أهو أنا خدت الخطوة، في الوقت اللي إنتِ كنتي بتقعدي فيه مع جوزك، وتفكروا إزاي تطعنوني..

اقترب منها خطوة، وقال بثبات: ولو أنا كنت السبب في كل ده زي مابتحاولي تقنعيني، وشايفة نفسك نظيفة، مافكرتيش تاخدي خطوة ناحيتي ليه ها؟ عارفة ليه لأنك بتقولي إي كلام تجملي بيها جرمتك..

ثم هز رأسه رافضا وتابع: أنا مش هكون الشماعة إللي هتعلقوا عليها سمكم وأخطائكم، كل واحد فيكم مسؤول عن اختياراته، وعن اللي عمله بإيده.

سكت لحظة، ثم قال بمرارة: وبعدين، بتحاسبيني على حبي ليها؟ بتحاسبي ماسة عشان اتجوزت راجل بيحبها ويقدرها؟ علشان عاشت حياة إنتِ كنتي نفسك تعيشيها؟

ازدادت نبرته هدوءا، لكن كلماته أصبحت أثقل:
هو ده ذنبها في نظرك؟ إنها كانت سعيدة؟ إنها لقت حد يحبها؟

رفعت عينيها نحو لوهلة ثم شاحت بها بعيد بينما تابع سليم متسائلا: طب ليه مانتقمتيش من عماد؟ هو اللي ماكانش بيحبك، ولا كان بيعاملِك حلو، وازاي عملتي كل ده عشانه وانت بتقولي أن هو ما كانتش بيعاملك زي ما انا ما كنت بعمل ماسة؟!

رفعت عينيها نحو بنبرة مهتزة: كنت فاكرة لو نفذت كل حاجة بيقولها هيحبني زي ما إنت بتحب ماسة. 

هز رأسه نافيا بعدم اقتناع: تؤ إنتِ ماكنتيش عايزة تنتقمي من ماسة عشان أنا حبيتها، أو علشان تنفذي الكلام عماد فيحبك اكتر؟!  إنتِ ماكنتيش عايزة تشوفيها أحسن منك، عينيكي ما كانتش قادرة تشوف ماسة الخدامة بنت سعديه الخدامة ومجاهد المزارع،بقت عايشة معاكي في نفس القصر وبتاكل معاكي على نفس السفرة،  وبتتعامل معامله تتمني نصها..

اقترب أكثر قال بنبرة لازعه: و بدل ماتتشطري على  وأحد ماشافكيش ست، ولا شافك زوجة، أتشطرتي على الشخص مالهوش ذنب.

جز على أسنانها بضجر دون رد، بينما تبسم سليم بشماتة تابع: عارفة؟ أنا مبسوط إن عماد عمل فيكي كده، لإن واحدة بالسواد ده، صعب حد يحبها أعتقد إنك اديتي له أكتر بكتير من اللي سارة اديتيهوله! بس سواد قلبك مش هيخلي حد يحبك.

تراجع خطوة ونظر لها باستحقار: إنتِ آخرك تعيشي لوحدك بالسواد اللي جواكي، لحد ما هو نفسه ياكلك..

ثم قال بصدق مر: وبرغم إني اتأذيت منك ومن رشدي؟!  لكني أحيانا بشفق على رشدي.

ثبت عينيه عليها: لكن إنتِ؟ مش عارف أشفق عليكي، كنت فاكر إن ممكن المقابلة دي تهزني شعرة بس إنتِ قتلتيها..

توقف للحظة، ثم قال بكراهيه: إنتِ حقيرة اوي يا صافيناز.

استدار نحو الباب، وقال دون أن ينظر إليها بسخط: نتقابل بعد تلات سنين.

ثم خرج وأغلق الباب خلفه.

انفجرت صافيناز في الصراخ، واندفعت نحو الباب تضرب عليه بيديها: سليم! خرجني من هنا! سليم!
سليم.. سليم..

لكن خطواته ابتعدت، بينما ظل صوتها يتردد خلف الباب

خرج سليم من المنزل بخطوات هادئة، لكن ملامحه كانت تحمل شيئا من الضيق والوجع الذي عجز عن إخفائه.

كان الحراس في انتظاره أمام السيارة، وما إن اقترب منهم حتى توقف وقال بلهجة حاسمة: ماحدش يخرجها من الأوضة، تفضل محبوسة هناك، وياسر ما يروحش لها تاني هي بقت كويسة، ومش محتاجة غير الأكل والشرب..

أومأ أحد الحراس بإحترام: أمرك يا سليم بيه.

تابع سليم بتضجر: الأكل يدخلها من تحت الباب،  ومش عايزها تشوف الشمس. كل شهر الأوضة تتنضف، وبعدها ترجع زي ما هي، ومن النهاردة تتعامل كأنها في زنزانة منفردة.

أومأ الحارس: حاضر يا باشا.

لم يضف سليم شيئا، بل فتح باب السيارة وصعد إليها.

وقبل أن يغلق الباب، ألتفت إلى عرفان الذي كان يستعد للصعود معه.

سليم  بحسم: أنا اللي هسوق خليك مع رجال عايز اكون لوحدي.

نظر إليه عرفان للحظة، ثم أومأ: حاضر يا باشا.

تحرك الحراس إلى سياراتهم، وانطلقت سيارة سليم في المقدمة.

ظل يقود بلا هدف، وعقله عالق في كلمات صافيناز واعترافاتها كان الحقد الذي حملته طوال تلك السنوات أثقل مما توقع، وكل كلمة منها تركت أثرا موجعا بداخله.

توقف أخيرا في مكان هادئ ومرتفع، وأطفأ المحرك، ظل للحظات خلف المقود، ثم ترجل وأخذ نفسا عميقا محاولا تهدئة نفسه، بقي واقفا لبعض الوقت، يستعيد هدوءه، لكن الألم ظل واضحا على ملامحه، لمعت عيناه بالدموع، فمسحها سريعا، ثم هز رأسه وكأنه يحاول التخلص من الثقل الذي استقر في صدره.
وبعد وقت..
استدار نحو السيارة، وقبل أن يصعد التفت إلى الحراس وقال:  يلا بينا على المصحة.
وانطلقت السيارات من جديد.

الفيلا التي يقيم بها مصطفى5م

جلست آلاء في غرفتها تذاكر وهي ترتدي ملابس منزلية بعد قليل.

طرق أحدهم الباب قالت: مين.

جاءها صوت عائشة من الخارج: أنا يا لولو، ومعايا إيهاب.

رفعت عينيها مسرعه: استنوا لحظة.

نهضت آلاء سريعًا، ارتدت الإسدال وغطت شعرها، ثم قالت: أدخلوا.

دخلت عائشة يتبعها إيهاب، وأغلقت آلاء كتابها وهي تنظر إليهما بابتسامة.

عائشة بلطف: فاضية؟

أومأت: آها أقعدوا.

جلس إيهاب وقال بهدوء: مش هنطول عليكي علشان عندك مذاكرة، بس جايين نطمن، عملتي إيه إمبارح مع مصطفى؟ امبارح ماعرفناش نسالك، أنا كان عندي شغل وعائشة كان عندها امتحان.

تنهدت آلاء وهي تزم شفتيها ييأس: مافيش جديد، اتكلمنا شوية وإحنا في العربية، بس كان رسمي أوي، وإحنا راجعين حاولت أفتح معاه أي كلام، حتى قولت له يعزمني على الغدا علشان نتكلم شوية، بس برضوا حاسة إنه حاطط حدود، مش عايز ياخد راحته معايا زي زمان.

نظرت إليها عائشة وسألتها بمكر: قولتيله يا مصطفى ولا يا دكتور؟

رفعت آلاء حاجبها: هتفرق يعني؟

ضحك إيهاب: يعني... ممكن شوية.

تنهدت آلاء وقالت بإحراج: بصراحة قولتله يا دكتور، بس خلاص هقوله يا مصطفى، بس والله دكتور دي بتطلع في لساني كده غصب عني.

عائشة بمزاح وهي تضربها على فخذها: لا يا أختي، ماتخليهاش غصب عنك، المهم ماتيأسيش، ده طبيعي، مصطفى زعلان منك جامد.

هزت آلاء رأسها: عارفة.

تدخل إيهاب:وللحق كنتي بتعامليه معاملة وحشة أوي، فلازم تصبري.

خفضت آلاء عينيها وقالت بهدوء: والله عارفة يا إيهاب، وفعلا ندمانة، بس أكيد فاهمين مش هنفضل نعيد ونزيد في نفس الكلام.

ابتسمت عائشة: إحنا مش بنعيد ولا بنزيد. إحنا بس بنقول لك خليكِ زي ما إنتِ وما تيأسيش، وبعدين استغلي إنك بتقعدي معاه، اطلبي منه يذاكرلك، هو قاعد تحت ومش بيعمل حاجة أنزليله.

ابتسمت آلاء: خلاص ماشي.

سألها إيهاب: طب قولتيله على الشغل؟

أومأت بتوضيح: آه. بس قالي بلاش موضوع مستشفى شمس الحياة، عشان مش عايز يتقل على سليم. هيشغلني معاه في المستشفى الجديدة اللي هو بيشتغل فيها، بس بعد ما أخلص امتحاناتي.

عائشة بمرح: طب يلا أنزلي دلوقتي، أنا عاملاه كوبايتين ليمون وحطاهم في المطبخ، ومعاهم كيكة. خديهم روحيلو بيهم قوليله أنا عملت لك كيك وليمون تعالى ذاكرلي. 

ضحكت آلاء: حاضر.

عائشة بمكر محبب: وسألية هي مين الدكتورة سمر دي اللي قعدت تكلمه نص ساعة؟

سألتها بدهشة: هي مين سمر دي أصلا؟

عائشة ببساطة: مانعرفش، واحدة قعدت تكلمه حوالي نص ساعة، وحتى كان بيهزر معاها.

رفعت آلاء حاجبها ببطء: بيهزر معاها؟

تبادل إيهاب وعائشة نظرة سريعة، ثم ابتسم إيهاب:
أهو ده اللي إحنا عايزينه... النظرة دي.

تبسمت آلاء وهمت بالوقوف وهي تقول: خلاص، أنا هنزل تحت دلوقتي.

وبالفعل أخذت آلاء كتابها وخرجت للخارج 
ما إن اختفت عن أنظارهما، حتى تبادل إيهاب وعائشة النظرات.

تنهدت عائشة بضيق: الحوار ده مش نافع، هيطول وهيبوخ وهيبقى ممل، أخوك تنح، لازم يتحط قدام الأمر الواقع عشان ينطق، وهي كمان رخمة، مش هتتكلم غير لما هو ينطق، إحنا لازم نحطهم قصاد بعض، وساعتها يا إما هو ينفجر ويقول لها: «إنتي عايزة إيه مني بالظبط؟»... يا إما الأتنين يفضلوا ساكتين لحد ما نموت إحنا.

ضحك إيهاب، قبل أن يلاحظ شرودها المفاجئ.
إنتي سرحتي في إيه؟

سكتت لحظات، ثم ألتفتت إليه وقد لمعت عيناها بفكرة: عندي فكرة.

رفع حاجبه: خير؟

تبسمت وهي تقول: كنت لسه بقرا رواية إمبارح، البطل خد البطلة مكان وعمل لها مفاجأة، إيه أجرب نجرب الفكرة عليهم.

رفع إيهاب حاجبه: هو إنتِ مش عندك امتحانات؟

أومأت بلا مبالاة: عندي، بس لازم أفصل شوية..

ثم بدأت تتحدث بحماس: المهم أنا هكلم ماسة وأخليها تدينا مفتاح مكان من الحاجات اللي عندهم، ونجهز لهم مفاجأة، وكل واحد فيهم يجيب هدية للتاني.

ضحك إيهاب: وإيه الحاجة.

تابعت على ذات الحماس: بسيطة! نضحك على مصطفى ونقول له إن ده عيد ميلاد آلاء، ونضحك على آلاء ونقول لها إن ده عيد ميلاد مصطفى نجيبهم الاثنين المكان نفسه، ونسيبهم لوحدهم.

ثم ابتسمت بسخرية يائسة: وساعتها بقى... يا إما يرجعوا لبعض، يا إما يرجعوا مطلقين.

ضحك إيهاب: يخرب عقلك.

رفعت حاجبها بثقة: المهم، معايا ولا إيه؟

ابتسم إيهاب وهو. يضرب كفه بكفها: معاك يا كبير.

في إتجاه آخر...

اقتربت آلاء وهي تحمل بين يديها صينية عليها الليمون والكيك وبعض الكتب، بينما كان مصطفى يجلس على الأريكة يقرأ كتابا علميا: مساء الخير.

رفع مصطفى عينيه إليها، وأسرع في تعديل وضع الطاولة أمامها، ثم أشار إليها لتضع الصينية عليها وهو يقول: مساء النور.

وضعت الصينية أمامه وقالت بابتسامة خفيفة: عملتلك كيك وليمون، وجبت معايا الكتب.

قال باقتضاب: شكرا

جلست إلى جواره، وساد بينهما صمت قصير، قبل أن ترفع عينيها إليه بتردد: مصطفى؟

رفع عينيه إليها: نعم؟

ترددت لحظة قبل أن تبتسم: ممكن تشرحلي الجزئية دي.

رفع عينه نحوها لثواني، مازال يحاول يفهم تغيراتها، ثم قال: حاضر.

أغلق الكتاب. اقترب منها، بدأ يشرح لها بهدوء، وكانت تستمع إليه باهتمام، قبل أن تقول فجأة:
وحشتني الطريقة دي.

توقف لحظة ونظر إليها.

ابتسمت بتوتر: قصدي، وحشني إنك تشرح ليا زي زمان.

ساد صمت قصير.

ثم عاد ينظر إلى الكتاب وقال بهدوء: خلينا نخلص مذاكرة.

ابتسمت آلاء رغم إحباطها البسيط: حاضر يا دكتور.

واصل مصطفى مذاكرته بهدوء ورسمية، ولم يمنحها مجالًا لفتح أي حديث آخر، وكأن كل ما يربطه بها في تلك اللحظة لا يتجاوز حدود المجاملة.

ظلت آلاء صامتة، تراقبه للحظات، وقد بدا لها أن كان غضبه منها أكبر بكثير مما كانت تتوقع، لكنها لم تيأس.

ففي قرارة نفسها، اتخذت قرارا واضحا... ستواصل المحاولة، مهما طال الوقت، مؤمنة أن الوقت وحده قادر على أن يخفف ما بينهما، وربما يعيد إليها مصطفى الذي افتقدته.

المصحة6م

كان رشدي جالسًا على طرف الفراش، وتبدو على ملامحه علامات الضيق والضجر، لم يكن وجوده في تلك المصحة بإرادته، وكل دقيقة يقضيها داخلها كانت تزيد شعوره بالاختناق.

ومع ذلك، كانت العقاقير التي تُعطى له، تجعله أكثر هدوءا من المعتاد، وتخفف شيئا من حدة انفعاله
وبعد قليل، جاء سليم إلى المكان.

توقف أمام الزجاج، ولم ينتبه إليه رشدي في البداية
ظل سليم واقفا للحظات، يتأمله من أعلى إلى أسفل، وكأنه يرى انتقامه الآن ماثلا أمام عينيه في صورة رشدي؛ وهو يعيش بعض ما عاشه سليم، وإن كان بطريقة مختلفة... الوجع ذاته، والتيه ذاته، والقهر ذاته.

لكن أكثر ما لفت انتباهه كان ذلك الفراغ المحيط برشدي، الوحدة، وهنا تحديدا، أدرك سليم أنه أصاب موضعه الحساس.

كانت هناك سماعة هاتف مخصصة للتحدث مع الموجودين في الداخل.

مد سليم يده نحوها، ثم طرق على الزجاج.

رفع رشدي رأسه، وما إن رأى سليم حتى تبدلت ملامحه، ونهض متجها نحوه بعصبية.

أشار سليم إلى السماعة، أمسكها رشدي بسرعة، وما إن وضعها على أذنه حتى صاح بصوت  عالي بغضب:  خرجني من هنا!

أبعد سليم السماعة عن أذنه للحظة هو يقلب وجهه بانزعاج، بسبب صوته المرتفع، ثم أعادها وقال ببرود مستفز: إيه يا رشدي؟ مالك؟ صوتك عالي ليه كده؟

ضرب بيده على الزجاج، واقترب بوجهه منه قائلا بعروق نافرة: أنا عايز أخرج من هنا!

ابتسم ابتسامة صغيرة، ثم أجابه وكأنه يتعمد الضغط على أعصابه: تخرج ليه؟ مش كنت متفق مع مراتك، أقصد طليقتك، إنك عايز تدخل مصحة علشان تتعالج وتبقى إنسان جديد؟ أهو إديك هنا، وهتبقى إنسان جديد...

صمت لحظة، ثم أكمل ببرود متعمد استفزازه: وبعدين مش أنا اللي جبتك هنا، أنا كنت مجرد فكرة، إنما الباشا والهانم هما اللي جابوك! المفروض تفرح، أخيرا بدأوا يشوفوك زي ما طول عمرك نفسك يشوفوك.

صرخ رشدي بقهر: وأنا مش عايز أتعالج!

هز سليم رأسه ببطء بمنطقية: إنت لسة في البداية، فطبيعي تكون رافض.

سأله بضجر من بين أسنانه: تعالجني ليه؟! المفروض أكتر واحد مايحبش يعالجني، المفروض تسيبني زي ما أنا! بعد كل اللي أنا عملته فيك.

مال سليم قليلا ناحية الزجاج، وقال بهدوء بارد:
ما أنا أخدت منك اللي أنا عايزه خلاص يا رشدي..

مد وجهه، وهو يضيف ببرود: يمكن انتقامي ده بسيط أوي مقابل اللي إنت عملته! بس أعتقد كفاية أوي إنك خسرت مي، وإنك قاعد هنا لوحدك، زي ما 
طول عمرك كنت بتخاف تبقى لوحدك..

ظل رشدي يحدق فيه بصمت قد بدأ يتسلل الخوف 
داخله ابتلع ريقه بتوتر، بينما  تابع سليم وهو يجول بنظره في أرجاء الغرفة، مستمتعا برؤية الخوف يتسلل إلى عينيه.

واصل بنبرة خافضة تثير فيه الرعب: ماحدش بيسأل عليك، ونسيوك، وكأنك ماكنتش هنا..

نظر له رشدي متعجبا من حديثه كيف علم كل تلك المعلومات، فهم سليم تلك النظرة، فارتسمت ابتسامة واسعة جانبية على شفتيه وهو يوضح:
نسيت أقولك؟ أنا كنت بسمع كل الكلام اللي بينك وبين مراتك! أمال إنت فاكر إني عرفت إزاي كل حاجة عن حياتك؟ كنت عايش معاك لحظة بلحظة.

اهتز رشدي قليلا لكنه حاول خفاة، بينما سكت سليم للحظات، وهو يحدق في عينه، يتأمل  ذلك الخوف الذي  يملئ عينا رشدي، بدأ قلبه يخفق بعنف، حتى كاد يشعر أن سليم يستطيع سماع دقاته من خلف الزجاج.

وبدأت عيناه تحترقان بالدموع، فالوحدة، كانت أكثر شيء يخشاه رشدي، كانت نقطة ضعفه التي لم يسمح لأحد أن يقترب منها يوما، تابع سليم بنبرة كجليد: أنا عارف إيه أكتر حاجة بتخوفك يا رشدي؟ إنك تبقى لوحدك، وعلشان كده أنا مش محتاج أقتلك، ولا أكمل إنتقام، كفاية أخليك تواجه أكتر حاجة طول عمرك هربت منها.

أرتبك رشدي، وقال بتلعثم وخوف: إنت مش هتعمل فيا كده!

ابتسم ابتسامة باردة: أنا فعلا عملت فيك كده، وعلى فكرة، فيه حاجة عايز أقولهالك...

نظر له رشدي بتركيز، بينما تابع سليم بنظرة ساخرة لازعة: ثعلوب وحربوقة اللي حطيت إيدك في إيدهم علشان تقتلوني، طلعوا هما اللي خلوك مدمن، مش نيللي الله يرحمها.

اتسعت عينا رشدي: إنت بتقول إيه؟

ضحك سليم بسخرية مفسرا: صافيناز وعماد كانوا بيحطولك المخدرات في أي حاجة بتشربها وإنت قاعد معاهم يا أهبل، وإنت فاكر نفسك مافيش حاجة بتستخبى عليك، وإنك عارفهم، وعارف وساختهم، وهما كانوا بيضحكوا عليك وإنت مش واخد بالك..

اقترب سليم أكثر، من خلف الزجاج، مركزا نظره في عينيه، تابع بسخط ساخر: مش أنا بس اللي كنت عبيط يا رشدي، إنت كمان استغفلوك، عشان ماتجيش تاني وتقولي أنا بس اللي عارف وساخة العيلة، وتقول لمراتي أنا بس اللي هعرف أحميكي منهم، كنت حميت نفسك يا ذكي. 

ظل رشدي ينظر إليه غير مستوعب: إنت بتقول إيه مش فاهم حاجة؟

إجاب بهدوء بارد: اللي إنت سمعته، أختك لسة معترفة ليا بكل الكلام ده.

كان رشدي غير مصدق لما يسمعه، لكنه كان يعلم أنهم يستطيعون فعلها، ارتسمت على شفتيه ابتسامة مرة، تحمل في طياتها قدرًا من الألم والاستسلام.

ساد الصمت للحظات، قبل أن يتحدث سليم بنبرة أكثر هدوءا، يملؤها المرارة: تعرف يا رشدي؟ أنا عمري ماتخيلت إن السواد ده في قلبكم، كنت عارف إن عندكم شر وحقد، بس مش للدرجة دي، بس شهادة حق، صافيناز طلعت أسود منك بمراحل..

ثم نظر حوله إلى الغرفة وقال: عموما دي النهاية يا رشدي، إنك تبقى لوحدك، محبوس بين أربع حيطان، ماحدش فاكر وجودك ولا حد هيفتكرك، زي ما طول عمرك موجود، ومش موجود..

كان رشدي ينظر إليه بعينين سكنهما الدمع والارتجاف، وقد بدا الخوف واضحا في ملامحه رغم محاولته البائسة للتماسك.

اقترب سليم من الزجاج الفاصل بينهما حتى كاد يلامسه، ثم قال بازدراءٍ لاذع: الحيطان دي هتبقى أقرب حد ليك، أقعد كلمها، عشان حتى لو خرجت من هنا، ده لو خرجت أصلا، مش هتلاقي حد فاكرك، ولا حد هيفتح لك حضنه، وهتفضل لوحدك.

سكت لحظة، وركز في ملامحه المنهارة، ثم ابتسم بسخرية وقال: إيه يا رشدي مالك؟ أول مرة تحس إنك ممكن تبقى لوحدك؟ دي النهاية المتوقعة للي زيك.

اشتعل الغضب في عيني رشدي صاح ببحه جهورة: أنا لو خرجت من هنا هقتلك يا سليم! فأحسنلك تقتلني، وماتتمناش خروجي.

هز سليم رأسه بهدوء: وأنا مش هقتلك يا رشدي هسيبك عايش، تواجه كل حاجة عملتها، مستني حكم الإعدام ومش هتطوله. هاتعيش وحيد، وهتموت وحيد..

صمت لحظة، ثم أضاف: ولو افتكروك، هتبقى صفحة سودا في حياتهم، وبيلعنوا اليوم اللي عرفوك فيه، حتى بنتي لما تكبر وتعرف إنت عملت فيها إيه، أكيد هتحتكرك أوي.

شهق رشدي: إنت مش هتقولها!

ابتسم سليم ابتسامة غامضة: يمكن آه... ويمكن لأ.

ثم استدار مبتعدا: سلام يا رشدي  دي آخر مرة هتشوفني فيها، ويمكن تكون آخر مرة تشوف فيها وش حد غير وشوش السجانين إللي هيفضلوا حابسينك هنا لحد ما تبقى كويس..

توقف لحظة، ثم التفت إليه: زي اللي حصل مع ماسة بالضبط؟

ظل رشدي ينظر إليه من خلف الزجاج، بينما تابع سليم: فضلت مابتشوفش غير وشي ووش الحراس بتوعي سنة؟ دوق شوية من اللي دوقته لغيرك..

ثم تحرك سليم مبتعدا دون أن يلتفت خلفه.

في اللحظة نفسها، انفجر رشدي غضبًا، ظل يضرب على الزجاج بعنف، وهو يصرخ بأعلى صوته، ثم أخذ يضرب الجدران والسرير بيديه في حالة من الاضطراب الشديد، وكأنه يحاول إخراج كل الغضب الذي اشتعل بداخله بأي طريقة وهو يقول:
طلعوني من هنا! هقتلك يا سليم! والله لأقتلك!

استمر في ترديد الكلمات نفسها، مرة بعد مرة، بينما أرتفع صوته في أرجاء المكان.

وفي الجهة الأخرى، كان سليم يسير في الممر بخطوات هادئة، ولم يلتفت خلفه.
♥️_________________بقلمي_ليلةعادل.

فيلا ماسة وسليم7م.

عاد سليم إلى الفيلا، وما إن دخل حتى وجد ماسة وحور وسلوى في انتظاره.

ركضت حور نحوه فور أن رأته، فابتسم وحملها بين ذراعيه: عاملة إيه يا أميرتي؟

احتضنته وهي تضحك: وحشتني يا بابا! أنا نفسي أجي معاك الشغل مرة.

ضحك وقبل رأسها: بسم الله ما شاء الله، هو أنا ناقص آخدك معايا كمان؟

ثم اقترب من ماسة، وقبل خدها بحنان عاملة إيه يا عشقي؟

ابتسمت: الحمد لله، كويسة.

جلس سليم بينهم وهو لا يزال يحمل حور، ونظر إلى سلوى: إزيكم؟ أخباركم إيه؟ فين مكي 

تبسمت: أنا كويسة، مكي مش عارفة قالي هيروح يعمل حاجة كدة وجاي. 

التفتت حور إليه مرة أخرى: عملت إيه؟ اتأخرت ساعات كتير.

نظر إليها سليم بابتسامة غامضة: عملت حاجات كتير... بس مش هقولك دلوقتي.

ضيقت عينيها بفضول: ليه؟

اتسعت شفتاه بإبتسامة بغموض: عندي ليكي مفاجأة حلوة جدا.

اتسعت عيناها بحماس: إيه هي يا بابا؟

نهض وهو يقول: تعالي هوريكي 

أخذها معه، وصعدت ماسة وسلوى خلفهما إلى الطابق العلوي حتى غرفة حور.

فتح سليم باب الغرفة، فتوقفت حور مكانها للحظات.
كانت الغرفة مختلفة تماما؛ يغلب عليها اللون الوردي، وفي منتصفها سرير على شكل بيت سندريلا، مصنوع من الخشب بتفاصيل جميلة، وحوله عشرات الألعاب والدُمى.

وضعت حور يدها على فمها من شدة الدهشة:  الله يا بابا... دي حلوة أوي!

ثم أخذت تنظر حولها بسعادة: ده أحلى حتى من الرسمة! وأحلى من إللي كان في خيالي!

اندفعت نحو والدها واحتضنته وقبلته.

ضحك سليم وقال: بس عارفة مين اللي عملك كل ده؟

هزت رأسها: عمو مكي.

ثم التفتت حولها بسرعة: فين عمو مكي؟

جاءها صوته من خلفها: أهو عمو مكي هنا.

استدارت، وما إن رأته حتى ألقت نفسها بين ذراعيه.
ضمها بين ذراعيه: شكرا يا عمو مكي! طلعت حلوة أوي!

ضحك مكي: مافيش أحلى منك... عجبتك؟

أومأت بحماس: حلوة خالص خالص! تعالى بقى نلعب فيها.

أهبطها، فأمسكت يده، ثم أمسكت يد سليم، وسحبتهما معها إلى الداخل.

جلست حور بين ألعابها، وأخذت تتحرك من مكان إلى آخر بحماس، بينما جلس سليم وماسة ومكي وسلوى يتابعونها بابتسامات.

لكن ماسة وحدها لاحظت أن ابتسامة سليم لم تصل إلى عينيه ورغم ذلك، لم تسأله شيئا، فاليوم كان يوم حور.

وظلوا يقضون وقتًا جميلا معا، يلعبون ويضحكون، حتى حان وقت العشاء، فهبطوا جميعا إلى الأسفل وبدأوا في تناول الطعام.

كان سليم يشاركهم الحديث والضحك، لكن ماسة وحدها لاحظت شيئًا مختلفًا في عينيه؛ حزنا خافتا لم يره أحد سواها.

بعد انتهاء العشاء، صعد سليم وماسة إلى غرفتهما.

ساعدته ماسة في تغيير ملابسه، وظلت تراقبه بصمت للحظات.

اقتربت منه وقالت بهدوء: مالك يا سليم؟ عمال تضحك وتلعب مع حور، بس عينيك مش معانا... إيه اللي حصل؟

تنهد سليم بضيق: مخنوق.

اقتربت منه سريعا وأمسكت يده: مالك يا حبيبي؟ إيه اللي خانقك؟

صمت قليلا، ثم قال بنبرة مريرة: رحت لصافيناز. أتكلمت معاها، وقعدت تقولي كلام... كان صعب عليا ما كنتش متوقع إن جواها كل الغل والحقد ده..

سكت لحظة، ثم تابع بصوت مثقل: تعرفي؟ دي أول مرة أحس إني ندمت إني اتجوزتك..

نظرت إليه بتعجب، لكنها لم تغضب، فقد فهمت من نبرته أنه لا يقصدها.

أكمل وعيناه تلمعان بدموع حبيسة، وقد أهتز صوته قليلا: لو كنتي اتجوزتي حد تاني، كنتِ هتعيشي حياة مختلفة، خناقات متجوزين عادية زي ما بتقولي، يرمي هدومه وما يشيلهاش، فتزعلي، يتفرج على ماتش أو مسلسل وإنتِ عايزة تتكلمي معاه، تتخانقوا على مصاريف البيت...وفي الآخر أكبر مشكلة ممكن تحصل إنه يكلم واحدة على الإنترنت وتزعلي منه، إنما وإنتِ معايا... دخلتي في صراعات ما كانش ليكي ذنب فيها..

اقتربت منه، وعيناها تلمعان بالدموع، وقالت بهدوء وهي تمسح على خده: بس أنا ما كنتش عايزة أعيش خناقات متجوزين عادية..

نظر إليها باستغراب، فابتسمت رغم دموعها قالت  بعشق تابعت بمزاح كي تخفف عنه: الصراعات بتاعتنا أحلى، فيها أكشن، وفيها حاجات تحسسني إني عايشة جوة رواية أو فيلم، ده أنا بفكر لما نخلص من كل ده، نحكي قصتنا لأي مؤلف يعملها فيلم أو مسلسل... هتكسر الدنيا.

ابتسم سليم رغما عنه، وضعت ماسة يدها على صدره، وثبتت عينيها في عينيه، وقالت بنبرة ناعمة تريح القلب: سليم، أنا مش عارفة صافيناز قالتلك إيه، بس أنا عارفة إن لسانها زي الأفعى، مهما قالتلك، ومهما حاولت تدخل سمها جواك، أوعى تخلي كلامها يهزك

ثم تابعت بحب وثبات: إحنا مع بعض، وهنفضل مع بعض، وأنا مش زعلانة من أي حاجة حصلتلي، ولو فيه حاجة ممكن أزعل منها وأندم، فهي إني طولت في زعلي، حتى لو كان عندي حق، إنت اعتذرتلي كتير... وكان المفروض أكون أحن عليك.

صمتت لحظة، ثم قالت: أنا بحبك..

تابعت  بمزاح: أضحك بقى يا سلوملوم أنا إللي عندي هرمونات عالية مش إنت 

«نظر إليها طويلا بعينين امتلأتا بعشق صادق، ثم سحبها من كتفها، واحتضنها بقوة وكأنه يريد أن يزرعها داخله وقال بهدوء: وأنا كمان بحبك، بحبك أوي ماقدرش أعيش من غيرك لحظة واحدة.

ظلا متعانقين للحظات، ثم ابتعدت ماسة قليلا، وسحبته معها نحو الفراش.

جلست وأسندت ظهرها إلى ظهر السرير، ثم جذبته برفق من رأسه، وأسندته إلى صدرها، ولفت ذراعيها حوله، وظلت تربت عليه بهدوء، وكأنها تحاول أن تخفف عنه ثقل الكلمات التي حملها معه من تلك الغرفة.

وللمرة الأولى منذ خروجه من عند صافيناز، سمح سليم لنفسه أن يهدأ قليلا.
♥️____________بقلمي_ليلةعادل 
قصر الراوي 12ص

كان عزت جالسا في مكتبه، يبدو عليه التوتر، وكأنه ينتظر خبرا حاسما، بعد قليل، دخل شاكر.

فور أن رأى قال بلهفه: عملت إيه؟ التحاليل ظهرت؟

أومأ بنعم: أيوة يا باشا، اتفضل.

أخذ عزت الأوراق منه، ثم أشار إليه بالانصراف.

كاد أن يخرج لكن أوقفه عزت قائلا: إنت متأكد إن ماحدش يعرف النتيجة؟

هز شاكر راسة بإيجاب: طبعا يا باشا ولا حتى أنا.

هز عزت رأسه ثم قال: طب أخرج إنت 

خرج شاكر، وبقي عزت وحده، ظل ينظر إلى الأوراق بين يديه للحظات، وكأنه يخشى فتحها، أخذ نفسا عميقا، ثم فتح النتيجة وبدأ يقرأ.

توقفت عيناه عند كلمة واحدة ~إيجاب~
سقطت الورقة من بين أصابعه: مستحيل...

نهض من مكانه، والتقطها مرة أخرى، وأعاد قراءة النتيجة وكأنه ينتظر أن تتغير الكلمات أمام عينيه.
البنت الصغيرة... بنت سليم.

لكن كيف؟

هي لا تبدو أكبر من أربع أو خمس سنوات، وسليم كان قد خضع للعملية منذ أشهر.

ظل يتنقل في الغرفة، والورقة بين يديه، وعقله يزدحم بالأسئلة كان هناك خطب ما... شيء أكبر بكثير مما يبدو أمامه، لكن شيئا واحدا أصبح متأكدًا منه: الطفلة ابنة سليم.

رفع هاتفه واتصل بأحد رجاله.. ألو... بقولك إيه؟ لو فايزة اتصلت بيك وطلبت  أي حاجة، تبلغني فورا، أي طلب تطلبه منك، مهما كان، يتقالي الأول، وإلا الحساب هيكون معايا أنا.

أغلق الهاتف، ثم أجرى اتصالًا آخر: ألو... أنا محتاج منك خدمة، أنا قدمتلك خدمات سنين، وجه الوقت تردهالي... عايز حماية لسليم وعيلته، مراته وبنته... ماشي.

أنهى المكالمة، ثم عاد ينظر إلى الورقة. لم يكن يعرف كيف سيصل إلى الإجابة، ولا ما الذي يخفيه الماضي، لكنه كان يعرف شيئا واحدا، هناك سر أكبر بكثير مما يراه.

فتح درج مكتبه، وأخرج ولاعة، ثم أشعل الورقة حتى تحولت إلى رماد، بعدها غادر المكتب

على إتجاه آخر جناح عزت وفايزة.

كانت فايزة تجلس تقرأ بعض الملفات، حين دخل عزت.

رفعت عينيها إليه تسألت: إيه الأخبار؟ جاتلك النتيجة؟

نظر إليها للحظات، ثم أجاب ببرود: أيوة وطلعت مش بنته.

ردت بيقين: زي ما أنا قلتلك إن سليم مابيخلفش، وإنت فضلت مصمم تعرف الحقيقة، بس مين البنت دي؟!

جلس عزت أمامها، وقال بهدوء: طلعوا متبنيينها جابوها شبه ماسة.

تنفست فايزة براحة، ثم سألته: طب والحمل 

أومأ بتوضيح: لا الحمل أكيد..

تبدلت نظراته قال محذرا بحده: بس اسمعي،  لو فيه حاجة حصلت لحمل ماسة هعرف إنك وراها وهحاسبك إنتِ وقتها

فايزة بتصنع: أنا مش فاضية لماسة ولا لحد عندنا حاجات أهم.

رد حاسما بنبرة لا تقبل النقاش: سمعتيني يا فايزة 

زفرت باختناق: سمعتك.

نظر إليها عزت بنظرة غامضة: بس في حاجة أهم. 

عقدت حاجبيها: إيه؟

تنهد بضجر: بنتك.

تجمدت ملامحها: مالها؟

عزت ببطء: بنتك اشتركت مع جوزها في حادثة سليم.

اتسعت عيناها بصدمة: إنت بتقول إيه؟!

أجابها بهدوء: اللي سمعتيه، سليم لما سافر وصل لمعلومات أكدت إن إريك وتيمو اشتركوا مع عماد وصافيناز في محاولة قتله.

هزت فايزة رأسها بعدم تصديق: لا مستحيل، مش معقول.

أجابها بيقين: أنا سمعت التسجيل بنفسي.

سكت لحظة، ثم تابع بنبرة حاسمة قاسية: من هنا ورايح، ماعندناش بنت اسمها صافيناز، صافيناز انتهت بالنسبة لينا،  هتعيش بره مصر، هتتنفي، ومش هاتشوفيها تاني، وأنا هاخد منها كل حاجة وأضمن إنها تفضل بعيدة.

خفضت فايزة عينيها بحزن وهى تقبض على أسنانها: عماد القذر هو السبب في كل ده.

تبسم بمرارة وهو يقول: بنتك كمان غلطت، هي سمعت كلامه ومشت وراه، ومافكرتش أنه اخوها، مكنتش أتصور أن جنون الكرسي يوصلها لكده.

رفعت عينيها إليه، وأقسمت بصدق: والله ما كنت أعرف... أقسملك ما كنت أعرف أي حاجة عن الموضوع ده.

أومأ بتفهم وهو. يتنهد: من غير ما تحلفي، أنا عارف إنك مستحيل تفكري تأذي سليم، وعارف إنك ندمانة على اللي حصل زمان، لكن الفترة الجاية مش عايز أي لعب.

ترددت فايزة قبل أن تقول: إنت ما ينفعش تسيب سليم لوحده... أكيد هينتقم من إريك.

أجابها بحسم: بالتأكيد مش هسيبه لوحده.

قالت بضجر: أنا عايزة أروح لصافيناز.

نظر إليها بثبات: مالهاش لازمة.

ثم أضاف ببرود قاسي: بنتك ماتت بالنسبة لينا... انتهى يا فايزة مش عايز اسمع اسمها تاني.

تبادل النظرات بصمت.

في صباح يوم جديد...

أشرقت الشمس على فيلا سليم وماسة، وبدأ يوم جديد يسير بهدوء. كانت الحياة تبدو طبيعية من جديد؛ حور منشغلة بغرفتها الجديدة، وماسة تقضي صباحها بين ابنتها وأعمال المنزل، بينما واصل باقي العائلة وسلوى يومهما كالمعتاد، وعادت آلاء إلى مذاكرتها، أما مصطفى فانشغل بعمله وحياته اليومية.

وفي المجموعة...

كان سليم يجلس خلف مكتبه يتابع بعض الملفات، بينما جلس مكي أمامه يتصفح هاتفه، قبل أن يرفع عينيه إليه قائلًا: الباشا خلاص اتأكد إن حور بنتك، بس هو مش فاهم إزاي، ما قالش للهانم. لازم تسمع إللي حصل، لإن الموضوع كبير.

رفع سليم عينيه إليه باهتمام، فشغل سليم التسجيل الخاص بعزت في المكتب والحوار الذي دار بينه و بين فايزة.

استمع سليم حتى النهاية، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة، في داخله، شعر بالارتياح؛ عزت لم يخذله.

لكنه قال بهدوء: إحنا برضوا مش عايزين نأمن أوي

أومأ مكي: أكيد، ماتقلقش.

سأله سليم بنبرة لها معنى: الأمانة هتوصل إمتى؟

نظر مكي إلى ساعته: مش قبل3.

أومأ سليم، ثم أعاد نظره إلى الملفات أمامه: طيب، خلينا نركز في الشغل.

ومضت الساعات التالية بشكل طبيعي، حتى جاء المساء...

في أحد المخازن الواسعة.

ساد المكان صمت ثقيل، بينما جلس رجل على أحد الكراسي، يخفي ملامحه تحت غطاء منخفضكان الحراس يحيطون بالمكان وهم يحملون السلاح..

وفجأة، ظهر سليم أعلى الدرج، يهبط الدرجات بخطوات هادئة، يحيط به عدد من حراسه، بينما كان مكي يسير خلفه.

توقف سليم في منتصف المكان، ووقعت عيناه على الرجل الجالس أمامه.

اقترب منه بضع خطوات، ثم توقف، في اللحظة نفسها، تقدم أحد الحراس ورفع الغطاء عن وجهه، ليظهر عماد، وقد وُضع شريط لاصق على فمه.

اتسعت عينا عماد فور أن رأى سليم أمامه.

ابتسم سليم ابتسامة هادئة باردة، وقال: هالو، يا عمدة... وحشتني.

ظل عماد يحدق فيه بصدمة، باتساع عينيه، غير قادر على استيعاب ما يراه.

اقترب سليم خطوة أخرى، ثم قال ببرود: أكيد أنا كمان وحشتك... نورت مصر.
استوووب...



تعليقات
×

للمزيد من الروايات زوروا قناتنا على تليجرام من هنا

زيارة القناة